خرج مروان من مكتب والده، غالقًا الباب خلفه بعد وقت من الحديث الطويل وهو يشرح له بعض المشاكل المتواجدة في العمل والذي يتوجب عليه حلها، وأنه ذهب معه غدًا إلى المصنع. وجد شقيقته أمامه، فأردف قائلاً بنبرة متسائلة: -رايحة فين يا هانم؟ أردفت رباب قائلة بسخرية من سؤاله: -داخلة لبابا يعني هروح فين؟ عشان آخد منه الإذن عشان عيد ميلاد صاحبتي اللي هروحه. قالها مروان وهو يضيق عينيه ويعقد ساعديه ساخرًا: -ده فين ده ان شاء الله؟
وصاحبتك مين دي؟ وبعدين يا جبلة عيد ميلاد إيه اللي تروحيه في الظروف دي؟ مينفعش طبعًا. أردفت رباب قائلة بنبرة هادئة، فهي تعلم أسئلته وليست جديدة عليها، ورُبما هو معه حق في تلك النقطة: -خلاص يا عم المخبر، ده صاحبتي إيمان ما أنتم عارفينها وهيكون في البيت عندها، هنعمل لها مفاجأة. وبعدين دي زي أختي. أردف مروان قائلاً بلا مبالاة: -ماشي، قوليله الصبح لأنه متعصب دلوقتي، وفي كل الأحوال هو مش هيوافق وهيتهزقك. أردفت رباب قائلة
وهي تغمز بإحدى عيناها: -طب شكرًا يا سيدي، كفايا. مش هتجيب الفلوس اللي عليك يا برنس؟ لقد غمزتها وأردف قائلاً بمرح واستغراب: -فلوس إيه؟ قالتها رباب بجدية زائفة: -فلوسي اللي عندك يا جدع. أردف ساخرًا وهو يقرص إحدى أذنيها وكأنها مازالت صغيرته: -هو أنتِ يا معفنة هيكون لكِ فلوس عندي. ترك أذنيها فأردفت قائلة بنبرة مرحة وهي تنظر له بخبثٍ شديد غامزة بإحدى عيناها مرة أخرى: -الوحمة يا كبير.
أردف مروان قائلاً بعدم فهم، فهو ظن أنها إحدى الحركات التي تفعلها بغرض المرح لا أكثر: -انتِ بتغمزي على إيه ووحمة إيه؟ أردفت رباب قائلة بنبرة منزعجة أجادت تصنعها وضيقت ملامحها: -إيه ده، إحنا هنبدأ الشغل ده؟ عيب عليك لما تنصب على ولية غلبانة زيي. قد نفذ صبره، فهو لا يكره سوى أن يكون موضع الأحمق وألا يفهم ما يقصده الطرف الذي يحدثه، فأردف قائلاً بغضب: -بت انتِ، أنا عفاريت الدنيا بتنطط في وشي، بتتكلمي بالغاز ليه؟
ما تقولي في إيه على طول. -الوحمة اللي في قفا مراتك اللي قولتلك عنها زمان وراهنت عليها ولون عينيها. أردف قائلاً بسخرية وهو يحاول أن يتذكر ما تتفوه به شقيقته: -يا سلام، إحنا هنهرج. -وحياة عبد السلام.
صمت قليلاً وهو يحاول تذكر ذلك الشيء الذي تتحدث عنه، ولكن لا يتوقع أن بالفعل تسنيم تمتلك تلك الصفات، رُبما بالفعل عيناها مميزة رغم أنها تحرص ألا تنظر له مباشرًا، فهو لم يركز بها جيدًا ولكنها ملفته بالفعل، حتى أنها لم تكن هكذا منذ سنوات وكأنها أصبحت ناضجة، فأردف قائلاً بجدية زائفة: -انتِ عندك شهود بالكلام ده؟ ضيقت عيناها وأردفت قائلة باستغراب، فهي لم تفهم مغزى سؤاله: -كلام إيه؟ وضع يده على كتفها وجهز نفسه ليتحدث بنبرة
رسمية أجاد بالفعل تصنعها: -انتِ موصفتيش الوحمة ساعتها بشكل دقيق، أبعادها قد إيه، شكلها. ممكن تكون صدفة، وامشي من قدامي عشان عندي استعداد أديكي قفا تحلفي بيه بعمرك كله. أردفت قائلة وهي ترفع يدها إلى الأعلى وأخذت وضعية الدعاء: -يارب، أنتَ عليك خلاص. الحقوق ده أخويا وهحاول أسامحه. كاد أن يجيب عليها لتفر من أمامه، فهي تريد المرح فقط، فهي تتمنى أن يعيش أخوها بسلام فقط مع امرأة تحبه وأن ترى أبناءه. ***
في القاهرة، كان عمر يجلس في المنزل أمام التلفاز، وهو يفكر في طريقة تمكنه من إقناع زوجته بالذهاب إلى ابنتها مرة أخرى، فهو ليست لديه الجراءة ليذهب، فمنذ زواجها وبعده بأسابيع قليلة لا يراها أبدًا، فهي لا تأتي. وربما يخاف قليلاً من مروان، فقد هدده بالفعل ورأى وجهًا آخر له، ومن يومها يخشي الاقتراب منها.
بعد عقد قرآن مروان وتسنيم بشهر واحد فقط، في تلك الحارة التي تتواجد بها بيت تسنيم وبيت سعد أيضًا، ويتواجد في تلك الحارة قهوة قد مر عليها سنوات عديدة. يجلس عليها أغلبية الرجال والشباب الذي يسكنون في تلك المنطقة. كان مروان قد خرج لتوه من بيت سعد ليجد عمر يجلس على القهوة، فاقترب منه وهو يتوعد له بالكثير. -مروان يا ابني اقعد، ده الحارة نورت والله العظيم. ياض يا محمد هات شاي لمروان بيه، نسيبي.
أخذ مروان مقعدًا من الطاولة المجاورة ووضعه على طاولة عمر الذي لم يكن يجلس أحد معه، ويدخن تلك النارجيلة بمفرده، فمن الواضح أن لا أحد يطيق هذا الرجل أو يجلس معه. -مفيش داعي، هو خمس دقايق وماشي. ضيق عمر ملامحه وأردف قائلاً بإصرار: -لا أبدًا، إزاي تبقى أول مرة تقعد معايا على القهوة ومعزمكش على حاجة. إلا صحيح، انتَ كنت جاي عندنا ولا إيه؟ أردف مروان قائلاً وهو يخرج هاتفه من جيبه ويضعه على الطاولة أمامه، جاء ذلك
العامل ووضع الشاي أمامه: -شكرًا. ثم وجه حديثه إلى عمر بعد أن أخرج نقودًا من جيبه وأعطاها لذلك الصبي: -لا، كنت عند عم سعد وقولت أجى أتكلم معاك لوحدنا. ابتلع عمر ريقه بتوتر ثم أردف قائلاً بقلق شديد: -خير يا ابني، في حاجة؟ ثم استكمل حديثه بانزعاج، فهو لا يريده أن يقترب من ذلك الرجل فيتفوّه ببعض الأشياء، فهو لا يعلم أنه من طرفه من البداية: -صحيح يا ابني، ما تسيبك من الراجل الأعمى ده، وش فقر. ليقاطعه
مروان بحدة قليلة أربكته: -متغلطش في راجل بعتبره في مقام والدي، أحسن الراجل ده أعرفه قبل ما أعرفكم أصلاً. ابتلع ريقه بصعوبة تلك المرة، فكانت نبرته وحدتها شديدة عليه: -مش قصدي يا ابني، أنا بس... قاطعه مروان مرة أخرى قائلاً بنبرة غامضة: -مفيش بس. أنا جاي أقولك كلمتين وأنا عندي ميزة مبحبش أتكلم في القديم، وعندي عيب وحش أوي إني مبحبش أعيد كلامي.
ظن عمر السبب في حديث مروان بتلك الطريقة أنه تشاجر مع تسنيم، فهو لم يحدثه بتلك الطريقة أبدًا عند طلبه تسنيم منه، فأردف قائلاً بنبرة قلقة وتساؤل: -في إيه بس يا ابني، تسنيم زعلتك في حاجة؟ ده أنتم لسه عرايس. أردف مروان قائلاً بنبرة حازمة: -أول حاجة عايز أقولها ليك، متجبش سيرة تسنيم على لسانك تاني. كان يشعر عمر بالقلق، فهو وضع لنفسه الكثير من الأماني بأن هذا الرجل سيكون نجاته:
-الله، انتَ بتقول إيه يا ابني، ده أنا في مقام أبوها. هز مروان رأسه بغموض وأردف قائلاً بنبرة ساخرة: -خلاص ماشي يا أبوها، وأنا دلوقتي جوزها وبقولك متجبش سيرتها ولا تفكر تزورها مع مراتك ولا تشوفها تاني، ماشي يا أبوها ولا مش ماشي؟ -إيه الكلام الماسخ ده. ابتسم مروان بسخرية ثم أردف قائلاً ببرود شديد: -ابقي حط له سكر لو مش متقبله، لغاية ما تتقبله. إياك أشوفك حتى بتسلم عليه.
-بص لو عرفت إن تسنيم ماشية في شارع أحسن لك متمشيش في نفس الشارع، مراتك تزورنا، عيالك يزورنا، انتَ لو سمعت اسمك بس أو سلمت على تسنيم مجرد السلام هتزعلني وأنا مبحبش أزعل لأنه هيكون غلط عليك. أردف عمر قائلاً وهو يحاول أن يتماسك وألا يخاف منه، رغم أن الرعب قد دب في أوصاله: -هو انتَ اتجوزتها عشان تمنعها من أهلها؟ هز رأسه موافقًا على حديثه ثم أردف قائلاً بسخرية شديدة: -آه، اتجوزتها عشان أمنعها عن أهلها، حلو كده؟
ليك شوق في حاجة؟ -أكيد الراجل ده قالك حاجة، ما أنا عارف. قاطعته مروان قائلاً وهو يمسك كوب الشاي: -ما قولنا أنا مبحبش أعيد الكلام، ولو حابب تجرب زعلي، اعمل أي حاجة من اللي قولتلك متعملهاش. لينهض وهو يحمل الكوب ويسكبه على فخذ عمر؛ ليصرخ فما زال الشاي ساخن جدًا: -آآآه. أردف مروان قائلاً بخبث شديد: -معلش يا عمي، آسف. تنهد بضيق، فكل ما يفعله لا يُجنى شيئًا، فهو بالفعل لا يعرف ما الذي يتوجب عليه أن يفعله، فلن يكن الخاسر.
*** صعد مروان وتوجه ناحية غرفته، وفتح الباب بهدوء، وجدها كالعادة مستيقظة، ولكن يتواجد على الفراش حقائبها التي على ما يبدو قد حزمت أمتعتها وتحصر نفسها للرحيل، ولكنه سوف يخيب آمالها على ما يبدو. جلس على المقعد الوحيد المتواجد بالغرفة لتجلس على طرف الفراش، قبل أن تتفوه بأي شيء، أردف مروان قائلاً وهو يسلط بصره لأول مرة على عينيها ويحاول أن يتذكر حلم شقيقته، فقد مر عليه سنوات ظن أنها طفلة تؤلف بعض القصص:
-ده انتِ مش طايقة البيت خالص لدرجة إنك لميتي حاجتك ومظبطة الدنيا. نحتت ثم أردفت قائلة بخجل: -لا طبعًا مش قصدي، بس مش انتَ قولت إنك هتقول لباباك وهنرجع، يعني أكيد بعد اللي حصل مفيش فرح، وجودي مبقاش مهم. أردف قائلاً بنبرة غامضة: -ده بابا شايف إن وجودك مهم جدًا. عقد ساعديها ثم أردفت قائلة وهي تضيق عينيها: -مش فاهمة. أردف قائلاً وهو يقص عليها باختصار قرار والده:
-بابا عايزني أمسك الشغل لأن أحمد مخنوق ونفسيته مش حلوة ومع مراته ووالدتها الفترة دي، فعايزنا نقعد شهرين اتنين تلاتة على حسب الظروف. قالتها ببلاهة: -نعم؟ أردف مروان قائلاً بسخرية، فعلى ما يبدو إما فقدت حاسة السمع، أو قد أصابها شيء من الذهول، فهو لم يقل شيئًا صعب فهمه: -نعمين. تحدثت بنبرة متذمرة وغير راضية تمامًا عما يحدث: -أكيد أنا مفهمتش صح، إن شاء الله ويكون قصدك حاجة تانية.
-للأسف مش قصدي حاجة تانية، قصدي اللي فهمتيه. أردفت قائلة بغضب شديد، فهي لا تتقبل ما يتفوه به: -اللي بتقوله ده استحالة، أنا أقدر أقعد شهر ولا اتنين ولا حتى أسبوع كمان، ده أنا كنت بعد الساعات اللي قبل الفرح عشان أمشي ولا حتى أستحمل يوم. أردف قائلاً بنبرة مستفزة، فهي بالفعل متمردة وغريبة في اندفاعها: -خمس دقايق ينفع؟ -انتَ بتهزر صح؟ -أكيد. أردفت قائلة برفض تام:
-أنا مقدرش أقعد تاني، أنا مش عايزة أحطك في موقف صعب، بس بجد أنا اللي في موقف صعب دلوقتي، مينفعش يعني مينفعش. أردف مروان قائلاً وهو يضيق عينيه: -انتِ مش مرتبطة بجامعة ولا حتى لحقتي اشتغلتي عشان يكون فيه أزمة في قعادك هنا، ليه العصبية دي كلها؟ أردفت قائلة باندفاع شديد تناست به خجلها: -نومي معاك في نفس الأوضة دي أزمة لوحدها، أنا جسمي التهب والجو حر والتكيف مبيعملش حاجة؛ وأنا مش مجبرة على ده. -مش فاهم.
تنهدت، لا تعلم هل هو يتعمد أن يخجلها أم ماذا، فأردفت قائلة بغضب شديد واندفاع مرة أخرى، فأشعل تمردها: -إيه اللي مش فاهمة؟ أنا مجبرة طول الوقت أُقعد بالأسدال بسببك ومش متحملة ده. تصنع التفكير، ثم أردف قائلاً وهو يضيق عينيه: -أنا اللي جبرتك، مش فاهم؟ قالتها بعد تنهيدة مطولة، فهو ليس أحمق ليدرك خجلها منه، فهي تعتبره غريبًا عنها مهما حدث:
-يارب ارحمني لو سمحت قدر موقفي، وبعدين مينفعش أسيب طنط سلوى لوحدها، آخر فترة كانت تعبانة، غير أن كنت على أول الشهر في شركة كنت هعمل فيها interview. لم يكن يدرك أنها متمردة ومندفعة، فحتى في غضبها تناست خجلها وصوتها الذي لم يكن يسمعه غير أنها تنظر في عينه بحدة وبطريقة مباشرة دون أن تبعد نظرها عنه، فأردف قائلاً ليفهمها أنها ليست الوحيدة المتضررة هنا:
-على فكرة أنا ليا شغل وبرضو مينفعش أسيبه، بس أعمل إيه، ده الموقف ولازم نتحمله زي ما كل واحد قبل بالتاني عشان يريح دماغه لفترة، في إحنا مجبرين نكمل للآخر. أردفت قائلة بالحل الذي تجده الأمثل الآن: -قول لوالدك على الحقيقة وقوله إنك اتجوزت عشان خاطر عيونه، أكيد مش هيرضى إنك تفضل مكمل مع واحدة مش هتحقق اللي هو عاوزه، واقنعه إنك هتبقي تشوف إنسانة تناسبك. -انتِ لسه مش فاهمة؟ -مش فاهمة إيه؟
أردف مروان ساخرًا، فهو يفهم والده جيدًا: -انتِ فاكرة إن أبويا مش عارف؟ طب بلاش مش عارف، حتى لو مش عارف فعلاً ومصدق إننا متجوزين، هل لو عرف ده هيغير حاجة؟ ضيقت ملامحها بغضب حاولت كتمه بقدر الإمكان: -إزاي يعني مش هيغير حاجة؟ أردف مروان قائلاً وهو يحاول أن يجعلها تفهم الوضع:
-أبويا عنده يحضر حالة وفاة ولا إنه يسمع عن طلاق، غير إنه مدام جابك لغاية هنا وهو أكيد عنده كل الاحتمالات، فهو مش هيسيبك تمشي بسهولة، حتى لو عرف الحقيقة هيسعى لآخر نفس، ممكن تتصوري إن جوازنا يكون حقيقة، ده لو مخلكيش تحبي عيشتك هنا وتحبي الوضع وتتقبليه، ميبقاش أبويا، ده ممكن يغسل مخك وانتِ قاعدة. لم تصدقه، فلا تظن أنه لن يهمه إذا علم الحقيقة، فأردفت قائلة بنبرة متسائلة: -انتَ بتهزر صح؟
-مببهزرش، أنا أكتر واحد فاهم أبويا، يمكن هو دايماً متفق هو أحمد، بس إحنا الاتنين فاهمين بعض حتى لو بنختلف في الآراء. -وبعدين يعني هنعمل إيه؟ أكيد انتَ مش حابب الوضع ده. أردف قائلاً بسخرية: -أكيد، أنا ضهري اتكسر من نومة الأرض. أردفت قائلة بغضب، فهي لا تدري لما لا يشعر بخطورة الوضع: -هو ده وقت ضهرك، يعني هي دي المشكلة والأزمة دلوقتي؟ أردف قائلاً بسخرية وهو يسلط بصره عليها ويشير بيده عليها أولاً ثم عليه:
-يعني سبحان الله، كانت مشكلتك إن جسمك ملتهب وضهري في ذمة الله، عادي مش مهم، جايبه من كارفور أنا؟ ظهر شبح ابتسامة على شفتيها وسرعان ما أردفت قائلة وعادت إلى أساس الموضوع: -انتَ وقفت جنبي وشكراً ليك، ولو أعرف أرد لك جميلك هرده، بس اللي بتقوله ده صعب، إيه اللي يخلينا نكمل في حاجة كدا كدا باينة للكل؟ -حتى لو الظروف خلتنا نعمل كده زمان، فإحنا مجبرين نستحمل ظروف بعض للآخر. تنهدت بضيق ثم أردفت قائلة:
-انتَ بتتكلم في مدة مش معروفة، إحنا عمالين نزود في الوقت وخلاص، إيه اللي هيفرق لو قولتله هنطلق دلوقتي ولا بعد شهرين ولا حتى بعد سنة، بالعكس انتَ بتعقد الموضوع أكتر. صمتت ثم استكملت حديثها حينما وجدت أنه لم يقاطعها ويستمع لحديثها: -أنا هقول لوالدك على كل حاجة وإننا اتجوزنا عشان الظروف وكل واحد فينا اتجبر على كده. أردف ساخرًا، فعلى ما يبدو هي لا تصدقه بالفعل، فوالده لن يفرق معه:
-والله انتِ في بيته، روح قوليله لو اللي هتقوليه هيغير في رأيه شيء هكون ممنون ليكي، وهتكوني عارفة بابا أكتر مني. أردفت قائلة بغضب، فهو ليس ثائر مثلها، فهو لم يخسر شيئًا: -هو انتَ ليه واخد الموضوع بمنتهى الأريحية، ولا أنتَ طبعك هادي زيادة عن اللزوم؟
كان يرى تمردها الذي يتنافر مع ملامحها الفاتنة الذي يشعر وكأنه لاول مرة يراها، وخصلات شعرها الحريرية التي تظهر عنوة عنها من أسفل حجابها، فهي بالفعل حورية، وكأن وجهها لا يحتاج شيئًا ليظهر جماله، فهي فاتنة وجميلة دون مجهود منها أو حتى لفت نظر، حاول أن يسيطر على ذلك الجانب الذي أعجب بها وأشار بأصابعه وأردف قائلاً: -الاتنين. حاولت استفزازه وأن تشرح له أبسط الأمور الذي يختلفا به، أو على الأقل أبسط الخسائر:
-طب تخيل إنك لشهرين هتنام على الأرض، وانتَ بتحب النور يتقفل وأنا مبعرفش أنام غير والنور مفتوح. حك ذقنه ثم أردف قائلاً بلا مبالاة: -لو دي المشكلة بس، فدي حاجة صعبة فعلاً، هعتبرك واحد صاحبي رزل، وأنا وهو مش متفقين في حاجات كتير، ومجبرين ننام في نفس الأوضة. -أنا واحد صاحبي؟ أردف قائلاً بنبرة مرحة: -على فكرة أنا مقلتش واحد صاحبي بس، قولت رزل كمان، هي واحد صاحبي ضايقتك أكتر؟ خجلت وأردفت قائلة بغضب:
-الاتنين مضايقني، لو سمحت شوف حل عشان أنا مش هينفع أفضل قاعدة هنا. -هفكر في حاجة. قالتها بغيظ شديد: -فكر. -خلاص، مش هفكر في نفس الدقيقة أنا، نامي وأنا هبقى أفكر في حل. -أنا خلاص كده مش هعرف أنام، طيرت النوم مني. قالها بلا مبالاة وخبث: -كويس. قالتها باستغراب شديد: -هو إيه اللي كويس؟ أردف قائلاً بإرهاق شديد: -افضلي انتِ صاحية وأنا هنام على السرير، يعني هقولك إيه، اهدي وخلاص، وأنا هشوف حل قولتلك. ثم استكمل حديثه قائلاً
حينما تذكر ذلك اليوم: -هو صحيح، لما جيت كنتي بتتكلمي انتِ وبابا الصبح عن مين اللي حصل خلاني أنسى أسألك. -عن اللي اسمها خلود. -هيرفع حاجبيه ثم أردف قائلاً باستغراب: -مالها؟ أردفت تسنيم بغيظ حينما تذكرت حديثها: -إنسانة معندهاش ذوق وحشرية جدًا. فهو ما زال لا يفهم ما الشيء الذي من الممكن أن تتفوه به خلود ليزعجها إلى تلك الدرجة: -عملت إيه؟ مش فاهم.
قصت باختصار ما تفوهت به تلك الشمطاء، فهو بالفعل تشعر بالغصب الشديد كلما تتذكر أهانتها، فهي قبلت بهذا الوضع حتى لا تُهان ولن تسمح لأحد مهما كان أن يهينها أبدًا: -انتِ رديتي عليها يعني؟ أجابت عليه بسخرية وهي تصفق بهدوء: -لا، كنت هسقف لها. ثم استكملت حديثها بنبرة هادئة:
-أكيد رديت طبعًا، مش من حق حد يلومني وهو يكلمني بالطريقة دي، خصوصًا إنها حتى متعرفنيش أو واخده عليا، مع أن ده مش سبب كافي أنها تدخل في حياة حد، دي أول مرة تشوفني، مين اللي مديها الجراءة دي أصلاً؟ ووالدك مزعلش؟ شعر مروان بالاستغراب الشديد، رُبما هو لا يعرفها جيدًا، ولكن لما تفعل ذلك مع تسنيم؟
فهو غافل تمامًا أنها فعلت الأكثر وأطلقت سم حديثها أكثر من مرة مع ملك، ولكنها كانت تحفي عنه حتى لا تزعجه أو تشغل باله وتعطيه انطباع أنها لا تريد زيارة أهله ومعارفهم، فأردف قائلاً: -بس غريبة يعني، مكنتش أتوقع إن خلود تقول كده، وبعدين بابا عرف منين؟ مدام إنتم كنتم قاعدين لوحدكم؟ ذمت شفتيها قائلة بعدم اهتمام: -معرفش عرف منين، أنا لقيته عارف من غير ما أقوله، فافتكرت إنها اشتكت عليا، بس قالي لا.
-هو بيعرف كل حاجة، ما شاء الله. قالها بسخرية وهو يذهب إلى الفراش لأخذ وسادة وشيء يستطيع وضعه على الأرض لينام فوقه. *** في الساعة العاشرة صباحًا، هبط مروان من غرفته استعدادًا للذهاب مع والده، فوقف في الحديقة يتحدث مع صديقه محمود ويخبره بالتطورات الذي حدثت، وعلى ما يبدو قد وقع إدارة المطعم له والعمل، فحتى إذا جاء ستكون زيارة لا تزيد عن يوم.
جاءت تسنيم حتى تعطيه مفتاح سيارته حينما وجدته قد نساه، ولكن استوقفها نبرته العالية وهو يتحدث مع صديقه لتسمعه وهو يقول: -يابني دي طماعة، أنا فاهمها، كويس مين تترضي بالوضع ده إلا لو طماعة وعايزة فلوس أو ليها مصلحة، لأن عارفه إنه مش هيسيبها وهيجبرها تكون معايا هناك. صعقت تسنيم بوصفه لها العجيب، هل هي طماعة وكل ما يهمها النقود في نظره؟ لعنته وعادت إلى المنزل، وحينما وجدت العاملة أردفت تسنيم قائلة:
-مروان نسي مفاتيحه، هو واقف برا قدام البيت، ممكن تديله المفاتيح. صعدت إلى غرفتها لتبكي بمفردها، لقد أهانها وهي لن تصمت على ما فعله بحقها أبدًا، فليحترق كل شيء، فقد أخذت على نفسها عهدًا ألا تسمح لأحد أن يهينها. *** في المساء، قد وصل محسن إلى البيت أخيرًا بعد بعض المشاوير التي يجب أن ينهيها بنفسه، جلس على المقعد المتواجد في الصالون، وينتظر منهم تحضير العشاء، ولكن هو غافل عما حدث طوال اليوم، فنادى على رباب بصوت عالٍ.
جاءت رباب وجلست بجانبه فأردفت قائلة بتوتر: -أنا هنا يا بابا، عامل إيه؟ أردف محسن قائلاً بتساؤل، فاستغرب من حالة البيت، فنادرًا ما يكون بهذا الهدوء: -أنا كويس، أومال فين الباقي؟ مفيش حس ولا إيه؟ تحدثت رباب بنبرة متوترة: -تسنيم أنا لما جيت ملقتهاش ومعرفش هي فين، وباين إنها واخدة هدومها وشنطتها. أردف محسن بغضب شديد وصدمة: -يا نهارك أسود، واخدة هدومها وراحت فين؟ وانتِ متصلتيش بيها ليه؟
-اتصلت يا بابا بس مبتردش، مقفول، وكلمت مروان مقفول برضو. -هتلاقيه راح عند عبد الله البيت ومفيش شبكة، يادي النيلة. أردفت رباب بقلق شديد ونبرة منخفضة: -بابا، هو ممكن أقولك خبرين؟ -لو حلوين قوليهم، ولو وحشين فانكتمي. -كده كده هتعرفهم، أنتَ هتبقى جد مرة تانية. أردف محسن قائلاً وارتسمت الابتسامة على شفتيه: -تسنيم حامل؟ هزت رباب رأسها نافية: -لا، مش تسنيم، رنا حامل.
كانت فرحته انكمشت، فهو يريد أن يسمع ذلك الخبر الأجمل على الإطلاق، ذرية مروان، ولكنه فرح أيضًا، فأردف قائلاً: -طيب يا ستي، مبروك. -الله يبارك فيك، بس فيه حاجة صغننة كده. -بس رنا راحت عند أمها، وماما راحت تشوف إيه. -ما تروح هي، دي مش مشكلتي دلوقتي. أردفت رباب قائلة وهي تحاول أن تفسر الحديث: -لا، مهي مراحتش زيارة، رنا سابت البيت لإسلام وعايزة تطلق. أردف قائلاً بغضب شديد:
-يا نهارك أسود على أخبارك الفقر اللي شبه وشك، إزاي محدش يتصل بيا طول اليوم؟ انتِ عايزة تجلطيني، قومي هاتيلي برشام الضغط، بلا هم كلكم. دخل مروان في تلك الأثناء، فأردف قائلاً باستغراب وقلق: -مساء الخير، مالك يا بابا بتزعق ليه؟ أردف محسن بغضب شديد: -مساء الزفت يا رايق، انتَ ومش داري بأي حاجة. -في إيه بس فهمني؟ -مراتك سابت البيت وخدت هدومها. أردف قائلاً بعدم فهم وغضب: -يعني إيه سابت البيت؟ -انتَ بتسألني أنا؟
عندكش علم مراتك فين يا باشا؟ انتَ اتخانقت معاها؟ -لا، وأنا هتخانق معاها ليه؟ -اتصل شوف أهلها ولا راحت فين، هي تعرف حد هنا أصلاً عشان تروحله، أكيد رجعت القاهرة. -خلاص هكلمها يا بابا. -أكيد في حاجة مش مفهومة، هي هتسيب البيت ليه؟ وبعدين كانوا فين وهي ماشية؟ -أمك كانت عند رنا أصلها غضبت برضو، واختك كانت في الجامعة، وزينب كانت بتجيب طلبات باين.
-وماتتصلش بيها وتتفلسف، لأنها مش هترد، اختك قالت إنها اتصلت بيها كتير مبتردش، وشوية إيدي مقفولة. وضع مروان يده في جيبه فلم يجده، فأردف قائلاً: -أنا واضح إن نسيت تليفوني عند عبد الله، اتصل بيه كده. *** صعد مروان إلى الغرفة، وجدها بالفعل قد أخذت حقائبها كلها، ويتواجد على الفراش بعض النقود وسلسلة ذهبية صغيرة يتواجد عليها صورة والده. لم يفهم جيدًا ما تقصده من تلك الحركة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!