دخل قاسم غرفته ذات الجدران السوداء. أثاث مودرن أسود في أبيض، فكانت ذات طابع رجولي صارخ. خلع قميصه وألقاه على الأريكة بإهمال. ثم استلقى على الفراش وهو يبتسم ويتذكر جودي. ابتسامتها، خجلها، براءتها وعفويتها، مزحاتها وضحكتها. أخرجه من شروده رنين هاتفه المزعج. التقط هاتفه بإهمال وفتح المكالمة. فأتاه صوت عادل الغاضب: "إيه يا عم قاسم، إنت فين طول اليوم وقافل موبايلك ليه؟ قاسم:
"بس.. بس أنا مزاجي رايق ومش ناوي أسيب حاجة تعكره. يلا سلام نتكلم بكرة." ثم أغلق الخط في وجه عادل الذي كان يتحدث بغضب على الجهة الأخرى. في الصباح، في شركة قاسم مهران. كان يجلس في مكتبه منهمكًا على عمله. في حين دفع عادل الباب ودخل دون استئذان. قاسم بحدة: "إيه يا ابني، في إيه؟ من إمتى وإنت بتدخل كده؟ عادل: "أنا تقفل في وشي إمبارح، ماشي... أنا عايز أفهم إيه اللي حصل إمبارح...
ده إنت اللي يشوفك وإنت بتدخل الشركة وتروح للكافيه لأول مرة من ساعة ما بنيت المجموعة دي. وكمان تروح فجأة تمسك البنت الصغيرة دي قريبة مها، يقول فيه كارثة حاصلة. وبعدين أكلمك موبايلك مقفول طول اليوم، ولما يتفتح ألاقي البيه رايق ومتسلطن على الآخر ومش عايز يعكر مزاجه... أنا تقفل الخط في وشي." قاسم: "بس.. بس فيه إيه؟ عادل: "إنت اللي فيه إيه، فهمني." قاسم وهو يرجع ظهره للخلف ويغمض عينيه: "حبيت." عادل بحاجب مرفوع:
"نعم يا أخويا." قاسم بنفس حالته: "حبييييييت." عادل بتهكم: "لا ما علش، مرة كمان. قولت إيه." قاسم: "حبيت." عادل: "من إمتى وإحنا لينا في الحب والكلام ده؟ قاسم: "من يوم ما شفت جودي." عادل بذهول: "إيه... مين... جودي... العيلة اللي عندها 17 سنة، يا أخي عيب على سنك." احتدت ملامح قاسم قائلاً: "فيه إيه يا عادل، ماتتكلم كويس." عادل: "أمال عايزني أقولك إيه...
بقى سايب كل الستات اللي بتترمى تحت رجلك ورايح تحبلي عيلة في تانية ثانوي... هي صحيح جامدة..... قاطعه قاسم بحدة وغضب: "عاااااااااااادل، كلمة كمان وهنسى إننا أصحاب عمر." عادل: "خلاص خلاص... أول مرة أشوفك محمووق عشان حد كده." قاسم وما زال غاضبًا: "جودي مش أي حد... اتفضل يلا على شغلك دلوقتي." عادل: "بس... قاطعه قائلاً: "اتفضل يا عادل، عايز أهدي." خرج عادل وهو مذهول من هيئة صديقه، فلم يعهده هكذا يومًا.
كانت مها تقف مقابل عادل وهي تدون ملاحظاتها بعملية شديدة الدقة. وأعلن هاتفها عن وصول رسالة واتساب. فتحتها، ولم يكن سوى محسن الذي دائمًا ما يشاكسها برسائله. فابتسمت وهي تقرأ رسالته. فنظر إليها عادل بتهكم ثم قال: "بس غريبة يا مها، مرة واحدة كده تتخطبوا إنتي ومحسن؟ إيه بتحبوا بعض من زمان ولا إيه؟ مها: "لأ، هو كان بيحبني من زمان وأنا ماعرفش، فجه اعترفلي واتخطبنا، بس كده." ابتسم عادل بغرور.
فكما توقع، أنها لم تكن تحب محسن وكانت معجبة به هو. فهو كان على دراية بنظراتها الهائمة والعاشقة له، ولكنه على آخر الزمن لن ينظر لسكرتيرة تعمل لديه. فاستأذنت منه وخرجت. هي تبعث بإحدى الرسائل تشاكس محسن هي الأخرى. بينما عادل يجلس في الداخل يتأكله الغضب. فهناك بشر لا يريدون أن يكونوا بقربك، ولا يريدونك أن تتركهم وتذهب لغيرهم. غرورهم يجعلهم لا يشاهدون غير أنفسهم.
وعادل الآن غاضب من انشغال مها بمحسن وعدم انبهارها به كما السابق، في حين أنه ليس لديه أي استعداد للارتباط بها. دخلت دنيا السواح تتبختر في غرور وشموخ. وقفت أمام منى، سكرتيرة قاسم، وقالت بعنجهية: "إنتي... قاسم جوه." نظرت لها منى بغل، ولكنها تذكرت أنها دنيا السواح، المرشحة الأكثر فوزًا بلقب مدام قاسم مهران. فدنيا حريصة على الوصول لقاسم باستماتة. منى: "ثواني يا فندم، هقوله إن...
قاطعتها دنيا وهي تسير بغضب وغرور تجاه مكتب قاسم. منى خلفها تخبرها أن هذا لا يجوز. قاسم: "إيه ده، إزاي تدخلي كده؟ منى: "والله يا قاسم بيه أنا... دنيا مقاطعة إياها: "قاسم، البنت دي بتقولي إن ماينفعش أدخل." قاسم: "طب اتفضلي إنتي يا منى." خرجت منى، فنظرت لها دنيا بغرور. ثم اقتربت من قاسم قائلة: "إيه يا قاسم، كلمتك كتير امبارح، موبايلك مقفول ليه؟ قاسم: "كنت مشغول يا دنيا." دنيا:
"آه صحيح يا قاسم، هي البنت اللي كانت ماسكها وإنت متعصب امبارح دي سرقت حاجة ولا إيه... قاسم بغضب: "اسمها جودي، وتتكلمي عنها كويس... وإيه سرقت حاجة دي." دنيا بفزع: "إيه بس يا قاسم... أنا ب... قاطعها قاسم وهو يحاول تهدئة نفسه: "دنيا، اتفضلي دلوقتي، مش عايز أتعصب عليكي." ابتسمت دنيا بزهو وغرور. فغرورها صور لها أن قاسم لا يريد أن يريها غضبها أو يغضب ثانية من حبه لها.
لا تعلم الغبية أنه لا يريد أن يعضب، لأن موعد وصول حبيبته قد حان، وهو يريد أن يكون بمزاج جيد لاستقبالها. خرجت دنيا وهي تمشي بفخر وغرور. فلطالما كانت هي المرأة الأقرب للوصول إلى الزواج من قاسم مهران. فهو يعتبر رجل الأحلام بالنسبة لها، بشموخه وثروته وسلطاته، بالإضافة إلى كونه وسيمًا جدًا. في تمام الساعة الثالثة عصرًا. كان يقف أمام نافذة مكتبه المطلة على الشارع الرئيسي. ثوانٍ، وكان الباص الخاص بالمدرسة يقف أمام شركته.
تهلل وجهه وهو يرى جميلته وهي تقفز من على سلالم الباص بشقاوة مرح، وهي تلوح لأصدقائها الذين يلوحون لها ويهتفون باسمها بمرح. لكن امتعض وجهه وهو يرى نفس الفتى يلوح له هو الآخر. كان يهم بالذهاب كي ينزل إليه ويبرحه ضربًا. ولكن الباص كان قد تحرك واختفى. فزفر بغضب حتى لا تخاف منه حبيبته. انتظر في مكتبه حتى قدوم جودي، ولكن طال انتظاره ولم تأتِ. فخرج من مكتبه واتجه ناحية مكتب مها.
وجد جودي تضع حقيبتها وتهم للجلوس على الأريكة بتعب، ومها تعطيها كوبًا من الماء. وفجأة، بدون أي مقدمات. التقط حقيبتها المدرسية ومسك كف جودي وأوقفها. وسحبها خلفه دون أن يعير مها نظرة، وكأنه يخبرها أنها تخصه وحده فقط. وخرج بها متجهًا إلى مكتبه، وهو يحمل حقيبتها بدلاً منها. ولم يبالِ بمظهره وهيبته أمام الموظفين. كل ما يهمه هو صغيرته فقط. دخل إلى مكتبه مارًا بمنى التي عقدت الصدمة لسانها.
أغلق الباب خلفه، ثم رمى الحقيبة بإهمال على أقرب كرسي. والتفت إليها واحتضنها وهو يأخذ أنفاسه الحارة براحة. هو الآن يستطيع الراحة، فحبيبته أخيرًا بين يديه. كانت جودي متيبسة من الصدمة وما يحدث. اعتصرها قاسم بين يديه قائلاً بحرارة وهمس: "وحشتيني." يريد أن يدخلها بجوار قلبه، أن يخفيها بين جلده ولحمه. ابتعد هنا وقد أحس بصدمتها. فنظر إليها قائلاً: "ما جيتيش عندي على طول زي ما اتفقنا امبارح ليه؟ جودي بارتباك
من قربها المهلك منه: "ما كنتش عايزة أزعج حضرتك." قاسم: "تزعجيني إزاي بس، وبعدين تعالي هنا، إيه حضرتك حضرتك دي؟ أنا ملاحظ إنك مش بتنطقي اسمي خالص." جودي: "ماهو حضرتك أكبر مني، لازم أحترمك." شحب وجهه وانقبض قلبه. فبدون أن تدري، هي لعبت على الوتر الحساس لدى قاسم. وهو أكبر مخاوفه من علاقته معها، ألا وهو فارق السن الكبير بينهم. هل تراه رجلاً كبيرًا بالعمر؟ من المستحيل أن تتقبل بعشقه. ابتلع غصة مريرة في حلقه وقال:
"إنتي شايفاني كبير أوي كده يا جودي؟ قالت مصححة: "لأ، لأ خالص. ده حضرتك حتى أموور أوي." أخذ أخيرًا أنفاسه المسلوبة وتهلل وجهه من جديد. ثم قال بغضب مصطنع: "حضرتك تاني برضه.... جودي: "أمال أقول إيه؟ قاسم: "تقولي اسمي... عايز أسمعه منك." جودي بنفي قاطع: "لأ.. لأ مستحيل." قاسم: "لأ يالا." جودي بإخراج: "قا... قاسم: "يالا اسمي إيه... جودي بخجل: "قاسم."
لم يتمالك قاسم نفسه حينما استمع لاسمه منها لأول مرة بهذه العذوبة والحلاوة. فانقض عليها يقبلها بقوة وشغف. وهي غير مصدقة ما يحدث. ابتعد عنها على مضض كي تأخذ أنفاسها. لم يكن يريد أن يخرج من هذا النعيم. نظرت له بصدمة. ماذا فعل؟ هل انتهك عذرية شفتيها؟ صرخت به بغضب قائلة وهي تراه يقترب منها ثانية: "ابعد عني، إنت فاكرني إيه.." قاسم: "اهدئ... اهدئ بس يا جودي... ولكن هنا تذكرت جودي حديث مها. فصرخت مرة أخرى قائلة:
"ابعد عني، إنت فاكرني إيه... أنا مش من البنات اللي إنت تعرفها يومين وترميهم." قاطعها قائلاً: "بنات إيه؟ مين اللي قالك الكلام ده؟ جودي: "أنا مها، ياما حذرتني منك، كان عندها حق. بس إنت لازم تعرف إني بنت محترمة ومش هسمحلك تعمل كده فيا... كانت تتحدث بصراخ ودموع. ثم التقطت حقيبتها وخرجت مسرعة. واستخدمت المصعد وهبطت به. خرج هو خلفها، بينما منى تنظر بذهول واستغراب لما يحدث. ذهب إلى المصعد وجده مشغولاً.
فاستخدم السلالم ونزل 30 طابقًا على قدميه. وخرج مسرعًا، ولكنه لم يجدها. سأل عليها أحد أفراد الأمن، فأخبره أنها استوقفت سيارة أجرة (تاكسي) وصعدت بها وذهبت في اتجاه معين. ركض إلى إحدى سياراته وانطلق بها بنفس الاتجاه. ولكنه لم يجد أثرًا لأي سيارة أجرة على طول الطريق. اتصل بها على هاتفها، على الرقم الذي سبق وأخذه منها بالأمس حينما كانوا معًا، ولكن لم تجب على اتصالاته.
أدار سيارته عائدًا إلى شركته، وهو يعلم على مت سيصب غضبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!