أمام المقهى كان عمر يجلس يضع قدم فوق الأخرى ويشرب الأرجيلة. أمامه على الطاولة، زوج شقيقته متولي، يلعبان الطاولة وضحكاتهما عالية. كان عمر في أفضل أوقاته. خرجت كريمة من الحبس دون أن تدفع جنيهاً واحداً. صرخ متولي بذعر، ناهضاً من مكانه وارتعد إلى الخلف حينما وجد عمر فجأة أمامه، وجهه مملوء بالدماء.
في لحظة ما، جاء مروان دون سابق إنذار، واضعاً يده على مؤخرة رأس عمر، دافعاً إياها بأقصى قوة في تلك العلبة الخشبية الخاصة بلعبة الطاولة. ثم أمسك الأنبوب الزجاجي الخاص بالأرجيلة التي كان يدخنها عمر، ليكسرها على رأسه تحت صرخات النسوة في الشارع اللاتي كن يراقبن ما يحدث. لم يتحرك أحد الرجال ولم يحاول أحدهم الدفاع عنه. صاح مروان بغضب: "جبت آخرها يا *****"
نهض عمر مترنحاً ليحاول لملمة شتات نفسه. لم يشعر بشيء سوى أن الدماء تسيل من وجهه ورأسه. لكنه يريد أن يدافع عن نفسه، ولكن ليس به قوة. فهو على وشك فقدان الوعي ويرى الرؤية غير واضحة تماماً. ومع ذلك يحاول. هتف مروان بنبرة عالية وهو يخاطب الجميع الذين وقفوا لرؤية هذا الحشد من الرجال: "اللي شايف فيكم إن ده راجل، يجي يدافع عنه. البغل ده مد إيده على مراتي ومش هعتقه."
لم يقترب أحد. حتى مروة جاءت فمنعها زوجها من الاقتراب وأقسم عليها بالطلاق إذا خرجت من صالون تجميلها. وبالفعل توقفت عن المحاولة ودخلت مرة أخرى. أمسكه مروان من ياقة قميصه، دافعاً إياه ليسقط أرضاً. الغريب أن حتى متولي لم يتدخل، مما أثار حنق الناس. فمن سيدخل إذا كان زوج شقيقته لم يدافع عنه؟ صاحت إحدى النسوة التي تتابع بترقب من بعيد: "هما مالهم؟ مفيش حد من على القهوة بيحوش عنه؟ لوت صديقتها فمها بتهكم فأجابت عليها:
"يا أختي ده راجل عرة وابن *****. ساجن مراته هو وأخته البجحة وقاعد بيلعب طاولة. صحيح الرجالة ماتوا في الحرب. سيبيه يطحن، أيكش نخلص من قرفه هو واللي زيه." نعود مرة أخرى لمروان الذي يشعر وكأنه يغضب للمرة الأولى في حياته. جلس فوق عمر المترنح أرضاً، لا يقوى على النهوض حتى. هتف مروان صارخاً بعدما سدد له أكثر من لكمة:
"قولتلك زعلي وحش وبلاش تحذرني. ده أنا قولتلك لو مشيت تسنيم من شارع متمشيش فيه. أنا فكرت في واحد في *** دي يستاهل أقتله. قولت لا. وأنا مش هقبل إن راجل يعمل كده في مراتي. يمكن لو مرة أقبلها. علشان كده أنا هحاسبك يا عمر وهأدبك. ولو هبات النهاردة في السجن، ولا العمر كله، ما حد هيخلصك من تحت إيدي."
قال تلك الكلمات وهو يسدد له الكثير من اللكمات، فأصبح من الصعب تحديد ملامحه. فلن يقبل أن يمسها أحدهم بسوء حتى ولو بكلمة، ولكن تجرأ ليلمسها، بل قام بشد حجابها!!! ألا يكفي ما فعله في الماضي؟!!! فهذا وحده يدفعه لقتله. أخذ مروان الحجاب الملفوف حول عنقه كوشاح، ليقوم بلفها بعشوائية على وجهه قائلاً: "ده أنا هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك يا ابن *****. تسنيم وأمها خط أحمر."
نهض مروان من فوقه ممسكاً بإحدى أرجله، ساحباً إياه أرضاً أمام الجميع. وبالفعل لم يتجرأ أحدهم الدفاع عن شخص تطاول على امرأة. فالأغلبية يرون شجاره مع زوجته في الشارع، وضربه لابنتها وهبوطها من بيتها حافية القدمين في إحدى الليالي. منهم من حاول التدخل ومنهم من صمت. من سيدافع عن رجل قد تاجر في المخدرات والجميع يعرف زوجته العاهرة والتاجرة في نفس المجال.
غالبًا قد سالت دماء عمر، طابعة بقعاً على الشارع. ولم يعبأ مروان به، فبداخله نيران لن تخمد. جاء من الخلف أمين ليراه مروان وهو يحاول إيقافه، فهتف أمين بذعر الذي هبط من سيارة الأجرة: "سيبه يا ابني، سيبه بقا خلاص طحنته، هتروح في داهية أنتَ." بالفعل انصاع مروان لكلمات أمين، فهتف بحدة وما زال غضبه يأكل أحشاءه، أسد جريح: "مستني المحضر يا عمر. كفايا عليك كده، كفايا إن كل الناس شايفاك كلب محدش عايز يدافع عنك." ***
كانت أشجان تقف في العيادة الخاصة بالطبيب الذي يخيط جروح عمر بعد أن (جبس) ذراعه. ومعها مروة وزوجها متولي. فصاحت أشجان بهما: "يعني إيه ابن *** ميخليش حتة سليمة في جوزي؟ ومحدش فيكم يعمله محضر؟ هتفت مروة قائلة بتهكم وسخرية وهي تعقد ساعديها: "يا أختي إحنا خفنا نعمل حاجة يجي يفشفشنا إحنا. ده ضربه ومشي. جاره في الشارع كله معلم بدمه. وبعدين شوفي عمر خاف يعمله محضر." صاحت أشجان بسخط شديد معقبة على حديث مروة:
"إيه بلطجي هيُهزنا يعني؟ "بلطجي إيه يا أختي، ياريته بلطجي. ده راجل مش هامه حد ولا بيخاف. دكر كده. واسمع إنه مقتدر يعني مش بيهمه حاجة. وبعدين عمر مرضيش يعمل. خش ازعلي فيه هو بدل ما انتِ داخلة فينا شمال كده." كانت مروة تتحدث بسخرية لاذعة أثارت حنق أشجان وغضبها. فمروة هي الأخرى لديها من الكدمات ما يكفيها، فما زال جسدها يؤلمها أثر شجارها مع تلك "الشمطاء" كما تسميها ابنة كريمة. ثم هتفت مستكملة حديثها:
"ويكون في علمك أنا خدت الفلوس وخلاص. أم تسنيم خرجت." "بتتصرفي من دماغك يا مروة. ابقي وعي مراتك يا متولي. أنا ماشية ولما الموكوس أخوكي اللي متشلفط يقوم يجيلي البيت علشان أعرفه ياخد قرارات من دماغه إزاي." قالت أشجان تلك الكلمات قبل أن تنطلق مغادرة المكان. *** في شقة مروان وتسنيم. "خلاص أهدي يا بنتي أكيد هيجي."
قالت كريمة تلك الكلمات ولأول مرة الندم يتملك منها لتلك الدرجة. تدمر حياتها ما زالت مستمرة في ذلك، شاءت أم أبت. تخرب استقرارها. فما زالت لا تصدق أن تسنيم وزوجها السبب في إخراجها. كانت تظن أنها ستتركها دون أن يرف لها جفن، ولا يمكن أن تلومها في ذلك، فستكون محقة. "أقدر أحسسك بالتجاهل حتى لو روحي فيكي." تذكرت كلماته. هتفت تسنيم القابعة أمامها قائلة وهي تضع وجهها بين كفيها، قائلة بنبرة متألمة ومتحشرجة:
"مش هيجي. أنا عارفة. مش هيجي." هتف أمين باستغراب من كلماتها وكأنها متيقنة من عدم أتيانه: "يا بنتي أنا روحت وشوفته وحوشته عن عمر ومسخرة زي ما قولتلك، بس أكيد هيجي. ليه متأكدة كده؟ يمكن بيهدي بس وجاي." "أنا عارفاه يا عمي. مش هيجي النهاردة." قالت تلك الكلمات بوجع يجتاحها، وألم يفتك بقلبها العاشق له. ظلت تردد وبيقين شديد أنه لن يأتي. ذهب عمها حينما اتصلت زوجته به، وذهبت والدتها إلى الغرفة.
وقد تجاوز الوقت منتصف الليل. وكانت تجلس على الأريكة. والغريب أنها لم تبكِ، وكأن دموعها وعيناها قد جفت. رغم ألم قلبها، لم تذرف ولو دمعة واحدة. والأغرب أنها تجلس في شقة الزوجية الكاذبة، لا تدري لما ما زال محتفظ بها، فهو كان يخبرها بأنه سيتركها.
جاءت والدتها لترمقها بندم شديد من بعيد، تراقبها وهي جالسة ضعيفة ومتخاذلة، وكأنها لم ترها منذ سنوات. رغم أنها تعلم بأنها يجب أن تجد مأوى لها ولأولادها، وأخذ متعلقاتها من منزل عمر حتى تتركها وشأنها، لا تكن عبئاً عليها. اقتربت منها قائلة وهي تجلس بجانبها: "يا بنتي طب خشي نامي." "مش جايلي نوم." قالت كلماتها بنبرة جامدة. هتفت كريمة بخجل شديد:
"أنا آسفة. مش عارفة إزاي كنت مغفلة كده. بقا انتِ يا بنتي اللي تخرجيني وتعملي كل ده عشاني بعد اللي حصلك بسببي؟ رمقتها تسنيم بهدوء وملامح مبهمة لا يمكنك تفسيرها، فهتفت بخفوت وحقيقة لا يمكن إنكارها: "لأني بنتك وأنتِ أمي. ودي حقيقة مش هتتغير مهما عملتي فيا. استحالة أسيب حد ينهش فيكي ولا حد يذلك." قالت تسنيم الكلمات وهي عاقدة ساعديها بثبات تُحسد عليه، لتشعر كريمة بمدى صغرها أمامها. فهتفت كريمة بنبرة هادئة:
"مروان هيجي وأنا همشي وهبطل أخربلك حياتك يا بنتي." "مروان مش جاي. مش هيجي النهاردة. أنا عارفة. وبعدين مش انتِ المشكلة. اللي عملته هو اللي مشكلة." تنهدت ثم استكملت حديثها: "تعرفي الأغرب إيه؟ أول مرة معيطش. رغم أني أول مرة أتوجع وألوم نفسي كده. دموعي خلصت. شوفت كتير أوي لدرجة أني عارفة إنه لو سابني مش هموت وهكمل حياتي. بس خسارته يعني إني أموت وأنا عايشة."
قالت تسنيم تلك الكلمات بألم يختلج قلبها الذي يشعر بالحزن لبُعاد من قام بجعله يشعر على قيد الحياة. كان بمثابة صدمات كهربائية ليقوم بإعادة خفقان قلبها، فهو من قام بإنعاشه. كيف له أن يتركه مهشماً هكذا؟ يضيق بين دوامات أفكاره ومتاهاته. *** بعد مرور أربعة أيام.
بكاء وشهقات عالية رغماً عنها خرجت منها وهي تجلس على الفراش منكمشة على نفسها، يقتلها ببعده عنها وكأنه يعاقبها على تصرفها. بغيابه، والألعن يرسل لها احتياجات المنزل مع حارس البناية ليقوم بفعل واجباته عدا وجوده. ليقتلها هي تسنيم من قالت أنه لن يهزها بعد أحد وقسى قلبها ومهما حدث لم يؤثر غياب أحدهما عن حياتها. ولكن لما هي واهنة ومتخاذلة وتشعر بالغضب من نفسها لمجرد غيابه؟
تحتاج لأحضانه الدافئة التي تبث بها الطمأنينة. فليأتي ويعاتبها كيفما يشاء، لا يختار تلك الطريقة أبداً معها. تشعر بألم يحتل قلبها لغيابه.
أنفاسها مضطربة. قد أخذ كل شيء معه منها. لم تكن تصدق بتلك المقولة بأن هناك شخص يعني لنا الحياة. فهو يعني لها الحياة. مؤسف أنها تعترف بأنها لا تستطيع العيش بدونه لأول مرة تعترف هذا الاعتراف. تجلس في بيتها ومعها والدتها وأشقاؤها، تصالحت مع أقاربها ومع عمها وبدأت عملها على تلك الصفحة، ولكن كل ذلك لا يعني لها شيء أمام فقدانه. طرقات على الباب خافتة. مسحت دموعها هاتفة بنبرة عالية: "ادخلوا."
ولجت والدتها وهي تشعر بالإحراج الشديد، فهي المتسببة في تعاستها حتى الآن. "مش هتأكلي يا بنتي؟ "كلوا أنتم. مليش نفس." دخلت كريمة وجلست على طرف الفراش بجانبها قائلة بندم شديد: "ياريتني كنت اتحبست ولا دريتِ بيا كان أحسن من أنك تعرفي وتيجي وتتخانقي مع جوزك بسببي يا بنتي. والله أنا ما عارفة هفضل عقبة في حياتك لغايه امته." "خلاص يا ماما أرجوكي مش وقته الكلام ده. اللي حصل حصل."
قالت تسنيم تلك الكلمات وهي تمسح دموعها وتحاول أن تتماسك بقدر الإمكان. فحديث والدتها يؤلم نفسها أكثر. "طب اديني رقمه أي حاجة أكلمه. أنا. هشوفلي مكان أقعد فيه وهكلمه الأول. مياخدكيش بذنب الظروف اللي أنا حطيتك فيها. سامحيني يا بنتي سامحيني. أنا عمري ما كنت أم ليكي في يوم ولسه بدمر في حياتك." كانت كلماتها تزيد من حزن تسنيم، فهي تذكرها بالماضي. هتفت بخفوت: "ماما مش... قاطعتها كريمة:
"عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة ولا أنا منتظرة ده. بس اعرفي إن لأخر يوم في عمري هنتظر تسامحيني يا بنتي. أنا آسفة في حقك. والله ما عارفة أقول إيه." قالت كريمة تلك الكلمات بصدق. خطأها أكبر من الكلمات لتتحمله. أمسكت يد تسنيم وكادت على وشك تقبيلها لتبتعد تسنيم وهتفت بذعر: "بس يا ماما.. أرجوكي.. أنتِ بتعملي إيه.. متعمليش كده تاني حرام عليكي." *** في صباح اليوم التالي.
كانت تقف أمام المنزل الذي أرسلت لها ريهام عنوانه. وقد أخذته من محمود الذي أكد بأنه يبقى عند خاله لأسباب لا يعرفها. وتأكدت بأنه هنا. لم يكذب قلبها. فكان يظن أنها باردة وحمقاء لا تكترث لحديثه ومزاحه. ولكنه لا يعلم أنها منذ أول يوم رأته في بيت والده، تحفظت أحاديثه عن ظهر قلب. كانت تتصنع اللامبالاة رغم أنها تتوق لحديثه وتلمسها كلماته إلى الحد الذي لا يستطيع مخلوق تخيله.
دقت الجرس. ففتح لها مروان بنفس تلك النظرات التي كرهتها، كونها ليست تلك النظرات الشغوفة والعاشقة. هتف لها بجمود لم تتعوده منه، وهي تعرف أنه لا يفعله لغرض المرح: "خشي." ولجت تسنيم بهدوء متأملة إياه. فكم تود أن يعانقها ويبثها بأحاديثه وأشواقه التي تشعرها بأنها على قيد الحياة. ولكن معشوقها غاضب وبشدة.
أما هو، أغلق الباب يطالعها بنظرات مبهمة. كان يعلم بمجيئها من خال محمود الذي أخبره بأن ينتظر زوجته لعل الخلاف ينتهي. هتف مروان قائلاً: "جاية ليه؟ قالها بجمود يعكس رغبته في إطفاء نيران أشواقه به. ولكن كانت نيران غضبه تفوق كل شيء. تلعثمت تسنيم وانزعجت من حديثه، فهتفت قائلة: "مروان أنتَ عايز تعمل إيه كده؟ "عايز أعمل إيه؟ يااه تصدقي مش عارف عايز أعمل." قال كلماته بتهكم. هتفت تسنيم قائلة وهي تبتلع الغصة في حلقها:
"مروان بالله عليك بلاش اللي بتعمله ده. أنا هتجنن عليك. وكنت مستنياك تيجي." اقترب منها وهو يرمقها بغضب قائلاً: "أجي أعمل إيه؟ توترت من نظراته، ولكنها تأمنه مهما غضب ومهما فعل. لم ينتظرها أن تعقب على حديثه، فهتف صارخاً بها:
"أجي لك ساعتها علشان أمد إيدي عليكي يمكن يكون حقي ساعتها. مدام انتِ اديتي الفرصة لـ ***** علشان يلمسك ويقلعك الطرحة قدام الناس. وله أجيبك أقولك معملتليش قيمة ولا اعتبار أني جوزك وتحكيلي إيه اللي حصل؟ لا روحتي من نفسك وتتخانقي؟ وكأنها قد ابتلعت لسانها، فلم تعقب بشيء من دهشتها من هجومه التي لأول مرة تراه. ورُبما هو لا يعطيها الفرصة. فاستكمل حديثه بغضب جامح لأول مرة يصل في حياته لهذا الغضب: "أجي أقولك إيه؟
آخدك في حضني وأقولك متزعليش ولا كأنك عملتي حاجة. منتظرة أجي أقولك إيه؟ لو فكرتي لثانية واحدة فيا قبل ما تعملي كده. لو فكرتي إنك متخصيش نفسك لوحدك. لو فكرتي إني مش هسكت وممكن أروح أرتكب جناية. لو خايفة عليا مكنتيش تعملي كده." كادت أن تبرر، ولكن أشار لها بيده بألا تتحدث بكلمات من الممكن أن تزيد من غضبه:
"ارجعي يا تسنيم البيت. أنا متعصب لدرجة متتخيلهاش، لدرجة تخليني أعمل أي حاجة ممكن متتوقعهاش. أنا لو مجتش كان علشان أحميكي من غضبي." كلماته حادة وغاضبة لا تقبل النقاش. كانت صرخاته من قلبه. كيف لها أن تفعل به ذلك؟ تسمح لذلك الرجل بأن يقوم بتلك الأفعال بها. ذلك الرجل الذي تجرأ وحاول اغتصابها!!!!! كيف له أن يشرح آلامه وستكون هي أول الضحايا؟ سيقول الكثير من الكلمات التي ستجرحها وتجرح رجولته قبلها.
اقتربت من الباب فاتحة إياه قائلة بهدوء دون أن تنظر له: "أنا ماشية يا مروان. راجعة البيت لغاية ما تهدى. لو معرفتش تهدى طلقني. لو اللي عملته مش هتغفره. صدقني أنا مفكرتش في كل ده. ولو فكرت مكنتش عملت كده." خرجت فوراً بعد أن انتهت كلماتها. لن تتنازل عن كرامتها. ورُبما ذهبت قبل أن تنهار في البكاء أمامه، فهو حاميها وحصنها المنيع. كيف له أن يتمكن منه الغضب هكذا؟
ولم تتحمل هي رؤية هذا الوجه منه، وهي على يقين بأنها إذا انتظرت ستسمع أكثر من ذلك. *** شهر ونصف!!
مر شهر ونصف ولا يرى أحدهما الآخر. تجلس مع والدتها في المنزل تنتظره ومنشغلة في عملها. فقد أرسلت لها كارمن الأشياء التي كانت تضعها في المنصورة. فلم تسافر وقررت الاستقرار هنا وستعمل مع إحدى الشركات هنا بخبرتها. بدأت تسنيم في أن تشغل وقتها بتلك المشغولات اليدوية لعل أيامها بدونه تمر. وأحيانا تأتي سلوى للجلوس معها وبالطبع معها أشقاؤها ووالدتها التي تسعى بأن تقويها وتصبرها على عودته، فهو رجل جريح.
فقد أخذت والدتها أشياءها من شقة عمر، واضعة إياها في شقة عائلتها. وعلى الأغلب ستستقر هناك، ولكن تطمئن في البداية على تسنيم. يرسل لها مروان احتياجات المنزل مع حارس البناية كعادته الأسابيع الماضية، غير مدرك أنها تحتاجه هو وحده لا شخص آخر ولا شيء آخر. لا تريد سواه. لم تدرك صعوبة غضبه من قبل.
ما هو كان منشغل بتجهيز الفرع الآخر بأموال والده والنصف الآخر بأموال محمود، تاركاً إياها تعلم خطأ فعلتها. يموت شوقاً لها. أدرك أنها لم تكن اعتياد وحب فقط، بل تخطى الحدود في عشقها. يظن أن العشق بينهما لم يكن كافياً، ولكنه يريد أن يعرفها بأن فعلتها لم تكن هينة أبداً عليه ويجب أن تنضج وتتحكم في تصرفاتها وتدرك أهمية رابطتها به. هو زوجها يجب أن تحترم ذلك مثلما يقدرها ويخشي على خدشها بالماضي الذي مرت به. يجب أن تخاف على نفسها وتخاف عليه.
خرج من موقع المطعم المليء بالعاملين على إنهائه في أقل من الشهر القادم. وجد المطر يهطل وبشدة، فجعلهم يذهبوا ويستكملوا غداً. أغلق المكان وكان يتمنى لو أنه يعود لها وكأنه قد ينتظر شيئاً ما. رُبما هو مثلها ينتظر اتصالاً منها تخبره بأنها تفتقده فقط. اشتاق حتى لصوتها. سمع نداءات: "أنتَ يا جبران."
ظن مروان في البداية أن هناك شخص ينادي على شخص آخر غيره، ولكنه التفت حينما وجد شخصاً ما يضع يده على كتفه. فالتفت له وحاول تذكر هويته، ولكن هتف الرجل قائلاً: "مش أنتَ الراجل اللي جيت من كام شهر ساعة ما كنت جاي لشركة الشحن. أنا البواب اللي كان هنا." تذكره مروان فهتف قائلاً: "آه.. ازيك يا حج عامل إيه؟ "أنا الحمد لله.. أنتَ عامل إيه؟ هو انتَ اللي هتفتح مطعم باين هنا؟ هز مروان رأسه مؤيداً حديث الرجل: "آه أنا يا حج."
"أنا البواب الجديد للعمارة اللي قدامك على فكرة." "نورت يا حج." "بنورك. الا انتَ صحيح اسمك إيه؟ "مروان.. اسمي مروان." "الشوق والغيرة.. أصدق صفات الحب وأجمل طقوسه. من ساعتها مش ناسيها. وكان نفسي أقابلك تاني. ولسه كنت جاي في بالي النهاردة." هتف الرجل تلك الكلمات بصدق، فأبتسم مروان قائلاً بسخرية من حاله: "تاني مرة أقابلك فيها يا حج تقريباً في نفس الظروف."
"كلنا على نفس الحال مش بيتغير الحمد لله يا ابني. المهم أننا نكون عايشين راضيين عن حالنا. محدش عارف بكرة هنكون على وش الدنيا وله فارقناها. فنخلينا نعيش اليوم بيومه." *** في المساء. كانت تجلس على الأريكة. جفاها النوم حتى وقت متأخر من الليل كعادتها في الفترة الأخيرة. فقد خلدت والدتها إلى النوم مع أشقائها منذ ساعتين تقريباً. أرسل لها رسالة: "صاحية."
لم تصدق عيناها أنه راسلها. وما أن كادت تجيب، وجدت صوت مفتاح ما يعبث في باب الشقة. ليرفرف قلبها. نهضت فوراً من مكانها لتقترب منه. ولم يُخيب ظنها. كان هو مروان. والأصح درعها الحامي ومالك قلبها. وجدت هيئته مبعثرة إلى حد ما من الأمطار التي تهطل في الخارج. اقتربت منه وعانقته بشدة وكأنها تريد الاختباء في وطنها وأمانها. عانقها مشدداً على خصرها، غالقاً باب الشقة الذي كان ما زال مفتوحاً.
عانقته بقوة ويبادلها بشدة. روحه متعطشة لها. شهر كامل قد مر ولا يراها به. اشتاق لها. وإن كذب، فيموت شوقاً. ابتعدت برأسها عن كتفه التي كانت تضع رأسها عليها. فدس مروان يده في خصلات شعرها ممسكاً بمؤخرة رأسها بتملك واشتياق قائلاً: "أنا تعبت منك.. أنتِ جننتيني يا تسنيم أكتر ما كنت مجنون. في كل مرة بحاول أستوعب أنتِ عملتي فيا إيه مش عارف.. هتخليني أرتكب جناية يا تسنيم." "وحشتني يا مروان.. وحشتني أوي...
حاسة إني هطلع بحلم وانتَ مش قصادي." قالت تلك الكلمات بوهن وضعف شديد. تحتاجه وبشدة. مرر أصابعه على شفتيها باشتياق. ذابت روحه بها. هتفت مطوقة عنقه قائلة بنبرة صادقة وكأنها قد نست كل شيء وكأنه تركها البارحة: "هقولك حاجة ما قولتهاش لمخلوق." "لا عايزك تقوليها لمخلوق علشان أنا شيطانين بتنطط قصادي." قالها بنبرة مرحة وكأنها قد عادت له. فهو تألم فيبعادها أكثر منها. وذلك الجليد الذي حاول وضعه على قلبه قد ذاب.
"أنا اللي عملته معايا واللي حسيته معاك بس الأيام اللي فاتت يخليني أحطك في عيني العمر كله وأدعيلك في كل سجدة. يا مروان أنتَ ربنا بعتك تنورلي قلبي ودنيتي كلها. آسفة إني زعلتك وعقابي ببعدك صعب عليا أوي. حتى لو سب... قاطعه بغضب عاشق وحنق، ولكن بنبرة هامسة: "مفيش لو. أنتِ ليا. هكون أحسن منك وهقولك اللي حسيته معاكي الفترة اللي فاتت كفيل يخليني أتمسك بيكي العمر كله حتى لو عصبتيني."
هبط مقبلاً شفتيها بلهفة واشتياق. غير عابئاً بأي شيء. ساحباً إياها إلى غرفة النوم. كانت تبادله بلوعة وبكل المشاعر التي يمكن أن تشعرها به. حتى أنها لم تتحدث أو تبعده خوفاً من استيقاظ والدتها أو أشقائها. نست كل الدنيا عند حضوره. يتصرف قلبها تلقائياً دون حسبان. أغلق الباب بالمفتاح. فابتعدت عنه هامسة بخجل: "على فكرة إحنا مش لوحدنا." قاطعها بنبرة متلهفة وهو يمرر أصابعه على عنقها: "مفيش كلام دلوقتي...
أنا عايز أتمتع بقربك. وحشتيني أوي. المرة دي شوقي أكتر من غضبي." صمت قليلاً وهو ينظر لها ويحدق بصره قائلاً: "منك لله يا تسنيم. طيرتي آخر بروج كنت عايش بيه ومتكل عليه. خلاص دماغي طارت رسمي. فهمي نظمي." "أنا مني لله." "هو ده اللي مسكتي فيه." قالها وهو يرسم بسمة على ثغره.
عانقها بعشق جارف وعاصف لأرواحهما. ليبدأ مروان في رحلته المحببة على قلوبهما بأن يسرقوا بضعة لحظات يمكنهم إشباع روحهم المتعطشة للاقتراب. وكأنهما يعزفوا إحدى المقطوعات المتناغمة والمنسجمة. فكلا منهما نصف الآخر. بقربه فقط يكتمل. الغضب أقل بكثير من عشقهما. فقد ذاب جليد غضبهم ويتصرف كالعادة قلوبهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!