في المدرسة الكندية، وقف يامن يغلي من الغضب. ثوانٍ ووجد جودي تجلس مع صديقتها ريتال لتناول الطعام. تقدم منهم سريعا، فهو منذ أن غادر شركة قاسم مهران وهو يريد التحدث معها. وما زاد الأمر سوءًا هو هذا المؤتمر اللعين الذي أعلن فيه قاسم علنًا أن جودي أصبحت له، وما زاده غضبًا هو تقبل جودي الأمر وهي تبتسم برضا أمام الكاميرات. تقدم منهم قائلاً بوجه غاضب محتقن: جودي، عايز أتكلم معاكي. نظرت الفتاتان لبعضهما ثم ليامن.
فتنحنحت ريتال قائلة: احممم، طب أنا هروح أجيب اللانش بوكس بتاعتي... شكلي نسيتها جوه. جودي بحرج: أوكي. وفي الحال انصرفت ريتال. نظر يامن في أثرها حتى ابتعدت، فتحدث قائلاً: جودي، ممكن أفهم إيه اللي بيتقال على السوشيال ميديا ده؟ أنتي فعلاً اتخطبتي لقاسم مهران؟ جودي: آه يا يامن. إيه المشكلة؟ تلعثم في الحديث، لم يدري ماذا يقول، فأردف متلعثمًا: ف... في... في إن هو أكبر منك بكتير أوي، وكمان سمعته مش كويسة. جودي:
بس هو قالي إنه هيتغير. قاطعها بحدة: عمرك سمعتي عن زير نساء تاب؟ أنتي لازمك شاب من سنك يعيش معاكي كل حاجة، وتتجننوا سوا وتلعبوا وتجروا وتضحكوا... هو عمل كل ده خلاص مع بنات كتير لحد ما شبع منه، لكن أنتي... ها... أنتي لسه. جودي: بس هو بيحبني أوي، وفيه حاجة بتشدني ليه. يامن: لأ، وأنا هفضل مصمم لحد ما أثبتلك كده. قال كلمتها الأخيرة بتصميم وهو يغادر المكان، عازمًا على عدم التفريط في حلمه بأن تكون له، قائلاً في خلده:
يانا يا أنت يا قاسم يا مهران. في تمام الثالثة عصرًا، كانت جودي تترجل من الباص الخاص بمدرستها. وقاسم يقف أمام النافذة متلهفًا لرؤيتها. وما أن وقع نظره عليها حتى أشرق وجهه نورًا متهللًا بها. كانت هي تركض باتجاه المصعد. في نفس دخول أحمد معها، فنظر إليها بحزن قائلاً: أهلاً آنسة جودي. جودي بمرح: أحمد، إزيك؟ أحمد: الحمد لله. جودي: إيه ده مالك؟ وبعدين إيه آنسة دي؟ مش اتفقنا أنا جودي بس، وأنت أحمد؟ أحمد بحزن واضح:
هو صحيح أنتي اتخطبتي لقاسم بيه؟ أنا كنت أحازه اليومين اللي فاتوا، وأما جيت اتفاجئت. جودي بابتسامة: آها... هي كل حاجة حصلت فجأة. أحمد بابتسامة حزينة لاحظتها هي: ربنا يوفقك في حياتك. جودي: طب... طب أنت ليه زعلان كده؟
كان سيهُم بالرد، لكن توقف المصعد وقد وصل للطابق المنشود. فقطع حديث أحمد وهم يرون قاسم مهران قادمًا للمصعد متلهفًا لتأخرها، يفتش عنها في كل مكان، وخمن أنها ما زالت في المصعد فاتجه إليه. ولكن احتقن وجهه وهو يرى حبيبته كانت تتحدث مع هذا الأحمد الذي كان يجلس معها فيما قبل، والواضح عليه أثر الحزن، يبدو أنه من ضمن المعجبين بصغيرته.
فقبض على يدها منتشلًا إياها داخل أحضانه في رسالة صريحة لتملكه لها، وعينه تبعث حديثًا صامتًا لهذا الفتى الصغير وهو يقول: هي لي... هي لي. نظر لهم أحمد بحزن وهو عازم على القضاء على هذا الإعجاب الذي بداخله لها قبل أن ينمو لحب ميؤوس منه. أما قاسم، فكان في حاله هيستيرية، ولم ينتبه أو يبالي أنه يعتصر جودي أمام العاملين في أحد الطرقات الرئيسية. حاولت جودي تنبيهه كثيرًا بدون فائدة، من هذا الذي يحتضها محدثًا حاله:
يا ربي، أعمل إيه بس؟ كل الناس باصين لي فيها، وكله مستكره عليا. في شقة محمد والد جودي، جلست سهى زوجته الثانية بجانبه والحقد يغلي بداخلها. سهى: شايف مقصوفة الرقبة... رايحة تتخطب رسمي من غير ما ترجع لأبوها اللي شايل اسمه. محمد: ما إحنا اللي بقالنا فترة مش بنسأل عنها... ده أنا ماعرفش هي في سنة كام. سهى: وانتي قولتي يا أنا يا هي. محمد: بس بردو... بردوا أنت أبوها. سهى:
وبعدين ما هي اللي هدى كانت مدلعاها، قال إيه مدرسة كندية ودروس في سنتر المهندسين، إيييه كل ده ليه؟ محمد: خلاص... خلاص... اللي حصل حصل. سهى: لأ، لأ. الجوازة دي لا يمكن تتم. دول ماحدش فيهم عملك حساب، ولا حتى الراجل اللي عايز يخطبها ده جه يتكلم معاك. مش مستنيينك. مش عاملين لك قيمة. أنت لازم ترفض الجوازة دي. نظر إليها محمد وقد بدأ يفكر في حديثها المسموم. وهي كذلك لاحظت بداية تأثيرها عليه، فقالت بخبث وحقد محدثة نفسها:
عمري ما هسيبه تتهنى بالجوازة دي يا بنت هدى. قاسم مهران حتة واحدة. آآآه يا جودي، يا ما تحت الساهي دواها. في مكتب قاسم، كان يجلس وهي بجانبه تحاول الحديث معه. جودي: ممكن أفهم أنت متعصب أوي كده ليه؟ قاسم وهو يهدر بغضب: إيه اللي ليه؟ كان بيتكلم معاكي في إيه وليه؟ واصلاً إزاي تركبي معاه الأسانسير لوحدكم؟ جودي بعينين متسعتين: كل ده؟ قاسم: جودي، جاوبي. جودي: كان بيسألني إذا كنت فعلاً اتخطبت لك ولا لأ.
احتدمت ملامح قاسم وهو يكور قبضة يده بعنف قائلاً: وهو فارق معاه في إيه إنه يتأكد ها؟ جودي: ماعرفش. قاسم بصرامة: جاوبي على بقية الأسئلة. جودي بحنق طفولي محبب: إيه السؤال التاني؟ حاول كبت ابتسامته وهو يرتدي قناع الصرامة مجددًا: تركبي معاه الأسانسير لوحدكم ليه؟ جودي: أنا ماعرفش إن دي حاجة هتضايقك... بس خلاص لو بتضايق مش هعمل كده تاني.
كان يقف بشموخ معطيها ظهره، وشبح ابتسامة يظهر عليه. فأقربت هي منه محاولة إنهاء هذا الخلاف. جودي وهي تضع يدها على ذراعه، فطولها لم يسمح لها بالوصول لأكثر من هذا: قاسم... خلاص بقى. يالله، كم تذيبه هذه الكلمة عندما تنطق اسمه بشفتيها. كم أصبح يعشق اسمه بعدما نطقته هي. استدار لها مبتسمًا وهو يقول: خلاص. جودي بابتسامة: آه، كده. اضحك... حد يخبّي الضحكة الحلوة دي.
ابتسم لها وهو ينظر لها نظرات هائمة عاشقة. فكم كانت كلماتها بسيطة رقيقة، ولكن أصابت قلبه بالصميم. ما نبع من قلبها ببراءة دون تكلف، فنفذت إلى قلبه بقوة. قاسم بحب: أنا ما بقتش بضحك غير معاكي أصلاً يا حبيبتي. جودي بخجل: احممم. آآ... طب أنت ناسي حاجة مهمة؟ قاسم يتعجب: حاجة مهمة؟ حاجة إيه؟ جودي: اممم... مش قلت لي امبارح إننا لازم نحتفل النهارده بخطوبتنا. ابتسم لها قاسم بحب قائلاً: امممم... ومين قال إني نسيت؟
حد ينسى أهم وأجمل حاجة حصلت له؟ جودي بمزاح: كلاااام... كنت ناسي، كنت ناسي. ماتتكسفش... ماتتكسفش. أنا زي إخواتك. قاسم بذهول: أخت مين يا هبلة؟ آآآه منك يا أم لسانين. لولا سنك الصغير وإني خايف عليكي كنت عرفتك إنك عمرك ما تكوني أختي خالص. عقدت حاجبيها بجهل، وكانت ستهُم بالاستفسار، ولكن قاطعها هو: أنتي لسه هتسألي؟ فأمسك خديها بيديه عاضًا إياهما وهو يقول:
عمومًا، هتعرفي كل حاجة على إيدي، بس لما تكبري. وعشان تعرفي إني مش ناسي احتفالنا، جهزي بقى للمفاجآت النهارده. قال هذا وهو يسحب يدها خارجًا من الشركة بأكملها. في سيارته الجيب السوداء، كان يتولى هو القيادة وهي بجانبه لا تعلم إلى أين يتجهان. مرت دقائق وهو يراقبها بطرف عينيه باستمتاع، وهي تتأفف تارة وتفرك في مقعدها تارة. تجلس على غير هوادة، تريد أن تعرف إلى أين يتجهون. جودي بنفاذ صبر: مش هتقول لي بقا إحنا رايحين فين؟
نظر لها قاسم باستمتاع مبتسمًا ولم يجيب. جودي: أووووف، هو أنت هتاخد وضع الصامت ده كتير؟ لكن لا رد. جودي: طب قول لي هنروح فين. رد عليها أخيرًا: دلوقتي هتعرفي. جودي: طب حتى عشان أغير هدومي وألبس حاجة مناسبة. قاسم: أنتي كده قمر. جودي: يعني معقول هتروح تحتفل بخطوبتك مع اللي المفروض إنها خاطيبتك وهي باليونيفورم وشنطة المدرسة؟ قاسم: آه...
عجباني كده. وبعدين أنا أول مرة شوفتك كان بلبس المدرسة، ووقعت في حبك وأنتي بلبس المدرسة. ابتسمت له بخجل، في حين رن هاتفها. فأتأفف هو قائلاً: روودي... دي أكيد مها هانم خايفة عليكي من الوحش اللي معاكي. نظرت للهاتف قائلة: ههههههه... دي فعلاً مها. ثم فتحت الخط وطمأنتها أنها برفقة قاسم. ولم يخلُ الحديث من توصيات مها وغضب قاسم وغيرته. بعد وقت، وصلوا للمكان الذي حجزه قاسم خصيصًا لهم. فدلف الاثنان وهم ممسكين بكف بعض. فاتسعت
عينا جودي بذهول قائلة: نايت كلوب. قاسم: هههههه... أيوه. جودي: بس مافيش حد هنا خالص. قاسم بغيره: طبعًا... مش هسمع لحد يشوف القمر بتاعي. وكمان عشان نرقص براحتنا. جودي: بجد... امممم مبسوطة أوي. قاسم: بس الأول لازم تاكلي. جودي: لأ، لأ. تعالي نرقص. قاسم يغمز لها: طب بتعرفي ترقصي أصلاً؟ جودي بثقة: طبعًا. قاسم يتعجب: معقول؟ جودي: خليهم بس يشغلوا لنا أغاني.
رفع هاتفه وقام بالاتصال على أحد الأشخاص ممليًا عليه أوامره. وسرعان ما صدحت إحدى الأغاني الشعبية (آه لو لعبت يا زهر) . وسرعان ما اتسعت عينا قاسم وهو يرى جودي تتمايل بنعومة على الأغنية وكأنها راقصة محترفة. ثانية واحدة وارتفعت حرارة جسده من رقصها الذي زادها إغراءً على إغراء. ياللهي، لم يكن يعلم أن هذه الساحرة الصغيرة تجيد الرقص هكذا وبهذا الشكل. أخذت أنفاسه تعلو وتعلو وصغيرته لا تتوقف عن تمايلها بنعومة. اقترب منها بلا
وعي وقال بعينين راغبتين: جودي، كفاية أبوس إيدك، أنا ماسك نفسي عنك بالعافية. نظرت له بجهل. ولحسن حظها أن تم تغيير الأغنية لأخرى وهي أغنية (مافيا) . صفت جودي بحماس وهي تجذب قاسم للرقص معه. فاق هو وبدأ الرقص معها وهو يضحك من قلبه على شقاوتها. وهي ترقص بمرح، وهو أيضًا نسى كل شيء، سنه وهيبته وشموخه، وبدأ بالرقص معها كأنه شاب في العشرين، وهو يضحك ملء فمه، وهي ترقص مقلدة محمد رمضان وهو يقول (مافيا... مافيا... مافيا...
أنا مافيا... مافيا. مافيا. مافيا) بعد الكثير من الوقت مر بالكثير من المرح والجنون، وشقاوة جودي وضحكات قاسم السعيدة وهو يشاركها جنونها وشقاوتها، حتى توقفت الأغاني. فاحتضنها معتصرًا إياها بحب: هههههه... آآآه يا جودي... جننتيني. جودي بحماس: طب يالا ناكل أنا جوعت... ونبقى نيجي نرقص تاني. قاسم: تاني؟ جودي بحماس وعينين لامعتين بجنون: أووووه... يالا بينا. قهقه عاليًا وهو يضمها إليه قائلاً: محنونه... بس بحبك.
نظرت له بخجل وسعادة. ثم سحبته هي وجلسوا على الطاولة لتناول الغداء. جودي بفرحة: بس عارف. قاسم: امممم. جودي: كويس إنك حجزت المكان لينا لوحدنا... عشان نعرف ناخد راحتنا. قاسم: يعني ماتضايقتيش؟ جودي: لأ، بالعكس. كنت هكسف أرقص قدام الناس كده. أحسن كتير. أنا وأنت وبس. تتطلع لها بعشق خالص يزداد يومًا عن يوم، وكلما اقترب أكثر عشقها أكثر. دام الصمت دقائق حتى قطعه هو قائلاً: طب ممكن تغمضي عنيكي. جودي: ليه؟ قاسم: غمضي بس. جودي:
أوكي، أهو. واغمضت عينيها. فاخرج قاسم علبة زرقاء من القطيفة وهز يقول: فتحي بقى. فتحت عينيها، وما لبثت أن شهقت بذهول وهي ترى عقدًا من الألماس باهظ الثمن، وبجانبه خاتم خطبة على شكل ماسة من الألماس الحر. جودي: إيه ده يا قاسم؟ قاسم بحب: شبكتك يا حبيبتي. أول مرة أشوف عروسة تتخطب وما تسألش عن شبكتها ولا حتى الدبلة. جودي بجدية: آه بس ده كتير أوي، وكفاية الدبلة. ده حتى الدبلة دي شكلها غالي جدًا. قاسم: دي ألماس حر. جودي:
ليه كده؟ ما كان ممكن دبلة بسيطة أوي، وكنت هفرح بيها جدًا زيي زي كل البنات. قاسم: أولاً، ده مش كتير أبدًا. ثانيًا، أنتي مش زي أي بنت. أنتي غير أي واحدة أنا شفتها أو ممكن أشوفها. ثالثًا، أنا أصلاً عايز أجيب لك الدنيا دي كلها وحاسس إنها هتبقى شوية عليكي. رابعًا بقى، وده الأهم، في حد يرفض هدايا كتير كده؟ أي واحدة مكانك كانت هتبقى طايرة من الفرحة وعايزة تاخد أكتر كمان. جودي بحب وصدق: عشان أنا مش كده وعايزاك أنت بس.
قاطعها بصدمة قائلاً وهو يمسك كفها بيده: أنتي قولتي إيه؟ جودي بذعر: في إيه؟ قاسم: أنتي قولتي إيه من شوية؟ أنا متأكد إني سمعت. جودي بخجل: ق... قولت عايزاك أنت. أغمض عينيه مستمتعًا: يااااه، أخيرًا قولتي حاجة يا جودي. ده أنا كنت قربت أيأس. نظرت هي للأرض مرتبكة، ثم قالت: آآ... أنا. عارفة إني... لسه. يعني... قاطعها قائلاً:
براحتك يا حبيبتي. خدي وقتك. أنا عارف إني استعجلت وقررت حاجات كتير قبل أوانها، بس ده فعلاً من عشقي ليكي. يا عشق قاسم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!