الفصل 16 | من 33 فصل

رواية عشق خالي من الدسم الفصل السادس عشر 16 - بقلم فاطمه سلطان

المشاهدات
15
كلمة
4,984
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

فرحة عارمة تحتل قلبها أثر كلماته، وغضب شديد يحتل عقلها كونه لا يقتنع ولا يريد أن تكن امرأة هاشة تظهر فرحتها بحديثه كالطفلة، فحاولت أن تتحدث بنبرة حانقة يتناقض ويتنافي مع المشاعر والفرحة المتواجدة في عيناها. "بقا أنا عايزة شهادة معاملة أطفال؟

لا يدري مروان لما يشعر بالتناقض الذي يصيبه عند الحديث معها، فيشعر بأنه بالفعل يريد أن يقبلها لدقائق طويلة وحتى لتصل إلى ساعات، يتمعن في شفتيها فقط، وفي نفس الوقت يريد صفعها لكونها تترك أساس الموضوع وتتحدث في هراء. فقط ما يجعله يُصمت كونه يحاول أن يُقدر خجلها وقلقها، ولكن كان يشعر بالاستغراب. فحتى حينما كان مُراهقًا ورغم حُبه لملك لم يكن لديه رغبات وأفكار جنونية هكذا.

يريد قطع لسانها أو تقبيلها. لم يكن يُفكر بهذا التناقض والحماقة، ولم يشعر برغبة اجتاحته وأرادها قلبه وبشدة، هو تقبيلها لوقت طويل دون ملل أو كلل. لم يكن يشعر بتلك المشاعر الثائرة، يريد حتى التعبير عن ما يشعر به، لا يجد من الكلمات ما توصفه. هتف مروان قائلاً بغضب وحنق شديد، مقاطعًا حبل أفكاره: "انتِ فاقدة الأهلية يا تسنيم كمان، أيه رأيك؟

لما نكون بنتكلم في حاجة وتمسكي في هيافات يبقي انتِ محتاجة يتعملك عفشة في دماغك اللي محتاجة تتفور دي من أولها لآخرها." "عفشة؟ انتَ شايفني عربية؟ وبعدين شوف مش مستحملني خمس دقايق ولا مستحمل كلامي، نكمل مع بعض بأنهي وش؟ "لا يا شيخة."

قالها بسخرية شديدة عقب كلماتها المستفزة، كونه فقط يشعر بإحمرارها ودقات قلبها التي شعر بها بقلبه، والكثير من الأشياء التي تتواجد في عينيها، وتحاول ألا تنظر له مباشرة وتخفي مشاعرها خلف قناع البرود التي تتصنعه. "مروان."

نعم، اعتراف أخر يعترف به مروان. يراها باردة وحمقاء، ولكنها تجيد نُطق اسمه في لحظات معينة، تستطيع أن تعمل على زيادة مُعدل سرعة دقات قلبه بها. هل يجب أن يشكرها على برودها كونها تستطيع إصابته بالجنون وإثارة مشاعره وهي بتلك التصرفات؟ فماذا سيحدث به إذا تجاوبت معه؟ سيذهب عقله دون عودة بكل تأكيد. "خير." قالها بنبرة هادئة وهو يحتضنها ويحاوطها مرة أخرى. فأردفت تسنيم قائلة بنبرة مرحة:

"هو انتَ بجد مبتعرفش تتكلم من غير ما تحضن؟ هتف مروان قائلاً بنبرة مرحة: "يعني حاجة زي كده، أهو أحسن ما أحضن برا، مع إن ساعات بحضن أي حد مش بمسك نفسي." "رخم أوي." قالتها بغضب وهي على وشك الابتعاد عن أحضانه، ليعيدها مرة أخرى إلى أحضانه وهو يسيطر على نوبة الضحك الذي أصابته. فتنحنح مروان قائلاً:

"ردي عليا علشان مش هسيبك تهربي. قاعدين ساعة أو اتنين أو تلاتة أو يوم لغايت ما تردي، بس للأسف أنا مش هفضل بس حاضنك، الموضوع هيوسع مني." "الزم حدودك." حاولت قولها بتحذير، ولكن للأسف ظهر شبح ابتسامة على شفتيها، فخرجت منها مرحة. فأردف مروان قائلاً، فهو أصاب بلعنة الحب مع حمقاء: "عارفة أبويا لو عرف أن ابنه بيتقاله ألزم حدودك من مراته، ممكن يشيلي اسم ذكر من البطاقة." "خرجت مني كده."

قالتها بخجل شديد بعد أن أطلقت ضحكاتها بسبب مرحه، وهي تذم شفتيها وتعقد ساعديها، فأردفت تسنيم قائلة وهي تستكمل حديثها: "أنا مش عارفة يا مروان، مش عارفة حاجة. عارف أنا حاسة معاك بأيه؟ "بأيه؟ قالها بهيام وهو ينظر في عينيها بتمعن، فحاولت أن تنظر على الأرض وأردفت قائلة بنبرة خافتة وأشبه ما تكون هامسة لا يسمعها سوى شخص تجلس في أحضانه:

"عارف الطفل الصغير لما يكون بيلعب في أي حاجة يلاقيها قدامه في البيت ملهاش علاقة باللعب، وحد يشتريله لعبة جديدة فهو مبسوط بيها بصرف النظر هو ميعرفش هي حلوة وله لأ." صمت لدقائق يفكر في كلماتها بجدية، ثم أردف قائلاً بنبرة حاول جعلها مرحة: "لا، الزم حدودي وشيفاني لعبة كمان؟ الله أكبر." قالها بمرح لا يتواجد بداخله، فأردفت تسنيم قائلة بنبرة حانقة وهي تنظر له: "وملفتش نظرك أني مبسوطة معاك يعني؟

"أنا اديتك عدوي وانتِ ادتيني عدوي اني ابص علي الجزء اللي يقرفني." ثم تنهد واستكمل حديثه قائلاً: "لفت نظري أنك مش عيلة صغيرة، ولا أنا شيء مبسوطة بيه وبس، لأنك أول مرة تحسي معايا وخليتك تفهمي نفسك وتنفذي رغباتها من غير ما تفكري تشبيه يحترم وكل حاجة بس ملهوش علاقة بينا." أنهى كلماته الأخيرة بمرح، فهتفت تسنيم قائلة بنبرة هادئة وهي تنظر له دون أن تخفي عينيها عنه، أصبحت جريئة على ما يبدو:

"أيوة، واللي مخوفني إني أول مرة أحس يا مروان، وإني أي حاجة حستها معاك جديدة عليا وصعب أفهمها، على الأقل انتَ ليك تجربة وكونك راجل وفيه صفات كتيرة تخليك حابب تكمل معايا علشان اللي انتَ حاسه... "مش كل حاجة بنحس بيها سهل نفهمها، متقلقيش. أنا بقيت غبي زيك بالظبط لاني معاكي حاسس بحاجات محستش بيها قبل كده." قالها مروان بصدق شديد، فهناك مشاعر جديدة وتهور جديد يظهر به لم يشعر به من قبل حتى مع ملك، شيء عجيب واعترف به لتوه.

"أيوة يعني انتَ عايز إيه دلوقت؟ قالتها بعدم فهم، وكانت نبرتها هادئة، فأردف مروان قائلاً وهو يضع يده على عنقها: "اخنقك؟ أموتك؟ وله أعمل في أمك إيه؟ ده أنا قربت أنام وانتِ لسه مفهمتيش عايز إيه." ضحكت على ملامحه الغاضبة والحانقة، فأردفت تسنيم قائلة بنبرة متذمرة وهي تبعد يده عن عنقها: "مروان، صعب أكمل حياتي مع حد بيأكل الفول من غير زيت، وأنا بحب أكل مش فول عليه زيت، باكل زيت محطوط عليه حبة فول."

"يا آنسة، واخدك في حضني بقولك كلام عاطفي وشوية وكنت ناوي أعمل حاجات هموت وأعملها، وانتِ تقوليلي فول وزيت؟ يا شيخة، أجيب تربة وأدفن نفسي فيها حي يا تسنيم." قالها مروان بنبرة حانقة وهو على وشك قتلها، ليدق الباب ويتم إنقاذها هنا. لينهض وهو يستغفر ربه ويدعو ألا يصاب بالجنون بسببها. وجد أن الطارق هي السيدة زينب وتحمل بعض الأشياء، الذي حملها عنها ووضعها في المطبخ. *** في منتصف الليل في بيت عائلة العربي

كان أحمد يجلس مع مروان ويشربوا القهوة سويًا، فهي تلك العادة التي ورثوها من والدهم. إن كان مروان، إسلام، أحمد، وحتى رباب جميعهم يعشقوا القهوة. فأردف أحمد قائلاً، مقاطعًا أحاديثهم الجانبية وهو يستغل ذهاب الجميع للنوم: "مش شريف كان في المنصورة؟ ابتلع مروان ريقه وشعر بالغضب الشديد لمجرد أنه سمع اسمه مرة أخرى، يشعر بالغيرة القاتلة وكأنه لم يكفيه ما فعله. كان قليلًا حتى عليه. حاول أن يتحدث بهدوء ولكن خرجت نبرته حادة،

وهي تظهر مدى غضبه: "آه، أضرب له تعظيم سلام وله أعمله إيه؟ مش فاهم." تأكد أحمد أن نبرة شقيقه تدل أن له دخل وكل شكوكه صحيحة، فأردف أحمد قائلاً بنبرة هادئة: "مش كان عامل حادثة؟ "لا إله إلا الله، حادثة إيه دي؟ قالها مروان بنبرة غير مكترثة، فليذهب إلى الجحيم، وقتها سيشعر بالراحة. فأردف أحمد قائلاً بنبرة خبيثة: "بعيد عنك في تور (ثور)

هايج في عنبر سبعة مكسر له، وشه متشلفط يا عين أمه، مش باين منه ملامح حتى، دراعه مشروخ باين." "ألف سلامة عليه. أروح آخد له اتنين كيلو تفاح وأزوره يعني؟ وله عمل إيه؟ مش فاهم برضو، هو صاحبي وله بينا حاجة؟ قالها مروان وهو على يقين أن شقيقه قد علم شيئًا أو على الأقل شعر بشيء. فهتف أحمد قائلاً بمرح شديد وهو يذكر شيئًا قد مر عليه ثلاثة سنوات تقريبًا:

"أصل سبحان الله لما شوفته كده افتكرت واحد أيام ما رباب كانت في الثانوية وكان في واحد بيضايقها في السنتر وساعتها انتَ طحنته. رباب وقتها مرضيتش تقولي أنا أو تقول لبابا، وقالت لك علشان انتَ اللي بتاخد الأمور ببساطة." "ما أنا باخدها ببساطة أه." قالها مروان بمرح. فذكره شقيقه بتلك الحادثة التي قد نساها تقريبًا. فأردف أحمد قائلاً وهو يحاول أن يخمن السبب ويكاد متأكد أن له علاقة بتسنيم حتى ولو لم يفهمها:

"عملك إيه شريف علشان تعمل فيه كده؟ لا وواضح أن أبوه عارف حاجة وكل شوية يقاطعه في الكلام." أردف مروان قائلاً بانزعاج، فهو يخشى أن يسبب لشقيقه مشكلة، ويريد أن يفهم هل هي تحليلاته فقط أو هناك أحد تفوه بشيء: "أحمد، في حد كلمك في حاجة؟ هز أحمد رأسه نافيًا، فاستكمل مروان حديثه قائلاً: "يبقي خلاص، موضوع وخلص." "يعني انتَ؟ "آه أنا." قالها مروان بنبرة ساخرة، فأردف أحمد قائلاً بنبرة مرحة:

"يلا أحسن، أنا مكنتش بطيقه أصلًا. كنت تقلت إيدك شوية." انفجر مروان في الضحك وكذلك أحمد حينما تذكر هيئة شريف، فهو كان يشعر ببروده وسخافته في الكثير من الأحيان، ليس مع هنادي وحتى معه يشعر بسخافة كلماته وأفعاله. *** في القاهرة في أحد البيوت العتيقة ويعود تاريخ تشييدها لسنوات طويلة، ويتواجد في المناطق الشعبية. في غرفة المعيشة الخاصة بالبيت، كان عمر يجلس مع أشجان.

كان عمر قد شعر بالسأم، فما زال لم يكفيها ما فعله وتريد إيذاءها بأبشع الطرق كونها كانت تشعر بالغيرة منها. "خلاص يا أشجان، ما عملت لك اللي انتِ عايزاه ومروة سمعت كلامك، عمالة بقا تلكي في إيه؟ هو ده وقت رغي عن كريمة؟ ضحكت بطريقتها المتصنعة وتلك الضحكة العالية، ثم أردفت قائلة بنبرة ساخرة:

"لا لسه اللي عايزاه متعملش يا نور عيني، وأحمد ربنا إني كنت السبب في إني أصلح علاقتك باختك وأمك بعد جوازك من الولية دي، وأنا قولت لمروة وهي عارفة هتعمل إيه لسه... "هتعمل إيه في إيه؟ أكتر من اللي عملته دي مثلت الدور مية مية." قالها عمر بانزعاج وعدم فهم، فما الذي تريده بعد؟ واهانتهما شقيقته، فما الذي تريده؟ أردفت أشجان قائلة وهي تقترب منه قائلة بدلال:

"هخليهالك مفاجأة يا قلبي، وبعدين مش عيب لما تكون جاي لمراتك اللي بقالك أيام متجوزها وهنقعد نقضي السهرة والليل كله في الكلام عن أم أربعة وأربعين دي، بدل ما تخش ليا بهدية كده؟ "هي دي حاجة تفوتني؟ جايب لك الهدية طبعًا." قالها قبل أن يخرج العلبة المتواجدة في الحقيبة التي كان يحملها، ويفتحها أمامها لتجد سلسلة ذهبية طويلة وغليظة بعض الشيء متواجدة في العلبة، لتحتضنه على الفور. *** في المنصورة في بيت عائلة العربي

في غرفة تسنيم ومروان، كانت تسنيم تجلس على الفراش بعدما صعدت منذ ساعة تقريبًا، ومع رباب جلست معها قليلًا ليتحدثوا في أي شيء، ثم تركتها حينما وجدها تشعر بالنعاس، وذهبت إلى الغرفة. كانت تجلس على الفراش وبيدها تلك الإبرة وخيوط الصوف وتصنع فستانًا من اللون الوردي من الصوف للصغيرة فاطمة، فهي ستعطيه لها تعبيرًا عن حبها لتلك الطفلة، وليس هذا هو السبب الوحيد، فهي تريد أن تشغل عقلها ووقتها بأي شيء، فهي تعلم أن مروان سيصعد مهما جلس مع شقيقه وسيتكمل ما بدأه.

فعقلها سيتوقف عن العمل بسبب مروان أو حتى عمها، ومن ناحية أخرى والدتها. وحتى تفكر هل تستطيع بدأ العمل بمفردها أم لا. دخل مروان ليقاطع حبل أفكارها، فيتوقف عقلها قليلًا ويحاول قلبها إخماده فور رؤيته. فأردف قائلاً بعد أن جلس على الفراش ويرى ما تفعله: "بتعملي إيه ده؟ الإسكارف بتاعي؟ هتفت تسنيم بتلقائية وهي تضع الأشياء على الكوميدينو المتواجد بجانبها: "لا." "شكرًا ياستي لذوقك." تجاهلت تسنيم كلماته الساخرة،

وأردفت قائلة بنبرة خافتة: "طنط سلوى كان فرح ابنها امبارح." "آه، شوفت الصور على Facebook تقريبًا." قالها بعدم اكتراث، فهو لم يفهم ما تريد قوله. فأردفت تسنيم قائلة بنبرة خافتة: "وغالبًا هترجع خلال يومين على فكرة." "عايزة تقولي إيه يا تسنيم؟ لخصي." "لا عادي بقولك مش بقول حاجة." "هيبان." قالها وهو يرفع حاجبيه، فلا يظن أنها تريد قول ذلك فقط. فأردفت تسنيم قائلة بنبرة هادئة وقلقة ومترددة كعادتها:

"مروان، هو ممكن أسألك هعلي حاجة؟ "أكيد يعني اسألي علطول مفيش بينا وسيط، وبعدين يعني يلا اتحفيني د عايزة تقولي إيه." قالها بعبث وهو ينتظر المفاجأة، فهو يعلم أنها ستقول شيئًا إما لم يفكر به أو ستجعله يفقد عقله. فأردفت تسنيم قائلة بنبرة مترددة: "فين حاجة ملك اللي كانت في الدولاب؟ البوم الصور." نظر لها بصمت دقيقة تقريبًا بعد تفوهها بتلك الاستفهامات التي تشغل عقلها. فأردف مروان قائلاً بحقيقة لا يمكنه إنكارها:

"مهما حاولت أتوقع انتِ هتقولي إيه." "هتجاوب وله هتقعد تتريق عليا؟ "هجاوب، بس انتِ ليه بتدوري في حاجة؟ هتفت تسنيم قائلة بنبرة ساخرة ومستنكرة: "كان في واحد بعيد عنك مجنون مكنتش لاقية حاجة أعملها بعد ما كسر تليفوني غير إني استكشف الأوضة والدولاب وأقعد أرتبهم تاني وأقعد أمسح في الأوضة وأي حاجة علشان يومي يعدي." هز رأسه في صمت، فأردفت تسنيم قائلة بإلحاح شديد: "ها، هتجاوب عليا وله لأ؟ "عايزاني أجاوبك بإيه يعني؟

"جاوب بالحقيقة أو السبب اللي خلاك تعمل كده." "علشانك." قالها بنبرة هادئة، فهي بارعة في إفساد أي لحظة، وجعلته يتذكر أشياء كثيرة. فهتفت قائلة باستغراب شديد: "علشاني أنا؟ أجاب عليها مروان قائلاً بعد تنهيدة طويلة وهو يسرد قسمًا في حياته لا يحب الحديث عنه، فهو عمومًا لا يحب الحديث عن أي موقف أو فترة أو حتى لحظة قد تزعجه:

"ملك الله يرحمها ميتة من سنتين وكام شهر، تعرفي بعد موتها قعدت لوحدي كام شهر في شقتنا، قدمت استقالتي وقعدت من الشغل. كنت قاعد مخنوق لدرجة متتخيلهاش، أو حتى شوفتيني بالحالة دي. عارفة لما تبقي غيرتي كل حاجة في حياتك عشان حد وعملتي حاجات كتير سواء صح أو غلط وتصحي من النوم تلاقي الشخص ده مش موجود معاكي، لا مش موجود في الدنيا أصلًا. كان قضاء ربنا، بس ده كان تفكيري."

نظرت له بتركيز شديد وهي تنصت جيدًا له، لا تدري هل تشفق عليه وتحزن على حالته؟ فهي لم تكن تظن أنه من الممكن أن يكن بأي حالة من حالات الحزن، فهي تجد أن الضحك والمرح لا يليق إلا به. كانت تشعر بالغيرة قليلًا. استكمل مروان قائلاً بعد أن ابتلع ريقه:

"كانت أسوأ فترة في حياتي، مكنتش عارف رأسي من رجلي الصبح زي بليل، الأيام كلها زي بعضها. يوم حد يجي يطمن عليا ويمشي، ويوم أحمد يجي يبات معايا، وفترة ميقدرش يجي عشان بابا كان لسه تعبان ساعتها. لغاية ما لقيت مكالمة تليفون اتغيرت حياتي بعدها." "مين؟ أقصد مين اللي غير حياتك بمكالمة ده؟ قالتها باستغراب شديد وفضول غريب، والتمس به شعورها بالغيرة. فأردف مروان قائلاً بنبرة هادئة:

"أقرب صاحب ليا في الجامعة ولما خلصت هو رجع تاني إسكندرية، بس كنا على تليفونات يعني. قالي إنه عرف الخبر وجاي يعزيني. ساعتها مهتمتش، يعني هو مش أول واحد جاي يقولي البقاء لله. جه وبات معايا عشر أيام. كل يوم كان بيعدي أنا بتغير، خلاني أقوم أظبط شكلي وذقني وكل حاجة فيا وأبدأ أضحك وأحس باللي حواليا. خلاني أنزل أتمشى. هتسأليني إزاي في حد بعيد عنك لكام سنة ويجي في ظرف أيام يشيلك من اللي انتَ فيه؟ معرفش عملها إزاي!!

تنهدت بعد انتهائه من تلك الكلمات، فربما هذا هو شعورها معه، ولكنه يختلف قليلًا، فكان هو صديقه، وهو زوجها وشيء لا تجد له مسمى. فأردفت تسنيم قائلة باستغراب: "بس كده؟ تنهد مروان أيضًا ليستكمل حكايته، لعله يستطيع أن يجعلها تفهم شيئًا:

"خال محمود شيخ في الأزهر وكان عايش هنا. جه زارني يوم، أنا منتظمتش في الصلاة إلا بعد ما قعدت مع الراجل ده، أنا كنت بقطع يعني قبلها. وساعتها محمود عرض عليا نفتح مطعم ويكون شغل خاص بينا، كون أن إسكندرية تعتبر سياحية تحديدًا في الصيف. شوفت فكرته مجنونة، بس لما فكرت فيها لقيت أنها أنسب حل وفعلاً بعت الشقة عشان أقدر أشاركه وقررت أبدا صفحة جديدة بعد ما اطمنت على بابا." "ورحت إسكندرية عشان تنسي ملك؟

قالتها بغيرة لم تستطع إخفاءها، رغم أنها لم تشعر بها يومًا تجاه ملك. فأردف مروان قائلاً بتلقائية: "هو الواحد مش بينسى بتغير المحافظات، لأننا نفس الشخص في كل الأماكن. لو كنت نسيتها دلوقتي أبقى عملت كده عشان أنساها. آه، حبيت أعيش وأبني جو جديد لنفسي." ثم تنهد واستكمل حديثه وهو يحاول أن يفسر لها بشكل أوضح:

"محدش يقدر يتجاهل ناس كانت في حياته لمجرد إنهم ماتوا. مش معنى إني بكمل حياتي أبقى نسيتها. أنا مبعرفش أحور، ولا على نفسي ولا عليكي. أنا كنت بحبها ومش ندمان على أي لحظة عشتها معاها ومقدرش أنكر أنها كانت في حياتي، ولا هنسى أربع سنين من عمري، بس في عمر جاي!! عقدت ساعديها وهتفت وهي تعيد سؤالها، فتلك القصص لا تهمها: "برضو مجاوبتش على سؤالي، انتَ ليه شيلت حاجة ملك؟

"قولتلك علشانك. لما حسيت إني عايزك، كان لازم أحترمك وأحترم مشاعرك. أخدتهم وهحطهم في شنطة العربية يوم وأنا رايح الشغل وانتِ نايمة وقررت أسيبهم لغاية ما أنزل القاهرة. ولما غيبت كام يوم أنا روحت وحطيتهم في بيت طنط سلوى بعد ما أخدت المفتاح من عند صاحبتها." لا تدري هل ما فعله يُفرحها أو يحزنها، فهي أصبحت غريبة. فأردفت تسنيم قائلة بنبرة ساخرة:

"سبحان الله، اتجوزت واحدة واتجوزت التانية وكل واحد فيهم عاشت في بيت طنط سلوى، رغم إننا منقربش لبعض ولا لينا علاقة ببعض." تحدث مروان قائلاً باستغراب من علاقته بها، فرُبما علاقته بملك مرت بمراحل طبيعية، ولكن لا شيء يمشي في مساره الطبيعي مع تلك الفتاة: "متخيلتش أي حاجة من اللي حصلت، ولما براجع أنا عرفتك إزاي والدنيا مشيت إزاي مبعرفش." ثم تنهد واستكمل حديثه حينما تذكر مكالمة والدتها:

"ونكد بنكد وتغيير مواضيع بتغير مواضيع مامتك اتصلت بيا النهاردة وقلقانة عليكي عشان بقالها أيام بتكلمك من ساعة ما كسرت تليفونك تقريبًا. وأنا طمنتها عليكي بس هي عايزة تبقي تكلمك." "تمام، أنا هكلمها بكره زمانها نامت." قالتها بدهشة، فهي تدهشها للمرة الثانية. هل هي بالفعل تشغل عقلها بها وتهمها؟ فأردف مروان قائلاً بنبرة هادئة:

"انتِ حرة، بس يعني بما إننا بقالنا كتير بنتكلم وفتحنا سيرة كل حاجة قديمة وجديدة؛ وسألتي وجاوبت، فين ردك انتِ على كلامنا الصبح؟ نظرت له تسنيم بنظرة متعبة وتشعر بالحيرة، فأردفت تسنيم قائلة وهي تعترف بما ينتابها وتلك الحقائق التي ترسخت في ذهنها لسنوات، وهو يجعلها تنسى كل ذلك في لحظة واحدة: "مروان، أنا ضحكت من قلبي وأنا معاك، حسيت بالأمان، مبقتش أخاف من أي حاجة في الدنيا وأنا في حضنك. تحب أقولك إيه كمان؟

أنا معرفش اللي أنا فيه ده أقدر أسميه حب وله تعلق، بس اللي أعرفه إني خايفة يكون حب مش خوف. منك انتَ أكتر حد اطمنت إني معاه. بس اللي كنت مقتنعة بيه أن الحب ضعف، وأن أكتر حد هتحبه وعارف نقط ضعفك هو أكتر حد هيوجعك." تنهدت بعد أن سقطت دموعها ولم تستطع كبحها، وأردفت قائلة بنبرة خافتة: "أنا محتاجة وقت أفكر فيه بعيد عنك و...

قاطعها مروان قائلاً بنبرة عاشقة، بها الكثير من المشاعر التي لا تكفيها الكلمات لوصفها أو حتى أن يُلبي بها نداء قلبه وجنونه بالاعتراف: "يبقي مسمعتيش يعني إيه راجل بيحب؟ وأنا بحبك يا تسنيم، بحبك بطريقة أغرب من كل حاجة مرينا بيها، وأغرب من الطريقة اللي اتقابلنا بيها. بحبك معرفش إزاي، بس اللي أعرفه إني محبش أشوف دموعك. كفيلة إنها تخليني أحرق أي حاجة في الدنيا." ***

اعتراف بدون سابق إنذار، هو لم يكن يظن أنه سيقولها بتلك الطريقة وفي ذلك الوقت!! كيف تجد الحب ضعف وهو سندها، كيف تجده ضعف كونه كاشف لسرها وحياتها وماضيها، فهو لا يفكر في تلك الأشياء ولم يُحب تسنيم التي رآها منذ سنوات، هو أحب تسنيم التي أصبحت أمامه الآن في فترة قصيرة تكون بينهما رابط عجيب. لا يهمه شيء سواها، فماذا سيفعل بحياتها؟ فهل يهم؟

فلتبنِ حياة جديدة يكن هو حجرة أساسها وأولى معارفها؛ تجلس في أحضانه؛ فبعد اعترافه لم يكن هناك داعٍ لتبقي بعيدة أكثر من ذلك. ألقت نفسها في أحضانه تريد شخص تبوح له بما تشعر به تجاهه، ولكن للأسف لا تجد سوى احتضانه لها، وكأنها تبوح بالكثير من الحب والحيرة والتخبط. الأمل والخوف، أشياء كثيرة مبعثرة لا تستطع التعبير عنها ولا حتى قولها.

لمس قلبها اعترافه المفاجئ. كان يأخذها في أحضانه وكانت توقفت عن البكاء منذ دقائق، فأردفت قائلة حينما شعرت بأصابعه التي تعبث في فروة رأسها: "انتَ بتعمل إيه؟ "اقعدي ساكتة يا تسنيم، في بلاوي في شعرك، ده عندك واحدة قاعدة بتذاكر لعيالها وحاطة الأكل عليه على النار." "ظريف ما شاء الله، أنا مفيش حاجة في شعري من زمان، وبعدين متلعبش في شعري عشان هنام كده."

قالتها وهي ترفع رأسها لتنظر له، فأردف مروان قائلاً بنبرة هادئة وهو يقبل رأسها، ثم اتبعها بقبلة على وجنتيها: "أحسن نامي، النوم بيريح يا تسنيم." لم تستوعب ما يفعله، ليستكمل وضع قبلاته الصغيرة والمتناثرة على وجهها، فأردف مروان قائلاً: "خلاص، متعيطيش يا تسنيم." أردفت تسنيم قائلة باستغراب، فهي قد توقفت عن البكاء منذ زمن: "مبعيطش على فكرة، سكت من بدري." أردف مروان قائلاً بنبرة مرحة وهو يقبل أرنبة أنفها،

بطريقة سحرتها بالفعل: "لا، عيطي، العياط حلو." "هو انتَ بتعمل إيه؟ "أنا بحاول أهديكي، هكون بعمل إيه؟ حرام عليكي، اتقي الله." "طب ما أنا هادية أهو." "لا مش باين عليكي." "انتَ بتستغل الموقف يعني؟ "أبقى معنديش دم لو مستغلتهوش بصراحة، ده يبقي عيب عليا. قولتلك الرجالة ملهمش أمان يا تسنيم وانتِ مبتاخدنيش على محمل الجد." "عيب عليك، ده أنا لسه بقول بحس بالأمان معاك، متخلنيش أرجع في كلامي."

قالتها بنبرة مرحة وقلبها على وشك الخروج، تاركًا جسدها من كثرة خفقاته. فأردف مروان بنبرة جادة: "هي الساعة كام دلوقتي على تليفونك؟ أمسكت تسنيم هاتفها وفتحته لتنظر على الساعة، وأردفت قائلة بنبرة هادئة: "اتنين إلا عشرة." "بالظبط." أجابته قائلة باستغراب شديد: "بالظبط ليه؟ "٦٠ ثانية.. دقيقة بالظبط."

كانت تشعر بالاستغراب وعلى وشك أن تتحدث مرة أخرى لتجده قد اقترب من شفتيها مُقبلاً إياها بهدوء وتمعن عجيب. ابتلعت لسانها وتوقف عقلها، وكأن جسدها بأكمله قد فقدت أعضاءه وظيفتها عدا قلبها، فكانت تشعر بدقات قلبها وقلبه. تمعن في تقبيلها ببطء شديد. لم تبادله ليس لدهشتها أو خجلها، ولكنها تجهل أن تجاريه في جنونه وتخشى الغرق معه.

ابتعد عن شفتيها ساندًا بجبهته على جبهتها، كانت مُغلقة عيناها، لا تدري هل عليها أن تدفعه بعيدًا والهرب!! أو أنه يجب أن تفقد وعيها للأبد!! "دقني شوكتك." قالها بمرح مانعًا نفسه من الاقتراب والتعمق معها أكثر، فما زال يشعر بترددها ولا يريد أن يجعلها تسلم نفسها في لحظة هي ما زالت لا تتيقن منها، ولأنه يريدها لحظة مميزة. يعلم أنها عاشقة له، ولكن هناك بعض الحواجز النفسية التي يجب عليه إزالتها، ولكن ما الضرر بأن يتذوق شفتيه؟

نظر على الساعة؛ ثم أردف قائلاً: "على فكرة، كانت دقيقة بالظبط لا أكتر ولا أقل." كانت صامتة، مغلقة عيناها تمامًا وتجبر نفسها على ذلك. فأردف مروان قائلاً بنبرة ماكرة وهو يبعد جبهته عنها ويراها بشكل أوضح: "تسنيم!! "متقلقنيش عليكي أومال." دفنت رأسها في صدره حينما أيقنت وشعرت بالهواء التي لفح بشرتها فور ابتعاده. فأردفت تسنيم قائلة بنبرة هامسة وخافتة: "أنا محتاجة دكتور تخاطب." "تخاطب!! علشان بوسة؟ لا ده ربنا يسترها فعلاً."

"تصبح على خير يا مروان واسكت كلمة كمان... "لا، وانتِ من أهل الخير. على إيه تقفلي الدنيا الخرس للي زيك في اللحظات دي عدل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...