الفصل 4 | من 44 فصل

رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الرابع 4 - بقلم سيلا وليد

المشاهدات
121
كلمة
9,177
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

كان يعلم أن حزني عميق، ومع ذلك أحزنني. كنت أنتظر لو عاد معتذراً. لأخبرته بكل لحظة مرت ولم يكن بها. لأغسل قلبه بدموعي. لأجعله يدرك خطأ ما فعله بي. ثم ألملم أشتاتي من بين ذراعيه. وأرحل بعيداً عنه. من قال أني قبلت اعتذاره؟ يطلب مني أصف حالتي وأنا التي لم أعرف كيف أصف مكان وجعي. كيف لا يشعر به؟ إنه وجع الروح وأنا لا أعرف أصفه. كيف وهو لا يشعر بأن روحي روحه؟ ليت أحدًا يخبره. أنا التي توجعت حتى فاض الألم أوجعني.

أنا التي اخترق قلبي بالحزن، ولم يشعر به أحد. حتى هو. كان لي القاضي والجلاد. *** قبل حفل الخطوبة بيوم. استيقظ على رنين هاتفها. "فيروز شوفي مين بيتصل." "أيوة ياماما." قالتها بصوت متحشرج من النوم. "لا ياحبيبتي النهاردة عندنا خطوبة بكرة هتيجي." تأفف قائلاً: "ممكن تسبيني أنام. اطلعي كلميها برة، أنا لسة راجع من الشغل." "والله لو مش عاجبك ممكن تروح تنام في أي مكان ياحضرة الظابط." نهض دون حديث، واتجه إلى الغرفة الثانية.

ألقى نفسه على الفراش محاولاً السيطرة على غضبه. ظل يتقلب فترة، إلا أن ذهب بسبات عميق من شدة إرهاقه. بعد فترة دلفت إليه. "جاسر، قوم الساعة تمانية وأنت لسة مجهزتش." فتح عينيه بإرهاق ينظر لساعته ثم أردف: "انزلي أنتِ. أنا تعبان وعايز أنام." جلست على الفراش وصاحت غاضبة: "مينفعش طبعاً. إزاي أحضر الحفلة من غيرك، يلا قوم. وبعدين الست غنى تحت وأنا بضايق من جوزها قليل الأدب." اعتدل ثم ألقى غطاءه.

رفع عينيه التي يغشاها النوم قائلاً: "غنى اللي بتتكلمي عنها دي، لو بابا سمع كلامك ده صدقيني هيرميكي برة البيت ده. يعني من الآخر كده. الزمي حدك. تاني حاجة ياست فيروز. إخواتي مش هسمح بالغلط معاهم. جنى وقولت من حقك بتغيري منها. إنما إخواتي مالك ومالهم." نهضت تطالعه بغضب: "ده بدل ما تخاف على مراتك وشكلها قدام الناس. آه من حقي أغير من جنى. مالك بتقولها بتريقة كده." زفر بغضب. فهب من مكانه يمسكها بعنف:

"عارفة لو مش حامل كنت عملت فيكي إيه. أشار إلى باب الغرفة وصاح بغضب: "كنت رميتك برة. أنا معرفش أنتِ مين. أنا اتجوزت واحدة تانية، غير اللي قدامي." قالها وهو يدفعها بعيداً عنه. أشارت إلى نفسها بحزن وانسابت دموعها: "الكلام ده ليا ياجاسر؟ عايز ترميني برة البيت؟ أومال فين وعدك ليا؟ توقف يكور قبضته ثم استدار. "أنا لحد دلوقتي باقي على حياتنا اللي أنتِ بتحاولي تضيعيها يا فيروز." اتجهت إليه وألقت نفسها بأحضان.

"أنا بحبك ياجاسر وبعمل كده من غيرتي عليك. كل ما افتكر حبك لجنى بتجنن." لف ذراعيه وحاوط خصرها. "فيروز جنى اتخطبت. وأنا متجوز وأنتي حامل. يعني من الآخر حافظي على حياتنا. لو سمحتي حافظي عليها. وطلعي جنى من دماغك." "وأنت هتطلعها من قلبك يا جاسر؟ أطلق تنهيدة مرتعشة من عمق ألمه يهز رأسه غاضباً من حديثها. "كلامك ده بيخليني أفكر فيها. لو سمحتي بلاش تضغطي عليا بأسلوبك ده. فكري إزاي تحافظي على حياتنا."

"بتضحكي عليا يا جاسر مش كده؟ عارفة إنك كذاب وبتضحك عليا." استدار مشيراً إليها بسباباته: "اسمعيني وده آخر كلام بينا عشان كده انتي بتضيقيني. جنى لحد دلوقتي أختي. متخلينيش أعمل حاجة تندمي عليها." قالها ودلف إلى مرحاضه. *** بعد عدة ساعات. ولج راكان وهو يحاوط ليلى. دنت منه متسائلة: "حبيبي الحفلة شكلها حلو. مش عايزة نمشي بدري من فضلك." قوس فمه بسخرية: "على حسب المزاج يالولة." هزت رأسها مبتسمة. "مفيش فايدة فيك حبيبي."

بتر حديثهم وصولهم إلى جواد. "أهلاً حضرة اللواء. مبروك." ابتسم جواد. "إزيك ياراكان. نورت وشكراً لقبول الدعوة." ثم اتجه بنظره إلى ليلى. "نورتينا يا مدام ليلى." هزت رأسها بابتسامة. "ميرسي." أشار بيديه على إحدى الطاولات. حاوط راكان المكان بأنظاره متسائلاً: "جاسر مش موجود ولا إيه؟ قطب جبينه وأكمل: "أوعى تقولي إنه في الشغل." بحث جواد بعينيه ثم أشار إلى عز عندما وجد اختفاءه مع جنى. "أهلاً يا حضرة المستشار نورتنا."

أومأ راكان برأسه. "نورك يا باشمهندس." همس جواد إلى عز. "شوف لي جاسر فين مش باين." اتجه عز سريعاً يبحث عنه. *** عند جنى وجاسر. قبل قليل. تحركت جنى برفقة تقى ورُبى إلى داخل الحفلة. ولكنه توقف أمامهم. "روبي عايز أتكلم مع جنى." واقدملها هديتها. صفقت تقى. "أووه حضرة الظابط الهمام جايب هدية لجنجون، ومش عايز حد يشوفها." أمسكت ذراعه. "والنبي يا جاسر أشوف الهدية." كانت نظراته عليها وحدها.

طلتها بذلك الفستان جعلتها كأميرة أساطير. تحدث ونظراته عليها. "مينفعش ياتقى. أصلها باسمها هي بس." اخفضت نظرها للأسفل من نظراته التي جعلت قلبها كآلة موسيقية. "حبيبي أنت كويس؟ تسائلت بها ربى عندما وجدت تجهم ملامحه ونظرة الحزن بعينيه. سحب كفيها وأجاب أخته: "لأ. مش كويس." قالها وتحرك بها إلى أحد الأماكن الهادئة. توقفت جنى بضعف من سيطرته الكاملة عليها، حتى شعرت بأنها ستبكي لضمه فقط.

"جاسر فيه إيه، وإيه الهدية اللي صعب إنك تدهالي قدام أخواتي." دفعها بقوة على الحائط، يجز على أسنانه وتحدث مزمجراً: "عارفة لو كنتي صريحة معايا من الأول ماكناش وصلنا لكده." خانته ساقيها ورغماً عنها بدأ جسدها يرتعش تحت يديه، حاولت التنفس وسحب بعض الهواء، ولكن كأن الهواء سحب بالمكان ولم يوجد سوى رائحة عطره. ارتفع تنفسها وحاولت الحديث. "جاسر سيب إيدي، أنا مش فاهمة كلامك، معرفش أنت بقيت عدواني ليه كده." "كذاب."

مقلتين متقدين كجمرتين من قعر جهنم وبعصبية مفرطة صاح غاضباً، يضغط على رسغها. "ليه غبية ومش فاهمة معنى كلامي؟ مش جواد اللي كنتي هتموتي عليه، وبحبه أوي وعايزاك تساعدني عشان بابا يوافق، وهو الحيوان اللي رسم الدور عليا ويقولي ساعدني ياجاسر واقنع خالد." دفعها بقوة تارك يديها. "كنتوا بتلعبوا عليا." انحنى ينظر لمقلتيه بنيران الغيرة يريد أن يصفعها بقوة.

"عملتلكم إيه انتو الاتنين، عشان تلعبوا بيا، ده أنتِ كنتي روحي، مكنش ينفع يوم يعدي عليا من غير ما أعرف تاريخ يومك بالكامل. ليه تعملي فيا كده؟ ارتعشت ملامحها واحست بدموع غادرة تتجمع تحت أهدابها الطويلة. رفعت نظرها إليه. "على الرغم مش فاهمة كلامك، بس عايزة أكدلك حاجة مهمة يابن عمي، أنت مش بس روحي، أنت حياتي كلها، وعمري ما فكرت أضحك عليك، بالعكس." سحبت نفسا واحتضنت كفيه بين راحتيها.

"لو طلبت روحي مش هتأخر، ومقدرش على زعلك أبداً. رغم كسرى ليك، بس مقدرش أزعل منك مهما تعمل." تصنم جسده من حديثها ولم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبها. جذبها بعنف لأحضانه، بكت بشهقات بأحضانه، وانسابت دموعه رغماً عنها. "آسف ياجنى، آسف سامحيني، بس قلبي وجعني ومش متقبل بعدك عني." حاوطت خصره وبكت بشهقات. "ولا أنا ياجاسر، بس دي سنة الحياة، وأنت بنيت حياة حلوة.

ساعدني أبعد عن جواد وابني حياتي، أنا مكسورة ياجاسر، مش عايزة أقع أكتر من كده." أخرجها من أحضانه واحتضن وجهها. "ولا عاش اللي يكسرك يا جنجون. أنا هفضل في ضهرك بس عندي طلب." رفرفت بأهدابها المبتلة متسائلة: "طلب؟! أومأ برأسه، يزيل عبراتها بإبهامه بهدوء قائلاً. "بلاش يعقوب ده، مش لايق عليكي، ليه مستعجلة؟ آدي قلبك وقت عشان تنسي جواد صح." أنزلت كفيه وهزت رأسها رافضة، ورسمت ابتسامة على وجهها. "جاسر.

يعقوب شخص جميل ومتفاهم جداً، وإحنا قعدنا مع بعض، وكل واحد منا قال للثاني هو عايز إيه." حاول السيطرة على أعصابه، فتحدث بهدوء. "مش شايفة فرق السن ياجنى؟ ده شكله كبير غير أنا محبتوش." خرجت ضحكة رقيقة من بين شفتيها. "إيه يا جسورة، اللي يسمعك يقول غيران منه." "آه غيران. مش من حقي؟ ابتلعت غصة وخزت جوفها بأشواك حادة ثم نظرت لرماديته. "ده عز معملش اللي عملته. ده إيه الأخوية المجنونة دي."

دنى منها بخطوات متمهلة، وكأنه يخطو فوق النار يحمل غصته داخل روحه. "بس دي مش غيرة أخوية." أحست بقبضة تعتصر قلبها فابتلعت ريقها الجاف بصعوبة تحاول استنتاج أفعاله الأخيرة معها فتحدثت بنبرة مهزوزة. "اومال غيرة إيه، يا جسورة؟ إيه نسيت إنك وعز إخواتي؟ ورغم ارتعاش قلبها وتمنيها رفضه كلماتها، إلا أنه أومأ برأسه وتحدث. "أيوة صح. شكلي نسيت يا جنجون. أنا عندك زي عز، وجيتي واعترفتي لي بحبك لجواد."

حاولت تغيير الحديث، فنظراته لها اليوم تحكي الكثير والكثير. "قولت جايب هدية، إيه رجعت في كلامك؟ ياله هات الهدية، اتأخرت مينفعش كده. يقولوا العروسة هربت." *** زفرة محملة بلوعة عشقه لها ممزوجة بحزن قلبه تحررت من بين أنفاسه، وهو يطالعها بصمت. ثم نطق بما شطر قلبها عندما أردف. "قلبي." قالها ونظراته تغرز ببنيتها يستشف منها أي شيء. اهتزت نظراتها وارتعشت شفتيها، من كلمته التي خرجت مطعونة لقلبها برمح مشتعل. "قلبك؟

بتقولي هديتي قلبك يا جاسر؟ تحركت خطوة. تنظر لرماديته التي تكونت بها دموعه. "ليه مُصر توجعني يابن عمي؟ إيه ال بتقوله ده؟ أصيب بشلل كامل وارتجف قلبه من كلماتها التي مزقت نياط قلبه، يعض أنامله ندماً. حاول السيطرة سريعاً على مشاعره فابتسم وهو يضع كفيه بجيب بنطاله. "إيه يا جنجنون، قلبي ماينفعش هدية يابت. حافظي عليه وخليكي دايماً فاكرة وقت ما تحتاجيه هتلاقيه."

أحست بوجع يغزو أضلاعها وكأن أحدهم ضرب قلبها بخنجر عندما استمعت لكلماته المهتزة فأردفت. "هتفضل طول عمرك جنبي يا جاسر، وأول واحد بعد بابا وعز هلجأله. خليك واثق إن مكانتك مستحيل حد يقرب منها." "حتى يعقوب يا جنى؟ أردف بها ومازال يحاوطها بنظراته. ابتسمت على غيرته المجنونة، واقتربت تعانق ذراعيه. "ولا ميت يعقوب يا جاسورة، صدقني مفيش حد يقرب من مكانتك عندي متخافش." نظر لذراعها المتشابك بذراعه واحتضنه قائلاً.

"طب لو قولتلك عشان خاطري، بلاش توافقي على الجوازة دي، هو مينفعكيش." "أنت مستكتر عليا السعادة يا جاسر؟ ليه مش عايزني أبني حياة جديدة؟ مش إحنا اتفقنا؟ وصل عز إليهما، توقف جاحظاً عيناه وهو يرى أخته بأحضان جاسر كعاشقان. اهتز داخله واسرع إليهما، ثم صاح غاضباً. "ممكن أعرف بتعملوا إيه هنا؟ استدارت جنى مبتسمة. "عز.. عارفة اتأخرت، آسفة حبيبي، كنت بقول حاجة لجاسر."

جذبها عز من رسغها وهو يطالع جاسر بصمت ثم تحرك بعض الخطوات، ولكنه توقف عندما استمع لحديث جاسر. "إزاي جالك قلب تخليها ترتبط بواحد زي يعقوب ده، منعرفش عنه حاجة." استدار عز إليه واردف بهدوء رغم نيران قلبه المتقدة تجاه جاسر قائلاً. "جاسر لو عايزنا نفضل إخوات ابعد عن حياة جنى، وبدل أنا وبابا موجودين أنت مالكش حكم عليها. صمت للحظات ثم أكمل. "حتى لو مش موجودين أنت آخر واحد تتكلم في الموضوع ده."

وضع كفيه بجيب بنطاله واقترب منه، وتعلقت نظراتهما ببعض. "ليه ياصاحبي، شايفني مش كويس، ومستاهل أقول رأيي؟ جذبها متحركاً وهو يتحدث. "بالظبط كده، يابن عمي، مستاهلش تقول رأيك." "يااااه، ده أنت شايل وشايل أوي يا عز." تحرك عز دون حديث. فبعد إهانة فيروز لأخته، وصمت جاسر وهو تلاشى وجوده. توقف عز أمام جنى. "كنتي بتعملي إيه مع جاسر دلوقتي يا جنى؟ يعني خطيبك بره وجاية توقفي مع جاسر، دي جنى اللي بستنى قوتها."

رفعت نظرها إلى أخيها. "عشان ده جاسر يا عز، وياريت تحافظ على إهانتك له، هو مالوش ذنب عشان تعاقبه بطريقتك دي، أنا حاسة إنه مهموم وموجوع، رغم زعلي منه بس مقدرتش أشوف وجعه." تحرك جاسر بجوارهم دون حديث. "جاسر.." قالتها جنى بابتسامة. "إيه هتمشي أومال مين هيدخل بيا للناس، وبقالك ساعتين تقولي شعر في الأخوة." اتجه بنظره لعز وأردف. "بس إنتِ مش أختي." قالها وتحرك. ارتجف جسدها ونظرت لأخيها بعتاب، ثم أسرعت خلفه. "استنى يلا."

توقف مستديراً، ينظر إليها بذهول. "يلا.. اتجننتي يابت، بتقولي يلا." اتجهت لأخيها. "ياله بقى متبقوش غلسين، انتو الاتنين هتدخلوا بيا." وزعت نظراتها بينهما. "مفيش أغلى منكم، والولد فارس البارد كمان له نصيب." كان يطالعها بنظراته المتألمة، ود لو يختطفها من الجميع، ولكن ماذا عليه أن يفعل، لقد زهقت روحه وقضي الأمر. تحرك عز وجذب كفيها يرمق جاسر الذي نظراته عليها وحدها. "معقول جاسر يكون بيحبها؟ هز رأسه رافضاً الفكرة.

"لأ هو بيحب مراته." حمحم متحدثاً. "جاسر اطلع بجنى أنت وأنا هعمل تليفون." قالها بمغزى حتى يشعر بالارتياح. بسط كفيه واحتضن كفيها الذي شعر ببرودته، فابتسم ساخراً. "اللي يشوفك كده يقول البنت داخلة على إعدام." قالها وهو يجذبها ويتحرك دون الالتفات إلى عز. وصل أمام جواد وصهيب الذين صدموا من دخوله بها. "العروسة يا جماعة بعد إذنك طبعاً يا عمي." ثم اتجه لوالده. "ماهي أختي برضه مش كده يا حضرة اللواء."

كان جواد يطالع ابنه بصمت، يشعر بنيران قلبه، فاقترب بعد ما وجده مازال يحتضن كفيها وكأنه عريسها، في حين توقف بيجاد يهمس لغنى. "أخوكي واقع وحياة حماة." طالعت جاسر بحزن واجابته. "كنت شاكة للأسف." ضيق عيناه مستغرباً حديثها. "ليه يا غنى؟ ما تكلمتيش قبل جوازه من فيروز؟ أنا البنت دي عمري ما ارتحتلها أبداً، وأنا متأكد إنها مش هتسكت على جاسر." تحركت غنى لا إرادياً متجهة إلى أخيها، توقفت بجواره، وأحاطت خصره. "حبيبي الحنين."

ترك كف جنى، وحاوط خصرها. "غنون قلبي." جذبته بعدما وجدت نظرات جواد المتألمة عليه. "تعالى معايا، عشان ناوية أرقص معاك الليلة." وصلت فيروز ونيران الغيرة تأكل أحشائها. "كنت فين؟ دورت عليك." ابتسم بحزن وهو يطالعها. "كنت مع جنى، إيه فيه حاجة؟ جذبت كفيه وتحركت من أمام غنى التي وقفت بجمود لا تعلم ما عليها فعله. أخيها يعشق ابنة عمه التي تعشقه هي الأخرى، ولكن للقدر رأي آخر. *** بدأ حفل الخطوبة بالموسيقى الهادئة وجلوس العروسين.

أخرج يعقوب خاتم الخطوبة ليرتديه لجنى. كان الجميع يقف بمجاورتهم. سوى جاسر الذي ابتعد عن المكان، صاعداً لأعلى منزله، كأنه يريد الاختلاء ومعاقبة نفسه آلاف المرات على ما فعله به. بالأسفل بحث باسم عنه. "فين ابنك يا جواد؟ أجابه جواد دون أن ينظر إليه. "معرفش. مش أنت أبوه شوفه وديته فين يا صاحبي." اتجه بنظره إليه. "ليه.. ليه تقرر حاجة بعيد عني؟ دي الأمانة اللي قولتلك تحافظ عليها." جز باسم على أسنانه يوزع نظراته على الجميع.

"عشان ده أسلم حل يا ابن الألفي، كان لازم أعمل كده." ضغط جواد على ذراعه. "ده ابني يا باسم، عارف يعني إيه، يعني روحي اللي ممكن أهد الكون عشانه." "إنت اتصرفت من غير ما ترجع لي، بس ملحوقة، وحياة صحبتنا لأندمك على قراراتك الغلط دي." ثم رفع نظره إلى فيروز وابتسم بسخرية. "شوف اختياراتك يا سيادة العقيد، وأنا بأكدلك دي هتكون نهايتنا كلنا." تحرك متجهاً إلى راكان الذي يقف بجوار عز وصهيب. رفع هاتفه وتحدث.

"دقيقة والاقيك قدامي هنا، وإياك تتأخر." قالها ثم أغلق الهاتف متجهاً إلى راكان وصهيب. وصل بعد قليل. "راكان باشا منورنا، يا مرحبا." قالها جاسر بهدوء. لم يعلق راكان سوى بابتسامة. "ده نورك يا حضرة الظابط، كويس إنك أخيراً شرفت ونولت شرف وجودك قدامي." تهكم جاسر وهو يطالعه بصمت. "أيوة أعرف إنك غالي عشان اتكرمت وخليتك تشوفني." أطلق صهيب ضحكة. "إيه يلا مالك.. ده حتى راكان من أول ما جه مابطلش سؤال عنك." رفع حاجبه ساخراً.

"عارف، وعشان كده جيتله اهو." دنى يهمس له. "هتلعب عليا هلعب عليك ياحضرة المستشار، خلي بالك من كلامك." رفع جانب وجهه بشبه ابتسامة فأردف. "صعبت عليا، فجيت أشوف صاحب السعادة هيعمل إيه." ضغط على الكوب الذي بيديه حتى كاد أن يهشم، فأردف. "أصلك معشتش الوجع والألم اللي أنا حاسس بيه دلوقتي." ضحكة خرجت من راكان فأردف متهكماً. "مش بقول غبي ياحضرة الضابط... بص حواليك كده، وشوف الصمت على وشوش الجميع، رغم إنه فرح. ياريت تفكر كويس."

اتجه إلى جواد الذي وصل إليهم هو وصهيب. "جاسر أنا بقولك قدام حضرة اللواء، الطريق اللي ماشي فيه هيخسر." اتجه جواد إليه بتركيز. "إيه اللي حصل؟ أشار راكان عليه. "حضرة الظابط مدخل نفسه مع ناس تقيلة هو مش قدها وممكن يؤذوه." ضيق جواد عينيه متسائلاً. "قصدك مين؟ ابتلع جاسر ريقه. "راكان مزود الموضوع، مفيش دي قضية عادية واتحكم فيها." "يعني إيه، وإزاي أنا معنديش علم بيها؟ في إيه؟

على الرغم من نظرات جاسر إلى راكان ولكن راكان نظر إلى جواد. "فيه ولد عاكس أخت صاحبه، وطبعاً البنت عملت قضية تحرش. أخوها ضابط زي جاسر وضمنت القضية، بس الولد باباه واصل ووقف كل حاجة. وطبعاً ابن حضرتك عامل فيها حامي الحمى." تحرك جواد بعدما وجد أحد أصدقائه متجهين إلى صهيب. "كان لازم حضرتك تتكلم يعني." أومأ راكان رأسه. "اللي عملته في الآخر مش هيسكتوا عليه، إنك تحبس الولد وتعمل قضية لخطيبته."

انتزع سيجاره من كفيه وبدأ يدخنه. "مالكش دعوة، خليك في مصايبك." ثم اتجه بنظره إلى ليلى التي تقف بجوار غنى ورُبى. "حلوة مراتك خلي بالك منها." قالها متحركاً للبعيد. "ماشي يابن الألفي." قالها وهو يخرج دخان تبغه بغضب. *** عند جنى ويعقوب. بعدما ألبسها خاتم الخطبة، رفع كفيها وطبع قبلة عليه. صفق الجميع، في حين تورّدت وجنتيها، تسحب كفيها. "يعقوب إيه اللي بتعمله ده، عيب، إحنا مش كتب كتابنا."

قهقه عليها ثم جذبها لأحضان أمام الجميع. "لا.. صغيرتي، تبدين طفلة جميلة بكلماتك هذه.. فمهلاً على قلبي المستوطن بين أضلعي، فأنتِ تملكتيه بعفويتك وجمال عيونك وبرائتك." كانت تنظر إليه مشدوهة من كلماته. "يعقوب مينفعش." قالتها وهي توزع نظراتها بين الجميع خجلاً. "حاوط أكتافها ينظر إلى صهيب. "عذراً سيد صهيب، فأميرتك أذهبت عقلي، وأنا أؤكد لك أن هذه الأميرة منذ الآن أصبحت ملكي ولا أحد عليه الاقتراب."

كان يقف بعيد بجوار زوجته يضع كفيه بجيب بنطاله، يضغط على كفيه فهو الآن أصبح كالمارد الذي يريد إشعال الكون بأكمله. تنهد بوجع وتراجع بجسده يستند على الجدار. توقف عز بجواره. "آسف.. عارف إنك زعلان مني، بس غصب عني." استمعت فيروز إليه باهتمام ثم تسائلت. "إيه اللي حصل؟ "محصلش حاجة، روحي بارك لجنى، أنا عندي مشوار." قالها وتحرك سريعاً دون أن ينظر لعز. كانت نظرات جواد عليه. أطبق على جفنيه، عندما استقل سيارته وتحرك للخارج.

بعد انتهاء حفل الخطوبة، رجع إلى منزله، اتجه للمسبح وجلس يتمدد على الشازلونج. أطبق الجفنين، شعر بأحدهم يجلس بجواره. اعتدل. "عمو صهيب أنت لسة صاحي، الساعة تلاتة." جلس بجواره يربت على كتفه. "مالك ياحبيبي، حاسك مهموم، من الصبح وأنت بتبعد عن الكل، حتى حفلة أختك مش حضرتها." "بس جنى مش أختي ياعمو." أردف بها سريعاً دون أن يتحكم بمشاعره. أومأ صهيب برأسه.

"عارف إنها مش أختك، زي ما أنا عارف، لا أنت جواد ولا هي غزل يا حضرة الظابط." اتجه بنظراته لعمه، والحزن حفر ثقوبا داخل قلبه يتسرب الألم كما تتسرب الموسيقى من قصب الناي. "ياريتك ضربتني وفوقتني." احتضن صهيب وجهه. "مالك يلا، اوعى يكون اللي فهمته صح." حس بألم العالم كله يتجمع بقلبه فانبثقت دمعة رغماً عنه بجانب جفنيه. "تعبان أوي ياعمو، نفسي أرتاح، بتمنى اللي عايشه يكون كابوس وأفوق منه." رفع ذقنه ونظر لعينيه بحزن يفتت القلب.

"ليه ياحبيبي، هو أنت مش سعيد مع مراتك؟ تراجع يستند بظهره على الأريكة. "أنا مش عايش أصلاً ياعمو، أنا عايش كذبة وصدقتها، طلعنا كلنا بنضحك على بعض." توسع بؤبؤ صهيب مشدوهاً من حديثه. "إيه اللي حصل ياجاسر، وليه الوجع والحزن ده كله؟ "إنت بتقول إيه يابني." ابتعد بنظاره بعيداً عنه، وآهة عالية خرجت من جوف حسرته وجملة تعبر عن حالته الموجعة. "عارف إنك مصدوم، بس دي الحقيقة للأسف، ومش قادر أنكرها أكتر من كده."

استدار بنظره إليه وأشار على قلبه. "هنا نار بتكويني، ألم صعب وصفه، مهما أوصف لك شعوري مش هيوصله." أووه. أخرجها كالغارقا يبحث عن نجاتها. استمر في إخراج ما في جوفه من عصارة الألم. "هي ضحكت عليا، وأنا ضحكت عليها، ودخلنا في مرحلة كلنا بنضحك على بعض." صمت لبرهة والحسرة والخذلان فوق ملامحه. "محدش كان صادق مننا، لحد قبل فرحي بيوم وأنا بقنع نفسي إن اللي بعمله صح، لحد ما هي جت وقالت لي بحبه أوي." رفع نظره إلى عمه.

"من هنا قولت لازم أعيش وأبني لنفسي حياة عشان أقدر أعيش." "بس طلعت أكبر غبي ومغفل ياعمو، لا قدرت أعيش ولا أبني حتى سور مش حياة." "بتتكلم عن جنى مش كده؟ صمت صمتاً مريباً مشحوناً بأنفاسهم المستعرة، قاطعه صهيب. "حاولت أفهمك إنكم مش إخوات، بس أنت قلت إيه." نهض صهيب يربت على كتفه، ولا يشعر بعبرته التي انسابت على خديه مما استمع إليه. وقف يبكي بقلب مفطور ملئ بالثقوب عليه، ثم جذبه لأحضانه.

"مش بإيدي حاجة أعملها، مع أني كنت بتمنى ده من زمان." "وأنت عارف صح ولا إيه." أومأ متفهماً وأخرج زفرة حارة. "ربنا يسعدها يا عمو، في الأول والآخر أتمنالها السعادة، سواء معايا أو مع غيري." "للأسف ياجاسر، معدش فيه سعادة معاك، وأمنية من عمك ياحبيبي ابعد عن جنى عشان تقدر تعيش. متنساش إنك متجوز ومراتك حامل، غير بنتي بريئة مرضالهاش بكسر قلبها. يعقوب شخص كويس." بتر حديثهم وصول جواد. "كنت فين؟ نهض وأجابه.

"كان عندي مشوار، ورجعت من شوية. فدردشت مع عمو شوية." "ينفع تسيب ضيوفك وتمشي؟ مش عايز تكبر وتعقل، مفكر نفسك لسة عيل طايش." "بابا لو سمحت." "اسكت يا جاسر، أغلاطك بتكتر، وأنا خلاص تعبت من أسلوبك ده." تذكر شيئاً فأردف. "فيه بيت جنبنا هنا، اشتريته، من بكرة انقل عليه، ماهو مش مستعد أخسر والدتك." "اهدأ يا جواد فيه إيه لكل ده."

"اهدأ، عايزني أهدأ إزاي يا صهيب وهو ناوي يموت والدته، مراته بتقول هيرجعوا شقتهم بكرة، وإحنا فين من حياته، أنا حذرته مليون مرة من الجوازة دي وهو وقف قدامي وقالي هتجوزها." كان ينظر بأسى للأسفل. "ده أحسن حل يا بابا، مش هتحمل حد يزعل مني، فيروز مش مرتاحة وأنا عايز أريح الكل، هنرجع بيتنا وأنا دايماً هكون عندكم." "بيتك، وده إيه، ده أسوأ اللي كنت خايف منه معملش اللي أنت عملته.

مراته رغم إنها متربية بعيد عننا بس بحسها بنتنا وليها كل الاحترام من إخواتك وعمرها ما وقفت بجاحة في حد، رغم إنها حياتها كلها بره، إنما الأميرة فيروز معرفش بينها وبينا إيه." "خلاص يا جواد لو سمحت مش شايف حالته، مراته بس مش متعودة على الزحمة وحياتنا." "اسكت يا صهيب." "وياسمينا كان عمرها دخلت مطبخ ولا وقفت فيه، ده كان بيروح لها الأكل لحد السرير، أبوها كان معيشها ملكة." اقترب من جاسر ودنى ينظر لعينيه.

"بس متربية على الأصول، عارفة الكبير له احترامه، عارفة يعني إيه الصح من الغلط." "المطلوب مني إيه يا ترى عشان حضرتك تبقى مرتاح." سحب نفسا وزفره ثم تحدث. "أنا شايف إنك مش سعيد معاها رغم إنك بتحاول تدوس علينا عشانها، بس لحد كده وكفاية، البنت دي مش من توبنا." وضع صهيب رأسه بين راحتيه عندما شك بأخيه وها هو يلقي قنبلته. "طلقها بعد ما تولد، البنت دي أنا مش هتحملها أكتر من كده." صدمة نزلت فوق رأسه حتى شعر بالدوران فهمس.

"حضرتك عايزني أطلق مراتي." امسكه من ذراعه بعنف. "أنا بصلح وضع ياحضرة الظابط، وقبل ده كله لازم تبعد عن قضية ابن المغربي، مش ناقص أخسر حد فيكم، دول عندهم الدم زي المية. سمعتني ياحضرة الظابط." أشار بسباباته وزمجر غاضباً فكلما يتذكر دموعه يكتوي قلبه عليه فأردف. "بكرة تنقل البيت اللي جنبنا عشان تبقى قريب من مامتك، ارحم أمك ياحضرة الظابط." استدار متحركاً. "حاضر ياحضرة اللواء هنفذ أوامر معاليك."

هوى جواد على المقعد بجوار صهيب. "ليه كده يا جواد.. ليه تكسره بالطريقة دي." مسح على وجهه بعنف. "صهيب أنا مش عايز أسمع حاجة." ضرب على صدره. "هنا نار." له لو طلعت هتولع فيه. هرب على ساقيه. "اهدأ بس عشان ضغطك." ظل يخرج أنفاسه بهدوء عندما شعر بغصة تمنع تنفسه. "أنت عارف الولد اللي بيتحداه ده، أبوه واصل ومش بيرحم حد، والقانون معدش بينصف حد." ذهل صهيب من حديثه. "إيه اللي بتقوله ده يا جواد، أومال لو مش راجل قانونه."

هز رأسه وغضبه ووجعه من ابنه فاق الحد. "راكان البنداري ذات نفسه قالي أبعده عنه، تخيل لما واحد زي راكان يقول كده يبقى اعرف إن الموضوع خطير. أنا من وقت ماخرجت من الشرطة معرفش إيه اللي بيحصل يا صهيب، جاسر طايش، لازم يخاف على اللي حواليه، لازم أشده عشان يجمد ويعمل حساب لخطواته. حاولت مليون مرة أقوله بلاش فيروز بس شوف آخرة جوازه إيه. أنا حاسس ابني ضايع ومش مرتاح." ربت صهيب على كتفه.

"بالعكس يا جواد، جاسر راجل وراجل أوي كمان، بس هو نصيبه اللي معانده." "خايف عليه يا صهيب، أكتر واحد قلبي وجعني عليه، تعرف ممكن يضحي بنفسه عشان غيره، خايف من تهوره." تذكر صهيب حديثه منذ دقائق، فاومأ له. "عشان كده بقولك راجل أوي ومتنساش يا جواد، جاسر واخد طباعك كله." تراجع يطبق على جفنيه، فكلما يتذكر حديثه عن جنى قلبه يأن وجعاً. "ابني بيضيع بسبب تفكيره الغلط، لو مدافعش عن نفسه هيضيع يا صهيب."

"كنت تعرف بحب جاسر لجنى يا جواد؟ هزة عنيفة أصابت جسد جواد فنظر إليه مذهولاً. "إيه اللي بتقوله ده، حب جاسر لجنى؟ هو قالك إيه؟ آهة طويلة كانت أبلغ رداً على حديث جواد، الذي نظر للأسفل بأسى فتحدث. "كنت شاكك مش متأكد، بس النهاردة اتأكدت، معرفش ليه عمل في نفسه كده، بس اللي شاكك فيه ده تخطيط من باسم، عايز يوصل لإيه معرفش، وابني الغبي مشي وراه." هز صهيب رأسه وتحدث.

"ابنك قالي إنه بيحبها، وقال كلام كتير ال فهمته منه إنه مش سعيد في حياته، بس اعذرني يا جواد." "أنا بنتي أغلى من روحي، ومش هخبي عليك وأقولك إنها وافقت على يعقوب من غير ضغط، لا أنا ضغطت عليها عشان لازم تنسى جاسر، أنت عارف إنها بتحبه إزاي، والنهاردة للأسف عرفنا حبه وسمعته كمان، فلازم أدور على سعادتها بعيد، عارف إنك هتزعل، بس أنا من قبل جوازه رحت وسألته قالي كلكم عايزين تقنعوني إن جنى غزل وأنا جواد، بس دي مش الحقيقة."

حاول تهدئة أخيه فأردف. "ممكن عشان جواد بعد، ومحاولش يدخل بينهم، معرفش، بس هو دلوقتي اتجوز وأسس حياته، وأنا مستحيل أخلي بنتي زوجة تانية حتى لو هتفضل من غير جواز، حتى لو جاسر طلق مراته، جنى مستحيل أخليها مراته، وده بقوله عشان تقنع بيه جاسر." نهض متوقفاً ومازالت نظراته على جواد الصامت فأكمل.

"جاسر بيحب جنى وبيحبها أوي يا جواد، وأنا بنتي للأسف بتحبه، تخيل لو الاتنين فضلوا جنب بعض هيعملوا إيه، كان الأول مشاعرهم باينة أخوية، بس بعد جوازه وبعد خطوبتها، اشتعلت نيران غيرة الحب، وممكن تعمل حاجات مش نقدر نواجهها عشان كده بقولك أنا هبعد جنى وهخليها تسافر مع عز في شركة يعقوب اللي في أمريكا اللي قال عليها، لحد ما يتجوزوا." تنهيدة طويلة خرجت منه فأردف. "سامحني، ده أحسن حل بعد كلام جاسر النهاردة."

قالها وتحرك متجهاً لمنزله. ظل جواد جالساً بمكانه وكان هموم العالم أجمع سقطت فوق رأسه. *** مرت ساعات الليل على البعض متألمة مليئة بالوجع. كانت تتقلب على فراشها كلما تذكرت نظراته، وحديثه تشعر بقلبها يعتصر ألماً. هل هو يحبها، أم كلماته ما هي سوى أخوية؟ تذكرت كلمته بل هديته، وضعت كفيها على نبضها. "قلبك محفوظ يا جاسر عندي للأسف مش هقدر أبعده عني." استمعت إلى رنين هاتفها. "أهلاً يعقوب، لسة صاحي." ابتسم قائلاً:

"أهلاً جميلتي، ممكن أسأل جميلتي لماذا مستيقظة إلى الآن، هل هذا سهر الحب؟ ابتسمت بمحبة. "هل على العاشق حرج أيها العاشق الجميل؟ قهقه بمرح عليها ثم أردف قائلاً: "ليس على العاشق حرج، ولكن على المؤلم حرج عزيزتي." صمت قليلاً ثم أردف. "هل تحدثتوا ثانية، أم لا يوجد وقتاً للحديث؟ تراجعت بجسدها لظهر فراشها. "نعم تحدثنا قبل الخطوبة، ولكني أشعر بألم فتاك بقلبي." ارتشف قهوته وهز رأسه. "هل يمكنني أتساءل فيما تحدثتوا؟

"فيما بعد سأتحدث معك، ولكن علي إخبارك بما هو أهم." "بحثت عن اسم ابنة عمك وعلمت من مصادري الخاصة أنها تعمل بملجأ خاص بالقوات المسلحة." هب فزعاً من مكانه. "من أين علمتي؟ هل جواد الألفي من قال لك ذلك؟ "نعم عزيزي، فأنا تحدثت مع عمي دون دخول في تفاصيل، أنا كنت أسمع عنها قديماً، واليوم أخبرني أنه تبناها بعد وفاة عمك والآن تعمل بنفس المكان الذي كان به والدها." "شكراً عزيزتي، إنني أحبك صدقاً جنتي." صمتت للحظات وهمست.

"شكراً لك يعقوب على وقوفك بجانبي، حقاً نعم الصديق المحب." "غداً سنلتقي." قالتها وأغلقت الهاتف متجهة إلى خلودها للنوم بعيداً عن معذب قلبها. بعد يومين من حفل الخطوبة. تجلس مع ياسمينا التي تجمع أشياءها. "هتوحشيني ياياسو، أولدي بسرعة وتعالي." ابتسمت ياسمينا إليها. "حبيبتي يا جنجون إن شاء الله." نهضت متجهة إلى الأسفل. "هشوف ربى قبل ما يعقوب يوصل، معرفش بقالها كام يوم زعلانة ليه."

قالتها بعدما وضعت أشياء البيبي بحقيبة ياسمينا. طبعت ياسمينا قبلة على وجنتيها. "أحلى جنجون والله وشكراً يا حبي على مساعدتك ليا." ابتسمت بمحبة، تربط على كتفها ثم خرجت متجهة إلى ربى التي تجلس تأكل حلوياتها بصمت. "ربى... صرخت بها جنى. "هبت فزعة وقامت تسبها." "يخربيتك وداني." جلست بجوارها تجذب صحن حلوياتها. "إيه يابت الجشع ده عايزة تاكلي دا كله لوحدك." مسحت فمها بعنف. "أخوكي البارد مضيقني، وأنا لما بضايق بأكل كتير."

ضحكت جنى بصخب تغمز بعينيها. "ليه عشان هنسافر، ياعبيطة فيه حد يكره يعيش في أمريكا." انسابت عبراتها. "أنا.. أيوة أنا مش عايزة أسيب أهلي، عندي العيلة دي أحسن من أي مكان في العالم." أطلقت تنهيدة وهتفت بحزن. "صدقيني ياربى وأنا كمان، مش عايزة أسافر، بس لازم من التغيير." أومأت ربى لها مبتسمة. "أنما خارجة فين يا جوجو مع يعقوبك، وإيه يابت كل شوية سفريات من مكان لمكان، أومال لما تكتبوا الكتاب هتعملوا إيه." "هيبوسها."

أردفت بها فيروز التي تخرج من المطبخ تحمل عصيرها. طالعتها جنى بهدوء. "مش لازم الكلام ده يافيروز، حتى لو هيحصل، مينفعش نتكلم كده." رفعت حاجبها بسخرية. "ده أنا قلت هيبوسك، مقلتش حاجة تانية، وبعدين الصراحة الراجل جنتل أوي يا جنى أنتِ تطولي." زفرت جنى ونهضت. "ربى أنا همشي لازم أجهز قبل مايجي." قالتها وخرجت متجاهلة نظرات فيروز. توقفت ربى ونظرت إليها بغضب.

"بصي يافيروز أنا بحاول أتحمل اليوم اللي بتجيه هنا عشان ماما بس تتجاوزي حدودك مش هسكت لك." قطبت جبينها ثم تحدثت متهكمة. "ليه ياربى.. ده أنا مرات أخوكي، وبعدين أنا شايفة ده بيت جوزي، إنما أنتِ بيت جوزك هناك عند جنجون بتاعتكم." قالتها وتحركت وكأنها لم تفعل شيئاً. ذهلت ربى من حديثها، فضربت قدمها بالأرض تسبها. "الحقيرة بتقول إيه، معرفش جاسر جابها منين المصيبة دي، لا ودخلت علينا بالسلوكية." قاطعتها غزل.

"ربى بتكلمي نفسك حبيبتي، مالك." تحركت من أمامها متجهة للمطبخ. "مفيش ياماما.. عايزة أعمل قهوة أعملك معايا." "لا ياحبيبتي، اعملي لبابا وهاتيه على المكتب." هزت رأسها واتجهت للداخل، كان يجلس مطبق الجفنين. "حبيبي قاعد كده ليه، قولت هتعمل شوية شغل." أشار إليها بالجلوس. اتجهت إليه وجلست بجواره. "مالك حبيبي من يوم خطوبة جنى وأنت متغير." جذبها لأحضانه، وتنهد متألماً. "لسة زعلانة عشان بعدت جاسر من البيت."

مسحت وجهها بصدره كقطة أليفة. "بالعكس يا جواد، عملت الصح، أنا شايفة ابني بيدبل يوم عن يوم." رفعت نظرها إليه. "جاسر بيحب جنى أوي يا جواد، وقلبي وجعني عليه." تذكر شيئاً فنهض من مكانه. "عندي مشوار مهم حبيبي، هروحه وأرجع لك نتكلم في كل حاجة." أمسكت كفيه متسائلة. "رايح فين؟ أخرج تنهيدة متألمة. "رايح لباسم." قالها وتحرك سريعاً. بعد فترة رجعت تبحث عن دبلتها. "ربى مشفتيش دبلتي، بدور عليها مش لاقياها." أشارت ربى على المرحاض.

"شوفيها في الحمام حبيبتي كنت شيفاها هناك." قاطع حديثهما هبوط فيروز، فاتجهت ربى إليها تسائلها. "مشفتيش دبلة جنى يافيروز؟ نظرت إليها متهكمة. "إيه يا جنى ده لسة مكملتيش شهر مخطوبة، حالا الدبلة ضاعت." صمتت تنظر إليها بغموض. "بيقولوا كده إنك مش بتحبي خطيبك مش كده ولا إيه." اقتربت جنى تطالعها بنظرات نارية. "خليكي في حياتك، أحب أكره ده مالكيش فيه، أنتِ ضيفة هنا التزمي بحدودك معايا." رفعت فيروز حاجبها بسخرية.

"هي مين دي اللي ضيفة، أنتِ ناسيه ده بيت جوزي." عقدت جنى ذراعها أمام صدرها. "لأ مش بيت جوزك، وعلى ما أظن بيتكم مش هنا." قطع حديثهم دلوف جاسر. "رفعت نظرها إليه. "حبيبي أنت جيت." رفعها من خصرها وابتسم عندما تعلقت بعنقه. "لأ حبيبك لسة في المكتب مالكم في إيه." استدارت جنى ولم تعره اهتمام موجهة حديثها إلى ربى. "ربى لو لقيتيها عرفيني، لازم أخرج زمان يعقوب جه." قطع حديثهما رنين هاتفها.

ابتسمت فمجرد وجوده بحياتها أنار وجهها، هذا ما شعر به جاسر. أمسكت الهاتف. "أيوة حبيبي.. تمام أنا خارجة." هل شعر أحدكم بانصهار قلب المحب من الغيرة؟ استدارت إلى ربى ونظرت إليها بحزن. "لو لقيتي الدبلة خليها معاكي." قالتها وتحركت. "فيه إيه؟ تسائل بها جاسر. "أصل يا حبيبي بنت عمك ضيعت دبلتها من أول شهر، وخايفة من خطيبها يزعل." ترك فيروز وتحرك خلفها سريعاً. "جنى.." صاح بها بصوت مرتفع.

توقفت وهي تواليه ظهرها، ودقات قلبها الارتفاع كلما اقترب منها. "بدوري على دي." استدارت تنظر إليه بذهول. "هي معاك؟ "طب لما لقيتها مقولتش ليه، تتحمل حد ياخد منك حاجة." ابتسم بوجع وأشار إليها. "آه أنتِ أخدتي أهم حاجة للأسف." اقتربت منه. "هات الدبلة يا جاسر وبطل ألغازك دي." "إيه موضوع كل شوية تخرجي مع خطيبك ده، لاحظي إنكم مش كتب كتابكم." زفرت بغضب تنظر بساعتها.

"يادي النيلة على أسطوانتك يا جاسر، هات الدبلة لو سمحت مينفعش كده." قوس فمه ونظر بسخرية. "نيلة يا جنى، ده اتفاقنا." رفعت نظرها إليه، والشمس تضرب بعينها البنية مما جعلها تغمض عينيها ابتعاد عن أشعة الشمس. دنى ينحني برأسه وهمس. "اسمعيني كويس عشان أنتِ جبتي آخرك معايا، يعقوب ده مش بلعة، وياريت تعتذري عن خروجك معاه، والا." رفعت رأسها لوجهه القريبة وانفاسه التي ضربت وجهها فغاصت برمايته متسائلة. "والإيه يابن عمي؟

بلحظة من الذهول والهروب بما حولهم وضع جبينه فوق جبينها مغمض العينين. "والإ هخطفك يابنت عمي وصدقيني وقتها محدش هيقدر يمنعني." "جاسر.." قالتها برجفة بجسدها. "أنت مالك الأيام دي بقيت غير مفهوم." ابتلع ريقه بصعوبة وحاول السيطرة على نفسه. "تعبان يابنت عمي ودوايا عندك." تقابلت عيناها بنظراته العاشقة. "وأنت بتموتني يابن عمي، والله عمايلك دي بتموتني."

قالتها ونزعت نفسها متحركة سريعا من حضوره الذي جعل قلبها كفراشة تدغدغ مشاعرها، كل مرة تتأكد بها أنه روحها ولا حياة بدونه. "جنى.." أطبقت على جفنيها، ثم استدارت وهو يشير بدبلتها ثم ألقاها بحمام السباحة واستدار متحركاً للداخل. انسابت عبراتها رغماً عنها هامسة لنفسها. "ياترى هتفضل توجعني لحد إمتى يا جاسر؟ *** بعد عدة أسابيع يوم ولادة ياسمينا وقبل سفر عز وج وجنى وربى إلى الولايات المتحدة بيومين.

كان يجلس بمكتبه يتابع عمله، دلف إليه باسم. "عامل إيه، جيت أسلم عليك قبل ما أسافر بكرة." مسح على وجهه وتوقف. "هتتأخر هناك؟ هز رأسه رافضاً. "لأ شهرين تلاتة ونرجع، المهم أنت عامل إيه." أشار على نفسه وابتسم بسخرية. "ميت والحمد لله." ربت باسم على كتفه. "آسف يا جاسر، والله ما كنت أعرف إنكم بتحبوا بعض كده." أومأ برأسه متفهماً. "عمو باسم أنا هطلق فيروز، حياتنا بقت كارثية واتكلمت معاها واتفقنا بعد الولادة كل واحد يروح لحاله."

"حتى لو جنى اتجوزت يا جاسر؟ قوس فمه متهكماً. "جنى خلاص رسمت حياتها، وأنا مقدرش أقف قدام سعادتها، بس أنا مش مرتاح مع فيرو." أومأ متفهماً ثم تحدث. "حياة كلمتها كتير، وحاولت تعرف منها سبب تغيرها ده بس كالعادة، هي متغيرتش." سحب نفسا واطلقه بهدوء. "أنا اللي غلطت وأنا لازم أصلح الغلط ده." نهض من مكانه. "صالح أبوك أصله مضايق مني، وبيحملني المسئولية." "إن شاء الله حبيبي المهم متتأخرش عليا." ودعه باسم وخرج.

بينما ظل جالساً بمكانه يفكر بشرود بحياته التي دمرها بيديه، تذكر جواد ووصوله اليوم للقاهرة، فجمع أشياءه متجهاً إلى حي الألفي. باليوم التالي. قامت فيروز بالاتصال عليه. "جاسر هتتأخر." نظر للطريق أمامه وأجابها. "مش قبل خمس ساعات. عندي مأمورية مهمة فيه حاجة. أنتِ كويسة والبيبي كويس؟ زفرت بغضب واجابته. "كويسين بس زهقت من القعدة لوحدي." خطرت على ذهنها فكرة. "بقولك ماتكلم جنى تيجي تقعد معايا. بدل مافيش حد.

هي كانت مع خطيبها ولسة راجعة." مسح على وجهه بغضب وتوقف بالسيارة. "حاضر هكلمها لكن أتمنى متزعلهاش بكلامك زي كل مرة يافيروز، جنى لو زعلت مش هسكت لك." تأففت فيروز وتحدثت. "قولتل لك مش قصدي ياجاسر. عشان محتاجها يعني كل شوية هتتشرط." نظر من نافذة سيارته وتحدث بهدوء رغم حزنه. "تمام." "هكلمها." "خلي بالك من نفسك." أغلق معها وقام بالاتصال بجنى التي دلفت حي الألفي بعدما ودعت يعقوب.

"فيروز: خلاص ياماما مش جاية، البرنسس جنى جاية لعندي ولازم نتكلم أنا وهي على المكشوف، مش هستناها لم تختطف جوزي." نهضت والدتها تغمز للذي يجلس أمامها. "قولتي جنى. أوكي يافيروز، عايزاكي تغسليها وتعرفيها مقامها، متبقيش هبلة وتخلي حتة عيلة زي دي تخطف جوزك، عرفيها حدوده." تلاعبت بخصلاتها قائلة. "دي عندي ياماما وحياتك لأخليها تطلع من هنا تكره الرجالة كلها مش جاسر." بصقت والدتها شفتيها ثم أردفت.

"آهو أنتِ كده بنت سحر، وبتتعلمي بسرعة حبيبتي، ومش عايزةك تضعفي قدام حضرة الظابط يابنت ناجي. خليه هو اللي يجري وراكي، وإياكي يافيروز ترخصي نفسك، الكل لازم يعرف نفسه، متخليهمش يبصولك على إنك أقل منهم. ونظرة الكبرياء اللي عندهم دي ينسوها." خطت عدة خطوات واستمعت لهاتفها. أخرجته فنظرت لأسمه الذي يضيء بصورته على شاشة هاتفها. سحبت نفساً ولملمت شتات نفسها ثم وضعت الهاتف لتسمع لصوته الحنون. "عاملة إيه يا جنجون."

"كويسة.. إنت عامل إيه وفيروز عاملة إيه من يومين متقابلناش." شعر بنيران مستعرة بداخل صدره ولا يعلم لماذا. فأجابها. "شغلي يا جنى هعمل إيه." "ربنا يوفقك يا جاسر." هذا ما قالته وهي تتحرك متجهة لمنزل حازم. حمحم جاسر وأردف. "كنتِ برة مع خطيبك." توقفت تنظر حولها فقطبت مابين حاجبيها واردفت متسائلة. "أيوة عرفت إزاي." مسح على خصلاته يرجعها للخلف واجابها. "مش مهم.. المهم طالب منك حاجة. هو رجاء.

أنا قدامي خمس ساعات لحد ما أرجع وأنتِ عارفة فيروز حامل في شهورها الأولى وخايف عليها ليحصل لها حاجة ممكن تروحي تقعدي معاها لحد ما أرجع. آسف مش قدامي غيرك بعد سفر الكل للإسكندرية وطبعاً مش كويسة أطلب من عمتو مليكة." تذكر شيئاً ثم تحدث متسائلاً. "وانتِ هتباتي عند عمتو مليكة؟ هزت رأسها بالموافقة واردفت. "أيوة مينفعش أبات لوحدي وخصوصاً بعد سفر عز وربى." "جواد عندك؟ تسائل بها جاسر. "معرفش." ثم تراجعت وتحدثت.

"أنا خارجة من حي الألفي أهو خلي مراتك تعرف البواب أنا برة." صمتت للحظات. "جاسر أنا رايحة لفيروز عشانك، بس لو مراتك اتكلمت أنا مش هسكت لها." "بحبك على فكرة يا جنجون." توقفت ودقات قلبها أصبحت كآلة موسيقية، وجسدها يرتجف، لقد اخترقت كلمته نياط قلبها فهمست. "أنا وصلت." أجابها على الجانب الآخر. "وأنا أوعدك هوصل قريب." أغمضت عينيها تحاول السيطرة على نفسها. قاطع شرودها. "شوفي البوابة مفتوحة ولا مقفولة."

أردفت بتقطع وهي تنظر للبوابة المفتوحة فتحدثت إليه. "لأ البوابة مفتوحة والبواب شكله بيجيب حاجة." "طيب روحي وأنا معاكي على التليفون." قالها جاسر وهو مازال بالسيارة وابتسامة حالمة على وجهه، متخيل حالتها من حديثه. وجنتيها التي تشبه حبة الفراولة. تحركت إلى أن وصلت لباب المنزل ووجدته مفتوحاً. ظلت تنادي على فيروز ولكنها غير موجودة. "جاسر فيروز مش هنا." رأت خيال لأحدهما بالخارج فتحدثت.

"استنى شايفة حد برة.. يمكن فيروز هشوفها كده." ما إن خطت خطوة حتى استمعت لصوت أحدهما. "البنت أهي هاتوها." تسمرت بوقفتها عندما وجدت الكثير من الرجال الذين يظهر عليهم الإجرام. فصرخت تحادثه. "الحقني يا جاسر.. فيه ناس غريبة في بيتك." هزة عنيفة شقت صدره. فتسمر للحظات يحاول استيعاب ما قالته. فصاح بعد برهبة. "جنى شوفي فيروز فين وامشي من عندك بسرعة." بكت عندما وجدت احدهما يتقدم منها. فهرولت للأعلى وهو خلفها وهي تحادثه.

"مش هعرف أملي الجنينة." "الحقني يا جاسر." صاح بها بجسد مرتعش وهو يقود سيارته بسرعة جنونية. "جنى حبيبتي اطلعي على أوضتي بسرعة واقفلي على نفسك بالمفتاح وأنا هتصرف لو معرفتش أوصلك بسرعة. يلا حبيبي." هوت على الدرج وهي تسرع وتبكي واحدهما خلفها يصيح بها. "هتروحي فين ياروح أمك." استمع جاسر لذاك الرجل وكأن احدهما وضع سيخاً حديداً بصدره تسارع بأقصى سرعته وهو يكاد يتصادم بكثير من الحوادث.

"جنى سمعاني ياقلبي، اقفلي على نفسك كويس، دقايق وهكون عندك ياقلبي." "جاسر الحقني، دول شكلهم مجرمين." قالتها ببكاء. "جايلك ياقلبي متخافيش. شوية وهتلاقيني، اتصرفي يا جنجون." هرولت ودلفت لغرفته وأغلقت بالمفتاح عليها وجسدها يرتعش. استمعت لصياحه. "جنى حبيبي معايا. أنا في الطريق. اهدي وحاولي تتخبي كويس.. ادخلي أوضة الملابس اتصرفي." كأنها لم تستمع له. امسكت هاتفها بيد مرتعشة اغلقت معه متجه الاتصال بعز.

كان عز يجلس بجوار جواد وهم ينظرون لطفلة أوس ويضحكون ولكن قاطع حديثهما اتصال جنى. "أيوة يا جنجون." هنا هب واقفاً وكأن روحه خرجت من جسده. طالع جواد حالته. "في إيه ياعز." هرول للخارج وهو يصيح حتى توقف الجميع عن الاحتفال. "جنى ياعمو فيه حد بيجري وراها عند جاسر." عاد بيجاد مساء من عمله. قابله العاملة فأردف متسائلاً. "أين المدام؟ أشارت بيديها على غرفة المعيشة وتحدثت باللهجة الفلبينية. "إنها تبدو مستاءة من سفيان سيدي."

توجه سريعاً إليها. انتفض قلبه وصرخ بعيونه المذهلة وغضب عارم. "ينفع كده. هتفضلي كده لحد إمتى؟ رفعت بصرها تنظر إليه بإرهاق وحاولت الحديث ولكن قواتها متلاشية. أمال بجسده وتلقى منها طفله يضمه بحنان أبوي وقبله. ثم صاح على مربيته. "الولد ده لو خرج من أوضته هعاقبك إنتِ سمعتي ولا لأ." قالها بصوتاً صاخب. نهضت غنى تنظر إليه بذهولاً وقلباً مفطور. "بيجاد إيه اللي بتقوله ده."

لم يعرها اهتماماً واحتدت نظراته للمربية التي تحركت بالطفل خوفاً من بطشه. التفت إليها بحنق ينظر لحالتها التي أدمت قلبه. ثم انحنى يحملها دون حديث. وضعت رأسها بصدره وتعالى بكاؤها. زفر بضيق ثم تحدث بهدوء. "مينفعش كده يا غنى.. كده هتموتي نفسك حبيبي." تحدثت بصوتاً متحشرج بالبكاء. "أنا أم فاشلة.. مش عارفة أربي الولد يابيجاد." وصل لغرفتهما ثم وضعها بحنان على الأريكة متجهاً للمرحاض. ورجع خلال لحظات وقام بحملها.

"إنتِ أحن أم.. إن لبدنك عليك حق. خدي شاور ونامي ووعد مني مش هفارقه ياستي. هحروح أضرب لك ابن الكل.. باللي غلب غنى بيجاد، وبعدين الولد بيطلع ضروس ياحبي، فعادي يكون مقريف كده." كمته بضعف بصدره وتحدثت بصوتاً مرهق. "ماتشتمش ابني لو سمحت ولا تشتم باباه بقولك أهو." رفع حاجبه بعدما تخلص من ملابسها كلياً ثم تحدث متهكماً. "شوف إزاي... وأنا اللي كنت مفكر إنه ابن... وضعت كفيها على شفتيه. عند جاسر وجنى.

صعد سريعاً وقلبه ينبض بعنف خوفاً عليها. هل شعر أحدكم بنحر عنقه بخنجر بارد؟ وقف مشدوهاً ملجم اللسان. تسمر بذهول وشعر كأنه طائر بترت أجنحته، فتسارعت نبضاته. همس اسمها بارتعاش عندما وجد حالتها المزرية، شحب وجهه كمن سلب روحه لبارئها. تحرك بجسد مرتجف، وروحه تأن بأننين وتر مقطوع. هوى بجسده أمامها يهز رأسه بعنف وعيناه أصبحت كزخات المطر، يود لو يدمر الكون وما به.

جذبها يضمها بين ذراعيه، يود لو يخفيها بين ضلوعه، ضمها بقوة يسحقها. "حبيبتي إيه اللي حصل، مين عمل فيكي كده." ولكن لا يوجد رد، فكأنها جسد بلا روح. أخرجها يحتضن وجهها بكفين مرتعشين ينظر إليها ملجم اللسان. أخيراً همست باسمه. "جاسر خبيني منهم حبيبي، خبيني." قالتها وهوت بين ذراعيه تتمنى أن لا تفيق أبداً. صرخ باسمها صرخة بكل ما لديه قوة، ولكن ماذا سيفيد صراخه، بعدما شعر ببرودة تجتاح جسدها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...