الفصل 19 | من 33 فصل

رواية عشق خالي من الدسم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فاطمه سلطان

المشاهدات
20
كلمة
5,774
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

كانت كريمة قد فقدت وعيها بعد ذلك الخبر الذي وقع عليها كالصاعقة. لحسن الحظ، كانت جارتها، أم أسماء، تصعد على الدرج. نادى عليها ذلك الرجل الذي جاء من المحكمة لتلحق بتلك السيدة. وضعت أم أسماء كمية من العطر على يدها لتضعها أمام أنف كريمة، لعلها تفيق. وبالفعل، استعادت وعيها بعد ثوانٍ. "انتِ كويسة يا كريمة؟ نوديكي المستشفى؟ " سألت أم أسماء بقلق شديد، فمهما فعلت، كانت كريمة أعز أصدقائها. "عمر طلقني!

عمر بعتلي ورقة طلاقي يا أم أسماء." كانت تتحدث وهي تضرب وجهها بكفيها، صافعة ذاتها، لا تصدق ما حدث وما سمعته. كيف تشعر بذلك القلق عليه وكادت تموت لغيابه، ويرسل لها ورقة طلاقها! لا تدري هل يجب أن تجعلها تحمد ربها على ما حدث وتؤنبها وتزيد من وجعها، فهي تستحق ذلك وأكثر، أم تجعلها تهدأ. "خلاص يا كريمة، أهدي. هو انتِ أول واحدة تتطلق يعني. أهدي، اللطم والصويت هيعملوا إيه؟

" قالت أم أسماء بنبرة حانقة، ولكنها حاولت التهوين عليها. كادت أن تستكمل حديثها ليرن هاتف كريمة. طلبت من أم أسماء أن تأتي لها به، فهي ضريحة الفراش ولم تستعد وعيها بشكل كامل. لبت أم أسماء طلبها لتجد أن المتصل هي مروة. "الو يا مروة، أخوكي بعتلي ورقة طلاقي." "يا نهار أسود، عمر اتجوز عليا تاجرة المخدرات! " قالتها بصراخ شديد، وهي تتلقى منه الصفعة الثانية. "إيه اللي بتقوليه ده يا مروة؟ انتِ اتجننتي؟ ***

بعد منتصف الليل، دخلت تسنيم الغرفة بعد أن انتهت من أحاديثها اليومية. وجدت مروان يتحدث في الهاتف ويضحك كعادته. لم تفهم شيئًا من حديثه. وضعت الطعام للقطة وأخذت تراقبه وهي تدعي اللامبالاة، ولا تعلم أنه هو من يراقبها. أنهى مكالمته أخيرًا، ثم أردف قائلًا بنبرة خبيثة ومرحة: "بلاش تدلقي عليا كده، انشفي شوية يا تسنيم. باين إنك هتموتي وتعرفي بكلم مين." "أنا مدلوقة عليك؟ شايفني إيه؟ جردل؟ " هتفت تسنيم بغضب وغيظ.

"متتقوليش على نفسك كده، عيب." قالها وهو يتوجه ناحية الفراش، ليستلقي عليه بطريقة مرحة وقفز فوقه. وكانت هي تجلس على المقعد، فأردفت تسنيم قائلة بنبرة ساخرة: "هنلاقي نفسنا تحت براحة." "عادي، البيت بيتنا. جهزتي شنطتك؟ قاطعته باستغراب، ثم أردفت قائلة: "فهل هو معتوه؟ "شنطة إيه؟ "شنطة سفرك." "ليه؟ هو أنا مسافرة وأنا معرفش؟ ضحك بسخرية، ثم أردف قائلًا بمرح وهو ينظر لها: "جدعة، عرفتي منين يا لئيمة؟ فعلاً مسافرين بكرة."

"انتَ بتهرج؟ " قالتها بحنق واستغراب. فأردف مروان قائلًا بنبرة مرحة ولا مبالاة: "أه بهرج، هو أنا من إمتى مهرجتش؟ هنسافر بكرة الساعة ١٠ هنتحرك وهنروح إسكندرية." جزت على أسنانها بغضب شديد وهي تشتعل من تصرفاته. "يا سلام، مش تأخذ رأي البهيمة اللي معاك؟ قهقه مروان قائلًا بنبرة ساخرة وهو يغمز لها: "بذمتك، أخذ رأي بهيمة ليه؟ قذفته بالوسادة المتواجدة على المقعد الذي بجانبها، فتفاداها لتصدع ضحكاته الرجولية.

فأردف مروان بنبرة هادئة: "خلاص، عيب بقى. إحنا ناس كبيرة، ده شغل عيال." "انتَ بتقول عليّ بهيمة يا مروان؟ "والله يا قلب مروان، أنا أمي ربتني. انتِ اللي قولتي على نفسك، وأنا بصدق اللي بيخرج من شفايفك الحلوة دي." قالها بنبرة أجاد صنع الجدية بها.

فأكمل حديثه قائلًا حينما لاحظ الاحمرار الذي احتل في وجنتيها، لا يدري هل من الخجل أم دلالة أنها تشتعل غضبًا: "محمود صاحبي هيتجوز بعد أسبوع، وأنا لازم أكون جنبه. وانتِ محتاجة تغيري جو، فهاخدك معايا. وبعدين هوديكي القاهرة تشوفي طنط سلوى وتقضي معاه يوم يومين زي ما تحبي." "طب والشغل وبابا يعرف؟

"آه، قلتله واتفقت مع أحمد. هو فاضي وهنادي بقت أحسن يعني، مش بيقضي الوقت كله معاها زي الأول." قالها مروان بنبرة هادئة وهو يحاول أن يخمن ما يدور في عقلها. فاستكمل حديثه قائلًا: "إيه؟ مش حابة تسافري؟ مش كنتي زهقانة؟ "لا، مش حكاية مش حابة، بس يعني... قاطعه مروان: "مفيش بس، أنا الراجل هنا وأنا اللي أقرر إيه اللي هيحصل. انتِ سامعة؟ " قالها بنبرة صارمة، وهو يوجه لها سبابته.

"فضحكت على طريقته التي لا تليق له تمامًا، فأردف مروان قائلًا وهو يرى ابتسامتها: "هو إيه؟ مليش تأثير خالص؟ "لا، دي حركات ناس نص كم. انتَ بتعرف تمشي كلامك من غير الحركات دي." نظر لها مروان وهو يعتدل من نومته وأردف قائلًا بحماس وفرحة وهو يصفق لها، فهي تفوقت بالفعل: "أنا مبهور بيا، انتِ بدأتي تلقطي مني بجد وبتعرفي تثبتيني أنا كمروان اللي أثبت بلد اتثبت." "بحاول أتعلم منك."

"لا، عجبتيني. قومي حضري شنطتك. أنا مش هاخد حاجة عمومًا، حاجتي كلها هناك. هتقضي أحلى أسبوع في حياتك عشان تبقي عارفة." "طب والقطة؟ " سألته ببلاهة شديدة. فهتف بحنق وهو يجز على أسنانه، يتمنى الفتك بها: "ماشي، يلا. أسيب مشاكلي وأسيب الترتيبات اللي في دماغي علشان أفكر في القطة اللي بتقطع الخلف مني لما أقوم وألاقي عينيها منورة. أنا أصلاً بنسى إنها هنا." كانت القطة قد انتهت من طعامها وقفزت للفراش وجلست على فخذي مروان.

فأردفت تسنيم بنبرة ساخرة: "هي مش بتنبسط إلا لما تقعد على رجلك. انتَ كارهها بس هي بتحبك، شوف القلب الطيب." "عقبالك؛ لما تنبسطي لما... " قالها بمكر وخبث، لتُدير وجهها للناحية الأخرى وهي تحاول إيجاد شيء تقذفه به من وقاحته، وأصابتها بالخجل.

فاستكمل مروان حديثه قائلًا: "أقصد لما يكون قلبك طيب زيها. عايز آخذ صورة مع القطة سيلفي، يمكن آخذ صورة سيلفي بعدين مع القطة اللي في بالي." قالها بمرح وخبث وهو يرمي حديثه لها، ويعلم أنها تستمع لكل كلمة، لتنظر إلى التلفاز وتعطيه ظهرها. وأخرج هاتفه ليلتقط صورة له وللقطة، لفعل شيء ما يدور في عقله. *** في الإسكندرية / الساعة الثانية عشر ظهرًا.

كان مروان يصف بسيارته أمام المطعم، ليهبط منها ويقترب منه ذلك الرجل المسؤول عن حراسة السيارات، فهتف مهللًا أساريره بمجرد رؤية مروان: "إزيك يا مروان يا ابني، وحشتنا." "وانتَ أكتر يا عم إبراهيم." فتحت تسنيم باب السيارة لتعدل من وشاحها، فقد شعرت بالبرد اليوم، منذ هبوطها من غرفتها في المنصورة، فالشتاء على الأبواب. هتف إبراهيم بنبرة هادئة: "جاي معاك ضيوف ولا إيه يا مروان؟ اقتربت تسنيم من مروان، فحاوطها بأحد ذراعيه قائلًا

في نبرة هادئة وباسمة: "مراتي يا عم إبراهيم." "أهلاً أهلاً يا بنتي، نورتي والله." "بنورك." قالت تسنيم كلماتها بهدوء واحترام، فهي لم تأخذ على الأجواء بعد. فابتعد مروان عن تسنيم واقترب من عم إبراهيم قائلًا بمرح: "خد المفتاح أهو. اتصرف في العربية، عاوز تغير مكانها، عاوز ترميها، اللي يريحك يا عم إبراهيم اعمله." "لا، مكانها كده حلو، بس هخليه معايا احتياطي." قالها إبراهيم بهدوء بعد أن أخذ المفتاح منه.

ليمُسك مروان يد تسنيم مشبكًا أصابعه بأصابعها الباردة، ويدخل المطعم. ويُرحب به العاملين ويصافحوه بحرارة، حتى وجد صديقه يجلس على المقعد المتواجد بجانب الكاشير، فنهض بمجرد رؤيته، فكان ينتظره ولديه علم بإتيانه. "ده إيه النور ده، إسكندرية نورت." قالها محمود بمرح وترحاب شديد. احتضنه ووجه التحية لتسنيم، فهو كان يعلم بإتيانها، لم يندهش. فبادلته التحية. وأخيرًا جلسوا على إحدى الطاولات في نهاية المطعم ينتظروا الفطار.

فقطع مروان صمتها: "إيه ساكتة ليه يا تسنيم؟ "أبداً، يعني هتكلم مع مين. كنت بتتكلم مع صاحبك ولسه هو ماشى." كانت تتحدث بنبرة هادئة وخافتة. فهتف مروان سائلًا إياها: "إيه رأيك في المطعم والمكان؟ "جميل ما شاء الله، ربنا يوفقكم. وواضح إن صاحبك إنسان كويس ومتفق أنتَ معاه، ربنا معاكم." كانت تتحدث وابتسامة صافية وهادئة ترتسم على شفتيها.

جاء النادل بالطعام، فنهض مروان مصافحًا إياه بمرح وحفاوة شديدة. وشرعوا في تناول الطعام. كانت تسنيم تعبث في طبقها وتحاول ألا تنظر له، رغم أنه هو المسيطر على عقلها وقلبها. إنسان محبوب بشكل عجيب، بداية من الرجل الذي قابله أمام المطعم، ومع صديقه، ومع العاملين الذي يظهر على وجوههم ابتسامة صافية ويمرحوا معه. مميز بشكل لم تكن تعرفه. بالرغم من حماقتها التي تعترف بها أحيانًا، ولكنها تفرق المحبة الحقيقية عن الابتسامة الزائفة.

فلم يقابله شخص إلا وشعرت بمدى تلقائية مروان في التعامل، لم يصافحهم فقط، بل يحرص على سؤالهم عن أحوالهم، وحتى أنه يتذكر من كان مخطوبًا وعلى وشك الزواج، من كانت والدته مريضة، من كانت زوجته على وشك الإنجاب. شخص مُراعي كثيرًا، يتمنى أي شخص أن يكن في حياته. نعم، مجنون قليلاً وغريب أحيانًا. غاضب على أقل الأشياء. تأتي لحظات لا تفهم هل هو يتجاهلها كأنها ليست معه، ولحظات أخرى يشعر بها وكأنه يقرأ قلبها. ولكنه مميز.

قطع صمتهم وتناولهم الطعام ذلك الصوت الطفولي: "مارووو." قالتها تلك الفتاة البالغة من العمر ما يقارب خمس سنوات، بضفيرتها الطويلة وسترتها التي تعطيها حجمًا أكبر من جسدها، وقصيرة أكثر من الأطفال بعمرها، وبتلك الشعرات البنية المتمردة على وجهها. اقتربت منه واحتضنته بحب شديد، ليرفعها مروان ويجلسها على قدمه بسعادة. "أهلاً يا قلب مارو." "هتفت جني بتلقائية وبراءة: "شوفت عربيتك برا، وسألت هيما قالي إنك جيت."

كانت تسنيم تنظر لهما باستغراب، فمن تلك الفتاة؟ لم تسأل عن هويتها، فقد سبقتها تلك الصغيرة متسائلة عن هويتها: "مين دي يا مارو؟ اختك؟ انطلقت منه ضحكة لم يستطع كبحها، ثم هتف بنبرة تحمل الكثير بين طياتها وكانت مرحة أيضًا: "أهو جبتلنا الكلام من العيال اللي واصلين لركبتي، عاجبك كده؟ "دعست تسنيم قدمه من أسفل الطاولة بخجل وحنق من حديثه تلك الأحمق، فتأوه مروان بمكر ثم هتف موجهًا حديثه للصغيرة: "مراتي تسنيم، إيه رأيك يا جني؟

حلوة؟ نظرت جني لها بتفحص وهي تحك ذقنها بترقب، ثم عقدت ساعديها، فهتفت بهدوء: "حلوة وقمورة، عينيها زي روبانزل، بس انتَ أحلى." انطلقت منه ضحكات رجولية، على كلمات تلك المشاغبة التي تزيد من حنق تسنيم، فهتف وهو يتصنع الهمس إلى الصغيرة رغم أن صوته مسموع: "عارفة أنا بحبك ليه يا جني؟ علشان دماغك المتكلفة. أحسنتِ يا جني." جزت تسنيم على أسنانها، فأردفت بغيظ: "مين دي يا مروان؟ وله نخليها مارو؟

"آه، قوليله مارو زي ما أنا بقوله." قبلت جني وجنتي مروان بعد أن ألقت كلماتها الطفولية والمرحة لتسنيم، وحاوطت عنقه وهي تخرج لسانها في شكل طفولي لذيذ، ليقلدها مروان وهو يخرج لسانه مثلها وكأنه طفل بجانبه.

لم تكن تسنيم تدري هل يجب أن تشعر بالاستفزاز أم تضحك على هيئتهم العجيبة. وبالفعل ضحكت رغم عنها على شكل مروان تحديدًا. فجاء محمود من الخلف قائلًا بمرح وسخرية على تلك الطفلة المتعلقة بصديقه وتترك والديها وتأتي إلى هنا، فلديهم متجر خاص بملابس الأطفال يتواجد بجانب المطعم، تقف والدتها به أغلبية الوقت، وأحيانًا يأتي زوجها: "انتِ هنا يا آنسة جني؟ لحقتي يا زئردة تعرفي إنه هنا؟

اتاري أمك جت بتقولي إنك دخلتي المطعم وإني آخد بالي أحسن تخرجي." "مين دي يا مروان؟ " قالتها تسنيم بغيرة من كون محمود ذكر والدتها، فمن تلك المرأة ومن تلك الفتاة؟ تنحنح مروان وأردف بهدوء شديد، ومازالت الفتاة متعلقة بعنقه، ونقلت إخراج لسانها في استفزاز محمود الذي يعبث في وجنتيها: "دي جني بنت واحد وواحدة فاتحين محل جنبنا، بس هي من ساعة ما جت إسكندرية وهي صاحبتي، مش كده يا زميلي؟

"كده يسطا، خلصانة بشياكة." قالتها جني وهي تغمز له وتكور يدها مثله وتصطدم بيده. فقال محمود بسخرية: "عليه العوض ومنه العوض، ضيعنا البت وخلناها سرسجية." أردفت جني بانزعاج وعقدت ساعديها: "مارو، أنا عايزة كريب نوتيلا علشان محدش بيعملوا حلو زيك هنا." هتف محمود بسخرية: "آه فعلاً، كل اللي جوا في المطبخ مش بيعملوا حاجة حلوة والناس بتيجي شفقة." ابتسم مروان بخبث وهو ينظر لمحمود قائلًا

في عتاب شديد: "مش قولتلك ما تضايقش الزباين ياض، وخصوصًا جني مش معاها ورقة كاتبة فيها اسمي علشان تاكل من هنا مدى الحياة ببلاش، تقوم تزعلها." هتفت جني بحنق: "قوله يا مارو علشان لما بطلع الورقة ماما بتتريق عليا وتقولي لازم ندفع، ومحمود بيقولي مش هدفعك بس بمزاجي، مش له علاقة بالورقة." "إيه الاستهتار ده؟ إزاي بصمتي واسمي ملهومش لازمة؟ روح يا محمود خليهم يعملوا أحلى كريب نوتيلا لأحلى جني."

كانت تسنيم تراقبهم، سواء كان مروان وعلاقته بتلك الطفلة، أم بمحمود الذي يمتلك مرح مماثل لمروان. أردف محمود: "يا عم كدابة، مش بقولها ادفعي، وبنعملها كريب بتفضل تقول بتاع مروان أحلى." "أيوه، بتاعه أحلى وأنا عايزاه يعملي بنفسه." هزت جني رأسها بتأكيد لما تقوله. "خلاص، هقوم أعمله حالاً. يلا بينا يا جني." قالها مروان حاملاً إياها ووجه حديثه لتسنيم: "هقوم يا تسنيم، عشر دقايق وأجي. تحبي تطلعي تريحي ولا إيه؟

يجبولك حاجة تشربيها؟ "لا، هستناك مش هطلع أقعد لوحدي، ممكن شاي." قالتها تسنيم بهدوء. فأردف محمود: "خلاص، أنا جاي معاك علشان أوصيهم على أوردر منار بدل ما تيجي تقرفنا." ذهب مروان ومعه محمود وجني. *** دخلت منار المطعم وهي تحمل حقيبتها بانزعاج وتأفف، وهي ترتدي بنطال لونه أسود وكنزة زهرية اللون وتترك شعرها حرًا في السادسة والعشرين من عمرها، مطلقة بعد زواجها بفترة لم تدُم طويلاً. ليأتي محمود من الداخل وهو يمسك

هاتفه بعد أن اتصلت به: "أهلاً أهلاً يا منار." "مروان جه؟ " قالتها بلهفة وعجرفة كعادتها. وما إن سمعت تسنيم تلك الكلمات، لفت رأسها، فكانوا على مقربة منها، ليلاحظها محمود وعادت برأسها مرة أخرى بحنق، فمن تلك المرأة التي تتحدث بصوتها العالي وتسأل عنه أول شيء؟ "آه جه، والمفاجأة جه ومعاه مراته." "انتَ بتهرج؟ مراته ميتة أساساً، هتستعبط عليا يا محمود؟

" قالتها منار بانزعاج شديد، فلا تتحمل أن تكون بحياته أخرى في الوقت الذي لا يهتم بها ولا يعيرها اهتمام منذ عام وأكثر، معللاً أنه لا يريد الزواج. فهتف محمود: "مراته التانية، تعالي أما أخليكي تسلمي عليها. بس أوعي تزعليها ولا تقولي كلمة كده ولا كده زي كلامك اللي زي السم. مروان مش عايز أقولك بيغير عليها إزاي، ده أنا نفسي مسلمتش عليها من كتر ما هو ناقص يشيلها في عينه." كان يتعمد إغضابها بتسلية، حتى أنه ضخم الأمر.

فأردفت منار بحنق شديد: "مش عايزة أقابل حد، فين الأوردر؟ كان المفروض يتبعت للشركة من بدري علشان الاجتماع." "ولا أقولك، أنا عايزة أشوف مراته." كانت عادت إلى صوابها، فقد جاء في عقلها رؤية تلك الفتاة التي تسمي زوجته، هل هي أجمل منها؟ فهي كان ما ينقصها عرض الزواج عليها. قترب محمود من تسنيم قائلًا: "مدام تسنيم، دي بقا منار. حابة تسلم عليكي لما عرفت إن مروان اتجوز، مقولكيش بقا فرحتله إزاي."

مدت منار يدها بحنق شديد، كونه أن الفتاة بالفعل رائعة وجميلة جدًا، فاتنة دون مجهود ودون أن تحاول إظهار جمالها بالمساحيق الخاصة بالتجميل أو بالملابس المكشوفة، والأهم من جمالها هي نجحت بالزواج من مروان. صافحتها تسنيم على مضض، ليأتي مروان ومعه جني تحمل طبقها، لتصافحه منار وذهبت بعد أن أخذت الطلب فورًا من غيرتها التي لاحظها الجميع. *** في المساء. في الشقة المتواجدة في نفس العمارة التي يتواجد بها المطعم.

خرج مروان من المرحاض بعد أن أخذ حمامه ودخل غرفته، ليرتدي التيشيرت، فقد نسي أن يأخذه مع باقية ملابسه. لم يجدها في الغرفة، فخرج ولم يجدها في المطبخ، فوجد صوت التلفاز ينبعث من الخارج، فعلى ما يبدو تجلس هناك بالتأكيد. خرج ليجد أصعب منظر على الإطلاق، كانت تسنيم تجلس على الأريكة، أو ليصحح المعلومة، ببطانية تجلس على الأريكة بالكاد يظهر وجهها. انبعثت ضحكاته الساخرة التي تعرفها جيدًا، لتنتبه له. لم يستطع مقاومة منظرها،

فصاح مروان بمرح: "إيه اللي انتِ عملاه في نفسك ده؟ "هتلج يا مروان، هتلج. قفلت كل الشبابيك وقفلت البلكونة ومش مستحملة الجو ساقعة جدا، فخدت البطانية من على السرير جوا." قالتها وهي تتأكد من التفاف تلك البطانية حولها. فأردف مروان بسخرية وهو يقترب منها ويجلس بجانبها: "أنا لابس نص كم وحران، برد إيه بس؟

"أنا بردانه، انتَ مش بردان خلاص." قالتها وهي ترتجف، فمن الممكن حينما خرجت من المرحاض ودخلت الشرفة قد أصابت ببرد، أو لأنها لم ترتدي ملابس ثقيلة اليوم، لم تكن تظن أن ذلك سيحدث. فأردف مروان بنبرة مرحة: "تحبي مساعدة؟ رمقته بعد فهم: "مساعدة في إيه؟ "أدفيكي وهتدفي أحسن من البطانية كمان." قالها متصنعًا البراءة كما يجب أن تكون. فصاحت تسنيم بنبرة ساخرة وخجلة: "إشعال ذاتي حضرتك؟ بوتجاز؟ أنا بس شكل داخلي دور برد مش أكتر يعني."

"لا، ألف سلامة عليكي. انتِ طرية كده ليه يابت؟ انشفي حبة برد مش مستحملاهم. ده أنا مش شايفك من كتر ما انتِ هتفطسي جوا ومش هعرف أخرجك." قالها بمرح وأمسك الريموت ليأتي بالقناة التي تعرض الأفلام الأجنبية التي يحبها، فأمسك طرف البطانية ليبعدها عنها، وأخيرًا استطاع رؤيتها جيدًا بسترتها الشتوية وبنطالها. لا يدري هل بعد كل تلك الملابس تشعر بالبرد حقًا؟

وضع يده على يدها ليجدها باردة بالفعل. دخل بجانبها، حاوطها بذراعيه، ولم تعترض، فكيف تعترض إذا كانت على وشك إدمان أحضانه التي لا يوجد شيء يجعلها تشعر بالسكينة والدفء والطمأنينة سواها. أردفت تسنيم بنبرة هادئة لتقاطع تركيزه مع الفيلم: "مروان، هو مش صاحبك المفروض عايش هنا؟ " هز مروان رأسه بإيجاب. فاستكملت حديثها بخفوت: "أومال هيبات فين يعني؟ هيبات هنا؟ نظر لها

ثم أردف بسخرية من حماقتها: "لا طبعًا، هيبات عند أخته ووالدته الفترة دي يعتبر." "مش كده، أحنا يعني بنضايقه؟ " قالتها تسنيم بتساؤل. فأردف مروان: "هو اللي اقترح كده، لأني كنت هاجر شقة الكام يوم اللي هنقعد فيهم، وهو قالي لأ. وكده كده الفترة اللي أنا فيها مش هنا، كان بيبات هناك لأن جوز أخته مسافر، وهو عمومًا مبحبش القعدة لوحده."

هزت رأسها بتفهم. وبالنهاية هو حر مع صديقه، وأدرى به. كانت تحاول متابعة الفيلم الذي يشاهده، وكالعادة يشاهد فيلم كله أموات وحروب ودماء، تشمئز، فهي لا تفضل تلك الأفلام نهائيًا والرعب أيضًا، وهو عكسها تمامًا يعشقهم. فحاولت أن تقطع الصمت قائلة: "هو مش قولت هتحكيلي حكاية محمود وخطيبته وأنهم تاني أغرب ناس بعدنا؟ "آه، قولتلك." "طب يلا احكيلي، أنا مبحبش الأفلام دي وزهقانة، كلها دم وقتل." قالتها باشمئزاز. فأردف

مروان بنبرة خبيثة ومرحة: "لا، ميغركيش الدم ده. استني كده بس عشر دقايق، البطل هيمسك البطلة هيقطعها بوس، وأحلى حتة في الفيلم بتغسلني من جوه." قاطعته بغيظ وخجل، لتعيد طلبها مرة أخرى: "كنا بنقول هتحكيلي صح؟ "لا، أنا قولت بوس. أنا عارف نفسي كويس، قولت إيه؟ بلاش النَّصاحة والتمويه." قالها مروان بنفي. فأردفت تسنيم قائلة بحنق: "معلش احكيلي عقبال ما تيجي الحتة."

تنهد مروان ليرفع خصلات شعرها المتواجدة على وجهها. كانت خصلاتها مازالت رطبة، فلم تجففها جيدًا. أردف قائلًا: "محمود خاطب من أربع سنين. الناس بتقعد المدة دي علشان عندهم ظروف مش عارفين يكملوا بسبب الفلوس أو حد بيدرس في ظروف مادية، ده الطبيعي." "آه، ده الطبيعي فعلاً. يعني صاحبك ظروفه وحشة؟

"لا، محمود يعني شغله موجود معايا. غير كده، باباه ليه شغل مع إخواته يعني وبيطلعله فلوس كل شهر كويسة كدخل ثابت، وشقته كمان في عمارة حماه وبيدفع أقساطها." "اومال إيه المشكلة؟ ليه الخطوبة طولت كده؟ " قالتها بفضول شديد، فهي أصبحت تعشق أحاديثه. "علشان هو خاطب لي واحدة أبوها معقد؛ وهو غبي وهي غبية." رفعت تسنيم حاجبيها قائلة باستغراب: "مش فاهمة، معقد إزاي؟

"الراجل ده عنده ٣ بنات، وخطيبة محمود أصغر واحدة فيهم. وأول اتنين اتجوزوا واطلقوا، وفي واحدة منهم معاها عيل والتانية تلاته." "يا نهار أبيض، ده له حق يتعقد الراجل! " قالتها تسنيم بسخرية. فأردف مروان بنبرة هادئة وهو يفسر لها أكثر رغم أنه

مشغول في النظر في عينيها: "لا، ومش بس كده. محمود عندي فوق ما تتخيلي، ورغم حبه هو وخطيبته ومش بيستغنوا عن بعض، إلا إن خطيبته أعند منه ودايمًا خناقات على الفاضية والمليانة، أكتر علاقة اتقلعت فيها الشبكة واتلبست على أتفه الأسباب. فابوها معندوش استعداد يجوزها هي كمان جوازة فاشلة، فكان بيأجل لغاية ما يحس إنهم عقلوا." صاحت قائلة بسخرية: "يالهوي! اومال هيتجوزوا إزاي على كلامك ده؟ "مفيش ذرة عقل فيهم."

هتف بمرح وهو يداعب أنفها: "لا، قرروا ياخدوا شبكتهم ويتخانقوا بعيد عن الناس بقى. هي تفتح دماغه وهو يديها قلمين، يرمي في وشها الدبلة، ترميله الشبكة، كله بالحب بقى لما يتقفل عليهم باب. اللي بيقلع بيقلع، أقصد اللي يقلع الدبلة واللي يلبسها مع نفسهم بقى." تجاهلت كلماته وأحاديثه وتلميحاته. "بس يعني، ليه كل ده؟ متأكد إنهم بيحبوا بعض؟ "بيموتوا في بعض، ومهما سابوا بعض يرجعوا، بس هما أغبياء شوية. عارفة يعني إيه أغبياء؟

" قال كلماته الأخيرة ناظرًا في عينيها بخبث. فأردفت تسنيم: "بحاول أعرف يا ظريف، بطل شغل التلقيح ده." "أنا بقولك الحاجة في وشك مش بلقح، بس مقولتيش إيه رأيك في المطعم وإسكندرية والشقة؟ ابتسمت له ثم تحدثت بنبرة خافتة: "يعني حلو، ما شاء الله. وحبيت جدًا المكان ولسه لما أتعرف عليه وأخرجني. أما بالنسبة للشقة، بصراحة بحيك أنتَ وصاحبك على النظام، يعني محدش يفتكر إن الشقة دي بيعيش فيها راجلين لوحدهم."

"آه، أنا اللي علمت محمود النظام." "حاسك كل حاجة الناس بتتعلم منك، ده غرور أكيد." "ثقة يا تسنيم." تنهد مروان ثم حديثه متسائلًا إياها: "لسه سقعانة؟ "يعني شوية." قالتها بنبرة هادئة. فأردف مروان بنبرة مرحة وماكرة: "ماشي يا باردة؛ طبيعي تبقي طول أوقات سقعانة." "أنا باردة؟ قصدك إيه؟ " قالتها بشك وهي ترفع حاجبيها. فتحدث مروان بنبرة هادئة

يشعرك بها بمدى براءته: "مش حاسة بالبرد تبقي باردة، هيكون قصدي إيه. دايماً سيئة الظن بيا كده يا تسنيم، بتزعليني." قالها بخبث ومكر شديد. فصاحت تسنيم بنبرة حانقة: "متتقوليش عليا باردة، بتعصبني على فكرة." "دي الحقيقة يا تسنيم؛ لو مش باردة اثبتيلي عكس كده." نظرت له بسخرية وأردفت قائلة بحنق: "دي أثبتها إزاي إن شاء الله؟

ذقنه بتفكير شديد ثم هتف: "المفروض تكوني ذكية عن كده وتفهميها وهي طايرة. واحدة تحب تثبت لجوزها إنها مش باردة هتعمل إيه يعني يا تسنيم؟ شغلي الجزمة اللي هتصدّي من قلة الاستعمال الصح ليها، فكري كده، ممكن تعمل إيه؟ أجابته بجدية أجادت صُنعها. فأردفت تسنيم بهدوء ومرح: "تعمل شاي." قرص إحدى وجنتيها قائلًا بحنق وهي تقهقه على ما تفوهت به: "لا، قهوة سادة على روحك اللي هطلعها في إيدي، طب انتِ باردة يا تسنيم، إيه رأيك؟

وانتِ واحدة مش قادرة تعبر عن مشاعرها." "متتقوليش باردة، بتستفزني، تعصبني." قالتها بغضب وحنق وهي تبتعد عن صدره، رغم مرحها منذ ثوانٍ، فقد اختفى. فهتف مروان: "بوسة لجوزك على خده كده، هتأكد إنك مش باردة." "انتَ بتستغلني، مش بتتاكد إنّي باردة." "بوسة بريئة على خدي زي اللي اتدهاني... " توقف عن الحديث ثم أردف بنبرة خبيثة وهو يقصد ما يقوله: "اتدهاني منار... أقصد جني." "منار؟ " قالتها بغضب شديد.

فأردفت مروان بنبرة مرحة: "لا يا مجنونة، بهزر. بوسة إيه؟ هو أنا بطيقها؟ "يعني لو بطيقها عادي؟ "آه، ممكن ساعتها أفكر." رمقها بمرح وهو يزيد من ثقته بنفسه، فهو يؤثر عليها ولكنها تنكر ذلك. فهتف بخفوت: "مدام بتغيري، بتحرميني من بوسة على خدي بريئة يا ظالمة يا مفترية." "هتكسف." قالتها بتردد ونبرة خافتة وهمسة، ولكنه سمعها. فأردف مروان

بنبرة خافتة ومرحة كعادته: "وأنا مشكلتي إني بتكسف، حتى اسألي بابا وماما وناهد والبيت كله. هغمض عيني." ما إن انتهى من كلماته، أغلق عينيه وهو متأكد بأنها لن تفعلها، هو فقط يزعجها، فمن سابع المستحيلات أن تفعلها. ولكنه لا يعلم أنه أثار مشاعرها وغيرتها النابعة عن العشق الذي يأبى عقلها الاعتراف به.

أصابته تسنيم بالدهشة لوهلة، فلم يصدق ما يحدث، حينما وضعت يدها على وجنتيه، لتقترب برأسها ناحية رأسه بهدوء شديد، وتقرب فمها من وجنتيه الأخرى، ووضعت قُبلة رقيقة عليه، لمست به خشونة ذقنه. وما أن كانت على وشك إبعاد شفتيها من وجنتيها والعودة إلى مكانها بعد أن فعلتها، حتى أمسك بها من يديها وشبك أصابعه بأصابعها، لاحقًا شفتيها الناعمة، ملتقطًا إياها بشفتيه، فلم يعطها فرصة للابتعاد، كيف تبعد قبل أن تهدأ تلك الثورة القائمة بداخله بسبب فعلتها البسيطة؟

فيريد تكرار تلك الدقيقة، فلم تكن وقتها كافية له ليتذوق من شهد شفتيها بعد المرة الأولى. تسارعت دقات قلب تسنيم وشعرت بالدهشة أثر فعله، يلثم شفتيها بعشق شديد وشغف أثار بداخلها مشاعرها الأولى وأحاسيسها التي لم تعرفها إلا معه. ثوانٍ مرت، كان هو المُعطي فقط. عانقها وبشدة، لا يتواجد ذرة بينهم قد تسمح بمرور الهواء.

بعد ثوانٍ من جنون مروان وعاطفته القوية، لفت تسنيم يدها حول عنقه وأغلقت قبضة يدها. أصابته بالجنون التام في تلك اللحظة، فهي تعطيه التصريح والحق ليستكمل ما بدأ به بتلك الاستجابة الخجولة، دافعة إياه ومشجعة له بأن يقترب أكثر. وفي تلك اللحظة، رقص قلب مروان، فهي تبادله بخجل وبطء شغفه بفطرتها الأنثوية، بينما هو مشاعره تفوقها بمراحل. كان قلبها لا يسمح حتى لعقلها أن يعمل، فقد لا تشعر بشيء سوى دقات قلبها العنيفة.

أشعلت بداخله لهيبًا في أعماقه، كان يريد المزيد والمزيد منها. ابتعد عنها، ساندًا بجبهته على جبهتها، وما أن التقطا أنفاسهما، ألقى بتلك البطانية التي تعيق حركته، لتميل ويميل فوقها. لا يريد شيئًا، فيكفيهم النيران التي لن تدفئها فقط، بل ستحرقهم من فرط مشاعرهم. هبط مروان بشفتيه تلك المرة إلى عنقها، طابعًا عليه قبلاته الثائرة، ولم تعترض أو تبتعد حتى. لا مجال للابتعاد، فهو عبث بقلبها وبمشاعرها كما أراد.

جعلها ليست باردة، بل تجاريه في جنونه الذي راق لها. فهي تريده، لن تنكر أنها تشعر بالرغبة في ترك نفسها بين ذراعيه، ولا يهمها النتائج. عاد مرة أخرى إلى شفتيها ليزداد عناقهم الحميمي، وبادلته تسنيم قبلته، حتى أنه خلع التيشيرت الخاص به ليصبح عاري الصدر، ثم استكمل في جنون عشقه، يريدها وبشدة، وهي استسلمت له أكثر.

لم يتحدث مروان بسخافة أو مرح ليفسد ما يحدث، أو أن تفصله تسنيم بكلماتها الحمقاء. تركوا قلوبهم النابضة أن تتعامل وتتصرف بعشق يخلو من أي عوائق. كانت في تلك اللحظة لا يريدون أي كلمات، فهما يسيئوا استعمالها ويفسدوا تلك اللحظات.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...