أمام شقة محمد والد جودي، وقف يدق جرس الباب بقوة. فتحت له امرأة أربعينية بملابس لا تناسب عمرها ومكياج صارخ. نظرت لهيئة الرجال التي تقف بارتعاش قائلة: "إيه في إيه.. عايزين مين؟ أحد حراس قاسم: "لو سمحتي يا مدام عايزين جوز حضرتك." نظرت لهم بخوف قائلة: "ليه؟ قاسم: "لو سمحتي يا مدام بسرعة بدل ما نجيبه بالقوة." لم تستطع التحرك من شدة الرعب من هيئته وهيئة رجاله وحراسه ضخام الجثة ذوي البدل السوداء.
فاقتحموا المنزل وقام أحدهم بجلب محمد من على سريره بالقوة. قاسم: "تؤ تؤ تؤ.. ليه كده بس يا شباب... مش قلت بلاش عنف." أول ما نظر إليه محمد وتعرف عليه فوراً قائلاً بحفاوه: "أهلاً أهلاً قاسم بيه.. مش كنت تقولي وأنا كنت أجى لحد مكتبك والله." قاسم بسخرية: "يا راجل... مانت عارف من كام شهر إني خطبت بنتك الوحيدة وأعلنت إني هتجوزها.. ولا شوفتك سألت عني ولا عنها.... اقعد اقعد... اتفضل يا مولانا."
نظر محمد للحضور فرأى رجلًا ببذلة رسمية ودفتر زواج تقدم للجلوس وسطهم. محمد بذهول: "هو إيه اللي بيحصل." قاسم بجفاء: "إيه هتجوز بنتك.. بس للأسف مفيش قدامي ولي غيرك أحط إيدي في إيده بس مش مهم خليها عليا عشان أوصل لجودي أعمل أي حاجة." محمد بترحاب مقذذ: "ده يوم المنى يا قاسم بيه... ده أنا أجيبهالك لحد البيت." قاطعه بحدة: "اوعى تقرب ناحيتها انت فاهم... نظر للماذون قائلاً: ابدأ إجراءاتك يا مولانا عشان مستعجل."
محمد بابتسامة طمع: "بس مش الأول فيه مهر وشبكة وكده." نظروا له بازدراء فردف قاسم: "مالكش دعوة انت بكل ده... المهر هتاخده في إيدها وشبكتها كمان ده غير الفيلا اللي هتتكتب باسمها والعربية وهقدم لها في جامعة خاصة تكمل فيها تعليمها.. نظر له بجفاء ثم أكمل وهو يخرج دفتر الشيكات من جيبه قائلاً: المبلغ ده ليك عشان تكتب الكتاب."
حرر الشيك بعد الإمضاء وأعطاه لمحمد الذي تهلل وجهه وهو يطلع على الرقم المكتوب ووضع يده في يد قاسم على الفور وأخذ يردد خلف المأذون. زفر براحة كبيرة وهو يقول: "وأنا قبلت زواجها." ثم كلمة المأذون الشهيرة (بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير) ابتسم بارتياح وهو يرى نصف مهمته قد تم. ولكن يتبقى الجزء الأهم والأصعب هو توقيعها على عقد الزواج.
في المدرسة الكندية تجلس تلك الصغيرة تحاول إقصاء همومها جانباً وأن تقوم بالتركيز أكثر مع شرح المعلمة محاولة تنفيذ ما عاهدت نفسها عليه صباحًا حين استيقظت من نومها على دموع الأمس وهي تحاول أن تقنع نفسها أنها في فترة مراهقة. كل ما شعرت به ناحيته وكل هذا التعلق ما هو إلا تذبذبات مراهقة حكمت عليها به سنها وستزول بالتأكيد. بالتأكيد على مر الأعوام ستتذكر هذه المشاهد وهذا القاسم وتضحك على سذاجة مشاعر مراهقتها هذه.
ربما في هذا الوقت ستكون قد تزوجت بآخر وأنجبت منه أيضاً. وربما... مهلاً مهلاً... لا جودي أنتِ تعشقيه وليست مراهقة... لا بل هي مراهقة... لا.. كفى. كفى. كفكفت دموعها ونهضت وهي تستعد كي تذهب لمدرستها والاهتمام بمستقبلها كي تريه هذا القاسم أنها لم تعد تلك البريئة الخجولة الهشة ذات الطباع الهادئة التي لا تجيب سوى بـ حاضر قاسم.. نعم حبيبي.. إلى تشوفه.. مش مهم يا روحي المهم حبيبي ما يزعلش.. تولع الدنيا المهم انت.
خرجت من شرودها على صوت إحدى الإخصائيات قد استأذنت للدخول ومعها بعض الأوراق قائلة: "جود مورنينج يا ولاد.. زي مانتو شايفين ده ورق الاستمارات بتاعت الامتحان... وااا... انتو... عارفين.. ااا. اااحنا محتاجين إمضتكوا عليها بما إن معظمكوا طلع بطايق شخصية." نظر الطلاب لبعض بجهل فهذه الأوراق تمضي في السنة النهائية وهم ما زالوا في الصف الثاني. ولكن ليكن. نظرت الأخصائية لهم قائلة بتلعثم:
"ااا.. الورق بس محتاج إمضيتكوا.. يلا يا ولاد.." وضعوا أمامها مجموعة من الأوراق كي تقوم بالتوقيع عليها مثلها مثل جميع الطلاب. أخذت توقع عليها ولكن توقفت وهي ترى من بين الأوراق. ورق مختلف عن باقي الطلاب. تفحصته بسرعة وبملاحظة شديدة. ثم هبت مندفعة وهي تذهب لغرفة المديرة والأخصائية تركض خلفها تحاول تبرير الموقف الذي وضعوا به بالإجبار. توقفت بغرفة المديرة قائلة بقوة وعنف: "ممكن أفهم إيه ده.... ها... عقد جواز.. بتغفلوني...
ده اسمه إيه ده.. ها.. حد يرد عليا." المديرة بتبرير: "افهمي يا جودي... إحنا مش قد قاسم مهران... ده قادر يقفل المدرسة دي الصبح." هزت رأسها بيأس ثم خرجت مسرعة. في سيارة قاسم التي تقف ويصطف خلفها سيارات الحرس كان يستمع في الهاتف لحديث مديرة المدرسة ويبتسم. رغم فشل مخططه ولجوئه إلى مخطط آخر لكنه مستمتع فعلاً. يبتسم بحب على صغيرته الذكية وسريعة البديهة. كانت تسير وشياطين العالم تقفز أمام وجهها.
هل يعتقدها بهذه السذاجة.. أم أنه هو من جيل الثمانينات صاحب الحيل القديمة. كانت تهم بالخروج لكن توقفت وهي ترى سيارته وسيارات حرسه مصطفين أمام مدرستها. ذهبت بغضب وعبوس وقامت بطرق على نافذة المقعد الخلفي حيث يجلس هو بكل شموخ. وبدل من أن يفتح لها النافذة... قام سريعاً بفتح الباب وجذبها بقوة للداخل فاستقرت بأحضان. نظر لها بوله وعشق وشوق بينما هي نسيت وضعها المخجل في أحضانه من شدة غضبها وتحدثت بعصبية لذيذة له قائلة:
"إيه خلاص... مافيش ابتكار.. مافيش إبداع... المفروض تبقى كرييتف أكتر من كده... باينة أوي يعني... عقد الجواز ملفت ومختلف... لا وكمان حاطت صورنا.. طب كنت شيل الصور لحد ما أمضي عشان تعدي عليا... تمانيناتى أوي انت." كان يستمع لها بفرحة كبيرة. يأكل معالم وجهها بعينيه. يستمتع ويتلذذ لغضبها الممتع. لم يجيب عليها وإنما ظل يتطلع لها. تحدثت بحنق مجدداً: "إيه.. بكلمك أنا... قاسم بيه يا مهران." قاسم: "...... جودي: "ما ترد عليا."
لم تنتبه هي للسيارة التي تحركت من صعودها إليها ولا لتوقفهم أمام فيلا قاسم. جودي بنفس العصبية: "أنا بكلمك دلوقتي... انت فاكر نفسك إيه... ما ترد عليا.... فاكرني هبلة وهتدخل عليا اللعبة المكشوفة دي." قاسم وهو يضع يده على شفتيها قائلاً بهيام وعشق: "شششش... اللعبة وحشة... خلاص نلعب على المكشوف يا عشق قاسم." نظرت له بتوجس فنظر هو حوله وتبعته هي بالنظر حولها. فشهقت وهي ترى نفسها داخل أحضانه في سيارته وداخل حدود بيته.
عاود النظر إليها ثم حملها بلحظة مباغتة وخرج بها وسط غضبها وركلاتها. صعد إلى أعلى متجاهلاً شهقات والدته وجحوظ عيني والده وهتافهم باسمه بصدمة. صعد إلى غرفته وهو ما زال يحملها. وضعها أرضاً وأغلق الباب خلفه. استمعت إلى صوت إغلاق الباب بالمفتاح فقالت بخوف: "إيه... في إيه... بتقفل الباب ليه." اقترب منها بخطوات مدروسة وهو يخرج أوراق الزواج من سترته قائلاً بأمر وهو يحاول كبت ابتسامته: "إمضي." استجمعت شجاعتها قائلة:
"لا طبعاً.. عمري ما هعمل كده." قاسم بلا مبالاة ومكر: "خلاص يا روحي ماتعمليش كده." نظرت له بتوجس لاستسلامه. فهم هو نظرتها فاكمل قائلاً: "ماتمضيش ياروحى. مال عليها قائلاً: بس هتفضلي في الأوضة دي مش هتخرجي منها إلا وإنتي مراتي." قالت بقوة: "يعني إيه.. هتحبسني." ابتسم بعبث قائلاً: "أمم.. هحبسك.. وإنتي امتحانك بعد 5 أيام.. وعيد ميلادك النهاردة... لا وكمان هتنامي معايا في نفس الأوضة... اه مانا نسيت أقولك إن دي أوضتي...
ومش معقول هسيب أوضتي اللي فيها بنوتي الحلوة اللي بعشقها وأروح أنام في مكان تاني فتشوفي انتي بقى تنامي جنبي وإنتي مراتي شرعاً وقانوناً ولا تنامي وإنتي مش مراتي... لا وفي الآخر مهما طال الزمن هتمضي برضه بدل الحبس هنا... فاختاري انتي.. يلا... شوفتي قاسم حبيبك مش بيحب يغصبك على حاجة إزاي... طب والله مافي حد مدلع حبيبته زيي كده." نظرت له بحنق وهي تراه يضيق عليها الخناق ويحبسها في دائرة مغلقة لا مفر منها.
أخذ الوقت منها أكثر من دقائق حتى أمسكت العقود والقلم وقامت بالتوقيع على كل العقود. ثم نظرت له بشراسة أما هو فزفر بارتياح وهو يرى وعده لنفسه ولها أولاً قد تحقق. في يوم إتمامها للسن القانوني أصبحت زوجته وعلى اسمه. وقف يتطلع لعقد الزواج بفرحة كبيرة جداً. يعلم.. يعلم جيداً أنه لابد وأن يعتذر.. أن يبدي ندمه.. أن يفعل أي شيء حتى ترضى وترضي غرورها كانثى.
سيشرح لها حقيقة هذه الصور وأيضاً ما حدث في هذا اليوم المشؤوم الذي فرق بينهم. ولكن ليضمنها معه أولاً... ليضمن زواجهم... فلتصبح زوجته أولاً ليستطيع أخذ فرصته في التودد لها بل وتدليلها على كل شكل ولون. ولكن وهي زوجته. خرج سريعاً وأعطى العقود لأحد رجاله قائلاً: "عايزه يتسجل في الشهر العقاري النهاردة... فاهم... النهاردة." أغلق الهاتف ودلف إليها مجدداً وعلى وجهه ابتسامة عاشق. اقترب منها وهي تنظر أرضاً بغضب. شعرت به مقتربًا
منها فوقفت قائلة: "خلاص خلصت... ممكن أمشي بقى." تطلع إليها بعشق دفين منبعث من نخاعه واقترب منها واحتضنها بشدة. وهي رغم غضبها منه لم ترفض حضنه بل تركته وهي تقول لنفسها أنها دقيقة ستستمتع بها وتعود بعدها لجفائها معه مجددًا. ابتعد عنها وهو يحبس كمية وفيرة من عطرها بصدره. زفر الهواء براحة ثم نظر لها مبتسماً وقال: "جودي.. حبيبتي.. خليني أفهمك... الصور دي كان.... قاطعته برفض قائلة: "مش عايزة أسمع أي مبررات ملهاش لازمة...
انت فاكرني عيلة صغيرة هتضحك عليا بكلمتين... لا فوق.. ده أنا دماغي توزن بلد." قاسم بعشق: "طبعاً.... مانتي جودي... لازم تبقي غير الكل." ثم أكمل بعبث وتلاعب: "وكمان بقيتي حرم قاسم مهران... أوعي تنسي دي كمان." نظرت له بغضب وهي تضرب الأرض بقدمها قائلة: "ماشي... ممكن أروح بقى." قاسم ببراءة مصطنعة: "تروحي فين يا روحي.. مانتي روحتي خلاص." رفعت حاجبها الأيمن قائلة: "نعم." قاسم بمكر:
"إيه يارروحي.. مش لما حد بيقول أنا مروح بيبقى قصده إنه راجع بيته." جودي: "آه." قاسم ببراءة: "يبقى انتي روحتي خلاص يا عشق قاسم.. لأن ده بقى بيتك.... هو أنا ماقلتلكيش.. مش إحنا اتجوزنا." جودي متصنعة التفاجؤ: "بجد." قاسم: "آه يارروحي." رن هاتفه فأجاب قائلاً: "أيوه... اممم.. تمام تمام." أغلق الهاتف مبتسماً فقد تم تسجيل عقد الزواج رسمياً في الشهر العقاري. نظر في ساعته قائلاً بسعادة: "ألف مبروك يا روحي."
اقترب منها مقبلاً جبينها وهو يشعر بدقات قلبها ورعشة جسدها بين يديه. ابتسم بحب فهي ورغم غضبها ما زال يحمل تأثير كبير عليها. قاسم وهو يقبل جبينها: "مبروك عليا انتي يارروحي." جودي وهي تبتعد وتحاول ارتداء قناع الجمود: "قاسم كفاية كده... أنا لازم أروح." قاسم بحب وهو يلتقط كفيها بين كفيه الضخمة: "جودي حبيبتي... إحنا خلاص اتجوزنا... يعني ده بقى بيتك... ثم أكمل بمرح: وبعدين كفاية إيه ده النهاردة فرحك." جودي ببلاهة: "نعم."
قاسم: "ههههههه.. اها.. أنا أصلاً كنت عامل حفلة جامدة جداً وعازم كل صحابك وصحابي وأهم ناس في الدولة عشان عيد ميلاد حبيبتي... بس بعد ما كتبت الكتاب فكرت إنه طب ليه لأ ماهو كل اللي كنت هعزمهم في فرحنا عزمتهم على الحفلة.. حتى القاعة عمرها ماكانت هتبقى مجهزة زي ما أنا أمرت إنهم يزينوا جنينة الفيلا... يبقى ناقص إيه.. ناقص إيه.. الفستااااااان."
سحبها من يدها كالمسحورة من كمية المفاجآت التي تتوالى عليها ووقف بها أمام صندوق كبير وقام بفتحه وأخرج منه فستان زفاف خطف أنفاسها. وضعه على الفراش أمامها وهي تتطلع له. ثم أكمل: "نص ساعة ويكون عندك أحسن ميكب أرتست في مصر كلها يا روحي.. قصدي يا مدام قاسم مهران." قال الأخيرة بغمزة وعبث فقالت هي بحنق: "ومين قالك بقى إنها هنزل." قاسم بثقة: "أنا...
مانا عازم مدرستك كلها. بالمدرسين بالطلبة والعمال حتى الأمن كمان.. ومها ومحسن.." أكمل ببراءة قائلاً: "يعني يرضيكي محسن يشوف الفضيحة دي... بنت خالة خطيبته بتهرب من فرحها.. طب يقول إيه على مها هو يعني... ها.. انتي يرضيكي... يرضيكي يعني تطلعي سمعة وحشة على نفسك وعلى مها أختك وبنت خالتك... لأ لأ لأ.. اخس عليكي يا جودي." نظرت له وهي تكور يدها بغضب: "آه يا.." قاسم: "إيه... إيه.. مش عيب.. عيب.. حد يشتم جوزه." جودي: "جوزه."
قاسم: "آه جوزه... مانا بقيت جوزه... سلميلي على جوزك يا إسماعيل بيه ههههه." نظر لساعته ثم لها قائلاً: "يلا يا روحي يلا.. مافيش وقت... شوفتي نسيتني... لازم أشتري بدلة جديدة.. مع إن عندي كتير.. بس البدلة دي غير." خرج من الغرفة وهو يكتم ضحكاته بصعوبة. يعرف كان يثرثر كثيراً ويتحدث سريعاً دون فواصل كي يأخذها وهي ساخنة ولا يدع لها فرصة للثوران من جديد أو الاعتراض. يعلم أنها لها الحق ومعذورة ولكنه أيضاً معذور.. بل ومظلوم.
يعلم أيضاً أنها ستعود لشرستها بعد انتهاء هذا الاحتفال. لكنه مستعد لتحمل أي شيء طالما هي بجواره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!