الفصل 18 | من 33 فصل

رواية عشق خالي من الدسم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطمه سلطان

المشاهدات
16
كلمة
3,715
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

اذكروا الله _من السنن المهجورة عدم نزع اليد عند المصافحة حتى ينزعها الآخر: عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح رجلاً لم يترك يده حتى يكون المصافح هو الذي يترك يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. صححه الألباني. _"تقولين لي أنك تخافين الحب، لماذا تخافينه يا صغيرتي؟ أتخافين مجيء الربيع؟ -جبران خليل جبران

_لحظة واحدة من الخوف الحقيقي والحب الحقيقي بدلاً من الحياة الكذب، من المشي بلا سبب والكلام بلا معنى وفتح الأبواب وغلق الأدراج وطلوع السلم والرد على التليفون وانتظار السيارات. _"بعد مرور عدة أيام" {في المنصورة} في المساء، دخل مروان المنزل كعادته بعد انتهاء عمله في المصنع، فالواقع لا يجد أنه يشعر بالراحة هناك أبداً.

كونه يشعر أنه في مكان يشبه هواياته، ولساعات طويلة يجلس في مكانه ينتظر أن يحدث شيء يستطيع حله، يجد أن اليوم يمر بعد أن يصاب بالملل والكلل. ففي عمله الأول كانت معه ملك وحتى الكثير من الأصدقاء الذي كان يعرفهم منذ الجامعة وعمل معهم، فاليوم كان يمر بطريقة غير تقليدية ويجد الكثير من الأشخاص الذي يتحدث معهم أثناء العمل.

وحتى في مطعمه مع محمود كان يذهب ويجلس كيفما يريد أمام البحر يستعيد نشاطه ويعود دون الارتباط بمواعيد، أو المرح مع محمود والكثير من الأشخاص الذي عرفهم. ولكن كونك تجلس على مقعد تنتظر عدد ساعات معينة حتى تذهب أو يطلب منك شيئاً يشعره بالملل، ولأن من يعرفهم من المصنع كعبدالله وغيره يشغلهم العمل ولا يكن لديهم وقت فراغ. أردف مروان قائلاً بنبرة مرحة وهو يتذكر طلبات والده ومكالماته المستمرة أثناء تواجده هناك:

-ده أنا أحمد هديله شهادة معتمدة على جدعنته إنه من الثانوية هناك أصلاً. خرجت شقيقته من المطبخ وهي تحمل تلك القطة، وأردفت قائلة بنبرة هادئة: -أهلاً يا مروان. نظر لها مروان بغموض شديد، فحينما وجد معها القطة كان يحضر أسئلته عنها، فأردف مروان قائلاً بسخرية: -أهلاً بيكي يا أختي، أومال الباقي فين؟ مفيش حس ليه للبيت. أردفت رباب قائلة بتفسير:

-ماما عند خالتو كالعادة وأحمد عند هنادي وهيعدي عليها بليل وييجوا، وكارمن فوق في أوضتها وبابا راح عند عم جمال. -ليه هو عم جمال تعب تاني ولا حاجة؟ قالها مروان باستغراب وقلق وهو يرفع حاجبيه، فأردفت رباب قائلة بنبرة هادئة: -لا مش تعبان، خطيب خلود جاي النهاردة وهيرجعوا لبعض، فعم جمال قال لبابا يروح وكده أنت عارف إنه بيحبه قد إيه وكده زي أخوه. -تسنيم فين؟

تنهدت رباب وأردفت قائلة دفعة واحدة حتى لا يستجوبها عن القطة، فلم يصادفها بمفردها في الأيام الماضية: -فوق في الأوضة، أنا من ساعة ما جيت وطنط زينب مشيت، قلت لها إنها تنزل تتغدى مرضيتش، طلعت كلمتها وكده لقيتها مخنوقة، وحتى كارمن كلمتها وطلعت تخليها تشوف الحاجات اللي كانت جايباها ليها مقاسها ولا لأ عشان جايبة ليها هدية. وبرضه كارمن قالت نفس كلامي إن فيه حاجة مش طبيعية فيها، أنا حتى افتكرت إنها متخانقة معاك.

أردف مروان قائلاً وهو يصعد على الدرج بقلق: -لا متخانقتش معاها، أنا طالع أشوف مالها. _{في غرفة مروان وتسنيم} كانت تسنيم تنام على الفراش وتنكمش في طرفه ومدثرة بالغطاء، كانت تمسح دموعها لا تدري لماذا تأثرت بتلك الحادثة لهذه الدرجة الكبيرة، دخل مروان الغرفة وأغلق الباب خلفه قائلاً بنبرة غامضة ومبهمة وهو يتصنع عدم معرفته لشيء: -إيه يا تسنيم مكلتيش ليه؟ مسحت تسنيم دموعها بسرعة حتى لا يراها وأردفت قائلة وهي تدثر بالغطاء

أكثر وتحاول إخفاء وجهها: -أبداً، تعبانة شوية، هبقى آكل كمان شوية كده، مش جعانة. اقترب مروان قليلاً من الفراش ليجد عيونها حزينة وكأنها عادت لسابق عهدها: -تسنيم مالك؟ في حد زعلك أو حاجة مزعلاكي؟ -مفيش يا مروان. -انطقي يا تسنيم، متتعبنيش.

قالها مروان بنبرة حانقة وهو يخرج محفظته من جيبه ويضعها على الطاولة وأخرج هاتفه وخلع الجاكت الذي كان يرتديه، ففي تلك الأيام يصعب عليك معرفة إن كان الجو أقرب إلى الصيف أم يميل إلى البرودة، فهذا هو فصل الخريف المتقلب. فأردفت تسنيم قائلة بنبرة هادئة: -قلت لك مفيش، أنت شايفني بشد في شعري. -أنت زعلانة للدرجاتي؟ قالها مروان بنبرة متسائلة أجاد فيها إظهار جديته، فأردفت تسنيم باستغراب، فكيف عرف ما يحزنها؟

فعلى ما يبدو هناك شيء آخر: -زعلانة على إيه؟ مش فاهمة. -إن خلود هترجع لخطيبها. -أه فعلاً، زعلانة جداً. قالتها بسخرية، فهي تريد خنقه أحياناً فلا تدري هل تفكر فيمن ماتت أو من تحيا، وهو يتعمد إثارة غيرتها بها، وقالتها بعد أن تذكرت أن رباب قد أخبرتها. فأردف مروان قائلاً بنبرة هادئة وهو يحاول أن يفهم ما بها: -قوللي مالك. -مفيش يا مروان، كنت بفتكر بابا وحاجات كتير في حياتي، بس.

قالتها بتوتر شديد وهي تحاول إتقان كذبتها، فهي لا تريد أن تخبره أن السبب الأساسي لدموعها وحزنها كونها سمعت عن حادثة اغتصاب حدثت لفتاة من قبل زوج والدتها، تعلم أنها لم تمر بكل ذلك ولكن أخذت دموعها مجراها لساعة متواصلة قبل أن تأتي كارمن وتقاطعها، وبمجرد ذهاب كارمن استكملت بكائها ودموعها تهبط بصمت، ربما كان هناك شيء بداخلها تريد البكاء عليه، فخرج عند رؤيته أول خبر، فأحياناً تريد البكاء لسبب تجهله. كان مروان ما زال واقفاً

أمامها: -ارمي الماضي كله وراكي يا تسنيم، كل واحد مر بحاجات كتير في حياته لازم ينساها عشان يقدر يكمل. هتفت اسمه بتلك النبرة التي يعشقها، فهو يعشقها وهي تتحدث بنبرة هادئة وخجولة لا تتصنع فيها البرود أو حتى أن تظهر سخافتها وعدم مبالاتها بنبرتها الحانقة: -مروان! -إيه يا تسنيم. تنهدت وأردفت قائلة بنبرة خافتة، فهي لا تدري هل سيوافق على ذلك أم لا، ولكن لتجرب حظها:

-أنا عايزة أروح عند طنط سلوى أزورها وأقعد معاها كام يوم، عايزة أمشي من الأوضة هنا والبيت لأني حاسة بالخنقة من قعدتي هنا بقالنا كتير أوي ويعتبر أن بتنزل وتروح وتيجي. -تسنيم أنت عايزة تشوفيها بجد ولا عايزة تهربي مني؟ قالها وهو يحك ذقنه، أحياناً ينجح في فهمها وأحياناً يفشل في فهم النساء وما يدور برؤسهن، وتحديداً المتواجدة بجانبه.

تنهدت تسنيم، فهي تشعر أنها أصبحت تلقائياً تتشارك معه شعورها إن كان بالحيرة أو الحزن أو السعادة، فلم تكن عادة عندها حتى مع سلوى وسعد كانت تخفي عنهما شعورها حتى لو أخبرتهما بعض الحقائق. أكثر من مروان، فهو وحده من جعلها تفرغ عما ينتاب قلبها قبل عقلها، أردفت تسنيم قائلة بنبرة هادئة وصادقة: -الاتنين يا مروان بصراحة.

أشار لها بأن تفسح له المجال قليلاً ليجلس بجانبها ويأخذها في أحضانه، فهو يشعر بالارتياح حينما تتواجد في أحضانه، مشاعر غريبة تنتابه عند تلك اللحظة، وبالفعل فعلت ما يريده لتبعد عنها الغطاء وتفسح له المجال، فهي أيضاً تحب اللجوء إلى حضنه، كانت تحتاجه وتشعر بالخجل من طلبها، تريد أن تشعر بذلك الشعور الذي يدب بأوصالها، الأمان والانتماء فقط في تلك اللحظة تشعر بالسكينة. فأردفت قائلة بنبرة هادئة أشبه للهمس وهي ترفع رأسها لتنظر

له وتضع يدها على صدره: -مروان. تنهد مروان حينما شعر بملمس بشرتها في حضنه ودفء جسدها، وتلك النبرة التي تسيطر بها عليه: -أهو أنا مبيهتعبنيش إلا مروان دي. -مش فاهمة. قالتها بعدم فهم، فأردف مروان قائلاً بنبرة حانقة: -ولا هتفهمي يا تسنيم، قولي عايزة تروحي عند طنط سلوى ليه بعيداً أنها وحشتك، ليه عايزة تهربي مني؟ -عادي يمكن عشان أوحشك. -عادي أنت وحشاني كده كده. قالها بمرح وقصده واضح، فأردفت تسنيم قائلة بسؤال يتراود في

عقلها في الأيام السابقة: -لو باباك مكنش جه تفتكر كان هيكون في أمل إننا نتقابل تاني؟ ده كان زمانا اتطلقنا. -طنط زينب بتقول حاجة كده، الملافظ سعد يعني مينفعش تكوني في حضني وتقوليلي كان زمانا اتطلقنا. -مش قصدي يعني بكلمك بجد، يمكن كان زماني في القاهرة اشتغلت بعد ما أروح interview، ويمكن كنت فضلت مع طنط سلوى أو أجرت شقة عشان أكيد مكنتش هروح أعيش في شقة عم سعد، وأنت كان زمانك في إسكندرية، يعني كل واحد كان هيكون في حتة.

تفوهت بالحقيقة، فكان كلا منهما يعيش في مكان آخر، فأردف مروان قائلاً بتفكير وهو يرد على كلماتها: -يمكن عندك حق، بس لما بيكون في نصيب في حد ربنا هيجمعك بيه مهما شوفتي إنه مستحيل، وده اللي حصل معانا، يمكن من سنين ربنا كان ليه حسبة إحنا منعرفهاش عشان يوصلنا ببعض. -مبسوط يعني إنك هنا ولا كنت تتمنى إنك تكون قاعد في إسكندرية في مطعمك ومش شايل هم حاجة؟

تنهد مروان لتشعر بأنفاسه، فهي حمقاء، هي في أحضانه وهناك وقت للحديث عن شيء؟ فأردف قائلاً لعله يبث الراحة بها في الإجابة على تساؤلاتها: -هتصدقيني لو قولتلك لا. -يعني هتصدقك أه. بس ازاي يعني حياتك ماكنتش عجباك؟ -أكيد كانت عجباني، وفي الشغل أكتر حاجة. بس كان في حاجة ناقصة، رغم إني حاسس هنا بحاجات كتير تضايقني زي الشغل، بس حابب إنك تكوني جنبي.

صحيح غبية، يا أما بتدعي الغباء والبرود، بس اعترف إنك بتقدري توصلي لحتة في قلبي عجيبة، مخليني قابل باللي أحنا فيه. -يعني أوصل لفين؟ مش فاهمة. قالتها بمرح، وهي تدعي الحماقة على أكمل وجه، ولكن لا تكذب. فيكفيها فقط أن تكن في أحضانه، وليتحدث معها ليشعرها أنها في مأمن عن الكون كله. فأردف مروان بخبث: -بلاش توصلي لفين، علشان أنا عارف الفلسفة الزايدة بتتعب دماغك. وأنا اتفقت إنك تعملي أي حاجة غير إن تشغلي دماغك.

ما أن انتهى من كلماته، وضع يده على موضع قلبها ليشعر بدقاته العالية، كعادتها دائمًا بالقرب منه. أخجلته حركته. يريد أن يصيبها بالجنون؟ أم ما الذي يريده من فرط المشاعر التي يشعر بها؟ -نفس الإحساس اللي انتِ حاساه دلوقتي، بس انتِ لسه مش قادرة تستوعبيه. أنا متقدم عنك. أبعد يده عنها، ثم وضعها على رأسها. طبع قبلة على جبينها، وأردف قائلاً مغيراً الحديث، فهو مدرك أنه إذا استكمل معها الحديث بتلك الطريقة ستفقد وعيها:

-قوليلي بقا، كنتي بتعيطي ليه؟ -انتِ رهيبة على فكرة. بتعرف تجرجر اللي قدامك لغاية ما توصل لسؤالك. -صدقيني أنا لو جرجرتك مش هتعرفي ترجعي. هجرجرك للرذيلة وهتحبيها. قالها غامزاً لها بطرف عينه، ويمرر أصابعه على وجهها بهدوء شديد. فأردفت تسنيم قائلة بنبرة خافتة، وهي تعتدل قليلاً حتى تكن في مستواه:

-صدقني، كنت بفتكر اللي حصل واللي مريت بيه، فافتكرت بابا وكده. لإن كنت بفكر أصالح عمي وأكلمه، مش أكتر، زي ما قولتلك امبارح إني هبقي أكلمه وكده، بس عيطت. قولت هكلمه كمان شوية لما أهدي. -ماشي. قالها بنبرة هادئة، فبدي حديثها مقنعاً نوعاً ما في نظره. هبط إلى عنقها ليترك قبلة عليه، وترك قبلة على تلك السلسلة التي ترتديها. عانقها أكثر، فهي لم ترَ نفسها على الأغلب. أردفت قائلة بنبرة خجلة وغير منطقية،

فإن كانت لا تفهم ما يفعله: -انتِ بتعمل ايه؟ -بسلم على حمايا. قالها بسخرية من حماقتها وسؤالها. ثم تنهد واستكمل حديثه قائلاً بسخرية، وهي في أحضانه ويسند بذقنه على كتفيها. فهي لا تدرك أو اصطدمت حائط حتى تنسى تلك المنامة الحريرية من اللون الأسود لتعكس بشرتها الفاتحة. ترتديها وتظهر جزء كبير من بشرتها، ذراعيها الظاهرة والواضحة بسبب تلك الحمالة الرفيعة وعنقها: -ياه، عيطي كل يوم يا تسنيم، وازعلي كده. -اشمعنا؟

قالتها بعدم فهم، فهل يعجبه عبوسها وبكائها؟ فأردف مروان قائلاً بخبث، وهو يتذكر حديث شقيقته بأن كارمن كانت هنا وقد جاءت لها بهدية. فعلى ما يبدو سيذهب لشكرها على الهدية بنفسه: -لا ولا حاجة. انتِ قوليلي، عارفة ليه أنا قلبي اختارك؟ عارفة ليه أنا راضي بنارك؟ -أنا مقولتش كده. وبعدين، مين اللي خدعك وقال لك إن صوتك حلو؟ -نفس اللي خدعك إن عينك حلوة. *** في شقة إسلام

نهضت رنا من فراشها بعدما شعرت بخلو المكان بجانبها، فابنتها ليست معها. فهي قد تعبت وأخذت قيلولة وسط اليوم كعادتها الفترة الأخيرة، تشعر بالألم والإرهاق بسبب الحمل. خرجت إلى الصالة لتقعد. إسلام يجلس على السفرة وبجانبه ابنتهما تعبث في الألعاب التي يضعها أمامها. أما هو منشغل على الحاسوب، تارة يحادثها وتارة يكتب بعض الأشياء. لأول مرة يفعلها إسلام. اقتربت منهما. حينما رآها إسلام، ارتسمت ابتسامة على شفتيه:

-مساء الخير، صحيتي يعني. -اه صحيت. هي فاطمة صحيت من امتى؟ أردف إسلام قائلاً بنبرة هادئة، فاليوم كان إجازته، ربما ما زال هناك برود بينهم وتجاهل منه تارة ومنها هي تارة. فأغلب الأوقات تحاول تجاهله: -أبداً، كنت داخل آخذ المصلية ساعة العصر لقيتها صاحية، وكانت في بداية إنها تعيط. وأخدتها علشان متصحكيش. رفعت رنا حاجبيها باستغراب شديد من كلماته، فمنذ متى وهو يهتم ببكاء فاطمة أو جعلها تشعر بالراحة؟

وشدت أحد المقاعد لتراها ابنتها وتضحك ببراءة عجيبة بمجرد رؤيتها. وكانت تحاول القفز الذهاب لها. فحملها إسلام ووضعها على فخذي رنا لتحتضنها وتقبل وجهها، وكانت تضغط على بطنها التي انتفخت قليلاً، فهي في بداية الشهر الخامس تقريباً: -لا، اهدي يا فطوم. أردف إسلام قائلاً بنبرة هادئة: -عملتي ايه؟

نظرت له باستغراب شديد جداً، هذه مرة. فكانت تتفوه بعديد من الكلمات من قبل، أن كان بخصوص ابنتها أو بخصوص أي شيء. وكان من الممكن أن يكون منهمكاً في العمل الذي يفعله على الحاسوب ولا يركز في شيء: -معملتش حاجة. ياريت متكنش عطلتك عن الشغل. -لا، مفيش عطلة ولا حاجة. المهم انتِ كويسة؟ وأحسن؟ امبارح كنتي حاسة بدوخة وتعبانة. -أنا؟ اه، الحمدلله.

قالتها بدهشة، ربما تلاحظ تغيره في الفترة الأخيرة وتتجاهله، ولكن اليوم ظهرت به صفات وأفعال جديدة. أغلق الحاسوب ونهض ليقرب مقعده من مقعدها، وأمسك يدها وأردف قائلاً بنبرة حاول جعلها هادئة ولكن ليست باردة: -خلاص يا رنا، بلاش القمص ده. من ساعة ما رجعتي البيت وأنتِ بتحاولي تتجنبيني. صحيح أنا قولتلك هنحل مشكلتنا سوا وأنا بحاول أغير من نفسي، بس أنتِ كمان حاولي تغيري من نفسك. -ليه؟ وأنا كنت بعملك إيه علشان تقولي أغير من نفسي؟

أردف إسلام قائلاً بنبرة حانقة: -أنتِ من يوم ما خلفتي فاطمة وأنتِ طول الوقت مبتتكلميش إلا عن أي حاجة تواجهك معاها، وطول الوقت ترغي مع مامتك ومع ماما في التليفون. لا وكمان لما كنت أكلمك عن طموحي مكنش بيهمك وبتحاولي تقللي مني ومن اللي بعمله. -هو أنا كنت بكلمهم علشان بدلع؟ مش بسألهم أعمل إيه وأتصرف إزاي؟ شايفني كنت مخلفة عشرة ولا عندي خبرة حتى؟ وبعدين ده كان في الشهور الأولى، ومتجبنيش أني أنا السبب.

قالتها بنبرة حانقة وهي تداعب وجنتي ابنتها. -أولاً، أنا مكنتش بلاقي كلام أقوله. عارف إني شخص عملي ومبعرفش أذوق في الكلام، وأنتِ عارفة ده من يوم ما عرفتك. وبعدين أنتِ لو كنتي عملتي أكل أو عملتي حاجة، كنتي طول اليوم تحكي في إنجازك اللي عملتيه أو التعب اللي أنتِ حاسة بيه. من قبل حملك، لأن طبيعي تكوني تعبانة. قالها وهو يفرغ ما كان يشعر به، فأردفت رنا قائلة بنبرة ساخرة: -خلاص، طلعت أنا غلطانة في الآخر كمان.

أردف إسلام قائلاً وهو يحاول ألا يغضب: -طيب، بلاش الموضوع ده. خلينا نفتكر لما عرفتي أنك حامل وفضلت مخبية عليا يجي شهر وروّحتي قعدتي عند مامتك واتحججتي باختك أنها غضبانة وبتواسيها، ومامتك تعبانة، وفضلت تقولي أسباب غير طبيعية. -أنتَ مكنتش عايزني أحمل بسرعة بعد فاطمة، وأنا مكنتش عارفة أقولك. وبعدين دي كلها مش أخطاء تتهمني فيها.

-خلاص يا رنا، اللي حصل حصل. مكنتش يعني هقتلك لو قولتي ليا، وخلاص اللي غلط غلط. أنتِ عارفة إني بحبك ومش محتاج أقولها. ممكن أكون غلطت وأنتِ غلطتي، بس خلاص يعني مش هنفضل كل شوية مقسّمين ورديات مين يتجاهل التاني أكتر. قالها بنبرة هادئة بعد أن قبل يدها للمرة الأولى، لتمد ابنته يدها ليقبلها مثلما فعل لوالدتها، تحت ضحكاتها الطفولية. فرُبما لا يجب أن تحكم على شيء من وجهة نظر واحدة.

فربما البعض يرى أن كل علاقة تواجهه مشكلة، يكون أحدهما المخطئ والآخر محب، ولكن أرى أن أي علاقة يحدث بها مشكلة، يكون الاثنان اقترفا الخطأ، ولكن كلا منهما يرى نفسه محق. فنجاح علاقة شوية مستقرة تكون من الطرفين، ليس بمحاولات أحدهما فقط. ولفشلها تأكد أن لكل منهما النصيب في ذلك الفشل، إن كان صغير أو كبير، ولكن لا يعترف. { في بيت عائلة العربي } تحديداً في غرفة مروان وتسنيم.

كان مروان ينام في الفراش منذ أن أتى ويحاوطها بذراعيه، صمتاً قليلاً، وكان مروان يعبث في هاتفه بلا هدف. طلبت منه تسنيم أن يظل بجانبها ويحتضنها، تريد أن تظل تشعر بأمان تواجدها في أحضانه. ذهبت ومرت بالكثير، ورغم كل شيء تعترف أنها لم تشعر بذلك الأمان والطمأنينة إلا في وجوده. أردف مروان قائلاً بانزعاج بسبب شعوره بالكسل: -كسلتيني من ساعة ما جيت، ولا غيرت ولا خدت دش وأنا نايم. -خلاص، قوم.

قالتها بلا مبالاة، فحالتها أحسن قليلاً الآن. فأردف مروان قائلاً وهو يغلق هاتفه وينظر لها قائلاً بتفكير: -ناوية تكوني بنت وواحدة متطلباتها كتير وتقرف جوزها وخطيبها بطلباتها؟ -مش عارفة، شكلي مش ناوية. -لا، أنوي. أصل إحنا الرجالة لما بنلاقي اللي معانا هبلة كده بنسوق فيها. قالتها بمرح كعادته. فأردفت تسنيم بعد أن ابتسمت على طريقته: -نفسي تكمل جملة من غير ما تتريق على نفسك.

-حاولت كتير، كل محاولاتي كانت بتفشل. المهم، بجد مش هتطلبي مني حاجة؟ دبلة؟ شبكة؟ شقة؟ شهادتين استثمار أو أمضيلي على شيك على بياض؟ استغليني؟ بصميني وأنا نايم؟ فيلا بـ 3 جناين كده يعني؟ اتنصحي.

انبسط وجهها وانفرجت شفتاها، وقهقهت على حديثه، بالفعل إنسان غير طبيعي بالمرة. ابتسم مروان على ضحكاتها، فعلى ما يبدو قد نجح في هدفه، فلا يظن أنه كان يراها تبتسم عند مجيئها أول مرة، كان طوال الوقت عابسة ولم تكن تعبر عن حزنها أو فرحها، تحاول دائماً أن تكن حادة في التعامل. هل أصبح عاشق؟

شهور قليلة جداً لا تُحسب، كانت كفيلة بأن تجعله متيّم بها. لا يظن أنه شعر بمدى العمق مع ملك حتى مثلما شعر مع تسنيم، رغم أنه لا يعرف عنها شيئاً كثيراً، أو من الممكن أنه لا يعرفها جيداً، ولكن يشعر بأن روحه تعرف روحها منذ قرون!!!

فاعترف حتى بحبه لملك بعد عام وأكثر من رؤيتها حينما تأكد من كونه مُحب، ووقتها لم يقولها صراحةً، ومع الوقت بدت علاقتهما أقوى وأعتق، ولكن الآن يشعر بأن بينه وبين تسنيم سنوات طويلة، حتى ما زال لا يصدق نفسه كونه اعترف بحبه بتلك السهولة في تلك الليلة. نعم، هو يمرح كثيراً وتصرفاته عاطفية، ولكن لم يكن شخص يمكنه التفوه بكلمة "أحبك" بسهولة... تنهد مروان وحرك أنامله في خصلات شعرها، فأردف قائلاً بنبرة هادئة:

-لما سبتك أسبوع وقولت إني روحت القاهرة، أنا أخذت شبكتك اللي في البيت هناك، وأنا اللي طلبت من طنط سلوى. وكمان قالتلي إنها لما ترجع هتبعت الفلوس. نظرت له بغموض وهي تحاول تفسير ما يقوله، وكانت على وشك سؤاله والاستفسار منه، فأردف مروان قائلاً مستكملاً حديثه، فهو شعر بالبلاهة معها: -تسنيم، هو أنا هسألك سؤال واعتبريني جوزك، أو أخوكي عادي، مش هتكوني بتكدبي؟ -اتفضل. -هو أنتِ باردة فعلاً ولا بتعرفي تتباردي؟

ولو باردة أكدبي عليا وقولي إنك بتعرفي تتصنعي البرود وهصدقك. -بعرف أتصنع البرود، مرضي يابا! -آه يا سطا، مرضي! سواقين تكاتك إحنا. -أنا عايز أبدأ معاكي صح، حتى لو ماشيين بالعكس نعدلها شوية، نجيب دبلة ليكي. -وأنتَ مش هتجيب ولا لابس؟ سألته بمنتهى الهدوء وهي تذم شفتيها، فأردف مروان قائلاً بنبرة حانقة وساخرة: -هو أنتِ متأكدة إنك زي بقية البنات وكده؟ يعني أنتِ مفكرتيش تبصي على إيد أمي خلال الفترة اللي فاتت كلها؟

طب بلاش حتى فضولك مخلّيكِ تشوفي أنا لابس دبلتي القديمة ولا لأ. شعرت بمدى حماقتها، فليقول ما يريده، لن يكون غير مُحق. فأجابت قائلة بمرح: -وأنا أبص على صوابع إيدك ليه يعني؟ -أنا مش هقولك المفروض تبصي فين علشان مكنش قليل الأدب، هحاول أتعامل بمنتهى التحضر معاكي. وبعدين بصي على صوابع إيدي ليه؟ علشان دي اللي هسقف بيها على وشك. قالتها بغضب، فرفع يده وأستكمل حديثه قائلاً بسخرية:

-أنا مش لابس دبلة يا تسنيم، ومش بلبس دبل أصلاً. -ليه يعني؟ مكنتش لابس قبل كده حتى؟ قالتها بشك، فهل خلعها بعد موت ملك؟ فأجاب عليها قائلاً: -قالعها من بعد جوازي أصلاً. أنا مبحبش ألبس دبل ولا خواتم عموماً، إلا خاتم واحد ساعات بلبسه علشان بابا كان جايبه ليا هدية، وبرضو مش دايماً. -طب لو قولتلك أنا مش هجيب دبلة ولا هلبس دبله إلا لو أنتَ لبست دبله. -مبجيش بالعند ولا واحدة تمشي كلامها عليا.

قالها بنبرة حاول جعلها صارمة، لتنظر في عينيه بنظرة تصنعت فيها الحزن. فأردفت تسنيم قائلة: -وعلشان خاطري. تنهد مروان ثم أردف قائلاً بسخرية، فهي أثرت به وأصبحت تستطيع التأثير عليه، واعتدل قليلاً ليكن جالساً: -هو أنا طلعت باجي ولا إيه! هجيب دبلة وهلبسها علشان مبقتش أستحمل خلقتك اللي هي أول ما جيتي. أنا بحب تسنيم اللي بتهزر وبتضحك زي الناس مش الكشرية. -هتلبس دبلة يعني؟ ولعلمك مش هتقلعها لو فعلاً عايز تبسطني.

-احفر حرفك فيها لو تحبي علشان أشوف ضحكتك بس. قالها بنبرة هادئة ومُحببة لقلبها، فاحتضنته بابتسامة استطاع رؤيتها قبل أن تهجم عليه بحضنها التلقائي النابع من قلبها، فتوقف عقلها عن العمل. كانت اعتدلت قليلاً. ليعانقها قائلاً: -حرف خت بيه حضن، لو اسمك كله هل ده ممكن يحصل...

قاطعت حديثه قائلة وهي تنظر على هيئتها في المرآة، بعد أن اعتدلت من نومتها وأبعدت عنها الغطاء، لتتذكر سخافة وهدية كارمن التي أصرت أن ترتديها وترى المقاس هل مناسب لها أم لا، فكانت تود أن تقدم لها هدية، لعلها لن تراها في عيد ميلادها، ولأنها لم تقدم هدية في بداية زواجهما ولم تكن تعرفها حينها... -يا نهار أسود. -إيه؟ زلزال؟ مين مات؟ حمقاء، أقل ما تصف بها نفسها، فكيف تناست ما ترتديه، بل أنها أصرت أن تكون في حضنه.

فأردفت تسنيم قائلة بنبرة هادئة وخجلة: -حاسة أنك محتاج تخش تاخد دش وأنا كسلتك. -أنتِ لسه واخدة بالك؟ قالها بمرح، فهو علم أنها رأت هيئتها في المرآة. فتنهد وأستكمل حديثه قائلاً: -ماشي، هي دي هدية كارمن صح؟ -للأسف. -جميلة، تحفة بصراحة. كل يوم أجبلك أنا هدية زيها medium ده ولا large؟ بصراحة جاوبي. قالها بخبث وهو ينهض بعد أن ابتعدت عنه وتوجه ناحية خزانته حتى يخرج ملابسه.

دق رنين هاتفها ليعلن عن اتصال من والدتها، حماها قليلاً من الخجل وأجابت عليها قائلة وهي تراه يفتح أزرار قميصه ويتوجه إلى المرحاض: -الو يا ماما. -إيه يا تسنيم، عاملة إيه يا بنتي؟ -أنا تمام، وأنتِ. نهضت من مكانها وتوجهت لتخرج سترة وبنطال شتوي، وكانت تحدثها: -أنا مش تمام يا بنتي. وضعت تسنيم الملابس على الفراش وأردفت قائلة بقلق: -إيه اللي حصل؟ -عمر بقاله أربع أيام مختفي، وإخواته ميعرفوش عنه حاجة.

-يكش يكون عربية خبطته أو حصلتله مصيبة، أنا مالي بيه؟ مش عارفة أنتِ مصرة تقرفيني في عيشتي ليه؟ مش لاقية حاجة تكلميني علشانها أروح أدور عليه. قالتها تسنيم وهي تحاول السيطرة على أعصابها حتى لا يسمعها مروان. فأردفت كريمة قائلة بنبرة غاضبة: -حسبي الله ونعم الوكيل فيكي. تصدقي أنا غلطانة إني بكلمك؟ تقوليلي أعمل إيه؟

-حسبني، حسبني كمان. عارفة أنا غلطتي الحقيقة إني لسه برد عليكي ومتوقعة إنك مهتمة بيا. لو مات متتصليش بيا حتى، أنا مالي أساساً. -ماشي يا مؤدبة، ماشي يا محترمة. أنا أستاهل ضرب الجزم إني كلمتك، أمك بتعيط ومقهورة وخايفة وأنتِ ولا همك. أغلقت كريمة الهاتف في وجهها، لتشعر تسنيم بالغضب من أفعالها، فليذهب إلى الجحيم. حتى ذهبت ناحية المرحاض وأغلقت الباب من الخارج حتى تغير ملابسها. فأردف مروان قائلاً من الداخل

وهو شعر بغلقها للباب: -أنتِ بتعملي إيه؟ -معلش يا مروان، لما أغير هدومي هبقى أفتحلك الباب. خد الشاور براحتك. -وحياة أمي، لاخرج من الحمام وهوريكي. -الكلام في الحمام غلط يا مروان عليك. قالتها بسخرية ومرح وهي تمسك ملابسها حتى ترتديها. وحاولت ألا تشغل بالها بوالدتها، رغم أنها شغلت عقلها وأغضبتها. { في القاهرة }

أغلقت كريمة الهاتف وقذفته على الأريكة بغضب شديد، فعلى ما يبدو يجب عليها الذهاب إلى القسم، فهي انتظرت طويلاً ولا يأتي خبر عنه ولا تعرف عنه شيئاً. -أنا أساساً بنت كلب إني كلمتك، وغلطي إني اتجوزت أبوكي من الأول. مش هامك قلق أمك؟ أنا غلطانة إني بعبرك. رن جرس الباب، فظنت أنهما أولادها قد أتوا من عند جارتها. فنهضت وفتحت الباب لتجد رجلاً غريباً. فأردفت قائلة بنبرة حانقة: -مين حضرتك؟ -حضرتك السيدة كريمة أحمد عبد التواب.

-أيوه أنا، أنتَ مين؟ -أنا مُحضر من المحكمة. اتفضلي امضيلي على استلام الورقة دي. -ورقة إيه؟ -ورقة طلاقك من عمر محمد فضل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...