تحميل رواية «عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث "» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ضائع بيني وبين نفسي. جزء مني يريد شيئًا والآخر يحاربه. جزء يقترب وجزء يشد الرحال. جزء يلبي وجزء ينسحب. جزء يرى طوق النجاة والآخر يقول: لا تتوهم. كيف أنجو من حرب طرفاها أنا؟ ولا أدري ما السبب. لكنني أدركت أنني كنت أصب عطفي وحبي في قلوب مثقوبة. *** في إحدى المناطق السكنية الراقية. كانت تغفو على الأريكة، تذهب في سبات عميق. دلف للداخل يحمل بعض الأكياس البلاستيكية. وضعها بهدوء عندما وجدها تغفو بتلك المنامة الوردية وخصلاتها المنسدلة على الوسادة. تحرك حتى وصل إليها وجلس على عقبيه يرسمها بعينيه. لقد اشت...
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سيلا وليد
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سيلا وليد
أنا لم أكن عادية أبداً، فدائماً ما أكون أنا محور الاهتمام، صدقاً بدون أن أبذل أي مجهود.
ما كان يميزني دوماً أني لم أكن أهتم، لا تقنعني أبداً كلمات الحب والغزل، لا أنتظر من أحداً أن يخبرني كم أنا جميلة.
فكُنت على قناعة كاملة أن قلبي ينتظره، وأن جميع أبوابي المغلقة لن تُفتح لغيره.
وحين أجده ستكون وقع كلماته مثل السحر، وأن جمالي لن يكتمل إلا بانعكاس صورتي في عينه.
طال انتظاري لك، وأخيراً قد وجدتك، وحين وجدتك لم تسمعني أي كلمات، أعطيتك مفاتيح روحي ولم تمد يدك لتأخذها وتركتها تصدأ.
لم أرَ في عينيك سوى انعكاساً لخيبتي بك، ومعك نعم وجدتك، وحين وجدتك فقدت نفسي وفقدتك.
تمنيت أن لم أجدك وأعود أنتظرك، فكم كانت قسوة الانتظار أرحم لي من قسوة قلبك.
***
دنى يخطو إليها، ومع كل خطوة ترتفع نبضاتها متراجعة للخلف.
دقات قلبه تتنازع مع بعضها، وصراع داخلي بين كرامته وقلبه.
لقد أهينت رجولته بحديثها اللاذع المهين له، حتى جعلته ينزف.
ونيران داخلية تلعنه من ذاك العشق اللاذع، اقترب بأنين صامت، وأنفاس نارية مهدورة.
فجذبها من ذراعها بقوة أذهلتها.
ابتلعت ذعرها منه.
"جاسر!!"
نيران بداخله أشعلت حرب أعصاب ونظرات بينهما.
دفعها بقوة على الفراش.
نهضت سريعاً متسائلة بزعر بعدما وجدت جنونه.
"إنت هتعمل إيه؟!" قالتها بعين زائغة.
انحنى إليها وتملكه غضب جارف.
"هعاين الجثة مش يمكن عايزة تحنيط مش تشريح، يا حضرة الطبيبة التشريحية، تقولي إيه أصل جوزك حقير واطي." قالها وقلبه يتآكل من الوجع.
تلاشى تنفسها من حالته التي أوجعت قلبها، فتحدثت.
"جاسر ابعد عني، أنا آسفة مقصدش اللي وصلك."
ما زال على وضعه، لقد وضعه على المحك.
فدنى أقرب منها ووزع نظراته على جسدها الذي كُشف أمامه بالكامل، ثم رفع نظره إليها.
ورغم المرارة والألم من حديثها الذي شقه لنصفين، حاول أن يهدأ داخله فتحدث.
"من اللحظة دي طرقنا افترقت، عايزة تمشي الباب مفتوح مش همنعك، عايزة تطلقي معنديش مانع، إنتِ كدا كتبتي خط النهاية بينا، أصلك مش غريبة متعرفيش مين هو جاسر، علشان تفكريني حقير شهواني، ياخسارة يابنت عمي." قالها وتحرك للخارج سريعاً.
هرول كالذي يطارده شيطانه، حتى وصل لسيارته، استقلها سريعاً، وقادها بسرعة جنونية.
شهقة خرجت من جوف آلامها تهمس اسمه ببكاء يمزق نياط قلبها هامسة.
"آسفة مكنش قصدي، أنا تعبت من قلبي الموجوع منك."
وضعت كفيها على صدرها وناجت ربها.
"يارب.."
ثم نهضت من مكانها متجهة للواحد القهار ترجوه بأسرها أن ينجيها من الهم والحزن.
قامت وتجهزت لمقابلة ربها بركعتي تزيل همها.
خرجت من مرحاضها بعدما توضأت واتجهت تقيم صلاتها بآلام قلبها النازف.
سجدت لربها تبكي وتدعوه بسريرتها.
"ربي لقد عجز تفكيري وخلت بي الطرق، فأنت وكيلي، اللهم بك أستعين وعليك أتوكل، اللهم ذلل لي صعوبة أمري، وسهل لي مشقته، وارزقني الخير كله أكثر مما أطلب، واصرف عني كل شر، رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري يا كريم. اللهم أخرجني من حولي لحولك ومن ضعفي لقوتك."
ظلت تناجي ربها حتى أنهت صلاتها فاعتدلت تقرأ بعض آيات الذكر الحكيم.
مرددة دعاء سيدنا يونس.
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
ظلت فترة من الوقت، ثم نهضت من مكانها واتجهت لهاتفها وامسكته بتردد لحظات تنظر للهاتف ثم عزمت أمرها وقامت بمهاتفاته.
كان يقف بالسيارة أمام النيل ينظر بشرود، تعاظم الغضب بداخله حتى بدأ ينفث سيجاره على هيئة نيران صدره الملتهبة.
يعشقها بجنون، وغيرته تكاد تذهب عقله.
تذكر ما صار بينهما بعد رجوعهم من المشفى.
**فلاش قبل شهر**
ولج للداخل كانت تجلس تنظر بشرود للخارج.
توقف أمامها يضع كفيه بجيب بنطاله.
"من بكرة هنزل الشغل، ياسين استلم شغله في العريش ومراته هتيجي تقعد معاكي الفترة اللي هكون موجود بها بالشغل."
كانت ما تزال تنظر للخارج وكأنه لم يتحدث إليها.
جذب مقعد وجلس أمامها.
"مش عايزة تقولي حاجة؟"
استدارت برأسها.
"جاسر أنا مش مرتاحة هنا، ومبقتش عايزة اقعد هنا، عايزة ارجع بيت ابويا عرفت أنه سافر، ومفيش حد في البيت."
نهض من مكانه يزفر متنهداً بغضب.
"جنى بلاش نتكلم دلوقتي في حاجة."
سحب كفيها وساعدها بتبديل ثيابها، ثم جمع خصلاتها برباط للشعر.
"خلي شعرك ملموم علشان مايتعبكيش في التسريح."
رفع ذقنها.
"مرات ياسين برة ادخلها؟!"
أومأت برأسها.
تحرك للخارج ولكنها أوقفته.
"جاسر..!!"
استدار بجسده ينتظر حديثها.
"عايزة اكلم بابا، حاسة بحاجة ماما مخبيها عليا."
دققت النظر بعينها.
"إنت مخبي عليا حاجة؟!"
قطب جبينه ثم اقترب منها مستفهماً.
"تقصدي إيه؟!"
زفرت متحدثة.
"ولا حاجة خلاص."
وقف أمامها ثم سحب كفيها وأجلسها بجواره.
"أنا مشفتش عمي من يوم مارجعنا من تركيا، هو لسة زعلان مننا، يعتبر مبكلمنيش، سبيه شوية وبعد كدا يبقى نزوره."
أومأت له فنهض متحركاً للخارج.
توقف على باب الغرفة يليقها بنظرة أخيرة ثم خرج.
ولجت عاليا للداخل.
"صباح الخير ياجميل."
رفعت نظرها لعاليا مبتسمة فأشارت لها.
"تعالي."
ولجت للداخل توزع نظراتها على الغرفة.
"اوضتك حلوة اوي على فكرة."
"ميرسي."
ظلت نظراتها عليها، فجلست عاليا أمامها.
"عارفة عايزة تسألي عن علاقتي بياسين مش كدا."
هزت رأسها وابتسامة حزينة افترقت شفتيها متسائلة.
"أنا معرفش ياسين اتجوز، حتى جاسر مقالش حاجة زي كدا."
نهضت عاليا، وأشارت على حجابها.
"طيب البسي وتعالي ننزل الجنينة شوية، الشمس حلوة، وحضرة الظابط نزل الشغل، وقالي أوامر اد كدا."
غمزت عاليا بعينيها.
"تعرفي بيحبك اوي اوي يبختك."
"وانا بحبه اوي كمان." خرجت الكلمات من فمها حزينة وترقرقت عيناها بالدمع.
أطبقت على جفنيها حتى لا تسقط عبراتها.
ابتلعت ريقها وتسائلت.
"هو جاسر حضر فرحكم؟"
***
ضيقت عيناها تنظر إليها مستغربة.
"ليه هو ماقالكيش ولا إيه."
تحمحمت تجذب حجابها تضعها بعشوائية على رأسها، ثم ارتدت حذائها.
"يالا ننزل تحت، ونتكلم."
**عند جاسر**
استقل سيارته متجهًا لعمله، استمع لرنين هاتفه.
"أيوة يابابا."
"إيه اللي رجع فيروز تاني ياجاسر."
توقف فجأة حتى اصطدم بالقيادة.
"بتقول إيه!!"
نهض جواد يزأر بصوته كالأسد.
"قدامك 24 ساعة يابن جواد تخلصلي من موضوع الحرباية دي سمعت ياله، وحياتك عندي البت دي لو حاولت تقرب من جنى لأحرقها ياحضرة الظابط الحنين." قالها ثم أغلق الهاتف.
يشعر بارتفاع أنفاسه.
ولجت غزل تفرك كفيها.
التفت إليها ثم جلس محاولاً السيطرة على أعصابه الذي بدأ يفقدها.
حمحم ليتجلى صوته وأشار لها.
"تعالي ياغزل."
جلست تبعده ببعض المسافة.
مسح على وجهه بعنف ثم سحب نفسًا وزفره قائلاً.
"غزل عايزك تجهزي فرح ياسين، انا رحت لابو البنت، لازم في أقرب وقت نعملهم فرح قبل ماابنك المتخلف يطلقها."
رفعت عيناها بذهول.
"إنت بتقول إيه ياجواد، يعني إيه يطلقها اومال اتجوزها ليه، هو مش بيقول بيحبها ولا فيه حاجة مخبيها عننا."
نقر بقلمه على المكتب ينظر بشرود.
"البنت ملعوب بيها لعبة كبيرة اوي، انا بدور ورا الموضوع دا،. بس طبعا عايز وقت، فأنا لازم اسكت الكل قبل مايبدأو يخنقوني بأخبار كاذبة، واعدائنا اكتر من اصدقائنا."
رفرفت بعينها.
"تقصد إيه؟!"
"بعدين ياغزل شوفي لو ينفع على الجمعة اللي جاي."
نهضت من مكانها وتوقفت أمامه.
"جواد!!"
رفع رأسه منتظر حديثها.
ابتعدت بنظرها مردفة.
"مينفعش نعمل فرح ياسين دلوقتي، ممكن حفلة بسيطة وكأنه كتب كتاب وتصريح للسوشيال ميديا حاليا."
هب من مكانه رافضاً حديثها.
"مينفعش اللي بتقوليه دا، انت متخيلة لو حد من اعدائي عرفو موضوع مراته دي هيحصل إيه، نسيتي جواز جاسر."
تدرجت ملامحها بالحزن وأجابته بهدوء.
"مينفعش نعمل فرح وصهيب مش موجود."
"هتصل بيه ياغزل مالكيش دعوة، هعرف احل موضوع صهيب، هو زعلان علشان بنته وهو من حقه، إنتِ دوستي عليه ياغزل."
تجلى الحزن بعينيها.
"عارفة ياجواد، ورحت اعتذرتله، لكن مقبلش الاعتذار."
تنهدت وجلست بمقابلته.
"فيه موضوع مهم لازم تعرفه، نهى حلفتني ماأقولك بس أنا قلبي وجعني من امبارح ومبقتش قادرة أخبي عليك أكتر من كدا."
نظرات مصوبة إليها منتظر حديثها وعقله يوحي بأن هناك شيئاً سيئاً.
أطلقت تنهيدة مرتعشة ولمعت عيناها بالعبرات.
"صهيب هيعمل عملية بعد يومين في ألمانيا."
هب فزعاً من مكانه وتسائل.
"عملية إيه دي وازاي أنا معرفش."
صاح بصوت أفزعها.
"عملية وألمانيا، ليه تخبي عليا حاجة زي كدا، اتجننتي."
انسابت عبراتها تهز رأسها.
"والله مكنت أعرف، عرفت بالصدفة."
بكت بنشيج واكملت.
"نهى قالتلي امبارح بس لما كانت بتطمن على جنى، حتى هو كان عايز يشوف جنى بس مقدرتش أقولك."
"عملية إيه.." هدر بها.
"مرتحش بعد عمليته الأخيرة والدكاترة طلبوا من اكس راي، واتضح الشريان والصمام فيه مشكلة، الدم مابيوصلش كويس."
أطبق على جفنيه وأحس بوخز يشق صدره فتحدث بقلب ينازعه الحزن.
"ازاي قدر يعمل فيا حاجة زي كدا، لدرجادي صهيب زعلان."
احتضنت ذراعيه قائلة.
"جواد صهيب مشي مش علشان زعلان، مكنش عايز يعرف حد بتعبه."
امسك هاتفه وأجرى اتصاله.
"تعاليلي ضرورى."
كان متجهًا لعمله، فتوقف متسائلاً.
"فيه حاجة؟!"
"لما تيجي هتعرف." قالها وأغلق هاتفه.
***
دلت ربى إليهما.
"بابا أنا هخرج مع عز للدكتورة."
وزعت نظرات بينهما، فهتفت متسائلة.
"مالكم شكلكم زعلان."
"فين عز؟!"
أشارت للخارج قائلة.
"هو بيجهز وهينزل، قالي تعالي نطمن على البيبي علشان هيسافر بالليل."
"إنت تعرفي عمك صهيب مسافر ليه."
ضيقت مابين حاجبيها مجيبة.
"هو مسافر فين؟!"
أشار لها.
"روحي ميعادك متتأخريش."
استدارت متحركة ثم أوقفها جواد.
"انتي هترجعي لعز ولا هتفضلي كدا، عايز رد نهائي."
ابتلعت غصة بحلقها ونظرت لوالدها بأعين تحجرت عبراتها.
"دا إجباري ولا حضرتك بتسأل."
اقترب بخطواته واحتضن وجهها.
"رُبى ابنك هيجي للدنيا بعد شهرين، ينفع يجي من غير أبوه."
"وأنا مسبتش أبوه يابابا، هو اللي سابني، هو اللي باعني، عايز أؤمن له ازاي بعد ما باعني في أول مشكلة."
وضعت كفيها على أحشائها.
"أنا مش هحرمه من ابنه، وقت مايعوز يشوفه."
هز جواد رأسه مستنكراً حديثها.
"أفهم من كدا إنك مش هترجعيله تاني."
"لا يابابا..ودا قرار نهائي، مستحيل آمن لشخص باعني، حتى لو روحي فيه."
اتجه بنظره لغزل التي جلست تحتضن رأسها مغمضة العينين.
"سامعة كلام بنتك، موافقة على عمايلها."
ثم استدار إليها.
"مش معنى إني مديلك الحرية يبقى تضيعي حياتك، أنا مش موافق على اللي بتقوليه."
"بابا.."
أشار بسباباته.
"بلا بابا بلا زفت، ياترجعي لابن عمك ياإما معنتيش تخرجي معاه تاني سمعتيني، وآخر مرة هقولك، حافظي على جوزك وبيتك، كلنا بنغلط، أيوة عارف إنه غلط، لكن انتي مسكتيش برضو، متكلمتش وقتها علشان كان معاكي حق بس دلوقتي خلاص مبقاش ليكي حق عنده، اتعادلتوا."
"بابا لو سمحت.."
استدار موليها ظهره وهدر بصوته.
"اللي عنده قولته، ياترجعيله يااما ماشوفكيش قريبة منه، وممنوع تتقابلي معاه."
***
تحركت للخارج ولكنها تسمرت بمكانها عندما وجدته يقف على باب الغرفة.
همست بخفوت.
"عز..!"
تحرك للداخل مبتعداً بأنظاره عنها.
دلف للداخل قائلاً.
"أنا حبيت أطمن على ابني قبل ماأسافر، مكنش قصدي حاجة تانية ياعمو، ومش معنى طلبت منها نزور الدكتورة يبقى خلاص مشاكلنا انحلت."
استدار يرمقها بنظرة خذلان ثم تحدث.
"اللي بيتكسر عمره مابيتصلح ياعمو، وحتى لو اتصلح مابيرجعش زي ماكان."
"بعد اذنك." قالها وتحرك من أمامهما مهرولاً للخارج.
نظر إليها جواد بملامح جامدة لأول مرة ثم اقترب منها.
"الراجل لما تكسره مراته قدام نفسه عمره مابيسامح إلا إذا كان بيموت في الست دي، وانتي كسرتي جوزك قدامنا مش قدام نفسه بس، ورغم كدا سامحك وطلب الغفران، ياترى الملكة روبي عملت إيه، كسرتيه للمرة اللي مبقاش ينفع يسامح، أتمنى متخسريش جوزك وحياتك وترجعي تندمي، أنا مش موافق عليكم انتو الاتنين."
لوح بيديه.
"امشي روحي مع طليقك ياهانم، النهاردة طليقك بس، بكرة يكون جوز واحدة غيرك."
هزة عنيفة أصابت جسدها فشعرت بتوقف نبضات قلبها من مجرد حديث والدها.
ماذا ستفعل إذا فعلها، تراجعت بذكريات تلك الليلة التي حفرت بذكرياتها المأسوية وهو يدلف بأخرى ويخبرهم بأنها زوجته، رغم أنها علمت بلعبته ولكن سُحبت روحها ونزف قلبها.
هزت رأسها تبعد أفكارها المأسوية التي تصفعها بقوة وخرجت هاربة من نظرات والدها النارية.
وصلت إليه وجدته جالسًا بالسيارة ينظر للأمام بجسد متجمد.
استقلت السيارة بجواره بصمت، لم ينبت بكلمة واحدة.
قام بتشغيل المحرك وتحرك بهدوء رغم نيران قلبه القابعة.
راقبته بأعين حزينة وقلبًا فتته الوجع.
همست بصوت كاد أن يصله.
"عز..!"
ظل كما هو ينظر للأمام بصمت.
اتجهت بنظرها للخارج بعدما وجدت صمته.
وصل بعد قليل للمشفى، ترجل أولاً ثم اتجه إليها.
قام بفتح السيارة، يحثها على النزول قائلاً بملامح جامدة.
"على مهلك."
طالعته بنظرات متألمة عندما وجدته لم يمد كفيه إليها.
نزلت ببطء وتحركت بجواره للطبيبة.
بعد فترة من الوقت كانت تتسطح على فراش الفحص، مرت الطبيبة بجهاز السونار بعد وضعها السائل، يتحرك الجهاز على جميع أنحاء البطن، ثم فتحت صوت النبض.
ابتسم بحب حتى لمعت عيناه وهو يرى نطفته تكبر بأحشائها.
أمسكت كفيه وانسالت عبرة عبر جفنيها وتسائلت.
"كويس يادكتورة، طمنيني."
ابتسمت الطبيبة وهي تطالع شاشتها.
"كويس جدا، ماشاء الله، وشكله شقي جدا، مش حاسة بحركته ولا إيه."
هزت رأسها وابتسامتها تنير وجهها أنستها حزنها فتحدثت.
"أيوة بيتحرك بس مش كتير اوي."
أعطتها الطبيبة محرمة ورقية.
"دخلنا التامن، والشهر دا أصعب الشهور، لازم نهتم بصحتنا كويس، وممنوع الإجهاد، علشان نكمل بخير إن شاءالله."
ساعدها بالأعتدال قائلاً.
"اعدلي هدومك هستناكي برة."
أومأت له، وهي تضع كفيها على بطنها تهمس لأبنها.
"حبيبي، شوفتك عقبال لما تجيلي بالسلامة."
ظلت تمرر أناملها.
"شوفت بابي فرحان بيك إزاي، وأنا كمان أسعد واحدة في الدنيا، اخيرا هشوفك قريب ياقلبي، مش مصدقة تيجي."
دلف إليها بعدما تأخرت خوفًا عليها.
"فيه حاجة." قالها مقتربًا منها، ثم بسط كفيه وجذب ذراعها يوقفها.
"حاسة بتعب ولا حاجة."
سعيدة جميلة بريئة تطالعه بنظراتها العاشقة ثم أمسكت كفيه تضعها على بطنها.
"شوف ابنك، مش مبطل ضرب فيا، أول مرة يكون كدا."
رفع عيناه إليها ثم نظر لبطنها وشعور السعادة يتملكه.
"بتتوجعي كدا؟!"
هزت رأسها نافية ثم تحدثت.
"لا بالعكس فرحانة أوي."
ابتسم ثم جذب رأسها يلثم جبينها.
"ربنا يباركلي فيكم يارب." قالها وتحرك بعدما فقد سيطرته على نفسه، كانت شهية للقلب والعين، اشتاقها حد الجنون، تمنى لو اخذها بمكان لا يعلم أحد به، ليعلمها كيف يكون الاشتياق، ولكن ذهب كله هباء، بعدما استمع لحديثها مع والدها.
**عند ياسين**
وقف أمام بعض الجنود الذين يتدربون بساحة القتال.
قام بالتعريف عن نفسه.
"أنا الملازم ياسين الألفي، اكيد هنقعد فترة مع بعض اتمنى تكون ذكرى كويسة للجميع."
قالها ياسين للجنود الذين يقفون أمامه بصمت واعتدال تقديراً له.
"أتمنى نكون زي الأخوات ونعرف نتعامل مع بعض بحب واحتراماً، ونعرف نميز بين العدو والصديق."
وصل من يرأس ياسين.
توقف ياسين يلقي تحيته العسكرية مع باقي فريقه.
ظل لفترة من الوقت وهم يتدربون حتى انتهت مدتهم المحددة، تحرك لتناول وجبته امسك هاتفه واتجه لمكان منعزلاً بعض الشئ.
**عند جاسر**
يقود سيارته متجهًا لمنزل والده.
ترجل من السيارة فاستمع لرنين هاتفه.
"أيوة ياياسين."
جلس ياسين أعلى صخرة متسائلاً.
"جنى عاملة إيه النهاردة؟!"
توقف عن السير وأجابه وهو يطالع والده الذي يتوقف بشرفة مكتبه.
"النهاردة أحسن، عاليا قاعدة معاها."
أومأ له وتسائل.
"جاسر خلي بالك جنى ممكن تأذي نفسها."
أحس بقبضة تعتصر صدره عندما تذكر حديث الطبيبة فأردف.
"أنا اتصلت بمكتب علشان أشوفلها جليسة، مكنتش عايز أعرفها دلوقتي، بس هي عرفت وخلاص."
"تمام خلي بالك منها، أنا كلمت أوس الصبح وقالي هيرجع النهاردة، وان شاء الله رمضان يجي علينا وكلنا موجودين مع بعض."
ردد جاسر قائلاً.
"إن شاء الله حبيبي خد بالك من نفسك، وخلي بالك العريش مش آمان ياياسن."
ابتسم ياسين قائلاً.
"العمر واحد والرب واحد، المهم انت خلي بالك على جنى ياجاسر، صدقني لو زعلتها هقفلك."
قهقه جاسر مردفاً.
"خلي بالك من كلامك يا حمار دي مراتي وقبل ماتكون مراتي فهي روحي."
أطلق ياسين ضحكة رجولية مرتفعة.
"اي ياعم الحبيب غيران عليها مني."
خلل أنامله بخصلاته.
"مش موضوع غيرة ياحضرة الظابط اد ماهو احترام ليا مش كدا ولا إيه."
"طيب يااخويا، روح شوف رايح فين."
"الله مش ناوي تسأل عن حبيبة القلب يعني." قالها جاسر بمغزى.
توقف ياسين عن الابتسام ونهض من مكانه.
"متخليهاش تخرج من البيت لوحدها."
"ياجاسر لو سمحت."
تحرك جاسر للداخل وهو يحادثه.
"ابوك معينلها حراسة متخفش، هو طلب مني اروح معاه عندهم بس معرفتش علشان جنى تعبانة، فكلمت بيجاد وعز راحو معاه."
"عرفت!!"
"كريم قالي، بس تفتكر ابوك بيفكر في إيه."
رفع جاسر نظره لوالده الذي يراقبه فتحدث.
"هكلمك لما ارجع البيت أنا عند بابا دلوقتي..سلام."
***
بالداخل جلس جواد ينتظره.
دلف للداخل يبحث بعينيه عن والدته.
"فين ماما يامنى."
أشارت للأعلى.
"فوق ياباشا."
"طيب يامنى قوليلها جاسر تحت."
"حاضر."
تحرك للداخل بعدما قام بطرق الباب مستأذناً.
ولج ملقياً السلام.
"عامل إيه ياحضرة اللوا."
"اقعد." قالها جواد بجمود.
مط شفتيه ثم تحدث.
"يبقى لسة زعلان، يعني افهم من وجودك للمستشفى ماهي إلا تأدية واجب، ومجية الدكتورة غزل لبيتي بردو تقضية واجب مش كدا ياحضرة اللوا."
"زعلان منك يا ابني الكبير."
"وأنا؟!" قالها سريعاً.
انحنى جواد مستنداً على مكتبه ونظر لمقلتيه.
"بكرة تبقى أب وتحس يعني إيه ابن يتهم أبوه، ويحسسه بالخذلان والإهانة."
رفع نظره محدقاً بمقلتيه.
"ولا عاش اللي يهينك ويخذلك ياحبيبي."
"ليه بتقول كدا."
نهض جواد من مكانه وأخذ يحاوره بعيون قليل الحيلة لما يفعله.
"لما تيجي وتوقف قدامي وتقولي اني مبعتبركش ابني الكبير، دا تسميه إيه، لما تيجي تتهم ابوك انك ولا حاجة عنده دا تسميه إيه، لما ابوك يطلب تكون سند لأخوك في مشكلته وحضرتك ترفض وتقول شوف عز وبيجاد دا تسميه إيه."
وقف بمقابل أبوه مشدوهاً يتمزق قلبه على ما صار بينه وبين والده.
"بابا حضرتك فاهم الموضوع غلط."
جلس على الأريكة ونظراته مصوبة عليه.
"زي ماانت فاهم الموضوع غلط ياجاسر."
جلس بجواره ودنى منه.
"أنا وقتها كنت مخنوق وبطلع وجعي مش أكتر."
تراجع جواد بجسده ومازالت نظراته عليه فتحدث.
"ساعات وقت الوجع بنطلع الصدق يابن جواد."
طأطأ رأسه للأسفل وتحدث.
"بابا أنا آسف، آسف على كل حاجة."
"أنا مبحبكش ياجاسر ودايما شايفك سبب المصايب، أنا.." اختنق صوته وتحدث بصوت متحشرج.
"عمري مافكرت في كدا، من وانت صغير شايفك أكتر واحد في اخواتك بتفهم ابوك من مجرد نظرة، إنما كلامك ليا حسسني اني ماأنفعش أكون أب، وفشلت في تربيتكم."
حدق بوالده بصدمة، يهز رأسه رافضاً مايعتليه بصدره.
"ابدا يابابا..أنا بس كنت بغير من بيجاد اوي، لأنه كان بيفهمك أكتر مني، حتى غرت منه على غنى، وزي ماحضرتك شوفت غنى دلوقتي أهم واحد عندها بيجاد."
"غبي يابن جواد، غبي ومتخلف كمان."
"بيجاد دا مهما كان هيفضل واحد من العيلة ومكانته غالية آه، بس عمره مايتساوى بيكم أبداً، انت أول فرحتي في الدنيا، أول نور وأمل نورلي حياتي."
"ازاي تفكر إن بإمكاني أحب بيجاد أو أعتمد عليه، انت اللي دايماً بتعد عن ابوك، فاكر أول مشكلة معاك، جريت على صهيب وحكيتله وابوك واحد غريب."
"خفت يابابا!!"
جحظت عيناه يشير على نفسه.
"خفت من ابوك..لدرجة دي شايف ابوك مجرم علشان يعاقبك بطريقة مؤذية."
"تروح تقول لعمك وباسم وأنا آخر واحد."
انحنى وغرز عيناه بمقلتيه.
"وياترى صهيب وباسم فادوك، قدروا يساعدوك ياحضرة الظابط."
أغمض جاسر عيناه بحزنًا وردد.
"آسف..عارف أنا غلطت."
"ليه عملت كدا ياجاسر، ليه دايماً ضدي في كل قراراتي، ليه يابني قولي عملت إيه يخليك تشيل مني كدا، من وقت خطوبة عز وروبي ومبقتش ابني بقيت واحد أنا معرفوش."
تراجع بجسده وسند برأسه على ظهر المقعد وتحدث.
"كنت زعلان من وقت مارفضت أدخل الشرطة ووافقت لجواد ابن عمتي، ليه معرفش، من وقت ما طلبت منك أروح مع عمو باسم سفرية سويسرا وحضرتك برضو رفضت، حتى لما جيت أتزوج فيروز برضو رفضت، كان كل حاجة بطلبها بترفضها، كنت بشوف عز وجواد أي حاجة يطلبوها يتوافق عليها بس أنا لا."
صدمة نزلت على رأس جواد كصاعقة هزته حتى فقد الحديث، فطالعه وكأنه غرس خنجراً بصدره.
لحظات محاولاً السيطرة على ألم اخترق صدره فسحب نفساً وطرده بهدوء، ليخرج النار القابعة بصدره.
لحظات مميتة تشعره بخيبة أمل من حديث ابنه اللاذع فتحدث بصوت هامس.
"محبتش تدخل الشرطة علشان انت مكنتش عايز دا في الأول، مش عايزك تعيش حياة كلها أوامر، حياة بالورقة والقلم، حبيتك تكون حر مش مقيد، ورغم كدا لما شوفتك مُصر وافقت."
"رفضت سفرك من باسم علشان ماينفعش تكون معاه في رحلة زي دي، واحد رايح شغل ومراته عايزة تعمل إجازة بعد شغله، كنت مستني مني أوافق على شاب عنده 22 سنة يروح مع واحد مايربطوش علاقة سوى أنه صديق لأبوه، أول حاجة هتطلع إشاعات عليك وعلى مراته، إيه ياحضرة الظابط، متعرفش إن بينك وبين حياة 3 سنين بس، وقتها مش هيقول أكبر منه هيقول الشاب اللي بيروض مرات صاحب أبوه الشابة."
زفرة حارة ثم مسح على وجهه قائلاً.
"موضوع فيروز رفضته علشان كنت عارف اللي إحنا وصلناله دلوقتي."
"لسة مقتنع إنك اتجوزت فيروز علشان تبعد عن جنى، ولا اتجوزت فيروز علشان تعاند أبوك وتفهمه إنك صح وهو غلط."
أطلق تنهيدة مؤلمة وتوقف يضع كفيه بجيب بنطاله ثم توجه للنافذة.
"الاتنين يابابا، كنت عايز الاتنين."
"والنتيجة ياحضرة الظابط."
شعر بقلبه يتأكل من حديث والده، فاستدار له يطالعه متسائلاً.
"حضرتك حاسس بوجعي يابابا."
نهض جواد من مكانه متجهًا إليه يقف أمامه ونظرات تعكس الغليان القابع بصدره.
امسكه من كتفه.
"وأنا لو مش حاسس بوجعك كنت سامحتك ياجاسر."
تظاهر بالثبات رغم انهياره الداخلي ورغبة جامحة أن يبكي بأحضان والده عله يشفى من آلام روحه النازفة.
ورغم ذلك تحدث بنبرة متزنة.
"يبقى سيبني أختار حياتي وأمشيها زي ما أنا عايز زي ما حضرتك دايماً معلمنا، قولتلنا زمان مش عيب نغلط بس العيب أننا منعترفش بالغلط."
أومأ له ومازال على وضعه.
"بنت عمك عاملة دلوقتي."
رفع نظره لوالده، وحزن عميق داعب قلبه.
"قصدك مراتي."
أشار جواد بسباباته.
"وبنتي ياجاسر، جنى زيها زي غنى وربى، وأنا سبتك تاخد حقك منها مش علشان انت جيت وفضلت تصرخ، لأ يابن جواد، دا علشان هي غلطت وكان لازم تتعاقب، وانت اللي ليك حق في كدا..بس مسألتش نفسك إيه اللي وصلها لكدا."
"أنا.." أردف بها بصوت بارد.
انفرج ثغره جواد بإبتسامة ساخرة.
"قصدك فيروز؟!"
"طيب لما حضرتك عارف بتسأل ليه، وليه سبتها تمشي."
ناظره مع تأوهها المؤلم التي انبثقت من فم جواد يشير إليه.
"تفتكر يابن جواد لو أعرف كنت سبتها تكسرنا كدا، كنت هتحمل وجعك شهرين، ولا أشوف حالة صهيب وأسكت، كنت هستنى العيلة توقع، ليه فكرت كدا، دي ثقتك في ابوك."
ارتسم الألم بداخل أعين جاسر.
"مكنتش أتوقع إن اختي تعمل فيا كدا."
أومأ جواد غير راضيًا بحديثه.
"اختك لأ بس ابوك آه."
دنى من والده وتوقف أمامه.
"مش قصدي اللي وصلك، قصدي إنك الوحيد اللي تقدر تعمل كدا."
ثبت عيناه على ابنه وتسائل.
"سيبك من اللي فات وقولي، دلوقتي ناوي على إيه."
رفع عيناه التائهة لوالده ووقف منحني كعصفور مكسور الجناح.
"مش عارف يابابا، بحبها بس كرامتي مهدورة، حط نفسك مكاني، لو ماما عملت كدا كنت هتعمل إيه."
سحبه من كتفه وأجلسه.
"إنت عارف أن عمايل جنى نتايج لعمايلك."
"بابا.."
أشار بسباباته واستأنف بهدوء.
"صعب يابني حط نفسك مكانها قبل ما تعمل راجل عليها، اسأل نفسك الأول."
"انت لو مكانها تصرفك إزاي، وقبل ما تتكلم أنا مش موافقها أكيد على عمايلها دي، بس برضو مش عايز أموتها بقرارات وأنا عارف غلطك أكبر."
"لو شايف إنك هتقدر تعيش بعيد عنها وأنها كسرتك زي ما بتقول يبقى طلقها وريح نفسك، بس إياك تيجي في يوم تقولي عايز أرجعها يابابا أصلي مش قادر، وقتها أقسم بالله ياجاسر ماهاخليك تطولها."
"ومين قال لحضرتك إن أنا هسيبها أو أطلقها."
توقف قائلاً.
"جنى هتفضل مرتبطة باسمي لحد ما أموت يابابا..ومش هتنازل عن عقابي ليها، لازم أدوقها وجعي."
ارتسم ابتسامة ساخرة.
"متأكد يابن جواد."
دقق النظر بوالده مندهشاً من حديثه فتسائل.
"تقصد إيه."
نصب عوده وتوقف يربت على كتفه.
"بتحبها أوي كدا، وعايز تعاقبها."
"اه..ومحدش له يدخل."
هز جواد رأسه ومازالت ابتسامته.
"يبقى مبتحبهاش."
"محدش له يقولي كدا..حضرتك مدخلتش قلبي علشان تحكم عليه."
"بس كفاية أفعالك ياحضرة الظابط، لسة ناقص إيه، تعالى وقولي."
"إزاي قدرت تقهرها بالشكل دا قدامنا."
لكزه بصدره.
"إزاي قدرت تشوف دموع مراتك يالا، فضلت تدوس لحد ماوقعت بالشكل دالا وواقف تقولي محدش له يحكم."
ناظره ناهراً إياه.
"أنا بحذرك ياجاسر من رجوع فيروز لحياتك تاني."
شعر بالحزن والألم بآن واحد مردداً.
"مفيش حاجة بيني وبينها."
"دا أنا متأكد منه، أنا اللي أقصد حطلها حد، البت دي مبقاش ينفع تقرب منك، وخليك متأكد أنها مش هتسيبك."
أومأ برأسه يحمل أشياءه قائلاً.
"عايزك تكلم جنى، مصرة تبعد، مش عايز أتعامل معها بطريقة مش كويسة لو إنت خايف عليها..عايز أفعال ياحضرة اللوا."
ربت على ظهره.
"منك ليها أحسن، حاول تبعد عنها، سيبها شوية لحد ما ترجع زي الأول، البت بتحبك ومش هتقدر تبعد، بس خليك عاقل."
تجلى الوجع بنبرته قائلاً.
"بابا الدكتور منع جنى من الحمل، بيقولها احتمال كبير أن حملها يبقى دايماً مشوه، ومن وقت ماعرفت وهي متجنباني خالص ومش مديني فرصة أتكلم معاها ومصرة على الطلاق."
***
ألجمته الصدمة من حديثه ولم يستطع التفوه للحظات.
حرب نظرات لا يعلم بماذا يجيبه.
جلس محاولاً السيطرة على صدمته، ابتلع ريقه ورفع رأسه قائلاً.
"مفيش حاجة في الطب اسمها كدا، حتى لو الطب اتقدم ومبقاش فيه حاجة اسمها مستحيل، خد مراتك في حضنك وداو جروح بعض ياجاسر، دا علاجها الوحيد."
تثاقلت أنفاسه ورغم كدا حاول ألا يضعف أمام ابنه فجلس قائلاً.
"كنت بعتلك علشان أقولك عمك هيعمل عملية بعد يومين، هسافر بالليل عايزك ترجع هنا لحد ما أرجع، مامتك هتيجي معايا عارف إنها هترفض."
انتابه غصة قوية، فهمس بتقطع.
"عملية إيه.."
هز كتفه بعدم معرفة قائلاً.
"معرفش بس أكيد حاجة كبيرة، غزل بتقولي العملية فشلت."
"وعمو كويس يابابا، ولا."
هز رأسه بعدم معرفة.
"معرفتش أوصله، لما أوصل هكلمك."
جمع أشياءه وتحرك للخارج.
"هشوف جنى، بس بلاش موضوع أرجع هنا، عمو حازم هنا، يعني هيسد وكمان أوس هيرجع، لا بلاش أنا..يالا سلام ياحضرة اللوا ترجع بالسلامة."
قاد السيارة وأمسك هاتفه.
"فيه واحدة باسم فيروز هاشم الناجي."
"أيوة رجعت الصبح."
أغلق الهاتف ملقيه على المقعد ينقر بكفيه على القيادة.
"ناوية على إيه يافيروز، ياترى رجعتي ليه ومش همك تهديدي."
استمع لرنين هاتفه.
"بسوم عامل إيه."
"جاسر عدي عليا بعد الشغل، فيه موضوع مهم."
نظر من خارج النافذة واستأنف حديثه متسائلاً.
"فيه حاجة ولا إيه."
"اه لما تيجي هتعرف." قالها مغلقاً هاتفه متجهًا لحياة.
"هخرج ساعتين وارجع، جهزي الغدا، جاسر هيتغدى معانا، وكمان ممكن يجيب ندى."
ابتسمت له وأشارت بعينيها.
"من عيوني ياحبيبي."
انحنى يطبع قبلة على جبينها.
"خلي بالك من فارس."
تحركت معه للخارج، استمعت لهاتفها، فاتجهت إليه.
"فيروز..لسة فاكر عليكي ياحيوانة."
على الجانب الآخر أجابتها.
"حياة أنا تعبانة اوي، لسة راجعة من سويسرا من شوية، وماليش حد غيرك."
"فيروز آسفة بس انتي عارفة باسم عمل آخر مرة إيه."
صمتت بعد الوقت ثم اردفت.
"تعالي نتكلم ونشوف هتعملي إيه باسم قدامه ساعتين، وعلى فكرة عازم جاسر وجنى على العشاء."
شعرت بالحزن بداخلها فهمست ببكاء.
"جاسر خلاص نسي فيروز ياحياة، وجنى أكلت عقله."
ضحكت حياة بسخرية وأجابتها.
"لا دا إنتِ فاتك بلاوي يابنتي، جنى هربت من جاسر، ورجعت والكل كرهها."
أنار وجهها من الأخبار التي أسعدت قلبها، فتحدثت حياة.
"أنا هاجيلك." قالتها وأغلقت الهاتف.
وصلت بعد فترة.
"قصدك إيه يافيروز."
"لا طبعا دا باسم لو عرف ممكن يموتني."
احتضنت كفيها وانسابت عبراتها.
"مش هخليه يشوفني والله، عايزة أشوفه من بعيد هو ميعرفش إنها رجعت اصلا، وحشني أوي ياحياة."
ضمتها حياة تمسد على خصلاتها.
"وكان ليه من الأول تعملي في نفسك كدا بس."
شهقت ببكاء.
"مكنتش اعرف أن حياتي هتبقى كدا بعده، جاسر أحسن راجل قابلته في حياتي، وبتمنى نرجع لبعض حتى لو زوجة تانية أنا راضية، لازم تساعديني ياحياة لو سمحتي، أنا ياما ساعدتك قبل كدا."
تنهدت حياة متأملة فاجابتها.
"خلاص اقعدي وربنا يستر وباسم ميعرفش، وقتها هيبقى أنا وأنتِ في الشارع."
مساءً عاد لمنزله وجدها تجلس أمام المسبح تستمع للموسيقى.
خطى إلى وصل أمامها.
"عاملة إيه حبيبتي."
"الحمد لله."
"رجعت بدري يعني."
جذب المقعد وجلس بمقابلتها يطالعها بإشتياق.
"وحشتيني."
ابتعدت بنظرها بعيداً وأجابته.
"أنا همشي ياجاسر هروح شقتك اللي في الرحاب، عايزة أقعد مع نفسي شوية، وأفكر بعيد عن الضغوطات."
رفعت نظرها إليه.
"وانت كمان فكر كويس، علشان مترجعش تندم تاني."
طالعها بملامح جامدة ثم أجابها.
"مفيش خروج من البيت، وبدل إنت مقتنعة بجنونك يبقى اسمعيني كويس."
"خروج من البيت دا مفيش."
نهض من مكانه وأشار إليها.
"ولو حاولت تستفزيني بموضوع الطلاق."
انحنى ينظر بمقلتيها.
"هتجوز عليكي واجبها هنا واحصرك بجد..سمعيني بس كلمة طلاق، ولو نسيتي أنا عملتها قبل كدا..فخليكي زي العاقلة وانسي الهبل بتاعك دا."
انتفض قلبها بدقاته بسعادته من تمسكه بها ورغم ما شعرت به إلا أنها ما زالت على وضعها فتسائلت.
"أنا مستحيل أفضل في صراع بيني وبين فيروز..مش هفضل قاعدة جوايا قلق من حرباية زيها."
كانت شهية بغضبها وشفتيها التي تتحرك أمامه.
انحنى يجذب رأسها يقربها إليه ودنى ليروي روحه ولكنها ابتعدت ودقاتها تتقارع بصدرها.
"إيه اللي بتعمله دا..أنا بتكلم في إيه وانت بتعمل إيه."
جذب حجابها الذي يحاوط عنقها وأزاحه، ثم جذب مقعدها يقربه، ينظر بداخل مقلتيها.
"افهم من كدا بتخيرني تاني، يعني غلطانة وبتتبجحي وجاية تتشرطي."
دنت أكثر وغرزت عيناها قائلة.
"حقي، دا حقي يابن عمي، والدين والشرع بيقول كدا، أنا مش موافقة أفضل على ذمتك وانت عايز ترجع مراتك التانية."
أردفت بها وانتظرت حديثه بقلب ملتاع وعيناها تبحر فوق وجهه تتمنى أن ينطقها متمسكاً بها، عاشقها الأوحد ملهم روحها.
تراجع بجسده ينظر للبعيد وأجابها.
"ولو قولتلك أنا مبتهددش يابنت عمي، ومالكيش اختيارات عندي."
نصب عوده وتوقف يضع كفوفه بجيبه ونظراته على وجهها الذي شحب.
"مجنون بقى تقولي إيه."
انحنى وهمس بالقرب من شفتيها.
"زي ماانتِ مجنونة بحبي أنا مجنون بحُبك ياجنجون."
قالها وتحرك من أمامها حتى لا يطبق على عنقها.
تراجعت بجسدها للخلف.
"وبعدهالك يابن عمي ناوي على إيه، عايز إيه بالظبط."
فركت جبينها وأطبقت على جفنيها تذهب لطفولتهما.
قطعت خلوتها عاليا.
"كنت جايلك بس لقيت جاسر فرجعت."
فتحت عيناها وأشارت لها.
"تعالي احكيلي ياسو وقع فيكي إزاي، متكلمناش."
عوجت شفتيها تلطم كفيها.
"ياسو..دا تدلعيه..!!"
"دا تعوريه، تاخديه لعشماوي يخوفوا بيه اللي هيتكلوا على الله."
ارتفعت ضحكات جنى حتى أدمعت عيناها.
"يخربيتك مجنونة."
"دا كله على ياسو."
وقف يراقبها من شرفته، عزفت تعويذتها على قلبه، حتى كثرت أمنياته بتلك اللحظة.
لكزتها عاليا.
"متقوليش بس ياسو، والله بضايق، دا رخم ومغرور."
انحنت جنى تطالعها بريبة.
"إزاي هو انتوا مش بتحبوا بعض ولا إيه."
"ولا عمري أحب الجلنف اللي اسمه زفت الطين ياسين دا، كرهني في الاسم يخربيت تقل دمه، كان نفسي اسمي ابني ياسين."
تلألأت عيناها بالدموع، فرفعت نظرها إليها.
"من وانا صغيرة أقول لما أتزوج هجيب ولد وأسميه ياسين."
ابتسمت جنى تلذذها.
"أهو جوزك ياسين متزعليش."
***
سحبت كم من الهواء وزفرته ببطء.
"ياسين أول مرة أشوفه يوم الفرح، حتى اتجوزته ومعرفش اسمه."
توسعت أعين جنى مذهولة فاعتدلت تنتظر حديثها قائلة.
"هسمعك، عايزة أعرف إيه حكايتك."
ذهبت عاليا ببصرها لجاسر الذي أبدل ثيابه متجهًا إليهما.
"عاملة إيه ياعاليا."
"كويسة الحمد لله." قالتها ونهضت لتحرك.
فأوقفها قائلاً.
"لأ أنا خارج."
اتكأ على المقعد ينظر لجنى.
"عمو باسم المفروض عازمنا على العشا، أنا رفضت وجودك لحد ما ترجعي تاني."
انحنى يهمس بجوار أذنها.
"ضحكتك خطفت قلبي ياجنايا." قالها بملامسة خاصته لأذنها.
رفعت رأسها وتقابلت عينيهما بإشتياق جارف.
تحركت عاليا سريعاً متجهة للداخل، فتحدثت جنى بتقطع.
"بتعمل فيا كدا ليه ياجاسر."
مسد على شعرها وهتف.
"عايز أعذبك ياجنجون زي ما بتعذبيني، أحسسك قد إيه قلبي وجعني."
رفرفت بأهدابها تهز رأسها وأجابته.
"ومين قالك إن مش بتعذب يابن عمي."
اعتدل بوقوفه يرتدي نظارته الشمسية.
"أهي ابن عمي دي أكتر وجع ياجنى، طول ما إنتِ كدا اعرفي إنك بتوجعيني أوي."
أمسكت كفيه.
"مقدرش أوجعلك قلبي، بس خايفة."
رفع كفيها يقبلهما قائلاً.
"مش هتأخر."
"لسة مكملناش كلامنا، خدي بالك من نفسك."
طبع قبلة على جبينها وتحرك لسيارته دون حديث.
ظلت عيناها تراقب تحركه حتى خرج من البوابة الرئيسية للمنزل.
تنهدت وهمست لنفسها.
"قربك عذاب وبعدك عذاب، ياترى ناوي على إيه ياجاسر."
وصل بعد قليل لمنزل باسم.
جلس لبعض الوقت وتناول العشاء.
أخرج باسم بعض الصور.
"دول هينفعوك في القضية، الصراحة أبوك اللي بعتهملي، بس حبيتك تعرف إن أبوك له طار من الناس دي، فخلي بالك ممكن يؤذوك."
تراجع بجسده ينظر للصور ثم رفع نظره لباسم.
"العيال دي بيوزعوا مخدرات على شباب الجامعة."
طالع باسم مذهولاً من حديثه.
"إيه اللي عرفك."
أشعل سيجاره، ونفثها بهدوء ينظر لجاسر.
"زرعت في وسطهم واحد، العيال دي مجرد أنها بتوزع بس، إحنا عايزين نوصل للكبير..والديلر بتاعهم صاحب ابن عم بنت هاشم الناجي."
"قصدك فيروز؟!"
وضع رماد سيجاره بالمطفأة يضغط عليها بغضب.
"بلاش اسمها وحياتك، بتحرق دمي، ياريتني سمعت كلام أبويا، مكنتش دي حياتي."
قهقه باسم غامزاً.
"هتنصب يالا، عشتلك يومين في الجنة يااخويا."
رفع جانب وجهه وابتسامة ساخرة.
"سبتلك الجنة."
دفعه باسم مقهقها.
"افهم النار اللي انت فيها أحسن."
هنا تذكر مهلكته.
فلاحت ابتسامة عاشقة ظهرت بعينيه.
"بعشق النار دي ياعمو، عجباني اوي، المهم النار هيجلها يوم وتطفى."
أخرج باسم حافظة أوراق.
"طيب شوف الورق دا واشتغل عليه كويس."
بالداخل كانت تقف قريبة منهما تستمع إلى حديثهما.
اعتصر قلبها من حديثه، فجزت على أسنانها تهمس لنفسها.
"وحياة حبي ليك ياجاسر لندمك على اللي عملته فيا."
اتجهت ببصرها لحياة التي تتحدث مع العاملة.
"اعملي فنجانين قهوة وخرجيهم."
ثم تحركت لفيروز.
"شوفتي حبيب القلب."
أشارت فيروز على ملابسها.
"إيه اللي انتي لابساه دا، روحي البسي فستان كويس، وسيبك من ضفيرة أبلة نظيرة."
أشارت لها محذرة.
"عشر دقايق هطلع أغير وأنزل، فيروز بلاش تعملي مشكلة مع باسم لو سمحتي."
ابتسمت لها ماكرة.
"أنا ماصدقت ياحياة تقوليلي جاسر هيتعشى عندكم علشان أشوفه، تفتكري ممكن أفكر في حاجة تنكد عليا."
ربتت على كتفها وتحركت للأعلى.
اتجهت فيروز سريعاً للمطبخ وتحدثت مع العاملة.
"هاتي من الجنينة نعناع، عايزة أعمل شاي بنعناع ياكريمة."
أشارت العاملة للقهوة.
"حاضر هطلع القهوة وأروح أجيبلك."
سحبت كفيها قائلة.
"أنا هاخد بالي منها روحي بس هاتي النعناع."
تحركت العاملة مضطرة، ثم أسرعت فيروز لحقيبتها وأخرجت بعض الحبوب، وامسكت أحدهم ووضعتها بفنجان جاسر، ثم سكبت القهوة وقامت بتقليبها سريعاً، ووضعت قهوة باسم وتراجعت تنظر من الشرفة تنتظر الخادمة التي وصلت.
فأشارت لها.
"خدي القهوة وديها قبل ماتبرد، شوفي الفنجان دا بتاع حضرة اللوا، متهويش علشان أنتِ عارفة كل واحد قهوته مختلفة."
أومأت لها وتحركت للخارج.
هبطت حياة بعد قليل تبحث عنها وجدتها تحمل حقيبتها.
"همشي ياحياة قبل ماباسم ياخد باله، وهجيلك كل فترة."
أومأت حياة متفهمة، خرجت فيروز تنتظره بالخارج.
مر قرابة دقائق معدودة حتى وجدته يخرج بسيارته من منزل باسم.
توقفت أمام سيارته تعقد ذراعه، حتى كاد أن يدعسها.
هبط من السيارة يطالعها بغضب.
"بتراقبيني يافيروز."
"هو أنا مش حذرتك."
ظل يصرخ بها، حتى وصل إليها يضغط على كتفها.
"إنتِ عايزة مني إيه يابت، هو أنا كنت متجوز حرباية، ابعدي عني بدل ما أكرهك في نفسك."
شعر بنيران تسري بجسده، تراجع عندما شعر بوجود شيئاً ما يسير له.
استدار متحركًا لسيارته، يفتح زر قميصه، تحركت خلفه، تجذب ذراعه حتى التفت إليها يدفعها بقوة أذهلتها.
"ابعدي عني يا حيوانة."
بدأت الرؤية تتشوش أمامه، حتى أغمض عيناه وفتحها عدة مرات.
ابتسمت بنصر، فاقتربت تحتضنه من الخلف.
"جاسر اسمعني لو سمحت."
حاول دفعها ولكن قوته أصبحت هاوية، ورؤيته بدأت تتلاشى.
دنت منه تحتضن وجهه تهمس له ببكاء.
"جاسر وحشتني اوي."
شعر بدوران يسيطر عليه فدفعها بهدوء واتجه لسيارته يفتحها.
فأمسكته من ذراعه.
"حبيبي استنى مش هينفع تسوق وانت كدا."
ظل يطالعها بنظرات صامتة، فتحركت بخطى بطيئة ونظراتها عليه مبتسمة إلى أن وصلت تحتضن كفيه متجهة به لباب السيارة الآخر واستقلت بجواره تقود السيارة تبتسم بسعادة وهي تطالعه بنظراتها.
كان مغمض العينين يشعر بألمًا يفتك برأسه.
بحث عن هاتفه.
فرفعت ذراعيها تحتضن كفيه قائلة.
"مفيش داعي للتليفون احنا خلاص هنوصل بيتنا بعد شوية."
**باليوم التالي**
فتح عيناه بضعف بعدما تسلل الضوء يخترق جفونه.
شعر بآلاما تفتك بجسده.
مسح على وجهه يعدل من خصلاته، بحث بعينيه بالغرفة.
فشعر بثقل على صدره.
هب فزعًا عندما وجدها، تغفو بجانبه، تضع رأسها على صدره.
هنا شعر بدوران الأرض به وانفاسه سحبت ولم يعد لديه قدرة للتنفس.
فتحت عيناها مبتسمة.
"صباح الخير حبيبي."
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سيلا وليد
لم أكن عادية أبدًا.
فدائمًا ما أكون أنا محور الاهتمام.
صدقًا، بدون أن أبذل أي مجهود.
ما كان يميزني دوماً أني لم أكن أهتم.
لا تقنعني أبداً كلمات الحب والغزل.
لا أنتظر من أحداً أن يخبرني كم أنا جميلة.
فكُنت على قناعة كاملة أن قلبي ينتظره.
وأن جميع أبوابي المغلقة لن تُفتح لغيره.
وحين أجده ستكون وقع كلماته مثل السحر.
وأن جمالي لن يكتمل إلا بأنعكاس صورتي في عينه.
طال انتظاري لك.
وأخيراً قد وجدتك.
وحين وجدتك لم تسمعني أي كلمات.
أعطيتك مفاتيح روحي ولم تمد يدك لتأخذها وتركتها تصدأ.
لم أر في عينيك سوى انعكاساً لخيبتي بك.
ومعك.
نعم وجدتك.
وحين وجدتك فقدت نفسي وفقدتك.
تمنيت لو لم أجدك وأعود أنتظرك.
فكم كانت قسوة الانتظار أرحم لي من قسوة قلبك.
***
دنى يخطو إليها ومع كل خطوة ترتفع نبضاتها متراجعة للخلف.
دقات قلبه تتنازع مع بعضها وصراع داخلي بين كرامته وقلبه.
لقد أهينت رجولته بحديثها اللاذع المهين له.
حتى جعلته ينزف ونيران داخلية تلعنه من ذاك العشق اللاذع.
اقترب بأنين صامت، وانفاس نارية مهدورة.
فجذبها من ذراعها بقوة أذهلتها.
ابتلعت ذعرها منه.
"جاسر!!"
نيران بداخله أشعلت حرب أعصاب ونظرات بينهما.
دفعها بقوة على الفراش.
نهضت سريعاً متسائلة بزعر بعدما وجدت جنونه.
"إنت هتعمل إيه؟!"
قالتها بعين زائغة.
انحنى إليها وتملكه غضب جارف.
"هعاين الجثة مش يمكن عايزة تحنيط مش تشريح.
يا حضرة الطبيبة التشريحية، تقولي إيه أصل جوزك حقير واطي."
قالها وقلبه يتآكل من الوجع.
تلاشى تنفسها من حالته التي أوجعت قلبها.
فتحدثت.
"جاسر ابعد عني، أنا آسفة مقصدش اللي وصلك."
ما زال على وضعه، لقد وضعه على المحك.
فدنى أقرب منها ووزع نظراته على جسدها الذي كُشف أمامه بالكامل.
ثم رفع نظره إليها.
ورغم المرارة والألم من حديثها الذي شقه لنصفين.
حاول أن يهدأ داخله فتحدث.
"من اللحظة دي طرقنا افترقت.
عايزة تمشي الباب مفتوح مش همنعك.
عايزة تطلقي معنديش مانع.
إنتِ كدا كتبتي خط النهاية بينا.
أصلك مش غريبة متعرفيش مين هو جاسر.
علشان تفكريني حقير شهواني.
ياخسارة يابنت عمي."
قالها وتحرك للخارج سريعاً.
هرول كالذي يطارده شيطانه، حتى وصل لسيارته.
استقلها سريعاً، وقادها بسرعة جنونية.
شهقة خرجت من جوف آلامها تهمس اسمه ببكاء يمزق نياط قلبها.
هامسة.
"آسفة مكنش قصدي، أنا تعبت من قلبي الموجوع منك."
ووضعت كفيها على صدرها وناجت ربها.
"يارب."
ثم نهضت من مكانها متجهة للواحد القهار ترجوه بأسرها أن ينجيها من الهم والحزن.
قامت وتجهزت لمقابلة ربها بركتي تزيل همها.
خرجت من مرحاضها بعدما توضأت واتجهت تقيم صلاتها بآلام قلبها النازف.
سجدت لربها تبكي وتدعوه بسريرتها.
"ربي لقد عجز تفكيري وخلت بي الطرق، فأنت وكيلي.
اللهم بك أستعين وعليك أتوكل.
اللهم ذلل لي صعوبة أمري، وسهل لي مشقته، وارزقني الخير كله أكثر مما أطلب، واصرف عني كل شر.
رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري يا كريم.
اللهم أخرجني من حولي لحولك ومن ضعفي لقوتك."
ظلت تناجي ربها حتى أنهت صلاتها فاعتدلت تقرأ بعض آيات الذكر الحكيم.
مرددة دعاء سيدنا يونس.
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
ظلت فترة من الوقت، ثم نهضت من مكانها واتجهت لهاتفها وامسكته بتردد لحظات تنظر للهاتف ثم عزمت أمرها وقامت بمهاتفته.
كان يقف بالسيارة أمام النيل ينظر بشرود.
تعاظم الغضب بداخله حتى بدأ ينفث سيجاره على هيئة نيران صدره الملتهبة.
يعشقها بجنون، وغيرته تكاد تذهب عقله.
تذكر ما صار بينهما بعد رجوعهم من المشفى.
فلاش قبل شهر.
ولج للداخل كانت تجلس تنظر بشرود للخارج.
توقف أمامها يضع كفيه بجيب بنطاله.
"من بكرة هنزل الشغل.
ياسين استلم شغله في العريش ومراته هتيجي تقعد معاكي الفترة اللي هكون موجود بها بالشغل."
كانت ما تزال تنظر للخارج وكأنه لم يتحدث إليها.
جذب مقعد وجلس أمامها.
"مش عايزة تقولي حاجة."
استدارت برأسها.
"جاسر أنا مش مرتاحة هنا، ومبقتش عايزة اقعد هنا.
عايزة ارجع بيت ابويا عرفت أنه سافر، ومفيش حد في البيت."
نهض من مكانه يزفر متنهدًا بغضب.
"جنى بلاش نتكلم دلوقتي في حاجة."
سحب كفيها وساعدها بتبديل ثيابها.
ثم جمع خصلاتها برباط للشعر.
"خلي شعرك ملموم علشان مايتعبكيش في التسريح."
رفع ذقنها.
"مرات ياسين برة ادخلها!!"
أومأت برأسها.
تحرك للخارج ولكنها أوقفته.
"جاسر..!!"
استدار بجسده ينتظر حديثها.
"عايزة اكلم بابا، حاسة بحاجة ماما مخبيها عليا."
دققت النظر بعينها.
"إنت مخبي عليا حاجة؟!"
قطب جبينه ثم اقترب منها مستفهماً.
"تقصدي إيه؟!"
زفرت متحدثة.
"ولا حاجة خلاص."
وقف أمامها ثم سحب كفيها وأجلسها بجواره.
"أنا مشفتش عمي من يوم مارجعنا من تركيا.
هو لسة زعلان مننا، يعتبر مبكلمنيش، سبيه شوية وبعد كدا يبقى نزوره."
أومأت له فنهض متحركًا للخارج.
توقف على باب الغرفة يليقها بنظرة أخيرة ثم خرج.
ولجت عاليا للداخل.
"صباح الخير ياجميل."
رفعت نظرها لعاليا مبتسمة فأشارت لها.
"تعالي."
ولجت للداخل توزع نظراتها على الغرفة.
"اوضتك حلوة اوي على فكرة."
"ميرسي."
ظلت نظراتها عليها، فجلست عاليا أمامها.
"عارفة عايزة تسألي عن علاقتي بياسين مش كدا."
هزت رأسها وابتسامة حزينة افترقت شفتيها متسائلة.
"أنا معرفش ياسين اتجوز، حتى جاسر مقالش حاجة زي كدا."
نهضت عاليا، وأشارت على حجابها.
"طيب البسي وتعالي ننزل الجنينة شوية، الشمس حلوة، وحضرة الظابط نزل الشغل، وقالي أوامر اد كدا."
غمزت عاليا بعيناها.
"تعرفي بيحبك اوي اوي يبختك."
"وانا بحبه اوي كمان."
خرجت الكلمات من فمها حزينة وترقرقت عيناها بالدمع.
أطبقت على جفنيها حتى لا تسقط عبراتها.
ابتلعت ريقها وتسائلت.
"هو جاسر حضر فرحكم."
الصفحة التالية.
الفصل الثاني والعشرون.
2.
ضيقت عيناها تنظر إليها مستغربة.
"ليه هو ماقلكيش ولا إيه."
تحمحمت تجذب حجابها تضعها بعشوائية على رأسها، ثم ارتدت حذائها.
"ياله ننزل تحت، ونتكلم."
عند جاسر.
استقل سيارته متجهًا لعمله.
استمع لرنين هاتفه.
"أيوة يابابا."
"ايه اللي رجع فيروز تاني ياجاسر."
توقف فجأة حتى اصطدم بالقيادة.
"بتقول إيه!!"
نهض جواد يزأر بصوته كالأسد.
"قدامك 24 ساعة يابن جواد تخلصلي من موضوع الحرباية دي.
سمعت ياله، وحياتك عندي البت دي لو حاولت تقرب من جنى لأحرقها ياحضرة الظابط الحنين."
قالها ثم أغلق الهاتف.
يشعر بارتفاع أنفاسه.
ولجت غزل تفرك كفيها.
التفت اليها ثم جلس محاولا السيطرة على أعصابه الذي بدأ يفقدها.
حمحم ليتجلى صوته وأشار لها.
"تعالي ياغزل."
جلست تبعده ببعض المسافة.
مسح على وجهه بعنف ثم سحب نفسًا وزفره قائلًا.
"غزل عايزك تجهزي فرح ياسين، انا رحت لابو البنت، لازم في أقرب وقت نعملهم فرح قبل ماابنك المتخلف يطلقها."
رفعت عيناها بذهول.
"إنت بتقول إيه ياجواد، يعني إيه يطلقها اومال اتجوزها ليه، هو مش بيقول بيحبها ولا فيه حاجة مخبيها عننا."
نقر بقلمه على المكتب ينظر بشرود.
"البنت ملعوب بيها لعبة كبيرة اوي، انا بدور ورا الموضوع دا،. بس طبعا عايز وقت، فأنا لازم اسكت الكل قبل مايبدأو يخنقوني بأخبار كاذبة، واعدائنا اكتر من اصدقائنا."
رفرفت بعينها.
"تقصد إيه؟!"
"بعدين ياغزل شوفي لو ينفع على الجمعة اللي جاي."
نهضت من مكانها وتوقفت أمامه.
"جواد!!"
رفع رأسه منتظر حديثها.
ابتعدت بنظرها مردفة.
"مينفعش نعمل فرح ياسين دلوقتي، ممكن حفلة بسيطة وكأنه كتب كتاب وتصريح للسوشيال ميديا حاليا."
هب من مكانه رافضًا حديثها.
"مينفعش اللي بتقوليه دا، انت متخيلة لو حد من اعدائي عرفو موضوع مراته دي هيحصل ايه، نسيتي جواز جاسر."
تدرجت ملامحها بالحزن وأجابته بهدوء.
"مينفعش نعمل فرح وصهيب مش موجود."
"هتصل بيه ياغزل مالكيش دعوة، هعرف احل موضوع صهيب، هو زعلان علشان بنته وهو من حقه، إنتِ دوستي عليه ياغزل."
تجلى الحزن بعينيها.
"عارفة ياجواد، ورحت اعتذرتله، لكن مقبلش الاعتذار."
تنهدت وجلست بمقابلته.
"فيه موضوع مهم لازم تعرفه، نهى حلفتني ماقولك بس أنا قلبي وجعني من إمبارح ومبقتش قادرة أخبي عليك أكتر من كدا."
نظرات مصوبة إليها منتظر حديثها وعقله يوحي بأن هناك شيئا سئ.
أطلقت تنهيدة مرتعشة ولمعت عيناها بالعبرات.
"صهيب هيعمل عملية بعد يومين في ألمانيا."
هب فزعا من مكانه وتسائل.
"عملية إيه دي وازاي أنا معرفش."
صاح بصوت أفزعها.
"عملية وألمانيا، ليه تخبي عليا حاجة زي كدا، اتجننتي."
انسابت عبراتها تهز رأسها.
"والله مكنت أعرف، عرفت بالصدفة."
بكت بنشيج واكملت.
"نهى قالتلي امبارح بس لما كانت بتطمن على جنى، حتى هو كان عايز يشوف جنى بس مقدرتش أقولك."
"عملية إيه."
هدر بها.
"مرتحش بعد عمليته الأخيرة والدكاترة طلبوا من اكس راي، واتضح الشريان والصمام فيه مشكلة، الدم مابيوصلش كويس."
أطبق على جفنيه وأحس بوخز يشق صدره فتحدث بقلبًا ينازعه الحزن.
"ازاي قدر يعمل فيا حاجة زي كدا، لدرجادي صهيب زعلان."
احتضنت ذراعيه قائلة.
"جواد صهيب مشي مش علشان زعلان، مكنش عايز يعرف حد بتعبه."
امسك هاتفه وأجرى اتصاله.
"تعاليلي ضروري."
كان متجهًا لعمله، فتوقف متسائلاً.
"فيه حاجة؟!"
"لما تيجي هتعرف."
قالها وأغلق هاتفه.
***
دلفت ربى إليهما.
"بابا أنا هخرج مع عز للدكتورة."
وزعت نظراتها بينهما.
فهتفت متسائلة.
"مالكم شكلكم زعلان."
"فين عز؟?"
أشارت للخارج قائلة.
"هو بيجهز وهينزل، قالي تعالي نطمن على البيبي علشان هيسافر بالليل."
"إنت تعرفي عمك صهيب مسافر ليه."
ضيقت مابين حاجبيها مجيبة.
"هو مسافر فين؟!"
أشار لها.
"روحي ميعادك متتأخريش."
استدارت متحركة ثم أوقفها جواد.
"انتي هترجعي لعز ولا هتفضلي كدا، عايز رد نهائي."
ابتلعت غصة بحلقها ونظرت لوالدها بأعين تحجرت عبراتها.
"دا إجباري ولا حضرتك بتسأل."
اقترب بخطواته واحتضن وجهها.
"رُبى ابنك هيجي للدنيا بعد شهرين، ينفع يجي من غير أبوه."
"وأنا مسبتش أبوه يابابا، هو اللي سابني، هو اللي باعني، عايز امنله ازاي بعد مابعني في أول مشكلة."
وضعت كفيها على أحشائها.
"أنا مش هحرمه من ابنه، وقت مايعوز يشوفه."
هز جواد رأسه مستنكراً حديثها.
"أفهم من كدا انك مش هترجعيله تاني."
"لا يابابا."
"ودا قرار نهائي، مستحيل آمن لشخص بعني، حتى لو روحي فيه."
اتجه بنظره لغزل التي جلست تحتضن رأسها مغمضة العينين.
"سامعة كلام بنتك، موافقة على عمايلها."
ثم استدار إليها.
"مش معنى اني مديلك الحرية يبقى تضيعي حياتك، انا مش موافق على اللي بتقوليه."
"بابا."
أشار بسبباته.
"بلا بابا بلا زفت، ياترجعي لابن عمك ياإما معنتيش تخرجي معاه تاني سمعتيني، واخر مرة هقولك، حافظي على جوزك وبيتك، كلنا بنغلط، أيوة عارف أنه غلط، لكن انتي مسكتيش برضو، متكلمتش وقتها علشان كان معاكي حق بس دلوقتي خلاص مبقاش ليكي حق عنده، اتعادلتوا."
"بابا لو سمحت."
استدار مواليها ظهره وهدر بصوته.
"اللي عنده قولته، ياترجعيله يااما ماشوفكيش قريبة منه، وممنوع تتقابلي معاه."
الصفحة التالية.
الفصل الثاني والعشرون.
3.
***
تحركت للخارج ولكنها تسمرت بمكانها عندما وجدته يقف على باب الغرفة.
همست بخفوت.
"عز!"
تحرك للداخل مبتعداً بأنظاره عنها.
دلف للداخل قائلاً.
"أنا حبيت اطمن على ابني قبل ماأسافر، مكنش قصدي حاجة تانية ياعمو، ومش معنى طلبت منها نزور الدكتورة يبقى خلاص مشاكلنا انحلت."
استدار يرمقها بنظرة خذلان ثم تحدث.
"اللي بيتكسر عمره مابيتصلح ياعمو، وحتى لو اتصلح مابيرجعش زي ماكان."
"بعد اذنك."
قالها وتحرك من أمامهما مهرولاً للخارج.
نظر إليها جواد بملامح جامدة لأول مرة ثم اقترب منها.
"الراجل لما تكسره مراته قدام نفسه عمره مابيسامح إلا إذا كان بيموت في الست دي، وانتي كسرتي جوزك قدامنا مش قدام نفسه بس، ورغم كدا سامحك وطلب الغفران، ياترى الملكة روبي عملت ايه، كسرته للمرة الي مبقاش ينفع يسامح، اتمنى متخسريش جوزك وحياتك وترجعي تندمي، أنا مش موافق عليكم انتو الاتنين."
لوح بيديه.
"امشي روحي مع طليقك ياهانم، النهاردة طليقك بس، بكرة يكون جوز واحدة غيرك."
هزة عنيفة أصابت جسدها فشعرت بتوقف نبضات قلبها من مجرد حديث والدها.
ماذا ستفعل إذا فعلها، تراجعت بذكريات تلك الليلة التي حفرت بذكرياتها المأسوية وهو يدلف بإخرى ويخبرهم بأنها زوجته، رغم أنها علمت بلعبته ولكن سُحبت روحها ونزف قلبها.
هزت رأسها تبعد أفكارها المأسوية التي تصفعها بقوة وخرجت هاربة من نظرات والدها النارية.
وصلت إليه وجدته جالسًا بالسيارة ينظر للأمام بجسد متجمد.
استقلت السيارة بجواره بصمت.
لم ينبت بكلمة واحدة.
قام بتشغيل المحرك وتحرك بهدوء رغم نيران قلبه القابعة.
راقبته بأعين حزينة وقلبًا فتته الوجع.
همست بصوت كاد أن يصله.
"عز!"
ظل كما هو ينظر للأمام بصمت.
اتجهت بنظرها للخارج بعدما وجدت صمته.
وصل بعد قليل للمشفى، ترجل اولا ثم اتجه إليها.
قام بفتح السيارة، يحثها على النزول قائلا بملامح جامدة.
"على مهلك."
طالعته بنظرات متألمة عندما وجدته لم يمد كفيه إليها.
نزلت ببطئ وتحركت بجواره للطبيبة.
بعد فترة من الوقت كانت تتسطح على فراش الفحص، مرت الطبيبة بجهاز السونار بعد وضعها السائل، يتحرك الجهاز على جميع أنحاء البطن، ثم فتحت صوت النبض.
ابتسم بحب حتى لمعت عيناه وهو يرى نطفته تكبر بأحشائها.
أمسكت كفيه وانسالت عبرة عبر جفنيها وتسائلت.
"كويس يادكتورة، طمنيني."
ابتسمت الطبيبة وهي تطالع شاشتها.
"كويس جدا، ماشاء الله، وشكله شقي جدا، مش حاسة بحركته ولا إيه."
هزت رأسها وابتسامتها تنير وجهها انستها حزنها فتحدثت.
"أيوة بيتحرك بس مش كتير اوي."
أعطتها الطبيبة محرمة ورقية.
"دخلنا التامن، والشهر دا اصعب الشهور، لازم نهتم بصحتنا كويس، وممنوع الاجهاد، علشان نكمل بخير إن شاءالله."
ساعدها بالأعتدال قائلاً.
"اعدلي هدومك هستناكي برة."
اومأت له، وهي تضع كفيها على بطنها تهمس لأبنها.
"حبيبي، شوفتك عقبال لما تجيلي بالسلامة."
ظلت تمرر أناملها.
"شوفت بابي فرحان بيك إزاي، وأنا كمان أسعد واحدة في الدنيا، اخيرا هشوفك قريب ياقلبي، مش مصدقة تيجي."
دلف إليها بعدما تأخرت خوفًا عليها.
"فيه حاجة."
قالها مقتربًا منها، ثم بسط كفيه وجذب ذراعها يوقفها.
"حاسة بتعب ولا حاجة."
سعيدة جميلة بريئة تطالعه بنظراتها العاشقة.
ثم أمسكت كفيه تضعها على بطنها.
"شوف ابنك، مش مبطل ضرب فيا، أول مرة يكون كدا."
رفع عيناه إليها ثم نظر لبطنها وشعور السعادة يتملكه.
"بتتوجعي كدا!!"
هزت رأسها نافية ثم تحدثت.
"لا بالعكس فرحانة اوي."
ابتسم ثم جذب رأسها يلثم جبينها.
"ربنا يباركلي فيكم يارب."
قالها وتحرك بعدما فقد سيطرته على نفسه، كانت شهية للقلب والعين.
اشتاقها حد الجنون.
تمنى لو اخذها بمكان لا يعلم أحد به، ليعلمها كيف يكون الاشتياق.
ولكن ذهب كله هباء، بعدما استمع لحديثها مع والدها.
عند ياسين.
وقف أمام بعض الجنود الذين يتدربون بساحة القتال.
قام بالتعريف عن نفسه.
"أنا الملازم ياسين الألفي، اكيد هنقعد فترة مع بعض اتمنى تكون ذكرى كويسة للجميع."
قالها ياسين للجنود الذين يقفون أمامه بصمت واعتدال تقديراً له.
"اتمنى نكون زي الاخوات ونعرف نتعامل مع بعض بحب واحترامًا، ونعرف نميز بين العدو والصديق."
وصل من يرأس ياسين.
توقف ياسين يلقي تحيته العسكرية مع باقي فريقه.
ظل لفترة من الوقت وهم يتدربون حتى انتهت مدتهم المحددة، تحرك لتناول وجبته امسك هاتفه واتجه لمكانًا منعزلاً بعض الشئ.
عند جاسر.
يقود سيارته متجهًا لمنزل والده.
ترجل من السيارة فاستمع لرنين هاتفه.
"أيوة ياياسين."
جلس ياسين أعلى صخرة متسائلاً.
"جنى عاملة إيه النهاردة."
توقف عن السير وأجابه وهو يطالع والده الذي يتوقف بشرفة مكتبه.
"النهاردة أحسن، عاليا قاعدة معاها."
أومأ له وتسائل.
"جاسر خلي بالك جنى ممكن تأذي نفسها."
أحس بقبضة تعتصر صدره عندما تذكر حديث الطبيبة فأردف.
"أنا اتصلت بمكتب علشان أشوفلها جليسة، مكنتش عايز أعرفها دلوقتي، بس هي عرفت وخلاص."
"تمام خلي بالك منها، انا كلمت أوس الصبح وقالي هيرجع النهاردة، وان شاء الله رمضان يجي علينا وكلنا موجودين مع بعض."
ردد جاسر قائلاً.
"إن شاء الله حبيبي خد بالك من نفسك، وخلي بالك العريش مش آمان ياياسن."
ابتسم ياسين قائلاً.
"العمر واحد والرب واحد، المهم انت خلي بالك على جنى ياجاسر، صدقني لو زعلتها هقفلك."
قهقه جاسر مردفًا.
"خلي بالك من كلامك يا حمار دي مراتي وقبل ماتكون مراتي فهي روحي."
أطلق ياسين ضحكة رجولية مرتفعة.
"اي ياعم الحبيب غيران عليها مني، خلل أنامله بخصلاته."
"مش موضوع غيرة ياحضرة الظابط اد ماهو احترام ليا مش كدا ولا إيه."
"طيب يااخويا، روح شوف رايح فين."
"الله مش ناوي تسأل عن حبيبة القلب يعني."
قالها جاسر بمغذى.
توقف ياسين عن الابتسام ونهض من مكانه.
"متخلهاش تخرج من البيت لوحدها."
"ياجاسر لو سمحت."
تحرك جاسر للداخل وهو يحادثه.
"ابوك معينلها حراسة متخفش، هو طلب مني اروح معاه عندهم بس معرفتش علشان جنى تعبانة، فكلمت بيجاد وعز راحو معاه."
"عرفت."
"كريم قالي، بس تفتكر ابوك بيفكر في ايه."
رفع جاسر نظره لوالده الذي يراقبه فتحدث.
"هكلمك لما ارجع البيت أنا عند بابا دلوقتي..سلام."
الصفحة التالية.
الفصل الثاني والعشرون.
4.
***
بالداخل جلس جواد ينتظره.
دلف للداخل يبحث بعينيه عن والدته.
"فين ماما يامنى."
أشارت للأعلى.
"فوق ياباشا."
"طيب يامنى قوليلها جاسر تحت."
"حاضر."
تحرك للداخل بعدما قام بطرق الباب مسئذنا.
ولج ملقيا السلام.
"عامل ايه ياحضرة اللوا."
"اقعد."
قالها جواد بجمود.
مط شفتيه ثم تحدث.
"يبقى لسة زعلان، يعني افهم من وجودك للمستشفى ماهي الا تأدية واجب، ومجية الدكتورة غزل لبيتي بردو تقضية واجب مش كدا ياحضرة اللوا."
"زعلان منك يا ابني الكبير."
"وأنا!"
قالها سريعاً.
انحنى جواد مستنداً على مكتبه ونظر لمقلتيه.
"بكرة تبقى أب وتحس يعني ايه ابن يتهم أبوه، ويحسسه بالخذلان والأهانة."
رفع نظره محدقا بمقلتيه.
"ولا عاش اللي يهينك ويخذلك ياحبيبي ليه بتقول كدا."
نهض جواد من مكانه وأخذ يحاوره بعيونا قليل الحيلة لما يفعله.
"لما تيجي وتوقف قدامي وتقولي اني ممعتبركش ابني الكبير، دا تسميه ايه، لما تيجي تتهم ابوك انك ولا حاجة عنده دا تسميه ايه، لما ابوك يطلب تكون سند لاخوك في مشكلته وحضرتك ترفض وتقول شوف عز وبيجاد دا تسميه ايه."
وقف بمقابلة أبوه مشدوها يتمزق قلبه على ما صار بينه وبين والده.
"بابا حضرتك فاهم الموضوع غلط."
جلس على الأريكة ونظراته مصوبة عليه.
"زي ماانت فاهم الموضوع غلط ياجاسر."
جلس بجواره ودنى منه.
"أنا وقتها كنت مخنوق وبطلع وجعي مش اكتر."
تراجع جواد بجسده ومازالت نظراته عليه فتحدث.
"ساعات وقت الوجع بنطلع الصدق يابن جواد."
طأطأ رأسه للأسفل وتحدث.
"بابا أنا آسف، آسف على كل حاجة."
"انا مبحبكش ياجاسر ودايما شايفك سبب المصايب، أنا.."
اختنق صوته وتحدث بصوت متحشرج.
"عمري مافكرت في كدا، من وانت صغير شايفك أكتر واحد في اخواتك بتفهم ابوك من مجرد نظره، إنما كلامك ليا حسسني اني ماانفعش اكون اب، وفشلت في تربيتكم."
حدق بوالده بصدمة، يهز رأسه رافضاً مايعتليه بصدره.
"ابدا يابابا..انا بس كنت بغير من بيجاد اوي، لانه كان بيفهمك اكتر مني، حتى غرت منه على غنى، وزي ماحضرتك شوفت غنى دلوقتي اهم واحد عندها بيجاد."
"غبي يابن جواد، غبي ومتخلف كمان."
"بيجاد دا مهما كان هيفضل واحد من العيلة ومكانته غالية اه، بس عمره مايتساوى بيكم ابدا، انت اول فرحتي في الدنيا، أول نور وامل نورلي حياتي."
"ازاي تفكر اني ممكن احب بيجاد أو اعتمد عليه، انت اللي دايما بتعد عن ابوك، فاكر أول مشكلة معاك ، جريت على صهيب وحكتله وابوك واحد غريب."
"خُفت يابابا."
جحظت عيناه يشير على نفسه.
"خفت من ابوك..لدرجة دي شايف ابوك مجرم علشان يعاقبك بطريقة مؤذية."
"تروح تقول لعمك وباسم وأنا آخر واحد."
انحنى وغرز عيناه بمقلتيه.
"وياترى صهيب وباسم فادوك، قدروا يساعدوك ياحضرة الظابط."
اغمض جاسر عيناه بحزنًا وردد.
"آسف..عارف انا غلطت."
"ليه عملت كدا ياجاسر، ليه دايما ضدي في كل قرارتي، ليه يابني قولي عملت ايه يخليك تشيل مني كدا، من وقت خطوبة عز وروبي ومبقتش ابني بقيت واحد أنا معرفوش."
تراجع بجسده وسند برأسه على ظهر المقعد وتحدث.
"كنت زعلان من وقت مارفضت ادخل الشرطة ووافقت لجواد ابن عمتي، ليه معرفش، من وقت ماطلبت منك اروح مع عمو باسم سفرية سويسرا وحضرتك برضو رفضت، حتى لما جيت اتجوز فيروز برضو رفضت، كان كل حاجة بطلبها بترفضها، كنت بشوف عز وجواد اي حاجة يطلبوها يتوافق عليها بس انا لا."
صدمة نزلت على رأس جواد كصاعقة هزته حتى فقد الحديث، فطالعه وكأنه غرس خنجرا بصدره.
لحظات محاولا السيطرة على ألم اخترق صدره فسحب نفسًا وطرده بهدوء، ل يخرج النار القابعة بصدره.
لحظات مميتة تشعره بخيبة أمل من حديث ابنه اللاذع فتحدث بصوت هامس.
"محبتش تدخل الشرطة علشان انت مكنتش عايز دا في الأول، مش عايزك تعيش حياة كلها أوامر، حياة بالورقة والقلم، حبيتك تكون حر مش مقيد، ورغم كدا لما شوفتك مُصر وافقت."
"رفضت سفرك من باسم علشان ماينفعش تكون معاه في رحلة زي دي، واحد رايح شغل ومراته عايزة تعمل اجازة بعد شغله، كنت مستني مني اوافق على شاب عنده 22 سنة يروح مع واحد مايربطوش علاقة سوى أنه صديق لابوه، اول حاجة هتطلع اشاعات عليك وعلى مراته، ايه ياحضرة الظابط، متعرفش أن بينك وبين حياة ٣ سنين بس، وقتها مش هيقول اكبر منه هيقول الشاب اللي بيروض مرات صاحب أبوه الشابة."
زفرة حارة ثم مسح على وجهه قائلاً.
"موضوع فيروز رفضته علشان كنت عارف اللي احنا وصلنلاه دلوقتي."
"لسة مقتنع انك اتجوزت فيروز علشان تبعد عن جنى، ولا اتجوزت فيروز علشان تعند ابوك وتفهمه انك صح وهو غلط."
أطلق تنهيدة مؤلمة وتوقف يضع كفيه بجيب بنطاله ثم توجه للنافذة.
"الاثنين يابابا، كنت عايز الاثنين."
"والنتيجة ياحضرة الظابط."
شعر بقلبه يتأكل من حديث والده، فاستدار له يطالعه متسائلاً.
"حضرتك حاسس بوجعي يابابا."
نهض جواد من مكانه متجهًا إليه يقف أمامه ونظرات تعكس الغليان القابع بصدره.
امسكه من كتفه.
"وأنا لو مش حاسس بوجعك كنت سامحتك ياجاسر."
تظاهر بالثبات رغم انهياره الداخلي ورغبة جامحة أن يبكي بأحضان والده عله يشفى من آلام روحه النازفة، ورغم ذلك تحدث بنبرة متزنة.
"يبقى سبني اختار حياتي وامشيها زي ماانا عايز زي ما حضرتك دايما معلمنا، قولتنا زمان مش عيب نغلط بس العيب أننا منعترفش بالغلط."
أومأ له ومازال على وضعه.
"بنت عمك عاملة دلوقتي."
رفع نظره لوالده، وحزن عميقًا داعب قلبه.
"قصدك مراتي."
أشار جواد بسبباته.
"وبنتي ياجاسر، جنى زيها زي غنى وربى، وأنا سبتك تاخد حقك منها مش علشان انت جيت وفضلت تصرخ، لأ يابن جواد، دا علشان هي غلطت وكان لازم تتعاقب، وانت اللي ليك حق في كدا..بس مسألتش نفسك ايه اللي وصلها لكدا."
"أنا."
أردف بها بصوت بارد.
انفرج ثغره جواد بإبتسامة ساخرة.
"قصدك فيروز."
"طيب لما حضرتك عارف بتسأل ليه، وليه سبتها تمشي."
ناظره مع تأوتها المؤلمة التي انبثقت من فم جواد يشير إليه.
"تفتكر يابن جواد لو أعرف كنت سبتها تكسرنا كدا، كنت هتحمل وجعك شهرين، ولا اشوف حالة صهيب واسكت، كنت هستنى العيلة توقع، ليه فكرت كدا، دي ثقتك في ابوك."
ارتسم الألم بداخل أعين جاسر.
"مكنتش أتوقع إن اختي تعمل فيا كدا."
أومأ جواد غير راضيًا بحديثه.
"اختك لأ بس ابوك اه."
دنى من والده وتوقف أمامه.
"مش قصدي اللي وصلك، قصدي إنك الوحيد اللي تقدر تعمل كدا."
ثبت عيناه على ابنه وتسائل.
"سيبك من اللي فات وقولي، دلوقتي ناوي على ايه."
رفع عيناه التائهة لوالده ووقف منحني كعصفور مكسور الجناح.
"مش عارف يابابا، بحبها بس كرامتي مهدورة، حط نفسك مكاني، لو ماما عملت كدا كنت هتعمل إيه."
سحبه من كتفه وأجلسه.
"إنت عارف أن عمايل جنى نتايج لعمايلك."
"بابا."
أشار بسبباته واستأنف بهدوء.
"صعب يابني حط نفسك مكانها قبل ماتعمل راجل عليها، اسأل نفسك الاول."
"انت لو مكانها تصرفك ازاي، وقبل ماتتكلم انا مش موافقها أكيد على عمايلها دي، بس برضو مش عايز اموتها بقرارات وانا عارف غلطك اكبر."
"لو شايف انك هتقدر تعيش بعيد عنها وأنها كسرتك زي ما بتقول يبقى طلقها وريح نفسك، بس إياك تيجي في يوم تقولي عايز ارجعها يابابا اصلي مش قادر، وقتها اقسم بالله ياجاسر ماهخليك تطولها."
"ومين قال لحضرتك اني هسبها أو اطلقها، توقف قائلاً."
"جنى هتفضل مرتبطة باسمي لحد ما اموت يابابا..ومش هتنازل على عقابي ليها، لازم ادوقها وجعي."
ارتسم ابتسامة ساخرة.
"متأكد يابن جواد."
دقق النظر بوالده مندهشا من حديثه فتسائل.
"تقصد ايه."
نصب عوده وتوقف يربت على كتفه.
"بتحبها اوي كدا، وعايز تعاقبها."
"اه..ومحدش له يدخل."
هز جواد رأسه ومازالت ابتسامته.
"يبقى مبتحبهاش."
"محدش له يقولي كدا..حضرتك مادخلتش قلبي علشان تحكم عليه."
"بس كفاية أفعالك ياحضرة الظابط، لسة ناقص ايه، تعالى وقولي."
"ازاي قدرت تقهرها بالشكل دا قدامنا."
لكزه بصدره.
"ازاي قدرت تشوف دموع مراتك يالا، فضلت تدوس لحد ماوقعت بالشكل دالا وواقف تقولي محدش له يحكم."
ناظره ناهرا اياه.
"انا بحذرك ياجاسر من رجوع فيروز لحياتك تاني."
شعر بالحزن والألم بآن واحد مردد.
"مفيش حاجة بيني وبينها."
"دا أنا متأكد منه، انا اللي أقصده حطلها حد، البت دي مبقاش ينفع تقرب منك، وخليك متأكد انها مش هتسيبك."
أومأ برأسه يحمل اشيائه قائلاً.
"عايزك تكلم جنى، مصرة تبعد، مش عايز اتعامل معها بطريقة مش كويسة لو إنت خايف عليها..عايز أفعال ياحضرة اللوا."
ربت على ظهره.
"منك ليها احسن، حاول تبعد عنها، سبها شوية لحد ما ترجع زي الاول، البت بتحبك ومش هتقدر تبعد، بس خليك عاقل."
تجلى الوجع بنبرته قائلاً.
"بابا الدكتور منع جنى من الحمل، بيقولها إحتمال كبير أن حملها يبقى دايما مشوه، ومن وقت ماعرفت وهي متجنباني خالص ومش مدياني فرصة اتكلم معاها ومصرة على الطلاق."
الصفحة التالية.
الفصل الثاني والعشرون.
5.
ألجمته الصدمة من حديثه ولم يستطع التفوه للحظات.
حرب نظرات لا يعلم بماذا يجيبه.
جلس محاولا السيطرة على صدمته، ابتلع ريقه ورفع رأسه قائلاً.
"مفيش حاجة في الطب اسمها كدا، حتى لو الطب اتقدم ومبقاش فيه حاجة اسمها مستحيل، خد مراتك في حضنك وداو جروح بعض ياجاسر، دا علاجها الوحيد."
تثاقلت أنفاسه ورغم كدا حاول ألا يضعف أمام ابنه فجلس قائلاً.
"كنت بعتلك علشان أقولك عمك هيعمل عملية بعد يومين، هسافر بالليل عايزك ترجع هنا لحد ماارجع، مامتك هتيجي معايا عارف انها هترفض."
انتابه غصة قوية، فهمس بتقطع.
"عملية إيه."
هز كتفه بعدم معرفة قائلاً.
"معرفش بس أكيد حاجة كبيرة، غزل بتقولي العملية فشلت."
"وعمو كويس يابابا، ولا."
هز رأسه بعدم معرفة.
"معرفتش اوصله، لما اوصل هكلمك."
جمع اشيائه وتحرك للخارج.
"هشوف جنى، بس بلاش موضوع ارجع هنا، عمو حازم هنا، يعني هيسد وكمان أوس هيرجع، لا بلاش أنا ..ياله سلام ياحضرة اللوا ترجع بالسلامة."
قاد السيارة وأمسك هاتفه.
"فيه واحدة باسم فيروز هاشم الناجي."
"أيوة رجعت الصبح."
أغلق الهاتف ملقيه على المقعد ينقر بكفيه على القيادة.
"ناوية على ايه يافيروز، ياترى رجعتي ليه ومش همك تهديدي."
استمع لرنين هاتفه.
"بسوم عامل ايه."
"جاسر عدي عليا بعد الشغل، فيه موضوع مهمنظر من خارج النافذة واستأنف حديثه متسائلاً.
"فيه حاجة ولا إيه."
"اه لما تيجي هتعرف."
قالها مغلقا هاتفه متجهًا لحياة.
"هخرج ساعتين وارجع، جهزي الغدا، جاسر هيتغدى معانا، وكمان ممكن يجيب ندى."
ابتسمت له وأشارت بعينيها.
"من عيوني ياحبيبي."
انحنى يطبع قبلة على جبينها.
"خلي بالك من فارس."
تحركت معه للخارج، استمعت لهاتفها، فاتجهت إليه.
"فيروز."
"لسة فاكر عليكي ياحيوانة."
على الجانب الآخر اجابتها.
"حياة انا تعبانة اوي، لسة راجعة من سويسرا من شوية، وماليش حد غيرك."
"فيروز آسفة بس انتي عارفة باسم عمل آخر مرة ايه."
صمتت بعد الوقت ثم اردفت.
"تعالي نتكلم ونشوف هتعملي ايه باسم قدامه ساعتين، وعلى فكرة عازم جاسر وجنى على العشاء."
شعرت بالحزن بداخلها فهمست ببكاء.
"جاسر خلاص نسي فيروز ياحياة، وجنى اكلت عقله."
ضحكت حياة بسخرية وأجابتها.
"لا دا إنتِ فاتك بلاوي يابنتي، جنى هربت من جاسر، ورجعت والكل كرهها."
انار وجهها من الأخبار التي أسعدت قلبها، فتحدثت حياة.
"أنا هجيلك."
قالتها وأغلقت الهاتف.
وصلت بعد فترة.
"قصدك ايه يافيروز."
"لا طبعا دا باسم لو عرف ممكن يموتني."
احتضنت كفيها وانسابت عبراتها.
"مش هخليه يشوفني والله، عايزة اشوفه من بعيد هو ميعرفش اني رجعت اصلا، وحشني أوي ياحياة."
ضمتها حياة تمسد على خصلاتها.
"وكان ليه من الأول تعملي في نفسك كدا بس."
شهقت ببكاء.
"مكنتش اعرف أن حياتي هتبقى كدا بعده، جاسر احسن راجل قابلته في حياتي، وبتمنى نرجع لبعض حتى لو زوجة تانية انا راضية، لازم تساعديني ياحياة لو سمحتي، انا ياما ساعدتك قبل كدا."
تنهدت حياة متأملة فاجابتها.
"خلاص اقعدي وربنا يستر وباسم ميعرفش، وقتها هيبقى انا وأنتِ في الشارع."
مساءً عاد لمنزله وجدها تجلس أمام المسبح تستمع للموسيقى.
خطى إلى وصل أمامها.
"عاملة ايه حبيبتي!!"
"الحمد لله."
"رجعت بدري يعني."
جذب المقعد وجلس بمقابلتها يطالعها بإشتياق.
"وحشتيني."
ابتعدت بنظرها بعيدا وأجابته.
"أنا همشي ياجاسر هروح شقتك اللي في الرحاب، عايزة اقعد مع نفسي شوية، وافكر بعيد عن الضغوطات."
رفعت نظرها إليه.
"وانت كمان فكر كويس، علشان مترجعش تندم تاني."
طالعها بملامح جامدة ثم أجابها.
"مفيش خروج من البيت، وبدل إنت مقتنعة بجنونك يبقى اسمعيني كويس."
"خروج من البيت دا مفيش."
نهض من مكانه وأشار إليها.
"ولو حاولتي تستفزيني بموضوع الطلاق."
انحنى ينظر بمقلتيها.
"هتجوز عليكي واجبها هنا واحصرك بجد..سمعيني بس كلمة طلاق، ولو نسيتي انا عملتها قبل كدا..فخليكي زي العاقلة وانسي الهبل بتاعك دا."
انتفض قلبها بدقاته بسعادته من تمسكه بها ورغم ماشعرت به إلا أنها مازالت على وضعها فتسائلت.
"أنا مستحيل افضل في صراع بيني وبين فيروز..مش هفضل قاعدة جوايا قلق من حرباية زيها."
كانت شهية بغضبها وشفتيها التي تتحرك أمامه.
انحنى يجذب رأسها يقربها إليه ودنى ليروي روحه ولكنها ابتعدت ودقاتها تتقارع بصدرها.
"ايه اللي بتعمله دا..أنا بتكلم في ايه وانت بتعمل ايه."
جذب حجابها الذي يحاوط عنقها وأزاحه.
ثم جذب مقعدها يقربه، ينظر بداخل مقلتيها.
"افهم من كدا بتخيرني تاني، يعني غلطانة وبتبجحي وجاية تتشرطي."
دنت أكثر وغرزت عيناها قائلة.
"حقي، دا حقي يابن عمي، والدين والشرع بيقول كدا، انا مش موافقة افضل على ذمتك وانت عايز ترجع مراتك التانية."
اردفت بها وانتظرت حديثه بقلبًا ملتاع وعيناها تبحر فوق وجهه تتمنى أن ينطقها متمسكا بها، عاشقها الأوحد ملهم روحها.
تراجع بجسده ينظر للبعيد وأجابها.
"ولو قولتلك انا مبتهددش يابنت عمي، ومالكيش اختيارات عندي."
نصب عوده وتوقف يضع كفوفه بجيبه ونظراته على وجهها الذي شحب.
"مجنون بقى تقولي ايه، انحنى وهمس بالقرب من شفتيها.
"زي ماانتِ مجنونة بحبي أنا مجنون بحُبك ياجنجون."
قالها وتحرك من أمامها حتى لا يطبق على عنقها.
تراجعت بجسدها للخلف.
"وبعدهالك يابن عمي ناوي على ايه، عايز ايه بالظبط."
فركت جبينها وأطبقت على جفنيها تذهب لطفولتهما.
قطعت خلوتها عاليا.
"كنت جايلك بس لقيت جاسر فرجعت."
فتحت عيناها وأشارت لها.
"تعالي احكيلي ياسو وقع فيكي ازاي، متكلمناش."
عوجت شفتيها تلطم كفيها.
"ياسو..دا تدلعيه..!!دا تعوريه، تاخديه لعشماوي يخوفوا بيه اللي هيتكلوا على الله."
ارتفعت ضحكات جنى حتى أدمعت عيناها.
"يخربيتك مجنونة..دا كله على ياسو."
وقف يراقبها من شرفته، عزفت تعويذتها على قلبه، حتى كثرت أمنياته بتلك اللحظة.
لكزتها عاليا.
"متقوليش بس ياسو، والله بضايق، دا رخم ومغرور."
انحنت جنى تطالعها بريبة.
"ازاي هو انتو مش بتحبوا بعض ولا ايه."
"ولا عمري احب الجلنف اللي اسمه زفت الطين ياسين دا، كرهني في الاسم يخربيت تقل دمه، كان نفسي اسمي ابني ياسين."
تلألأت عيناها بالدموع، فرفعت نظرها إليها.
"من وانا صغيرة اقول لما اتجوز هجيب ولد واسميه ياسين."
ابتسمت جنى تلكزها.
"اهو جوزك ياسين متزعليش."
***
سحبت كم من الهواء وزفرته ببطئ.
"ياسين اول مرة اشوفه يوم الفرح، حتى اتجوزته ومعرفش اسمه."
توسعت أعين جنى مذهولة فاعتدلت تنتظر حديثها قائلة.
"هسمعك، عايزة اعرف ايه حكايتك."
ذهبت عاليا ببصرها لجاسر الذي أبدل ثيابه متجهًا إليهما.
"عاملة إيه ياعاليا."
"كويسة الحمدلله."
قالتها ونهضت لتحرك.
فأوقفها قائلاً.
"لأ انا خارج."
اتكأ على المقعد ينظر لجنى.
"عمو باسم المفروض عازمنا على العشا، انا رفضت وجودك لحد ماترجعي تاني."
انحنى يهمس بجوار أذنها.
"ضحكتك خطفت قلبي ياجنايا."
قالها بملامسة خاصته لأذنها.
رفعت رأسها وتقابلت عينيهما بإشتياق جارف.
تحركت عاليا سريعا متجهة للداخل، فتحدثت جنى بتقطع.
"بتعمل فيا كدا ليه ياجاسر."
مسد على شعرها وهتف.
"عايز اعذبك ياجنجون زي مابتعذبيني، احسسك اد ايه قلبي وجعني."
رفرفت بأهدابها تهز رأسها وأجابته.
"ومين قالك اني مبتعذبش يابن عمي."
اعتدل بوقوفه يرتدي نظارته الشمسية.
"أهي ابن عمي دي اكتر وجع ياجنى، طول ماانتِ كدا اعرفي انك بتوجعيني أوي."
أمسكت كفيه.
"مقدرش أوجعلك قلبك، بس خايفة."
رفع كفيها يقبلهما قائلاً.
"مش هتأخر."
"لسة مكملناش كلامنا، خدي بالك من نفسك."
طبع قبلة على جبينها وتحرك لسيارته دون حديث.
ظلت عيناها تراقب تحركه حتى خرج من البوابة الرئيسية للمنزل.
تنهدت وهمست لنفسها.
"قربك عذاب وبعدك عذاب، ياترى ناوي على ايه ياجاسر."
وصل بعد قليل لمنزل باسم.
جلس لبعض الوقت وتناول العشاء.
أخرج باسم بعض الصور.
"دول هينفعوك في القضية، الصراحة ابوك اللي بعتهملي، بس حبيتك تعرف أن ابوك له طار من الناس دي، فخلي بالك ممكن يؤذوك."
تراجع بجسده ينظر للصور ثم رفع نظره لباسم.
"العيال دي بيوزعوا مخدرات على شباب الجامعة."
طالعه باسم مذهولاً من حديثه.
"ايه اللي عرفك."
اشعل سيجاره، ونفثها بهدوء ينظر لجاسر.
"زرعت في وسطهم واحد، العيال دي مجرد أنها بتوزع بس، احنا عايزين نوصل للكبير..والديلر بتاعهم صاحب ابن عم بنت هاشم الناجي."
"قصدك فيروز."
وضع رماد سيجاره بالمطفأة يضغط عليها بغضب.
"بلاش اسمها وحياتك، بتحرق دمي، ياريتني سمعت كلام ابويا، مكنتش دي حياتي."
قهقه باسم غامزاً.
"هتنصب يالا، عشتلك يومين في الجنة يااخويا."
رفع جانب وجهه وابتسامة ساخرة.
"سبتلك الجنة."
دفعه باسم مقهقها.
"افهم النار اللي انت فيها احسن."
هنا تذكر مهلكته.
فلاحت ابتسامة عاشقة ظهرت بعينيه.
"بعشق النار دي ياعمو، عجباني اوي ، المهم النار هيجلها يوم وتطفى."
أخرج باسم حافظة اوراق.
"طيب شوف الورق دا واشتغل عليه كويس."
بالداخل كانت تقف قريبة منهما تستمع إلى حديثهما.
اعتصر قلبها من حديثه، فجزت على أسنانها تهمس لنفسها.
"وحياة حبي ليك ياجاسر لندمك على اللي عملته فيا."
اتجهت ببصرها لحياة التي تتحدث مع العاملة.
"اعملي فنجانين قهوة وخرجيهم."
ثم تحركت لفيروز.
"شوفتي حبيب القلب."
أشارت فيروز على ملابسها.
"ايه اللي انتي لابساه دا، روحي البسي فستان كويس، وسيبك من ضفيرة أبلة نظيرة."
أشارت لها محذرة.
"عشر دقايق هطلع اغير وانزل، فيروز بلاش تعملي مشكلة مع باسم لو سمحتي."
ابتسمت لها ماكرة.
"أنا ماصدقت ياحياة تقوليلي جاسر هيتعشى عندكم علشان اشوفه، تفتكري ممكن افكر في حاجة تنكد عليا."
ربتت على كتفها وتحركت للأعلى.
اتجهت فيروز سريعا للمطبخ وتحدثت مع العاملة.
"هاتي من الجنينة نعناع، عايزة اعمل شاي بنعناع ياكريمة."
أشارت العاملة للقهوة.
"حاضر هطلع القهوة واروح اجبلك."
سحبت كفيها قائلة.
"أنا هاخد بالي منها روحي بس هاتي النعناع."
تحركت العاملة مضطرة، ثم أسرعت فيروز لحقيبتها وأخرجت بعض الحبوب، وامسكت أحدهم ووضعتها بفنجان جاسر، ثم سكبت القهوة وقامت بتقليبها سريعا، ووضعت قهوة باسم وتراجعت تنظر من الشرفة تنتظر الخادمة التي وصلت.
فأشارت لها.
"خدي القهوة وديها قبل ماتبرد، شوفي الفنجان دا بتاع حضرة اللوا، متهويش علشان أنتِ عارفة كل واحد قهوته مختلفة."
اومأت لها وتحركت للخارج.
هبطت حياة بعد قليل تبحث عنها وجدتها تحمل حقيبتها.
"همشي ياحياة قبل ماباسم ياخد باله، وهجيلك كل فترة."
اومأت حياة متفهمة، خرجت فيروز تنتظره بالخارج.
مر قرابة دقائق معدودة حتى وجدته يخرج بسيارته من منزل باسم.
توقفت أمام سيارته تعقد ذراعه، حتى كاد أن يدعسها.
هبط من السيارة يطالعها بغضب.
"بتراقبيني يافيروز..هو انا مش حذرتك."
ظل يصرخ بها، حتى وصل إليها يضغط على كتفها.
"انتِ عايزة مني إيه يابت، هو انا كنت متجوز حرباية، ابعدي عني بدل ماكرهك في نفسك."
شعر بنيران تسري بجسده، تراجع عندما شعر بوجود شيئا ما يسير له.
استدار متحركًا لسيارته، يفتح زر قميصه، تحركت خلفه، تجذب ذراعه حتى التفت إليها يدفعها بقوة أذهلتها.
"ابعدي عني يا حيوانة."
بدأت الرؤية تتشوش أمامه.
حتى اغمض عيناه وفتحها عدة مرات.
ابتسمت بنصر، فاقتربت تحتضنه من الخلف.
"جاسر اسمعني لو سمحت."
حاول دفعها ولكن قوته أصبحت هاوية، ورؤيته بدأت تتلاشى.
دنت منه تحتضن وجهه تهمس له ببكاء.
"جاسر وحشتني اوي."
شعر بدوران يسيطر عليه فدفعها بهدوء واتجه لسيارته يفتحها.
فأمسكته من ذراعه.
"حبيبي استنى مش هينفع تسوق وانت كدا."
ظل يطالعها بنظرات صامتة، فتحركت بخطى بطيئة ونظراتها عليه مبتسمة إلى أن وصلت تحتضن كفيه متجهة به لباب السيارة الآخر واستقلت بجواره تقود السيارة تبتسم بسعادة وهي تطالعه بنظراتها.
كان مغمض العينين يشعر بألمًا يفتك برأسه.
بحث عن هاتفه.
فرفعت ذراعيها تحتضن كفيه قائلة.
"مفيش داعي للتليفون احنا خلاص هنوصل بيتنا بعد شوية."
باليوم التالي.
فتح عيناه بضعف بعدما تسلل الضوء يخترق جفونه.
شعر بآلاما تفتك جسده.
مسح على وجهه يعدل من خصلاته، بحث بعينيه بالغرفة.
فشعر بثقل على صدره.
هب فزعًا عندما وجدهت، تغفو بجانبه، تضع رأسها على صدره.
هنا شعر بدوران الأرض به وانفاسه سحبت ولم يعد لديه قدرة للتنفس.
فتحت عيناها مبتسمة.
"صباح الخير حبيبي."
يتبع.
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سيلا وليد
عاد الأمر كما كان، غريبين نحتسي الشوق والإدمان. نغامر على الحنين في ساحة النسيان، نكتب على الجدران. كان يا مكان، حب يقوده العصيان. غريبين ننتظر يمر الزمان، لعله يمنن علينا بالحنان.
يا سادة، فليشهد الله أننا كنا أحن من أن نخون أو نجرح أو نؤذي. لكننا لم ننل شيئًا وكل شيءٍ نال منا.
على أطراف أصابعي أعبر الليل، كما لو أنني أعبر حقل ألغام، أم تفاديًا لانفجار قصة أو ذكرى نسيتها يومًا ولم تنساني.
***
فتح جفونه بتثاقل، من اختراق الضوء لعيناه. شعر بألم يفتك بجسده، وضع كفيه على عينيه إلا أنه شعر بشيء فوق صدره. تلامست كفيه لخصلاتها، ظن إنها معشوقته.
فلاحت نظرته لأرجاء الغرفة، هب فزعًا بعدما وجدها لم تكن غرفته. جحظت عيناه بذهول حينما لمحها تفتح عيناها بابتسامة.
"صباح الخير يا حبيبي."
نظر لنفسه ولها، يهز رأسه كالمعتوه رافضًا ما رآه. لقد صعقته بمظهره كصاعقة الشتاء. حاول التفوه ولكن كأنه شُل ولم يعد يعلم كيف يكون الحديث. اتجهت نظراته برعب لثيابه الملقاة على الأرض، هنا شعر وكأن ضلوعه تنكسر ضلعًا ضلعًا، وكأن صدره يطبق بصخرة عملاقة تمنع تنفسه.
ابتلع غصته المدببة ورفع عيناه التي زاغت قائلاً بهمس كاد أن يُسمع:
"إيه اللي جابني هنا."
ذهب بذاكرته بخروجه من منزل باسم، وتشوش رؤيته. بدأ عقله يضاربه ببعض المشاهد. هنا هب فزعًا يرتدي ملابسه سريعًا، ثم اتجه إليها وهي ما زالت تجلس تطالعه بنظراتها الصامتة.
جذبها بقوة من خصلاتها وبأقصى ما لديه من قوة قام بارتطام رأسها بالجدار.
"إيه اللي حصل بينا."
أنا... قبض على عنقها وهي تصرخ، حتى اختنق صوتها وشحب وجهها. ظهرت أمامه صورة معشوقته ببكائه.
دفعها بقوة بعيدًا عنه وهو يدور حول نفسه كالمجنون يزأر كالأسد. بدأ يحطم كل ما يقابله حتى أصبحت الغرفة عبارة عن أشلاء متناثرة. جذبه بقوة بقميص نومها الذي يظهر معالمها الأنثوية باستفاضة، ثم جذبها يدفعها لخارج المنزل حتى وصل بها للأسفل.
بتلك الحالة، كالمجنون، توقف أمامه أحد ممن وكله جواد بمراقبة فيروز، بعدما وجده يخرج بها بتلك الحالة.
"جاسر باشا لو سمحت، مينفعش كدا، لو سمحت."
طالعه بتدقيق متسائلاً:
"إنت مين؟!"
سحب فيروز من كفه ثم أشار إليها:
"اطلعي أوضتك، وممنوع تخرجي إلا لما تجيلك الأوامر."
أمسكه جاسر من تلابيبه:
"إنت مين ياروح أمك، وإزاي تتجرأ وتوقف قدامي كدا؛ وأوامر إيه."
***
نزع نفسه من بين كفيه قائلاً:
"أنا المقدم أيمن الجوهري، ودا عامر المسؤول عن مراقبة المدام."
تراجع للخلف مذهولاً، ثم تحرك لسيارته يقودها بسرعة جنونية كالذي يتمنى موته لا محالة.
استمع لرنين هاتفه، نظر إليه بعيون مرتعشة. وجد العديد من الاتصالات منها ومن والده.
ضرب بقوة على المقود حتى شعر بتكسر عظم يديه.
"آآآه."
صرخة هزت الأرض كما هزت قلبه الذي ينزف دون دمًا. استمع لرنينه مرة أخرى فتوقف جانباً، يزيل عبراته مسيطراً على نفسه.
"أيوة يا جنى."
هبت من مكانها تبكي بصمت.
"كدا تقلقني عليك، قولت رايح عشا لعمو باسم. اتصلت بيه الساعة ٣ الفجر وقالي إنك خرجت من ١٢. انت فين؟ قلقت عليك."
سحب نفسًا طويلاً يعبأ صدره بالأكسجين الذي منع من حوله قائلاً:
"اتأخرت في الشغل، كلموني ونسيت أكلمك." قالها بعيونه دامعة بصمت.
نهضت متحركة لشرفتها.
"هتتأخر لسه؟!"
انسابت دموعه وتساءل باستخفاف:
"إيه وحشتك؟!"
أغمضت عيناها تشعر أنه على غير ما يرام فتحدثت:
"جاسر إنت فيك إيه؟"
وضع رأسه على المقود يمنع شهقاته التي خرجت منه رغماً عنه وضرب رأسه بالمقود عدة مرات.
استمع لحديثها:
"جاسر ارجع متتأخرش، آه وحشتني، لو دا هيخليك ترجع."
أغلق الهاتف يقبض عليه بعنف، وتراجع بجسده ونيران تلتهم صدره حتى تمنى موته بالحال. مرت دقائق وهو ما زال على وضعه حتى تحرك بالسيارة متجهاً إلى حي الألفي.
بمنزل صهيب.
استيقظ على صوت هاتفه. فتح عيناه يطالع المتصل، جلس معتدلاً.
"ماما فيه حاجة؟"
"اختك عاملة إيه يا حبيبي؟"
مسح على وجهه وأجابها:
"كويسة يا ماما، أنا كلمتها امبارح متقلقيش."
"عز..." هتفت بها نهى قائلة:
"عدي على اختك طمني عليها يا حبيبي، قلبي وجعني عليها."
نهض من مكانه وتحرك للأسفل عندما استمع لرنين المنزل.
"حاضر يا ماما هعدي عليها."
مسحت دموعها تنظر لصهيب الغافي بسبب العقاقير وتحدثت:
"حبيبي هتيجي إمتى؟"
نظر لساعة يديه:
"المفروض هنسافر على خمسة يا ماما، بس معرفش ليه حضرتك مصرة أجيني أنا وعمو وبابا ميعرفش، وليه كل ما أسألك عن بابا تتهربي، هو بابا تعبان يا ماما، مش قولتي هتروحوا جولة سياحية." قالها وهو يفتح باب المنزل.
وجد ربى تقف أمامه وعيناها ممتلئة بالدموع، فتحدث لوالدته:
"ماما هكلمك بعدين."
توقف أمامها يطالعها بريبة:
"روبي إيه اللي جابك وعامل فيكي كدا؟"
"إنت اللي بعت دول." قطب جبينه متسائلاً:
"إيه دول؟"
"الفستان والورد دا... إنت صح؟"
تحرك للداخل حتى جلس على الأريكة وهتف:
"جولك بالغلط، آسف الغبي مفكرهم عشانك، أصله قولتله ابعتهم." رمقها بنظرة خاطفة:
"يفرق معاكي."
اقتربت منه تستند على التربيزة بظهرها وتضع كفيها على أحشائها:
"ناوي تبعد عننا؟"
نهض من مكانه ودنى منها يتعمق النظر برمتها:
"اللي باعك مرة يبيعك ألف مرة، مش دا كلامك لباباكي."
رفعت كفيه تملس على وجهه:
"عز أنا تعبت، قولي أعمل إيه، قلبي مجروح منك أوي، ورغم كدا بتوحشني أوي."
دنى حتى اختلطت أنفاسهما يقترب من ثغرها:
"عز بيموت يا روبي وهو بعيد عنك."
رفعت كفوفها تحتضن وجهه وتبحر بعينيه.
***
"بعد الشر عليك من الموت يا حبيبي." بتر باقي حديثها بخاصتيه، يجذبها من خصرها ليعصرها داخل أحضانه لتتأوه من شدة ضغطه بسبب حملها. ولكن هنا الاشتياق ونبضات القلوب فاقت الحدود مما جعلها تستمتع بقبلته.
تراجعت فزعة عندما استمعت لصراخ جواد. ابتعدت بجسد مرتعش تكاد تسند نفسها. وصل إليها جواد يرمقهم بنظرات نارية، ولم يسنح لأحدهما التفوه عندما رفع يديه وهوى بها على خد ربى.
"اطلعي برة، امشي من قدامي."
توقف عز أمامه مزهولاً:
"عمو..."
لكمه بقوة بوجهه:
"إنت إزاي تعمل كدا. إيه الانحطاط اللي بقى فيكم دا."
صفعة قوية على وجه عز:
"فين أخلاقك وقيمك يا حِلوف إنت والبغل التاني. لدرجة إني أب فاشل معرفتش أربي، مقعد معايا عيال زبالة."
"عمو..." صرخ بها عز قائلاً:
"رُبى مراتي."
تصنم جواد بوقوفه يطالعه بصدمة:
"مراتك إزاي يالا."
لكمه بصدره وصاح بجنون:
"إنت مش رميت عليها يمين الطلاق يالا."
تراجع عز بعيدًا عنه بعدما وجد حالته قائلاً:
"رجعتها يا عمو، إيه مراتي ورجعتها، وأوعى تصدق الكلام اللي قالته، دي مجروحة مش أكتر وأنا هدواي جروحها. لو سمحت يا عمو بلاش تدخل بينا."
"يعني كنتوا بتلعبوا بيا، كانت بتقول كلام وبتكدب من ورايا."
"لا يا عمو مش كدا." اقترب منه مستأنفًا:
"معرفتش إني رجعتها أصلا."
وقف بجسد متجمد مذهولاً فأردف:
"يعني كانت بتقرب منك وتبوسها وهي مطلقة."
"بنت..." قالها وهو يكور قبضته ثم تحرك للخارج.
أمسك ذراعه عز وترجاه بنظراته:
"لو سمحت يا عمو، إحنا بنحب بعض بس ظروفنا مرجحتنا شوية، علشان خاطري."
دفعه جواد بقوة:
"ابعد عني عشان منساش إنك ابن أخويا." قالها وتحرك متجهاً لمنزله. توقف عندما وجد جاسر يترجل بتخبط من سيارته. ظل يتابعه بنظراته. أطلق تنهيدة ثم استمع لرنين هاتفه.
الصفحة التالية
الفصل الثالث والعشرون
2
"إيه اللي حصل؟!"
أجابه الرجل:
"اتصلت بحضرتك كتير يا فندم."
استمع لحديثه بأعين يتطاير منها الشرر، ثم أغلق هاتفه وصدره عبارة عن كتلة نارية، يريد أن يدخل يحطم ابنه. ظل بمكانه يطبق على هاتفه حتى كاد أن يكسره، ناهيك عن عروق رقبته النافرة. لأول مرة يكون بتلك الهيئة المرعبة.
دقائق من الصمت المميت لديه، ثم تحرك بهدوء، محاولاً السيطرة على نفسه.
بالداخل.
هرولت للأسفل بعدما وجدته بتلك الحالة، خصلاته المبعثرة وثيابه غير المهندمة. تحركت سريعًا فتقابلت بدخول جواد للمنزل. استمعا إلى تحطيم شيء بالداخل.
أمسكت ذراعه وبقلب كاد أن يتوقف ذعرًا على ابنها تساءلت:
"جواد جاسر ماله، إيه اللي حصل؟!"
ربت على كتفها واتجه للداخل. توقف يطالعه بصدمة حينما وجده جالسًا على الأرضية يحتوي رأسه بين راحتيه، وتنهمر عبراته.
دفعت غزل الباب ودلفت:
"جاسر ماله يا جواد."
شعر جواد بما صار، فأمسك كفيها:
"غزل سيبنا لوحدنا."
تحركت متجهة لأبنها قائلة:
"جاسر حبيبي إيه اللي حصل، جنى كويسة، اتخنقت مع مراتك."
أطبق على جفنيه وآه حارقة من جوف حسرته ومياه عبراته الحارقة تكوي قلبه قبل خديه.
اشتعل صدر جواد عندما وجده بتلك الحالة، فقام بدفع غزل بهدوء للخارج مغلقًا الباب خلفه، ثم تحرك إليه بخطوات هزيلة ضعيفة يتمنى أن يكذب حدسه. جلس بجواره بهدوء رغم بركانه القابع بـ صدره فتحدث بثقل:
"سامعك."
أغمض عيناه بقوة كاد أن يمزق بها شعيراته الدموية، ثم انحنى برأسه على ركبته يعض ندمًا على ما فعله.
لحظات صمت مميتة حتى قطعها جواد:
"إيه اللي حصل عند فيروز، وليه كنت منزلها بالشكل ده."
راجع بجسده يستند على الجدار:
"لما كنت عارف إني هناك مجتش خدني ليه، ليه دايما بتتأخر عليا، ليه متبنقذنيش قبل ما أغرق."
هز جواد رأسه غير راضيًا عما يقوله ثم أردف قائلاً:
"كنت عايزني أروح أجيب شاب عنده ٢٨ سنة من شقة طليقته، والشاب دا ظابط يا حضرة الظابط. ياترى كنت مستني مني أعمل إيه، أدخل أضربك قلمين زي العيال الصغيرة وأقولك إيه اللي جابك هنا، أنا مش نبهت عليك الصبح، ليه ركبت البت دي عربيتك، ليه أدتلها فرصة تتحكم فيك."
لا يعلم كيف يخرج مكنونه الذي يحرق داخله فرفع بصره لوالده:
"مكنتش حاسس بحاجة، معرفش إيه اللي حصلي. خرجت من عند عمو باسم آخر حاجة افتكرتها ركبت معايا العربية. بعدها محسيتش بحاجة."
اشتعلت أعين جواد ورمقه بازدراء:
"ركبتها ليه العربية، كنت دوس عليها دا لو إنت فعلاً عايز تتخلص منها."
"بابا لو سمحت..."
لكمه بكتفه يهدر به:
"إنت بتحب البت دي يالا، ولا بتحب بنت عمك، ولا إنت عاجبك الموضوع كل شوية في حضن واحدة، وجاي على مزاجك وفرحان بنفسك إن الولا أمور والبنات بتدوب فيه."
"بابا أنا قمت لقيت نفسي في سريرها من غير هدوم ومش فاكر حاجة."
هل شعر أحدكم بطائر يذبح عنقه بسكين بارد وهو لا حول له قوة. قبضة مؤلمة من بين ثنايا قلبه الذي بدأ يثور بنيران الغضب عندما هاله مقدار الضعف والحزن على ابنه. كم هو مؤلم أن ترى وليدك بتلك الحالة الهزيلة. لقد سحبت روحه ولم يعد لديه القوة على الحديث، بل شعر بالعجز. هذا ما أحس به جواد.
ردد جاسر جاسر قائلاً:
"بابا أنا ممكن أكون عملت حاجة مع فيروز."
بعينين متسعتين كاتساع بين السماوات والأرض. طالعه مصدومًا، تمنى حينها أن تزهق روحه لبارئه. لا يعلم أي جرم ارتكبه حتى يحدث معه ذلك. ابنه حبيبه ربيبه. فلذة كبده هو من أطعمه بخنجر بارد، هو من أسقط قيمه وأخلاقه. ماذا يقول ذاك المعتوه، هل جن بالفعل، أم هناك كوابيس تدور بعقله.
هز رأسه رافضًا حديثه وأردف بصوت ثقيل مشحون بالألم:
"لا لا لا... مستحيل، لا أنا أكيد بحلم بكابوس."
حاول النهوض ولكن أقدامه لم تقو على حمله، كأن جسده انشق لنصفين، اغرورقت عيناه بدموع الخذلان. يتخبط ويترنح بوقوفه مرددًا:
"لا... أكيد أنا ابني ميعملش كدا، لا ابني حبيبي... سندي، كبيري، هو من كسرني."
نهض جاسر من مكانه عندما وجد شحوب وجهه، اقترب منه:
"بابا والله ماكنت حاسس بحاجة، والله ما أعرف إيه اللي حصل."
دنى يمسك كفيه يقبلها بدموع الوجع:
"سامحني والله غصب عني... مش فاكر عملت إيه."
هوى على المقعد يفتح أزرار قميصه عندما أحس بعدم قدرته على التنفس، كأن لم يوجد أكسجين بالغرفة.
اقترب جاسر وأعطاه سلاحه:
"موتني لو دا يريحك، موتني وريحني من العذاب دا كله."
دفعه جواد بقوة لم يعلم كيف اكتسبها. ثم نهض من مكانه وارتفعت صيحاته حتى زلزلت المكان يعنفه غاضبًا:
"اسمعني عشان إنت خلاص مبقاش نافع معاك حاجة، تعبت وقرفت من عمايلك، كل مرة بتحملني تهورك وغلطك، لو سمعت مني من الأول مكناش وصلنا للمرحلة دي، بس شكل الموضوع جه على هواك."
انحنى يمسكه من أكتافه يهزه بعنف وزمجر قائلاً:
"بنت عمك هطلقها يابن جواد وروح كمل حياتك مع الأشكال اللي زي فيروز، لأن فرصك عندي انتهت، عمك بين الحياة والموت وأنا هنا بلم في مصايبك مع زفت الطين فيروز، ليه عشان حضرة الظابط الفاشل مش قادر على حتة بنت جاية من الكباريهات. أنا جواد الألفي على آخر الزمن اسمي يبقى جنب حتة زبالة بسبب ابني."
دفع المقعد بقدمه حتى سقط وصرخ به:
"الغلط مش عندك، الغلط عندي إني قبلت واحدة زي دي تتحكم في عيلتي."
أمسكه يوقفه يهزه بعنف:
"كام مرة نبهتك وقولتلك ابعد عنها، كام مرة قولتلك سبني عليها، وحضرتك عملتلي دكر. وتقولي أنا هتصرف."
دفعه بقوة بالجدار:
"بنت عمك دخلت المستشفى بسببك، عمك بين الحياة والموت بسببك، أختك سابت بيت أبوها بسببك، العيلة اتفركشت بسببك، روبي حياتها اتدمرت بسببك، إيه كنت عايز تسمع من أبوك دا، آه حتة عيل معرفتش أربيه، والنهاردة رجعلي وتقولي مش فاكر إيه اللي حصل معرفش حصل بينا إيه."
أمسك المقعد ودفعه بقوة على النافذة حتى سقط زجاجها بالكامل، وقام بتحطيم كل ما يقابله، وهو يزأر كالأسد الذي منع عنه طعامه، ويريد الانقضاض على فريسته قائلاً بصوت كالرعد:
"ابني على آخر الزمن يطلع زاني..."
آه صرخ بها صرخة اهتزت لها جدران المنزل.
استمع لطرقات غزل على باب الغرفة:
"جواد افتح الباب."
"غزل." صاح بها بغضب حتى تحركت من أمام الباب.
رفع نظره لابنه. دار حول نفسه كالمجنون، يجذب خصلاته بعنف:
"ليه يابني، ليه تعمل فينا كدا... دي آخرتها يا جاسر، تطلع زاني في الآخر."
انتهكت صحته حتى هوى على الأرضية ولسان حاله:
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
"اللهم اجرني في مصيبتي." قالها بشهقة بكاء وانسابت دموعه، مرددًا:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
زحف لوالده يرفع ذراعيه يبكي بشهقات مرتفعة:
"سامحني يا بابا والله ماكنت أعرف هوصل لكدا، عمري مافكرت إنها تكون بالحقارة دي."
عيناه تحجرت بالعبرات واهتز داخله بنيران مستعرة من حالة والده التي يراه بها لأول مرة:
"بابا..." همس بها جاسر، عندما زاغت نظرات جواد بأنحاء الغرفة، ولم يرى منه سوى عبراته التي تنساب بصمت.
لا يعلم أن والده بداخله يغلي كالمرجل الذي جف ماؤه. وضع رأسه على ساقه وأردف بنبرة خافتة تكاد تسمع:
"لما فوقت مفكرتش غير فيك، عارف إنك هتتصدم وممكن تروح فيها، بس وحياة ربنا أنا معرفش إيه اللي حصل ولا فاكر غير إني ركبت العربية وبس."
سكت هنيهة ثم تنهد تنهيدة مرتعشة وآهة طويلة كانت أبلغ رد في تلك اللحظة التي تحرق بها روحه:
"هموت يا بابا... ابنك هيموت من اللي بيحصل معاه، حاسس بصخرة بتهدني."
رفع جواد كفيه يمسد على خصلاته وهمس بتقطع:
"جاسر... اعتدل ينظر لوالده برجاء أن يرحم ضعفه، ثم أومأ برأسه منتظرًا عقابه:
"إنت عايز إيه يا بني، عايز ترجع فيروز، ولا عايز جنى، عشان أفهم هعمل إيه. أنا مبقتش فاهمك، ماهو لو بتحب جنى كنت مستحيل تخلي فيروز تكسرك كدا، ولا كنت قربت منها. مفيش راجل بيحب واحدة ويقدر يكون مع واحدة تانية، صعب يا جاسر."
"بابا أنا عايز حياة مستقرة مع مراتي وبس، فيروز متهمنييش، مش عايز غير البنت اللي أول ما قلبي عرف يحب دقلها."
لاحت ابتسامة حزينة على وجهه جواد فخلل أنامله بخصلات ابنه مردفًا:
"يبقى لازم تتعب شوية، ومتكنش بالضعف دا، عيب الراجل يبقى ضعيف، الراجل بقوته، فكر وشوف إنت عايز إيه بالظبط. وبالنسبة للي حصل النهاردة مش عايز أي مخلوق يعرفه، لحد ما أرجع من السفر، لازم نقعد مع جنى الأول وتحكلها، ولو هي متمسكة بيك هترضى، أما لو كان الموضوع تقيل عليها فاعذرها مفيش ست تتحمل اللي اتحملته جنى. جنى بتحبك من زمان، وكانت بتشوف مراتك في حضنك، كفاية عليها وجع، ولو ليكم نصيب في بعض صدقني لو أنا بنفسي حاولت أطلقكم مش هقدر."
الصفحة التالية
الفصل الثالث والعشرون
3
رفع كف والده وقبله:
"أنا بحبك أوي يا بابا... أوعى تفكر كلامي ليك دا كره، والله أبداً طول عمرك مثلي الأعلى."
ضمه جواد لأحضانه بقوة وانسابت دموعه:
"إنت نور عيني يا جاسر، عايزك تبقى قوي ومتضعفش ولو قلبك هيضعفك دوس عليه، سمعتني دوس على قلبك اللي يخليك ضعيف حتى لو مع جنى نفسها، اوعى تضعف وتذلل لحد مهما حصل، إنت راجل، واللي يحاول يقل بيك امسحه من على وش الدنيا."
سكت للحظة، ثم سحب نفسًا وزفره بقوة:
"قوم اعدل هدومك وظبط نفسك، مش عايز مامتك تعرف حاجة، ولو سألتك قولها اتخانق مع جنى."
نهض جواد من مكانه ونفث دخان غضبه ثم هتف بنبرة تحذيرية:
"لو شوفتك ضعيف تاني أنا اللي هدوس عليك بنفسي. ياله قوم خد شاور وحصلني على تحت لازم نروح مشوار قبل أي حاجة."
قالها جواد وتحرك للخارج، محاولاً السيطرة على نفسه. هبت غزل متجهة إليه تنتظره بالخارج:
"جواد..." توقفت تطالعه بنظرات تفحصية:
"جواد كنت بتزعق وتصرخ ليه، إيه اللي حصل، جاسر عمل إيه."
ضمها لحضنه ثم طبع قبلة أعلى رأسها:
"حبيبتي مفيش حاجة، مشاكل جاسر وجنى، ابنك متهور كالعادة."
كانت تطالعه بصمت، ثم أدارت وجهه ونظرت لعيناه الهاربة:
"بص في عيني يا حبيب عمري وأنت بتكلمني وقولي مخبي عليا إيه."
رسم ابتسامة على ملامحه ثم انحنى يمرر إبهامه على ثغرها:
"زيزو بتكذب جوزها بعد ٣٠ سنة جواز. وأنا اللي كنت بقول هأجل السفر النهاردة عشان أشبع من حضنها شوية قبل ما نسافر، هناك ممكن مانشوفش بعض غير دقايق."
"تأجل السفر يا جواد... وعشان تشبع بحضني." اقتربت منه تحتضن وجهه وتخترق عيناه بنظراتها:
"مخبي عليا إيه يا جواد..."
انحنى يطبق على ثغرها بقبلة شغوفة. حتى رفعت ذراعها تعانق رقبته. ثم سحبها من كفيها:
"تعالي يازيزو، محتاجك في موضوع." ابتسمت متناسية ما صار منذ دقائق وتحركت بجواره تحتضن ذراعيه متجهين لغرفته.
بمنزل جاسر.
كانت جالسة بالشرفة تنتظر وصوله، وضعت كفيها على صدرها متنهدة:
"ياترى إنت فين يا جاسر، وصوتك متغير ليه. يارب ما يكونش اللي في بالي يا ابن عمي. ماهو أنا مش هستنى لما تيجي."
هزت رأسها رافضة حديثها مع نفسها قائلة:
"إيه اللي هبل دا، إنتي اتجننتي فعلاً صدقتي الكدبة ما إنتِ عارفة قد إيه هو وبيحبك."
رفعت هاتفها مرة أخرى. لحظات تكاد تموت من الغيرة وعقلها يصارع قلبها.
بغرفته بمنزل والده خرج على رنين هاتفه، توقف ينظر لاسمه وصورته. أطبق على جفنيه ورفعه بأنامل مرتعشة، ثم وضعه واتجه لغرفة ملابسه.
بعد فترة من الوقت كان يجلس أمام الطبيب ينتظر مابداخل التحليل. نظر الطبيب لتلك الورقة ثم اتجه إلى جواد:
"زي ما حضرتك توقعت يا فندم، فيه مادة غريبة بدم جاسر، وللأسف التحليل ظهر المادة دي... نوع من حبوب الهلوسة والجنس."
ارتفعت دقاته بعنف، وشعر بالاختناق، فنهض بترنح قائلاً:
"يعني أفهم من كدا... ممكن يكون حصل حاجة."
أوقفه والده قائلاً:
"جاسر... اتجننت اقعد واسمع الكلام، ثم اتجه للطبيب:
"هي ليها آثار جانبية يا دكتور."
نزع الطبيب نظارته الطبية ثم أردف:
"بص يا جواد عشان أكون صريح معاك. دي بتكون خطيرة لو كان مدمن على إقبالها، يعني فيه رجالة كتير بتاخد منها في حالة يعني." صمت الطبيب قائلاً:
"أكيد عرفت قصدي."
أومأ برأسه وهتف:
"لا يا دكتور دا حد حب يعمل مقلب مش لطيف مع جاسر، فكنا عايزين نتأكد من نوع الحبوب بس."
انطفأ وجهه ثم نهض متحركًا سريعًا للخارج. توقف جواد يشكر الطبيب وتحرك خلفه. وصل إلى سيارته، ونيران داخلية تحرق دواخه وقلبه يصفعه بقوة:
"قدرت تخون جنى يا جاسر، إزاي قلبك قدرت يعمل كدا."
كور قبضته يضرب فوق السيارة حتى وصل إليه والده:
"اركب ياله لازم أتحرك خلال ساعتين."
استقل السيارة بصمت وقادها وهو يطالع الطرق بذهن مشتت وقلب مفتت. انتبه لحديث والده:
"إياك تقول لجنى حاجة."
نظر لوالده بتيه وأردف:
"بابا إزاي وصلتلي الحبوب دي، عمو باسم مستحيل يعمل كدا."
"باسم ميعرفش يا جاسر، دي فيروز لعبت أكيد على مراته، حتى ممكن مراته متعرفش، بس إزاي حياة دخلتها البيت، إنت بتقول مشفتهاش، يبقى فيروز اتفقت مع الخدامة ممكن."
نظر للخارج وأجابه بنبرة متقطعة:
"أو ممكن حياة نفسها ما هم صحاب وعملوها قبل كدا."
هز جواد رأسه رافضًا حديثه:
"لا مظنش، حياة مش كدا، ولو بتفكر في اللي عملته فهو غصب عنها، باسم مرحمهاش في الأول وأي حد مكانها كان عمل كدا وأكتر... أنا ميهمنيش دلوقتي غير مراتك، خايف عليها."
أمسك ذراعه وتطلع إليه:
"جاسر لسه علاقتك بجنى متوترة، لسه واخد منها موقف."
أطلق زفرة حارة وهتف:
"بابا جنى كل شوية تقولي عايزة تطلق، وأنا مستحيل أطلقها، سمعتني مستحيل حتى لو هقعدها غصب عنها."
نظر جواد للخارج وأجابه:
"مطوعهاش الست عايزة الحب والحنان، وأنت أكبر مسهوك في المواضيع دي."
رمقه والده بنظرة صامتة. التفت إليه جواد يرفع حاجبه ساخرًا:
"إيه بقول حاجة غلط، مش دي الحقيقة، غبية جنى معرفش حبيتك على إيه، طب والله الواد ياسين أحسن منك ولا أوس، معرفش سبتهم ليه ومسكت في حِلوف زيك، ولا جواد دا كان هيعرف إنه معاه أميرة."
"بابا..." صاح بها بغضب وزمجر من بين أسنانه ونار الغيرة تحرقه:
"جنى حبيبتي قبل ما تكون مراتي، وكنت هتجوزها هتجوزها غصب عن الكل حتى غصب عن حضرتك."
رمقه جواد بنظرة ساخطة لم يفهم معناه ثم تحدث:
"اللي يسمعك بتقول كدا يقول إن الولد متجوزش عليها ومراته حملت مرتين." جذبه من تلابيبه:
"كنت بتحبها يا خويا وجايلك نفس للعقربة، ولا الجمال ودع الحب يالا، مش بقول مسهوك يابن جواد."
ابتلع غصة مُرة كالعلقم أحكمت حلقه حد الاختناق حتى لمعت عيناه بالعبرات قائلاً:
"آه كنت، بس فكرت كنت بحس بإيه يا بابا."
ذهل جواد من حديثه حتى طالعه بصدمة متسائلاً:
"جاسر... ربنا أعطاك فرصة حلوة بدل اتعذبت زي مابتقول، حافظ عليها، امسك فيها بإيدك وسنانك."
عند جنى بعد فترة.
هبطت للأسفل تبحث عن عاليا وجدتها تجلس تحتسي قهوتها تنظر للأمام وهي تحتضن كوبها بين يديها. جذبت مقعدًا وجلست بمقابلتها:
"صباح الخير."
رفعت عاليا نظراتها إليها:
"إنتِ شكلك عامل كدا ليه، إيه منمتيش." فركت وجهها ثم أجابتها:
"معرفتش أنام وجاسر لسة مرجعش."
وضعت عاليا كوبها وتساءلت:
"ماتحكيلك قصة الظابط الولهان دا."
ضيقت جنى عيناها ثم ابتسمت:
"ظابط وولهان!!وياترى يا حضرة المشاكسة عرفتي منين."
اقتربت منها وهمست تغمز لها:
"أصلك ماشفتهوش يوم ماسقطي، كان زي المجنون، والله صعب عليا وكان بيعيط وبيضمك لحضنه زي الطفل الرضيع." لمست كفيها:
"هو فيه حب كدا، وبشوفك كمان بتبقي عايزة تاكليها بعيونك."
ابتعدت بنظراتها وتنهيدة محملة بوجع الحب قائلة:
"وأنا بعشقه وبموت لو بعد عني." اتجهت بنظرها لعاليا وتحدثت مبتسمة:
"تعرفي كل شوية أقوله طلقني عشان بعشق جنانه وتمسكه بيا، رغم إني عارفة فيه واحدة في النص بينا."
"استني استني... تقصدي إيه فيه واحدة بينكم."
اختنق صوتها وازدادت ضربات قلبها تقص لها حكاية العشق اللاذع بينهما.
شهقة خرجت من فم عاليا:
"يا حبيتي... دا إنتِ اتوجعتي أوي، إزاي قدرتي تتحملي الوجع دا."
ابتسمت جنى رغم دموعها التي انسابت قائلة:
"وقت مابيخدني في حضنه بنسى الوجع دا. مش عايزة حاجة غير أكون جوا حضنه وبس يا عاليا، عارفة إنه بيحبني، بس بيوجعلي قلبي لما بشوفه بتهاون بقلبي."
اقتربت عاليا تحتوي وجهها بين راحتيها:
"هو بيحبك وأنتي بتحبيه يبقى الباقي ما يلزمكيش، حاربي للحب دا بس المهم تتأكدي إنك بتحبيه."
أومأت لها ثم ابتسمت قائلة:
"احكيلي بقى حكايتك إيه، وليه ياسين اتجوزك."
رغم سؤالها البسيط إلا أنه كان كالخنجر الذي اخترق صدرها، سحبت نفسًا وزفرته بوجع وكأنه أشواك خربشت جوفها فتحدثت:
"من تلات سنين ابن عمي فاجأني إنه بيحبني، كنت لسة في أولى جامعة، أنا كنت معجبة بيه، هو كاريزما وكمان شخصيته قوية، شغال محاسب في بنك."
ابتعدت ببصرها وذكريات مأساوية تصفعها فاستأنفت:
"دخل عليا بالحب، وأنا للأسف عبيطة وصدقته." انسابت عبراتها فرفعت نظرها بعينيها الباكية:
"والله كنت بحبه يا جنى، حبيته أوي، شوفت فيه كل حاجة حلوة في الرجالة." أزالت عبراتها:
"أصلي نسيت أقولك رسم عليا دور الحنية والرجولة وإنه بيخاف عليا ووحاجات كتيرة تتمناها أي بنت في حبيبها، لحد ما خلاني متعلقة بيه، لدرجة مبقتش أقدر أعدي يوم من غير ما أشوفه."
وضعت كفيها على صدرها علها تهدأ من الوخز الذي يرافق أنفاسها وكأنه يسحب روحها.
"اتقدم لي ووافقت رغم رفض كريم وماما بس بابا كان موافق وهو اللي وقف معايا واتخطبنا وفضلت قصة الحب سنتين لحد ما جه اليوم اللي انكشف وشه الحقيقي."
هنا شعرت بقبضة تعتصر صدرها حتى شحب وجهها وشهقة خرجت من فمها مع بكائها:
"خرجت مرة من الجامعة لقيته مستني وعمل حوار غدا، واتصل ببابا، وأنا الهبلة صدقته."
ارتجف كفيها تضغط بقوة على فنجانها ومع ارتعاشة لجسدها وعبراتها تغرق وجهها. ربتت جنى على ظهرها تهز رأسها حتى تكمل ما بدأت.
رفعت وجهها وعينيها التي أغرقت وجهها. دنت جنى تزيل عبراتها تهتف:
"ما يستاهلش صدقيني، وحياة ربنا ما يستاهل دمعة واحدة من عيونك."
"خدرني يا جنى، حطلي منوم في الأكل وخدني شقة صاحبه، قومت من النوم لقيت نفسي نايمة على سرير من غير هدوم والحقير مصورني."
شهقة خرجت من فم جنى تضع كفيها على فمها تهز رأسها بعنف:
"مستحيل!! بتقولي إيه."
ارتفع صوت بكائها تضع كفيها على وجهها:
"صورني عريانة، ومعرفش عمل إيه تاني، وهددني لو أبوكي مكتبش المصنع باسمي قبل الجواز هفضحك، هديني ورق وقالي لازم أبوكي يمضي عليه قبل فرحنا وإلا هدمرك."
"كان طمعان في مال أبويا، ومن فترة كان فيه مشاكل على الميراث بين أبوه وبين أبويا. بس جه عمي وقال خلاص مش محتاجين حاجة، جدي كان أدى عمي نـصيبه وهو ضيعه، والباقي كتبه لبابا وعمتي، بابا كبر المصنع وعمل محلات للحلويات، وشغله كبر، عمي طبعًا اتجنن هو خسر فلوسه في البورصة، وكان لازم اللي يعوضه، فعملوا اللعبة دي."
صمتت تلتقط أنفاسها ثم أكملت:
"رجعت البيت وأنا منهارة مش عارفة أعمل إيه وأفكر، عقلي وقف على كل حاجة. مكنش قدامي حل تاني يا جنى، لازم أنقذ سمعتي وسمعة أهلي، تغور الفلوس، بس بابا ميستهلش تعبه يضيع في الأرض. خالد له أخت طيبة أوي ومبيـعجبهاش أفعال أبوها. قولتـلها كل حاجة. قالتلي خلي عمي يمضي على الورق ويديلك الصور وأنا هتصرف. أنا قولت أكيد بتلعب عليا."
"المهم قولت اللي ربنا كاتبه هيكون. وفعلاً حطيت الورق زي ما قال ودخلت أكلم بابا وهو بيمضي على شوية حاجات، عشان ما ياخدش باله."
سحبت نفسًا عميقًا واستأنفت.
"وادتله الورق زي ما اتفقت مع سما أخته، فرح وقالي جهزي نفسك للفرح، أنا بحبك يا عاليا صدقيني، وعملت كدا عشانك. رفضت وقولت مستحيل أكون مراتك لو هتموتني. خنقني وقالي لو مجهزتيش للفرح هفضحك. أوعي تفكري إن الورق يهمني أكتر منك، أنا بحبك إنتِ، وبدأ يهجم عليا ويعتدي عليا بطريقة حيوانية يا جنى، وفهمني إنه سلب شرفي في اليوم ده."
"أنا مش عارفة أصدقه ولا لا. رضيت بنصيبي ووافقت. وبعد أسبوع كان الورق سما رجعته قبل ميعاد الفرح بأسبوع، في الوقت دا كريم حاول يوقف الجوازة بس أنا كنت خايفة من الصور اللي معاه."
ابتسامة ساخرة لاحت على وجهها:
"ورغم دا كله كنت بصدقه لما كان بيقولي أنا بحبك وعايزك. إنتِ أهم من أي حاجة." لم تستطع منع عبراتها تأثرًا بآلام قلبها التي نازعت روحها فأستانفت حديثها المؤذي لقلبها:
"أجمل أسبوع عيشهولي قبل الفرح، حسسني إني أهم شخص في حياته زي ما قال. كنت خايفة يعرف موضوع إن سما سرقت الورق ورجعته، أنا حرقته قبل مـابابا يشك. كان مخطط يسجله بشوية فلوس رشوة، بس جاله سفرية ضرورية وسافر، ولما رجع كان قبل الفرح. ومتقابلناش من يوم ماسافر دبي ورجع قبل الفرح بيوم. كلمني فون وقالي اتجهزي يا حبيبتي فرحنا بكرة، عايزك تبقي أحلى عروسة. مخبيش عليكي يا جنى، أنا كنت لسة بحبه، مش شايفة أي راجل أحسن منه، ادتله عذر إنه عمي اتظلم من حقه في ميراث جدي زي مافهمني. بس جه يوم الفرح ومسح أي ذكرى بينا حلوة وخلاني أكره أكتر شخص في الدنيا حبيته."
تنهدت بقلة حيلة تهز أكتافها:
"لقيت كريم بيقولي دا هيكتب عليكي أصل ابن عمك قال فيكي كل الكلام الحلو. وطبعًا بابا وكريم صدقوا وجوزوني غصب عني ياسين المتهور دا."
ضمتها جنى لأحضانها قائلة:
"عارفة أنا المفروض أشكر ابن عمك دا، عشان خلاني أعرف أجمل بنوتة في الدنيا."
ابتسمت من بين بكائها:
"إنتِ جميلة أوي يا جنى، ربنا يسعدك مع حبيبك يارب."
رفعت جنى كفيها للسماء قائلة:
"ياااااارب يسمع منك، أصل معمولي عمل على قرموط في بحر مليان ميه جارية."
قهقهت الفتاتان كأنهما لم يتوجعا من ألم الحب ثم توقفت جنى:
"قومي نعمل نسكافيه، وأدخلك فن الرسم هينسيكي كل حاجة." تذكرت شيئاً فطالعتها:
"بس ياسين ابن عمي طلع راجل أوي يا عاليا، الواد الصراحة عجبني من الموقف دا."
مصمصمت شفتيها بحركة مرحة ولطمت كفيها ببعضهما:
"آه دا زي التور اللي مصدق طلقوه من عنبر الحيوانات."
قهقهت جنى عليها تلزكها بكتفها:
"بس يابت... دا ياسو العشق، تعرفي ياسين دا أكتر واحد في ولاد عمي بحبه، تحسيه راجل في نفسه."
وضعت عاليا وجنتيها فوق راحتيها ترمقها مستهزئة:
"اممم... يا محنو، كملي. وياترى حضرة الظابط يعرف ولا دا عادي عشان إخوة يا حنينة."
أطلقت ضحكة ناعمة تهز رأسها:
"إنتِ مشكلة وحياة ربنا، وبعدين عيني في عينك كدا الواد مش هزك يابت، دا عليه عضلات سالمان خان."
ارتفع وجه عاليا بشبه ابتسامة:
"دول عضلات الحمار الوحشي، بقولك تور وطلقوه تقوليلي يعجبك."
***
سحبت نفسًا ناعمًا وذهبت بذاكرتها:
"ياسين معذور، اتخدع ببنت حبها وهي لعبت بمشاعره ممكن الموضوع أثر عليه عشان كدا بيعاملك بقسوة، بس ياسين مفيش أحن منه صدقيني، جامع صفات عمو جواد كلها وقت الوجع تلاقيه سندك ووقت الفرح تلاقيه سعادتك."
"شوفت يا حضرة الظابط مراتك بتتغزل بجوزي..." هبت فزعة قائلة:
"جاسر متفهمش غل..." ولكنها توقفت عن الحديث عندما التفت ولم تجد أحدًا واستمعت لضحكاتها:
"كملي ياست المتجوزة، كان نفسي يسمعك، وقتها كنا قرينا الفاتحة على ياسو بتاعك وخلصت منه، وأهو أورثه بدل ما أنا مش مستفادة حاجة من."
دفعتها بقوة تسبها ثم ولجت للمطبخ.
الصفحة التالية
الفصل الثالث والعشرون
5
عند جاسر وجواد.
توقف بالسيارة أمام منزل والده. نظر جواد أمامه وتحدث:
"جاسر!! كنت تعرف إن فيروز مشلتش الرحم."
جحظت عيناه ينظر لوالده بذهول:
"تقصد إيه حضرتك يا بابا."
استدار إليه بجسده:
"أمها لعبت لعبة حقيرة يوم حادثة جنى عشان يخرجوا منها أمها خلت الدكتور ينزل الجنين، وقال إن الرحم لازم يتشال من النزيف."
بملامح جامدة تنبت من الصدمة والذهول، كان يستمع لوالده وكأن أشواك مسننة تخربش صدره بالكامل. فاستدار يبتعد بنظره وصدره فوهة بركانية للانصهار قائلاً:
"لدرجة دي يا بابا، يقتلوا نفس بريئة عشان يهربوا."
حمحم جواد قائلاً:
"أنا مقصدتش دا يا حبيبي، أنا أقصد حاجة تانية، وبعدين مش عايزك تزعل إنت ربنا عوضك، وبكرة مراتك تجيب لك بدل العيل اتنين وتلاتة، اللي أقصدُه من كلامي لو حصل حاجة بينك وبين البت دي وأنت مش فاكر ممكن بعد كام شهر تيجي تقولك أنا حامل، حتى لو مكنتش حامل وقتها هتعمل شوشرة، وحياتك هتتدمر، غير المرة دي مستحيل صهيب يسامح، صدقني وقتها هيدوس عليا عشان بنته، فلازم تشوف هتعمل إيه، أنا قولت لأيمن يحبسها في بيتها وممنوع تخرج حتى لو وصل بيا الحال أموتها، أصل اللي زيها ميستاهلش الشفقة والرحمة."
زفر بحدة ليخرج وجعه القابع بصدره قائلاً:
"أنا اللي خايف منه إنها تكون مصورانا وتبعتها لجنى، وقتها مش هقدر أعمل حاجة، دا من مجرد كلمتين كل شوية تقولي طلقني، تخيل لو عرفت حاجة زي دي ممكن تعمل إيه."
"حياتي اتهدت أنا حياتي كدا اتهدت." ظل يرددها وهو يضرب المقود بعنف حتى كاد أن يكسر معصمه.
أمسك والده كفه قائلاً:
"اثبت وفوق لازم تفكر هتنهي الموضوع دا إزاي من غير خسارة. أولاً فيروز مش هبلة عشان تجري تقول لجنى دلوقتي، هي بتخطط لحاجة أكبر، إنت استغل الموضوع دا عشان تخلص منها للأبد." أشار بسبباته محذراً إياه:
"إياك تتمادى بغلط أكبر من غلط، إنت ظابط كل خطوة تكون بحساب، راجل قانون من الآخر. زمان دفنت واحدة حية لما فكرت تقرب من أمك، وبيجاد دفن عمتي وبنتها عشان غنى، ياترى يا ابن جواد إنت هتعمل إيه عشان مراتك."
أنهى حديثه بنظرة قاتمة تحمل من التحذير ما يكفي لإفاقة ابنه.
ترجل جواد من السيارة ثم استند على بابها:
"قدامي أقل من ساعتين هسافر مع عز ومامتك، عمك حالته مش تمام، مش عايز نهايته تبقى على إيدك يا جاسر، اللي عمل في عمك كدا، جنى... مجرد ما جنى بعدت عنه شوفت حصله إيه، تخيل لو حصلها حاجة بسببك ممكن يعمل إيه. كلمة أخيرة. مهما جنى تقولك طلقها متسمعش كلامها، دي عاملة زي أمك كلام في الهوا، أصلي عانيت قبلك يا ابن جواد، بس الفرق بينا كبير. أنا مكنتش بستحمل دموعها، لكن إنت ماشاء مكنة قهر برجـلين ماشية على الأرض."
اعتدل بوقفته يشير بيده:
"ارجع على بيتك، مراتك اتصلت بمامتك مرتين هتموت عليك من الخوف، رغم إنك حِلوف معاها، حاول متبينش حاجة لحد ما نعرف بنت هاشم بتخطط لإيه، مع إني عرفت خلاص إنها مش عايزة غير تخنقك حواليها وخلاص."
***
وصل بعد قليل لمنزله ينظر إليه بألمًا يفتت قلبه وجعًا، ترجل بهدوء، وبخطوات بطيئة كأنه يتعلم المشي حتى وصل إلى الداخل. وجدها تخرج من المطبخ تجمع خصلاتها بقلمها الرصاص، وابتسامتها التي حُرم منها تزين شفتيها وهي تهتف:
"خلاص يا بنتي، والله لأقول لياسين لما يرجع."
ولكنها توقفت عن الحديث وتجمدت ابتسامتها، عندما وجدته يقف بتلك الحالة يستند على الجدار. وضعت كوبها فوق المائدة وهرولت إليه:
"جاسر!!"
طالعها بعيون الخذلان والألم. وقفت أمامه تحتضن وجهه عندما وجدت دموعه المتحرجة داخل مقلتيه، ارتفعت دقاتها حتى كادت تخترق ضلوعها فتساءلت:
"حبيبي مالك إيه اللي عامل فيك كدا..."
أبحر برماديته على ملامحها الندية، تمنى يزهق روحها داخل أحضانه، يعشقها بجنون.
أمسك كفيها الذي تحتضن به وجهه وأغمض عيناه متسائلاً:
"بجد يا جنى أنا حبيبك."
ابتلعت غصتها وتناست ما صار إليها. فهزت رأسها:
"إزاي لسة بتسأل يا جاسر."
"مبقتش واثق فيكي مش دا كلامك."
آلمها حديثه وكأنه غرسها بخنجر بروحها:
"سبيني يا جنى!!"
"لا إنت فيك إيه، إيه اللي حصل معاك."
تحرك متخبطًا:
"مفيش حاجة!!"
نظرت لعاليا الصامتة ثم اتجهت إليه سريعًا:
"جاسر!!"
أغمض عيناه محاولاً السيطرة على نفسه. اقتربت منه تبحث بعينها عن ما يؤلمه، احتضنت ذراعه:
"مش هتقول لجناك مالك."
كعصفور بترت أجنحته، تحرك وهو يتحدث:
"تعبان بس وعايز أرتاح."
لحظات مرت عليها وهي تراقب تحركه. وصلت إليها عاليا:
"إيه مش هنروح المرسم."
هزت رأسها رافضة:
"لا يا عاليا، هروح أشوف جوزي ماله. آسفة مش هقدر أركز في حاجة وحالته كدا."
ربتت عاليا على كتفها:
"لا يا حبيبتي روحي."
تحركت سريعًا متجهة للأعلى. دفعت الباب ودلفت للداخل وجدته ينزع ثيابه متجهاً للمرحاض. توقف ينظر إليها بصمت حتى اقتربت منه:
"إنت مخبي عليا إيه."
هنا تحرك إليها بخطوات بطيئة وعيناه تعانقها وروحه تأن بألم ينخر بصدره، امسك كفيها يربت عليهم:
"جنى أنا محتاجك أوي."
احتضنت كفيه التي يمسكها بها، وطبعت قبلة عليهما.
"وجنى جنبك هنا."
جذبها بقوة يضع رأسه بعنقه وآه حارقة خرجت من ثنايا روحه هامسًا بأنفاسه الحارة:
"تعبان... تعبان أوي."
ترقـرقت عيناها واقتربت تلامس خاصته هامسة له:
"سلامتك حبيبي من التعب."
ابتسامة من ثنايا عشقه يعصرها بقوة لأحضانه حتى ذابت منصهرة تشدد من أحضانه تستمع لحديثه:
"مش عايز غيرك... والله ما عايز غيرك."
أخرجها من حضنه. والتقط كرزيتها بعشقه الجان، يفصل جنان عشقه وسبح بعسلها يدنو من ثغرها:
"خديني في حضنك، حبيبك تعبان."
سحبت كفيه حتى وصلت للفراش تتمدد بجواره على الفراش. وضع رأسه بأحضانها، وكأن هنا ملاذه وراحته. أغمض عيناه يسحب عطرها الذي أصبح جرعته. خللت أناملها بين خصلاته:
"احكيلي حبيبي، قولي إيه اللي تعبك، واتأخرت ليه، مكنتش عند عمو باسم."
ظل صامتًا لدقائق ناعمة بينهما وهي تتلاعب بخصلاته:
"مش عايز تحكيلي يا جسور، هانت عليك جنجونة حبيتك تخليها قلقانة عليك."
رفع رأسه من أحضانها:
"جنى إنتِ لسة زعلانة مني."
وضعت رأسها بجوار رأسه ثم رفعت كفيها على وجهه:
"وأنا لسة مبأثرش فيك يا جاسر، بقيت عادية ومبقتش تحبني، مش إنت اللي قولت كدا."
دنى بأنفاسها الحارة:
"كذاب... فيه حد يصدق واحد كذاب." امسك كفيها يضع موضع قلبه ثم همس وهو يلامس ثغرها بخاصته:
"طول ما دا بيدق اعرفي إنك ساكنة الروح، وقت ما يوقف عن النبض اعرفي إني ميت وإنك ميتة."
دنت تختبأ بأحضانه، ثم رفعت ذراعيه تحاوط خصره:
"طيب ليه كل شوية توجع قلبي يا جاسر."
داعب وجهها يمرر أنامله عليه بالكامل:
"أنا مجنون بيكي يا جنى... زي ما إنت مجنونة بيا يا روحي."
لمعت عيناها بالسعادة مما جعلها تضع رأسها بعنقه هامسة له:
"بحبك أوي يا ابن عمي."
مسد على خصلاتها مقتربًا من ثغرها:
"وأنتِ بقيتي إدمان لابن عمك يا بنت عمي." قالها وهو يحتوي ثغرها ليذيقها من ترانيم عشقه.
عند جواد بعد خروج جاسر.
توقف بالسيارة أمام منزل عز الذي يضع بها حقيبته. فتح الباب واستقلها:
"وصلني عند باسم في عشر دقايق."
تعرف عز بالسيارة يدقق النظر بملامحه:
"عمو مالك وشك مخطوف كدا ليه، وإيه الموضوع."
أشار بيديه:
"سوق يا عز عشان منتأخرش على الطيارة."
وصل بعد قليل فاتجه ببصره إليه:
"خليك هنا خمس دقايق ورجعلك."
ترجل من السيارة متجهاً إليه، ولج للداخل بعدما استقبلته الخادمة. كان باسم يجلس يتناول إفطاره بجوار زوجته وابنه. توقف أمامه يرمقه بغضب ووجع بآن واحد. نهض باسم من مكانه بعدما وجده بتلك الحالة:
"جواد!!"
اقترب منه جواد والحزن يجوب على ملامحه حتى حفر ثقوبًا بداخله وعيناه تناظره بصمت:
"جواد مالك بتبصلي كدا ليه؟!"
صمت برهة يتأمل الحسرة والخذلان المرتسم فوق ملامح جواد. فأمسك كتفه يهزه:
"جواد..."
دفعه جواد مبتعدًا:
"ولادي اعتبرتهم ولادك، كنت ببقى نايم مرتاح عشان عارف إنهم عند بيت أبوهم زيك زي حازم وسيف وصهيب."
ظل باسم يستمع إليه بعينين متوهجتين كالنيران. فرفع كفيه أمام جواد:
"جواد إيه لزوم الكلام دا."
لكمة قوية بوجه باسم يدفعه بقوة حتى سقط على المقعد يمسكه من تلابيبه:
"أنا ابني على آخر الزمن يزني بسببك يا باسم... ابني يتغدر بيه في بيتك، في بيت أخويا يالا."
توقف باسم مذهولاً ينظر إلى حياة التي تضم ابنها تحتضنه حتى لا يرى صراعهما، ثم استدار إلى جواد:
"تقصد إيه."
انحنى جواد يحاوطه بذراعيه:
"ابني اتحطله حاجة في أكله أو شربه هنا يا باسم، والست فيروز مستنياه برة، وفي الآخر ابني يصحى يلاقي نفسه عندها والباقي أكيد عارفه."
"إنت بتقول إيه مش فاهم."
صعق باسم حينما فهم مايؤول إليه جواد. اتجه بنظره إلى حياة التي طأطأت رأسها تهزها:
"والله يا باسم ما عملت أكل... جت دخلت قعدت شوية بس ومشيت."
تحرك جواد مغادرًا:
"يا أسفي عليكوا... يا أسفي على الصداقة."
نهض من مكانه وكأن هناك صاعقة صفعته بقوة بصدره، فاقترب منها:
"فيروز دخلت بيتي بعد اللي عملته."
"باسم هي كانت بتعيط." صاح على مربية ابنه:
"خدي فارس الجنينة." ثم اقترب منها يمسكها من أكتافها يهزها بعنف:
"كسرتي كلامي ياحياة، دخلتي فيروز بيتي."
"باسم اسمعني."
"باسم اسمعني؟!" أشار بسبباته:
"اخرصي مش عايز أسمع صوتك، ردي على السؤال بس."
انسابت عبراتها وأجابته:
"جت قبل ما جاسر يجي بساعة ومشيت قبله بربع ساعة."
"هي اللي عملت الأكل."
هزت رأسها بالنفي سريعا:
"أبدا والله مقربتش من حاجة ومسبتهاش لوحدها ولا لحظة، مفيش غير وقت ما طلعت أغير هدومي بس."
صاح باسم على الخادمة:
"فيروز دخلت المطبخ امبارح."
هزت الخادمة رأسها وقصت ماله. ثار باسم بغضب وكأنه تحول لشيطان يركل كل ما يقابله. اقتربت تمسك كتفه:
"باسم اسمعني."
"إنتِ طالق ياحياة."
توسعت عيناها تطالعه بذهول. ظل لفترة ونظرات خذلان بينهما حتى استدار متحركًا للخارج.
الصفحة التالية
الفصل الثالث والعشرون
6
***
عند جواد بسيارته.
"عز دقيقة واحدة على العنوان دا."
توقف عز بالسيارة يدقق النظر بملامحه:
"عمو مالك وشك مخطوف كدا ليه، وإيه الموضوع."
أشار بيديه:
"سوق يا عز عشان منتأخرش على الطيارة."
وصل أمام العمارة التي تسكن بها فيروز، ثم دفع الباب بقدمه حتى انفتح على مصراعيه.
كانت تجلس منكمشة منذ أن أخذها الرجل وحبسها بمنزلها، وأخذ هاتفها مانعًا جميع التواصل بها. لج للداخل يشير بيديه للرجل الذي معه:
"افحصلي الشقة دي، أي كاميرا فيها طلعه."
جلس يضع ساقًا فوق الأخرى. يشير بيديه إليها. نهضت تطالعه بصمت:
"جتلك وقولتلك بعاملك بقلب أبو جاسر وحاولت أفهمك، بس الهبلة مفكرة إنها ذكية."
نهض من مكانه وتحرك إليها وفجأة على غير عادته، جذبها من خصلاتها:
"بقى حتة عيلة تلعب بشرف ابن الألفي يابت، اتجننتي." جذبها يدفع رأسها بالجدار بقوة ثم تركها حتى سقطت تبكي وتصرخ به:
"ابنك دا جوزي، حبيبي اللي حضرتك خطفته مني ورحت جوزته لبنت أخوك."
أمال بجسده يرمقها بنظرات لو خرجت من مقلتيه لأحرقتها قائلاً:
"وعزة ربنا يافيروز لو قربتي من بنت أخويا لادفنك حية."
انحنى أكثر يجذبها من عنقها يضغط بقوة عليه حتى كادت أن تلفظ روحها، ثم تركها يدفعها بقوة:
"قربي من ابني تاني وشوفي هعمل فيكي إيه، أنا دفنت ناس بعدد شعر راسي. كنا بودي مش أحبسك والهبل بتاع جاسر دا، وأشوفك هتعملي إيه لكن للأسف خايف من القذارة تلوث بنت أخويا، أسبوع واحد بس أفوقلك وأعرفك مين هو جواد الألفي، أو أقولك روحي اسألي عليها سحر."
إنما هي اللي قالتلك على الخطة النجسة دي بعد ما زرتيها. مط شفتيه يهز رأسه:
"أكيد الرقاصة هي بتاعة الخطط دي."
حدجها بنظرة مشمئزة ثم أردف:
"معرفش ابني إزاي اتجوزك وقرب منك، دا أنا قرفان أبص في وشك، شايفك بنت زي الحرباية بتتلون، بس العيب مش في ابني، العيب فيا أنا."
مسح ذقنه مقتربًا منها:
"تحبي نهايتك تكون إزاي، أنا بقول شوية ميه نار على وش الحلوة اللي فرحانة بيه." رفع سبباته وهدر محذرًا إياها:
"أي سفالة منك ياسافلة هنهيكي، دول ولاد الألفي اللي بتحاولي تجذبيه لقذراتك."
"محسن..." هدر بها جواد:
"البت دي متشمش هوا البلكونة حتى لحد ما أرجع."
بمنزل جاسر.
فتحت الجميلة عيناها ترسمه ببنيتها. ثم مرت أناملها على وجهه وانحنت تطبع قبلة حانية على وجنتيه هامسة له بعدما وضعت وجنتيها فوق رأسه تحتضن كفيه تخلل أناملها بأصابعه:
"حبك بقى داء ودواء يا ابن عمي، معرفش الحب كله كدا ولا إحنا اللي حبنا له طعم تاني."
فتح عيناه بعدما شعر بها ولكنه ظل صامتًا. فاكملت حديثها:
"شوفت الدوا المر اللي لازم تاخده عشان تخف وتتعالج. آهو إنت كدا يا جاسر بالنسبالي، لازم أفضل أحبك وقلبي يدق بنبضك عشان أعرف أعيش، لو بعدت عني أموت، موجع أوي."
أغمضت عيناها مبتسمة:
"بس رغم وجعه بس بعشقه."
لحظات وكانت أسفله يحاوطها بجسده:
"أنا حبي موجع يا جنى، لدرجاتي بتتوجعي مني."
لمست وجنتيه مبتسمة:
"بس أحسن وجع، جاسر لجنى الروح والحياة."
استند بجبينه فوق جبينها وهمس بأنفاسه الحارة:
"وحنى روح جاسر." رفع نظراته ورسم ملامحها الندية لقلبه:
"المفروض النهاردة أكون أسعد راجل في الدنيا، بعد ماشوفت ضحكة حبيبتي، ورجع قلبي ينبض من تاني."
داعب وجهها بأنفه هامسا لها:
"وحشتيني أوي أوي يا جنجون."
رفعت ذراعها تعانق رقبته:
"وأنت كمان وحشت جنجون."
غمز بعينيه:
"إد إيه... ماتوريني كدا عايز أشوف وبعد كدا أحكم."
جذبت رقبته ودنت تلثم ثغره حتى ذاب الاثنان برحلة عشقهما. غاص بها تحت سطوة عشقه يسكب لها من نيران عشقه ما ألذ لها، طاف بها وطافت بها على أنغام دقات القلوب، وأنفاسهما الحارقة تلهب ما يقترب منهما. أخيرا استحوذ عليها ببحر عشقه الذي أبعدهما أكثر من ثلاثة أشهر كان يعتصران من ألم الفراق في غيبات الحب.
بعد فترة من نعيم الجنة تناسى بها كل ما صار له. جذبها لأحضانه يحاوطها بذراعين ينعمان بالحب والحنان، وشعور الراحة يسير داخل الأبدان. همس بجوار أذنها بنغمة عاشق حد الجنان:
"أموت بكِ عشقًا يا سيدة الأكوان."
استنشقت رائحته الرجولية التي ألهبت دقات قلبها بين الضلوع وهمست بلسان يذيب بعشقه لأبعد الأزمان:
"دعني أحطم غرورك داخل أحضاني يا ملهم الروح والكيان."
قبلة فاصلة لتذهب الأرواح بسبات عميق حتى استيقظ بعد فترة يداعب جفونها بعينان ترسلان أسهم العشق والاشواق. فتحت عيناها وابتسامة جميلة تداعب وجهها قائلة بنبرة متحشرجة:
"صباح الحب."
قبل ارنبة أنفها قائلاً:
"مساء العشق يا جنة الخلد والريحان."
أفلتت ضحكة تعتدل على الوسادة تقترب منه تضع رأسها بصدره:
"عايزة نسافر بعيد كام يوم، مش عايزة أشوف حد غيرك ممكن."
رفع كفيها يقبلها:
"مهلكتي تؤمر وعليا التنفيذ، بس خايف عليكي حبيبتي مقدرش أمسك نفسي."
لكمته بصدره:
"متبقاش قليل أدب بقى، بتكلم جد، أعصابي تعبانة، بقالي وقت مبعملش حاجة فعايزة أغير جو، عشان أرجع على شغلي."
داعب وجنتيها بابهامه:
"حاضر عيوني."
اقتربت تطبع قبلة على وجنتيه، ثم بحثت بعينيها عن شيئاً ترتديه فضكت بصوت مرتفع:
"مضطرة آخد قميصك يا حبيبي."
جذبته قبل ما تصل يديه إليه. فقهقه بصوته الرجولي، حتى أنارت الدنيا حولهما وغردت الطيور لفرحة قلبهما. جذبها حتى سقطت فوق الفراش تضحك بعدما ارتدت قميصه تغلق أزراره:
"جاسر... وسع بقى ماتبقاش بايخ."
حاوطها بذراعيه ينظر إليها وهي أسفله. ملامحها الطفولية البريئة يتشعب لها القلب ويحنو لها القاسي فهمس دون تردد:
"جنى تعملي إيه لو خنتك من غير ما أقصد، غصب عني."
ارتفعت ضحكاتها تحاوط عنقه:
"وياترى الكابوس دا في حضني ولا لما كنت بعيد عن حضني."
أمال يقبلها يردد من بين قبلاته:
"ياريته كابوس، بس والله العظيم ما حسيت بحاجة حطولي دوا في الأكل."
توقفت عما تفعله عندما وجدت دموعه. فهبت فزعة معتدلة:
"إنت بتقول إيه يا جاسر."
يتبع...
•
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سيلا وليد
يشهد الله أنني صنت الود رغم نفاذ السبعين عذراً.
ويشهد الله أنني بذلت حتى ذبلت.
وليشهد الله أن روحاً أضاعت هدوءها لإرضائهم.
فليشهد الله أني تمسكت بالصبر بكلتا يدي حتى جرح قلبي.
ولِيشهد الله أننا حاولنا جهدنا حتى تعبنا.
وأننا تغاضينا حتى سئمنا.
وأننا تمسكنا بالحبال حتى جرحت كفينا.
فليشهد الله أننا لم نؤذي أو نظلم أو نحقد ولا نكره أحد.
ويشهد الله على براءة نوايانا.
وليشهد الله أننا كنا أطيب من أن نؤذي أو نخيب ثقة أحد.
لكننا لم ننل شيء وكل شيء نال منا.
يا سادة، الذين رحلوا فجأة نسوا مصابيح قلوبنا مضيئة.
❈-❈-❈
تراجعت بجسدها معتدلة على الفراش ونظراتها عليه ومازالت الابتسامة على ملامحها.
"ايه الهزار اللي يوجع القلب دا يا جاسر، عايز تقهرني؟ موافقة ياسيدي اقهرني بأي حاجة بس بلاش وحياتي موضوع الخيانة دا. دا مجرد كلمة وجعت قلبي."
اقتربت تزحف بركبتيها حتى وصلت إليه، رفعت ذقنه بأناملها.
"سكت ليه؟ يعني يا تقول كلام يوجعني يا تسكت خالص."
أحس بصفعة قوية على وجهه حتى شعر بالدوران، جذبها لأحضانه متراجعًا على الفراش يلف ذراعيه حول جسدها الصغير، ثم وضع ذقنه فوق رأسها وبلسان ثقلت حروفه همس لها:
"جنى، عايزك تتأكدي روحي فيكي. محدش يقدر يبعدك عني حتى لو بابا نفسه جه قالي طلقها. أنا بحبك بجد، من سنين وحبك بيكبر جوايا لحد ما عمل عندك حالة من التشبع، مابقتش عايز غيرك وبس، ومستحيل أتنازل عنك."
كانت تستمع إليه بسعادة وكأن قلبها تحول لفراشة تدغدغ جسدها بالكامل.
فرفعت رأسها لتراه من أعلى وجهها وابتسامتها تزين ثغرها، رفعت ذراعيها الاتنين تجذب عنقه وظهرها بأحضانه قائلة:
"وانت السعادة لروحي يا جاسر. شايفة الدنيا كلها بعينك انت. مفيش حد عمل فيا كدا. بحبك بجنون، مش هتكسف وأقولك أنا مجنونة بحبك، وعجبني جناني دا، ومستحيل أتنازل عنك."
انحنى يلتقط ثغرها ومعالم الحزن حفرت ثقوبًا بقلبه لا يعلم كيف يداوي تلك الجروح.
مسد على خصلاتها.
"روحنا احنا الاتنين متعلقة ببعض، عايزك توعديني مفيش حاجة هتفرقنا مهما يحصل."
استدارت إليه بعدما انتفض قلبها ودققت النظر بملامحه.
"حبيبي انت مخبي عليا حاجة كبيرة صح؟"
رفعها لتصبح على ساقيها.
يضع رأسه بحنايا عنقها.
"اوعديني يا جنى، اوعديني إن جاسر هيفضل طول عمره حبيبك مهما يحصل."
رفع رأسه وتعمق بعينيها.
"حتى لو مت مش مسمحولك تتجوزي غيري."
قطبت مابين جبينها متسائلة:
"أنا مش عارفة أفرح ولا أحزن. حالتك دي بتقول إن فيه حاجة.. بس قلبي بيقول إنك حبيبي ومهما يحصل هتفضل حبيبي وروحي."
"وعد..." همس بها يطالعها منتظرًا اجابتها.
لمست وجنتيه بتأملها.
"عندك شك في جنى يا جاسر؟ تفتكر جنى بعد الحب دا كله ممكن تفكر في غيرك؟"
تحجرت دموعه بجفنيه فأغمض عيناه حتى لا يضعف أمامها.
اقتربت تلثم جبينه ثم احتوت وجهه.
"مالك ياحبيبي؟!"
❈-❈-❈
"حبيبك اتلعب عليه، مستكترين حبي يا جنى."
هزت رأسها.
"مش فاهمة يا جاسر."
أطبق على ثغرها بخاصته للحظات. ثم تراجع وعيناه تحتضن عيناها السعيدة ورغم سعادتها إلا أنها هربت خجلة من نظراته الاختراقية.
حاول قدر المستطاع أن يتحدث ولكنه لم يقو.
لمست ذراعه حينما وجدته ذهب بشروده.
"مش هتقول لجنى اللي واجعك؟ مش انت لسة قايل إنها أهم واحدة في حياتك؟"
احتوت كفيه تضعها على وجنتيها وسبحت برماديته.
"أنا أهم واحدة في حياتك صح؟ مستحيل تبعد عني، ولا تطلقني، ولا توجع قلبي وتتجوز زي ما بتهددني."
صمتت تبحر بنظراتها فوق وجهه تتلمسه بأناملها.
"ساكت ليه؟ متخوفنيش بسكوتك. أنا مستعدة أتنازل عن كل حاجة إلا عنك يا جاسر. بعدت ومعرفتش."
رفعت كفيه تضعها على وجنتيها.
"معرفش ليه انت بالذات اللي عمل فيا كدا، مع إني مكنتش شيفاك غير أخ وبس."
هزت رأسها ثم وضعت رأسها بحنايا عنقه تهمس له.
"لا مكنتش أخ، كنت روحي الساكنة جوايا وأنا معرفش. عارفة انا السبب في ابتعادنا عن بعض."
"وعد من جنى الجاسر لجاسرها مستحيل ابعد عنه ولا افكر في حد غيره، ووعد قلبي يفضل ينبض باسمك لحد ما اموت."
ثم طبعت قبلة على يديه قائلة:
"ربنا يخليك ليا وميفرقناش عن بعض ابدا."
أحس بتلك اللحظة برجفة تعتري فؤاده، وبرودة اجتاحت أوصاله فارتجف وكأن ثلج الشتا يحاوطه.
صمت هادئ بنظراتها العاشقة ونظراته المترجية.
"جنى اسمعيني للأخر، ومش عايزك تقاطعيني. وخليكي متأكدة أنا مستحيل أعمل كدا لو كنت في وعي."
رفع عيناه التي اختلطت بدموع الحزن، واحتضن وجهها.
"جنى..."
خرج اسمها من بين شفتيه محترقة بلهيب العشق. لا تعلم لماذا ارتفعت دقاتها وانسابت دموعها رغمًا، فهزت رأسها منتظرة حديثه وكأن قلبها يرفض ماسيقوله بسبب دقاته العنيفة.
ابتلع غصته واحتضن كفيها متراجعًا يستند على الفراش قائلاً:
"اسمعيني كويس ومتقطعيش كلامي لو سمحتي."
سحب نفسًا محملاً بأنين الوجع فتحدث:
"عايزك تثقي في حبي والله العظيم عمر قلبي مادق لغيرك. منكرش انجذبت لفيروز، أو ممكن أقنعت نفسي بكدا علشان أقدر أعيش معاها وأنسى. كان صعب عليا أوي أفضل جنب البنت اللي بحبها وهي محرمة عليا، فكان لازم أقنع نفسي بكدا، لكن والله ما قدرت أتعايش مع الألم دا. عايزك تتأكدي إن مفيش قبلك ولا بعدك، فيروز غلطة حياتي اللي اتحولت لكابوس أسود، بس هقول إيه غير إن دا نصيبي من الدنيا."
احتوى وجهها يزيل عبراتها التي انسابت بصمت.
"عارف إني هوجعك، ومقدرش ألومك ولا أمنع وجعك. بس اللي أقدر أقوله أنك أغلى من روحي."
مرر أنامله على ثغرها ودنى منه.
"إنت روحي خليكي متأكدة من كدا."
استدارت مبتلعة غصتها عندما أحست أن هناك ما يشق صدرها، وخرجت دموعها كالشلال تهز رأسها تنهض من مكانه. ولكنها حاوطها بذراعيه وعصرها بقبضته الفولاذية ثم همس بتقطع:
"جنى."
رفعت عيناها الباكية، هزت رأسها منتظرة حديثه الذي تيقنت أنه مؤلم لا محالة.
نزل ببصره للأسفل يهرب من عيناها الباكية قائلاً:
"امبارح كنت في عشا عند عمو باسم زي ما انتي عارفة، وبعد ما خرجت ماحسيتش بحاجة غير لما صحيت ولقيت نفسي بسرير فيروز. معرفش ايه اللي حصل وازاي رحت هناك، كل اللي افتكرته خروجي من بيت عمو باسم بالعربية وهي وقفت قدام العربية، نزلت علشان أبعدها وبعدها مفتكرتش حاجة."
هنا شعرت بجدران الغرفة تنطبق على صدرها، وأحست بتوقف قلبها على النبض.
فأطبقت على جفنيها وارتجاف بكامل جسدها حتى شعرت ببرودة تجتاح جسدها.
رفع عيناه الحزينة إليها وابتلع ريقه بصعوبة محاولا اخراج صوته.
"جنى..."
طالعته بعيناها التي انطفأت لمعة سعادتها بها. للحظات وهي تنظر إليه بصمت، هل حقا طعنها بخنجر بارد ليشق ضلعها شق لتشعر بكم هذه الأهات.
ارتجفت شفتيها متسائلة:
"يعني إيه؟!.. تقصد إيه بكلامك دا؟! قصدك انك خونتي!! ولا تقصد انك رجعت فيروز زي ماكنت عايز تعملها."
مسحت دموعها.
"ليه المقدمات دي بس ياحبيبي."
ابتلعت ريقها بصعوبة.
"أكيد بتحبني يا جسورة، أيوة بتحبني مستحيل توجعني."
ضغط على وجنتيها الذي يحاصرها يهزها.
"جنى افهمي كلامي."
رفعت نظرها إليه.
"افهم!!.. ابتسامة مؤلمة من نياط قلبها. افهم إيه ياحبيبي.. أنا مش فاهمة غير إني بحبك وبس، انت اللي فهمني. عايز ترجعها يعني ولا إيه؟ فهمني أصلي مش مستوعبة كلامك."
دنى يحتوي وجهها ويقربها إليه يرفع رأسها ويغرز عيناه بعيناها.
"ايه اللي بتقوليه دا.. أنا كنت بهددك بس، عمري ما فكرت في فيروز، أنا بعشقك انتي، ودلوقتي أنتِ مراتي."
"بقولك معرفش ايه اللي حصل، قمت من النوم لقيت نفسي..."
صمت لبعض اللحظات. فانهارت باكية حتى ارتجف جسدها.
"اسكت ماتتكلمش، مش عايزة أسمع حاجة. انت لعنة عليا يا جاسر، لعنة بتأذي روحي.. ياريت أكرهك بس مش عارفة."
ناظرته.
"قولي أكرهك إزاي علشان قلبي يبطل يوجعني."
أمسكت كفيه تضعها على صدرها محل قلبها.
"قلبي بيوجعني أوي يا جاسر، بيوجعني أوي."
شعر بألم العالم يتجمع بصدره. اقترب يضمها لصدره يمسد على خصلاتها.
"جنى بطلي بُكى، سلامة قلبك يا روح جاسر، قلبي مش متحمل."
شهقة بهزة بجسدها قائلة:
"دبحتني يا جاسر، موت روحي، دوست على قلبي."
طالعته ببكاءها وقلبًا مفطور بالثقوب.
حركت أناملها على وجهه ومازالت عبراتها تحرق وجنتيها.
"هونت عليك.. حبيبتك هانت عليك."
"طيب اديني عقل أتحمل دا، مش هقولك اديني قلب، عايزة عقل يتحمل إن جوزي وروحي وحياتي وكل ما أملك جاي يقولي أنا خنتك وسامحيني."
مع كل كلمة تفوهت بها وكل دمعة انحدرت من مقلتيها كان قلبه يعتصر ويحترق بآلامها. تمنى لو ينزع كل ما يؤلم روحها، تمنى لو يخفيها عن العالم أكمله.
أخرجها من أحضانه يحتوي وجنتيها.
"وحياة ربنا ما حسيت بحاجة، حطولي حاجة في الأكل أو الشرب معرفش، لو مش مصدقاني اتصلي ببابا هيأكدلك كلامي."
هزت رأسها رافضة حديثه. اتجهت ببصرها لجسده وعقلها وقلبها يصور لها أشياء.
أغمضت عيناها بألم يجرح كل خلاياها.
حبيبها، عشقها نبض قلبها، هل طُعنت بالفعل أم هناك ما يخفيه القدر.
كان يراقب انفعالاتها بألمًا. هناك آلامًا لا يمكن وصفها باللغة، وهناك أيضا ما يسمى جنون العشق. فهمس:
"جنى."
رفعت نظرها إليه بقلبها النازف اثر طعنته لقلبها الحزين ولأنوثتها.
الصفحة التالية
الفصل الرابع والعشرون
"عايز مني إيه يا جاسر؟ مستني مني إيه.. أعمل إيه، أصرخ وأقولك طلقني.. وترجع تقولي على جثتي."
حاولت أن تنهض وكأن جسدها خانها ولم تقو على النهوض، فترنحت وسقطت فوقه، تلاقت بين ذراعه، تلاقت النظرات بينهما هناك نظرات تقتل أكثر من الحديث.
همست له:
"عايزة أروح أوضتي ومش قادرة، ممكن توصلني."
أحس بقبضة تعتصر قلبه، فلم يجد سوى تقبيلها لتستكين روحه المبعثرة، بجوار روحها الحزينة. لحظات من السكون بل دقائق ولم يريد افتراق شفتاه عنها، حاولت التملص ولكن قوتها تلاشت ولم يعد لديها قدرة للمجابهة. تركت ساحة معركة العشق الموجعة له.
دقائق يستحوز على رحيق عشقها حتى ذهبت الأنفاس. وضعها على الفراش يضمها لروحه قبل أحضانه وقبلة عميقة تزين جبينها.
همست مابين النوم واليقظة كأنها ستذهب لعالم الأموات.
"ياريتني ما حبيتك."
قالتها وذهبت بسبات عميق.
عصرها بأحضانه يهمس لها.
"آسف يا جنى.. عارف إنك اتوجعتي مني ومبقاش ليا رصيد عندك، بس وحياة دموعك لأقهر أي حد يقرب منك يا روحي."
استمع لرنين هاتفه.
"أيوة ياعمو."
"مستنيك في المكتب." قالها باسم.
سحب نفسًا وزفره قائلاً:
"مراتي تعبانة مش هقدر أسبها، شوف هشام عندك للقضية." قالها وأغلق هاتفه، ثم ألقاه يتمدد بجوارها، يضع رأسها بصدره وأنامله تعبث بخصلاتها.
بحي الألفي.
انتهت غزل من تجهيزها، ثم نادت على الخادمة.
"نزلي الشنطة في العربية."
أومأت الخادمة برأسها. تحركت متجهة لغرفة ربى. وجدت غافية محتضنة نفسها كالجنين.
دنت منها بخطوات متمهلة، ثم زفرت بحزن.
جلست بجوارها على الفراش.
"وبعدين هتفضلي قافلة على نفسك كدا، لازم تفوقي لجامعتك، مينفعش تأجلي علشان تخلصي من الكلية."
مسحت على خصلاتها.
"حبيبتي أنتِ عايزة ايه بالظبط وأنا اعملهولك."
أغمضت عيناها وانسابت دموعها قائلة:
"ماما أنا تعبانة اوي، محدش حاسس بالنار اللي جوايا."
رفعت نظرها بعيناها الباكية واردفت من بين بكائها.
"قلبي وجعني مفيش دوا له ياماما.. لا قادرة أقرب ولا قادرة ابعد، قوليلي أعمل ايه، النهاردة بابا شاف بنته في وضع مخل مع طليقه، تخيلي أخلاقي بقت منحطة لدرجة وصلت لأكون في حضن طليقي ياماما، شوفتي ضعف بنتك وصلها لأيه، لولا دخول بابا مكنتش عارفة ضعفي دا ممكن يعمل ايه."
رغم تعاظم الغضب بداخل صدرها إلا أنها انحنت تطبع قبلة على وجنتيها.
"حبيبة مامي اللي ندمانة، مين فين مابيغلطش ياقلبي، كلنا بنغلط بس بعد كدا بناخد غلطنا عبرة لينا علشان نتعظ منه."
مسحت على وجنتيها تزيل عبراتها قائلة:
"اكتر حاجة بتضعفنا القلب. أكبر داء يصيبنا فيه اللي بيعرف علاجه وبيداويه وفيه اللي بيقعد يدور على العلاج زي السراب. انت مجروحة من عز حقك انا مش هلومك، بس برضو مش من حقك توجعي قلبك وتحرمي ابنك يعيش مع أبوه."
فتحت فمها للحديث ولكن أشارت لها غزل.
"خليني أكمل كلامي الأول."
"زعلانة من عز، تمام، ما انتِ ثورتي لكرامتك ودوستي على رجولته، ورغم كدا يتمنى يرجعلك، ليه ماسوتيش دي بدي؟ ليه هو أتنازل وحس بندمه وراجع يمد ايده، ليه أنتِ كمان ماتحسيش بالندم دا وتبدأي صفحة جديدة مع حبيبك وتربي ابنك وتكون أسرة حلوة، ليه يابنتي مصرة توجعي قلبك وقلبنا معاك."
رفعت ذقنها بأناملها وتحدثت.
"روبي خايفة عليكي حبيبتى يجي عليكي الوقت تندمي على حبيبك، متفكريش عز هيبكي عليكي كتير، هو مجروح منك اوي، عارفة أنه بيحاول يرجعك بس جواه مجروح زي ما انتي مجروحة الفرق بينكم أنه ندمان ومادد أيده ومش مبين وجعه وغضبه منك، إنما انتي عنيدة وبكرة تندمي."
نهضت غزل بعدما طبعت قبلة على جبينها.
"قومي صلي ركعتين لله وألجأيله عمرك ماتخسري يابنتي، وقت ماتحسي بالضعف ألجي لربك هو رحيم بعبده، وقتها هتعرفي إنتِ عايزة ايه."
اعتدلت بجلوسها متسائلة:
"هتتأخروا يامامي."
تجلى الحزن بملامحها فهتفت.
"عمك تعبان اوي ربنا يستر، المشكلة مفيش على لسانه غير جنى، وطبعا جنى متعرفش حاجة وباباكي مش عايز يقولها وأنا خايفة."
نهضت ربى من مكانها.
"عمو صهيب تعبان، يعني انتوا مش رايحين سياحة له."
وضعت غزل كفيها على فمها.
"اسكتي مش عايزة حد يسمع، عز مايعرفش كمان، ولا حتى ابوكي كان يعرف، لولا نهى قالتلي."
ربتت على كتفها قائلة:
"المهم قومي صلي وشوفي هتعملي ايه امتحانتك قربت وكمان حملك على وشك، ممكن تولدي في أي وقت."
جذبت اسدالها تنظر لوالدتها مرة وللأرض مرة فهتفت:
"هنزل أشوف عز قبل مايسافر."
رفعت غزل حاجبها ساخرة.
"يامحنو ياختي يامحنو، طب ماكان من الأول، ليه عاملة فيها الكونتسة عزيزة."
الصفحة التالية
الفصل الرابع والعشرون
"خرجت غزل متجهة لغرفة ياسمينا. طرقت على بابها ودلفت للداخل.
"حبيب نانا عاملة ايه وحشتي نانا ياقردة."
هرولت الطفلة التي تبلغ من العمر سنة بخطواتها الطفولية، حتى كادت أن تسقط.
رفعت بصرها لياسمينا.
"حمدالله على السلامة حبيبتي.. نورتي بيتك."
ابتسمت ياسمينا.
"بنورك يا طنط. طبعت قبلة على جبين طفلتها. "مسك عاملة ايه وأخبار تيتا ايه."
أجابتها ياسمينا.
"كويسة بتسلم على حضرتك، وان شاء الله ينزلوا مصر قريبا."
اقتربت منها واحتوت كفيها.
"أوس هيوصل على بالليل إن شاء الله، عايزة منك طلب، يبقى خديه هو ورُبي وزوروا جاسر وجنى، بلاش تحسسوهم أنهم منبوذين من العيلة، أنا زرتها كام مرة بعد ما سقطت."
أومأت ياسمينا بحزن قائلة:
"زعلت اوي على اللي حصل لجنى، إن شاء الله ربنا يعوضها، أنا كنت هروحلها والله بس قولت لما يجي أوس، لكن محرجة برضو هي بقالها فترة."
ربت غزل على كتفها.
"لا متأخرتيش ولا حاجة، كل الحكاية شهر مش كتير يعني، ربنا يهديلهم الحال."
استدارت وهي تبتسم لحفيدتها ثم توقفت لدى الباب.
"ياسمينا.. رُبي أمانتك لحد ما أرجع، أنا عارفة إنك أد المسؤلية بس خلي بالك أكتر علشان نفسيتها مش حلوة، وياريت تقنعيها تروح تقعد فترة مع أخوها، على الأقل تخرج من حالتها دي."
اقتربت منها ابتسامتها قائلة:
"حاضر هقنعها متقلقيش."
"تسلميلي يابنتي." قالتها واستدارت للأسفل متجهة لمكتب جواد الذي يتحدث بهاتفه.
"ممنوع تخرج من البيت هحاسبك أنا، شوف حد قدام بيت جاسر من بعيد مش عايزة يشك."
"حاضر يافندم."
نهض من مكانه بعدما توقفت على باب الغرفة.
"متاكدة إنك مخبي عليا حاجة يا جواد بخصوص جاسر، بس هسيبك ومش هسألك تاني لما أشوف آخرتها معاك إيه."
قهقه عليها يضمها من أكتافها.
"زوزو الشقية بقيتي جدة ياروحي خفي عليا شوية، مبقتش حمل شقاوتك."
اعتدلت تقف أمامه تمسك ياقة جاكتيه.
"هتفضل طول عمرك في نظري أجمل راجل وشاب في الدنيا، وفشر اللي يقولك عجزت يا أبو جاسر، مين دا اللي عجز."
حك ذقنه ينظر بساعة يديه ثم غمز لها.
"لسة ساعة إلا ربع على الطيارة، وأنا نفسي أعرف موضوع الشباب دا لسة شغال ولا لأ. ماتيجي نتأكد."
قهقهت بصوت مرتفع تلكمه بصدره.
"هتفضل أجمل راجل في حياتي يا جواد."
حاوطها بأحضانه.
"فاهمك يا غزل. بتعملي كدا علشان شيفاني مضايق، صح ياروحي."
خرجت من أحضانه تعانقه برماديته.
"جواد مخبي عليا إيه، ليه بتحاول تفهمني إنك كويس، جواد ضغطك النهاردة وصل 180 انت فاهم دا معناه إيه."
احتضن رأسها يلثم جبينها.
"مفيش حاجة يا ست البنات، هنتأخر على الطيارة غير أننا متأخرين اصلا، كنت عايز أوصل قبل ميعاد الطيارة."
"أيوة دا اللي هيجنني، معقول تسيب صهيب يدخل عمليات من غير ماتقابله، إلا إذا كان هنا موضوع كبير ويخص جاسر، صح يا جواد، جاسر عمل حاجة كبيرة في جنى علشان كدا كان منهار وانت أخدته ورحت تقنعها. عملت إيه جنى في جاسر يا جواد، ولا هو اللي عمل إيه."
سحب كفيها وتحرك للخارج قائلاً.
"زوزو حبيبي هنتأخر، ياله ياقلبي ولما نرجع نتكلم أكيد."
توقفت تطالعه بذهول.
"يعني إنت مخبي عليا حاجة."
اتجه ببصره لربى وعز قائلاً.
"أنا قولتلك لما نرجع، تعالي نشوف عز بيدي إيه لرُبي مخليها واقفة بالطريقة دي."
عند عز ورُبي.
قبل قليل.
وصلت إليه وجدته يخرج من منزله متجها إلى سيارته.
"عز."
توقف مستديرًا إليها، خطت بضعف حتى وصلت أمامه.
"هتمشي من غير ماتودعني."
هناك حرب ضارية بين العشق والكبرياء. ولكن في باب القلب ينتصر العشق بلا هوان أو افتراء.
رغم ماشعر به إلا أن تجلت ابتسامة جميلة على محياه.
"عايزة الصراحة."
تعلقت عيناها بعيناه منتظرة حديثه. فاقترب يحتوي كفيها ثم رفعهما يلثم كل واحد على حدة.
"كنت ناوي أجي أودعك، بس خفت أضعف قدامك وترجعي تهيني يارُبي، قولت أسبك براحتك، مش هضغط عليكي تاني، وزي ما قولتي اللي يبيع مرة يبيع ألف مرة، وأنا بقولك يابنت عمي اللي يعشق ما يعرفش يبيع. اللي يعشق يموت علشان معشوقه، وأنا عاشقك يابنت عمي، ولو كنت عملت حاجة آذتك فتأكدي كنت بتوجع آلاف المرات عنك."
أخرج مفتاح منزله ثم فتح كفيها.
"لو وحشتك يبقى روحي بيتنا وأدخلي أوضتنا وقتها هتحسي إني معاكي، دا لو وحشتك فعلا. أما لو مفرقش معاكي، المفتاح دا تديه لجنى ممكن تحب تيجي هنا واحنا مش موجودين وترجع ذكريتنا حتى لو بنظرة."
وصل جواد إليهما يوزع نظراته بينهما ثم هتف.
"خلاص نتحرك ولا لسة فيه كلام هتقولوه."
فتح عز باب السيارة واستقلها ناظرًا لرُبى.
"لا ياعمو أنا قولت كل حاجة."
تحركت مغادرة ودموعها تفرش طريقها حتى أصدرت شهقة مرتفعة تهرول للداخل.
رمقه جواد بنظرة مشمئزة.
"عملت إيه يازفت الطين انت مش الصبح كنت عامل عنترة بن شداد.. ليه دلوقتي عامللي سبع البرمبة."
لكزته غزل بعدما لمحت الحزن على وجهه فرسمت ابتسامة.
"هترجع انت وعز لنقاركم والطيارة تفوتنا."
استدار جواد يطالعها برفعة حاجب.
"شوف إزاي وأنا الوحش اللي كنت ناسي."
انحنى يهمس لها.
"تخليه يرجع البت من ورايا يازوزو، عاملة مصلحة اجتماعية وبتقربي كل سعيد بسعيدة، طيب فكري في المعدل ابنك اللي فرحان بعضلاته وعامل الحج متولي وبكرة يعمل جدول لمعجبينه."
همس لنفسه.
"اصبر لما أرجعلك بس يا جاسر، وحياة أمك ما أنا عاتقك."
دفعته لداخل السيارة.
"بتكلم نفسك.. اتجننت؟"
دنى متهامسًا.
"لا وحياتك بفكر إزاي مراتي خططت ونفذت من غير ماترجعيلي."
"هو انت محدش يعرف يخبي عليك حاجة."
توقف حازم أمامه.
"إحنا وراك يا جواد. مليكة برضو هتيجي معايا، جواد وتقى هيفضلوا هنا."
أومأ جواد ثم أشار لعز.
"سوق يابني."
استدار عز يتعمق النظر بعينيه.
"عمو حضرتك مخبي عليا حاجة، مش غريبة تبقى عايز تعمل جولة مع بابا وتاخدوني معاكم، ودلوقتي عمو حازم."
صمت لبرهة يراجع الأحداث ثم رفع نظره متسائلاً.
"بابا تعبان صح."
هز رأسه.
"كدا فهمت ليه الدنيا دي كلها."
قالها وحرك المقود يهمس لنفسه.
"إزاي ماما تخبي عليا حاجة زي كدا، إزاي ياماما تقدري تخبي على ابنك."
ربتت غزل على كتفه.
"باباك كويس ياحبيبي متخفش هو هيعمل عملية بس."
كان ينظر للأمام بشرود ثم رفع هاتفه.
"لازم جنى تعرف، مينفعش ما أقولهاش."
جذب جواد الهاتف من يديه وزمجر به غاضباً.
"متبقاش مجنون، وسوق بدل ما أنزلك."
بمنزل حازم.
كان يقوم بعمل تمارين شاقة، استمع لهاتفه. رفعه مجيبًا.
"أيوة يافندم. على الجانب الآخر.
"فيه مهمة ياحضرة الظابط، اتصل بابن خالك وأنا مستنيكم بمكتبي."
أومأ برأسه قائلاً.
"حاضر يافندم."
قام بمهاتفة جاسر لعدة مرات ولكنه لم يجيب. اتجه لمرحاضه وانعم نفسه بحمام دافئ، ثم تحرك متجها إلى منزل جاسر.
بمنزل جاسر.
فتحت عيناها بإرهاق، وجدت نفسها مكبلة بجسديه. ظلت تطالعه لبعض الوقت.
أخذت أناملها ترسم بحنو ملامح وجهه التي تعشقها. أغمضت عيناها مقتربة منه تسحب عطر أنفاسه الذي يختلط برائحة تبغه.
❈-❈-❈
رفرفت بأهدابها تبتسم وتذكرت ما صار بينهما منذ فترة متناسية ماحكاه. لقد نفر عقلها بل قلبها حديثه. حبيبها لم يطعنها بتلك الطريقة، يعشقها وتعشقه. هذا ما أقنعها به قلبها. انتهت بشغفها الممتع للنظر إليه بملامحه الرجولية. لم يكن هناك من سلب عقلها وقلبها سواه وحده. ملهما ومهلكها.
دنت تضع كرزيتها لخاصته مغمضة العينين ولكن هنا ما أفزعها عندما تخيلت ما فعله مع غيرها. ابتعدت متنافرة من نفسها. حرب ضارية بقلب أصابه خذلان العشق حتى خرجت من أحضانه تلملم مشاعرها التي دعست بكل جبروت. هرولت للخارج متجهة لمرحاضها لتسكب فوقها مياه تزيل عنها آثار عشقه تبكي بمرار العلقم الذي ملأ جوفها. تضرب على صدرها لنبضها الخائن له. كيف تعشق من يعذبها؟ كيف تعشق من يستباح نبض قلبها؟ هوت تحت المياه فاقدة الحركة والاحساس. تمنت لو يذهب كل ما صار.
خرجت ترتدي مأزر الحمام ووجدته بالغرفة. اقترب منها يحاوط أكتافها.
"قومتي من حضني ليه."
رفعت عيناها المتورمة من البكاء وهدرت.
"حضنك!! جايلي من حضن واحدة تحضني، ياترى ريحة مين فينا معلقة معاك."
هنا فاق الألم احتماله وهي تتخيله يفعل مع غيرها مثل ما فعله معه. نيران متأججة بطعم الغيرة تحرقها بالكامل. مما جعلها تصرخ به كالمجنونة.
"جايلي ليه إيه.. عايز مني إيه، مش كفاية وجع فيا، كفااااااااااية.. أنا تعبت منك ومن الحب اللي بيخنقني كل لحظة، باقي إيه معملتوش معايا، خسرت كل حاجة.. أنا بقيت مسخ، مبقاش فيا حيل. روحالها وعيش معاها وسبني كفاية بقى."
كان يطالعها بجمود يعلم أنه أخطأ كثيرا بحقها، ولكن قسراً وليس بيديها.
اشتعلت حدقتيه كجمرات ملتهبة وهي تقوم بتحطيم كل ما يقابلها.
"خاين كداب.. أنا ليه بحبك، ليه، ملعون أبو الحب اللي بالشكل دا."
وضعت كفيها على أذنها وأطبقت على جفنيها وتخيالاتها بحالتهما تصفع قلبها بقوة وتشعل نيران صدرها. صرخت قائلة:
"مش عايزة أسمع حاجة ولا عايزة أشوفك."
اقترب منها وحاول جذبها إلا أنها صرخت به.
"ابعد عني متلمسنيش، أنا خلاص مبقتش عايزة الحب دا.. ما أخدتش منه غير الوجع، مش عايزاه.. هكرهك يا جاسر، هكرهك وهنساك كمان.. مبقتش عايزالك، حتى لو مش هتطلقني مبقاش يلزمني حبك.. اطلع برة."
تراجع متحركا للخارج يصفع الباب خلفه. اتجه إلى مرحاضه متوقفا أمام المرآة ينظر لنفسه للحظات، ولم يشعر بنفسه وهو يقوم بتحطيم كل شيئا حتى فقد قدرته فهوى على الأرضية.
جلست لبعض الوقت ثم استمعت لطرقات على باب غرفتها.
"جنى."
أجابتها ورسمت ابتسامة على وجهها. اقتربت عاليا قائلة:
"صاحية ولا نايمة."
ابتلعت آلامها ورفعت كتفها تنظر لملابسها.
"لا صاحية هغير هدومي وانزل."
ذهب بصر عاليا لعنقها فابتعدت خجلة تردف:
"آسفة لو كنت جيت في وقت مش مناسب معرفش انك يعني."
لم تعلم لماذا أردفت بتلك الكلمات ورغم ذلك سحبت كفيها.
"حبيبتي تيجي وقت ماتحبي دي أوضتي وجاس."
بترت كلمتها ثم نهضت متجهة للداخل.
"هلبس وأجيلك."
تحركت عاليا للخارج.
"هستناكي تحت."
أبدلت ملابسها بفستان رقيق من اللون الأخضر وحجاب وضعته تلفه على عنقها، هنا رأت آثاره بعنقها، اعتصر قلبها بأنين الألم وهي تتلمسه، لا تعلم تبكي أم تسعد. كتمت صرخة مصعوقة جلست بصدرها وارتدت وشاحها ثم اتجهت للخارج.
خرجت عاليا من الطبخ وبيدها ثلاث أكواب من النسكافيه.
نظرت جنى للذي تحمله.
"عاملة نسكافيه ليا وليكي ولحضرتك الظابط، أكيد هينزل."
ابتعدت بنظرها عن عاليا قائلة.
"جاسر مبيشربش نسكافيه."
استمعت لدلوف سيارة بالخارج. أعدلت من وضعية حجابها وخرجت.
ترجل جواد من السيارة ثم قام بالتصفير.
"اوووه جميلة عيلة الألفي بتستقبلني بنفسها."
رسمت ابتسامة واقتربت منه.
"عامل إيه يا جواد، وعمتو وتقى وعمو حازم."
تحرك معها للداخل ثم أومأ برأسه لعاليا.
"ازيك أستاذة عاليا."
"أهلا." قالتها وهي تنظر لجنى متسائلة.
أشارت جنى عليه.
"دا جواد اللي كلمتك عنه امبارح."
هزت رأسها.
"جواد ابن عمتك."
ابتسم قائلاً.
"لا أنا اسمي بيجي بين ستات العيلة ليه، يارب يكون بالخير."
"أكيد طبعًا بالخير يا جواد." قالها جاسر وهو متجه إليهم يرمق جنى بنظرات نارية.
قهقه جواد يرفع كتفه بكبرياء.
"أنا كدا أشعر بالغرور، هحتاج إيه تاني وجنى جايبة سيرتي لمرات ياسين يعني."
حمحمت جنى.
"اصل عاليا كانت بتسأل عن شجرة العيلة من اللوحة بتاعتي فقولتلها مش أكتر."
أشار لجواد بالدخول متسائلاً.
"ايه اللي فكرك بينا ياترى."
رفع نظره لجنى وتحدث.
"والله يابن خالي اتصلت بيك كتير وحضرتك ماردتش، فكان لازم آجي، وكمان بالمرة أطمئن على جنجون وأبلغها سلام روبي."
"جنى اعملي قهوة وتجبها على المكتب."
أمسك جواد كفيه.
"اقعد بس مكتب إيه، هنشرب القهوة وأطمن على جنى ونمشي عندنا شغل."
سحب نفسًا طويلا لعله يعبأ صدره الذي يشتعل بنيران الغيرة ثم زفره قائلاً.
"جنى اعمليلي قهوة."
لكزه جواد.
"ماتسكت يابني انت مش قولت لمنيرة خليها تقعد معايا شوية."
اتجهت للمقعد بجوار جاسر، استأذنت عاليا.
"طيب بعد إذنكم هطلع أوضتي."
أومأت جنى إليها فتحركت.
غرز جواد نظراته بجنى متسائلاً.
"عاملة إيه دلوقتي."
بسط جواد كفيه إليها.
"تعالي حبيبي جنبي هنا."
وزعت نظرها بينه وبين جواد، فنهضت تجلس بجواره دون حديث.
رفع ذراعه على أكتافها يضمها لأحضانه.
"جنى.. جواد بيسأل عاملة إيه مش عايزة تردي على جواد."
فركت كفيها تحاول السيطرة على ارتعاشة جسدها تحت يديه.
"أنا كويسة يا جواد."
ثم رفعت عيناها وتلاقت بعيناه الحزينة وتحدثت.
"هعوز أكتر من كدا إيه."
نهض جواد من مكانه قائلاً.
"فرحتوني إنكم اتصالحتم."
جذب جاسر كفيها يخلل أنامله بأناملها ومازالت نظراته عليها.
"منقدرش نزعل من بعض كتير يا جواد."
ابتسم جواد ساخرًا.
"اللي يسمعك الليلة إياها يقول هتقتلها وقتها."
لا تعلم لماذا وضعت رأسها على كتفه.
"غلطان يابن عمتي مفيش حبيب بيقتل حبيبه."
أغمض عيناه وهنا تمنى لو يختفي العالم من حوله ويحملها بين ذراعيه لتسكين روحه بروحه. أمال برأسه وطبع قبلة على وجنتيها هامسًا.
"بحبك."
نهضت فزعة تنظر لجواد بخجل.
"هروح أشوف عاليا." قالتها وتحركت سريعا. ابتسم على فعلتها ورغم ذلك حزن داخله فاستدار لجواد.
"لو خلصت قهوتك نمشي."
أومأ وتحركوا للخارج.
بإحدى الأماكن الراقية.
كان يقف أمام المرآة يمشط خصلاته وينهي طلته المنمقة، نظر بساعته ثم حمل أشياءه وهبط للأسفل يشير للسائق يشير إليه بالتحرك.
"هيا انطلق للمشفى."
تحرك السائق متجها للوجهته. وصل بعد قليل، فترجل يعقوب من سيارته متجها للداخل حيث مكتبها، توقف يتحدث مع الممرضة.
"أريد مقابلة دكتورة كارمن الألفي."
طالعته بإنبهار للحظات، ونظرات الإعجاب تشمله. فتحدثت.
"معاها كشف هتخلص وادخل حضرتك، بس حضرتك مريض ولا إيه."
لم يجيبها واتجه للمقعد يجلس عليه بغروره يضع ساقًا فوق الأخرة، حتى انتهى الكشف بعد دقائق، نهض يغلق حلته الكلاسيكية وتحرك متجها إليها.
توقفت الممرضة أمامه.
"استني حضرتك هقولها."
ابتعدت.
"أنا سأتولى الأمر بنفسي."
حاولت توقفه ولكنه دلف ملقيا السلام.
"Good evening كوكي."
رفعت رأسها من فوق دفترها وهمست.
"يعقوب."
ابتسم متحركًا حتى توصل إليها.
"كيف حالك عزيزتي كوكي."
نهضت مبتعدة عنه بعدما وجدت قربه المهلك لروحها.
"الحمد لله."
جذب المقعد وجلس بهيبته الخاطفة للقلوب قبل الأنظار وأشار لتبغه.
"تسمحي لي جميلتي."
نهضت بسرعة من مكانها بعدما وجدته يقوم بإشعالها، وآمالت تجذبها يديه تلقيها وتلقيها. جذبها بساعديه حتى أصبحت فوق ساقيه، رفع خصلاتها يدنو من أذنها.
"اشتقت لكِ يا جميلتي."
حاولت دفعه.
"يعقوب إيه اللي بتعمله دا.. وسع كدا."
انحنى يضع رأسه بعنقها.
"استعدي زوجتي الجميلة."
نهضت من فوق ساقيه.
"زوجة مين، أنا مش موافقة يايعقوب."
نظر بساعة يديه.
"أمامك عشرة دقائق زوجتي لم تتخيلين ماذا سأفعل بكي إذا لم تحكمين عقلك."
"هتعمل إيه يعني ياباشمهندس."
توقف أمامها ومازالت ابتسامته على وجهه.
"تبدين كثمرة تفاح جميلتي. سأنتظرك بالخارج. لا تتأخرين." قالها وتحرك للخارج. نظرت لخروجه بذهول.
"ناوي على إيه يابن عمي."
ظلت لدقائق ذهابا وإيابا حتى دلفت إليها الممرضة.
"دكتورة ليه منعتي الكشوفات، وحولتيه للدكتور عمر."
جزت على أسنانها تهمس اسمه.
"يعقوب."
الصفحة التالية
الفصل الرابع والعشرون
"بالعريش وخاصة بإحدى فرق الجيش العسكرية كان يجلسون حول قائدهم يتلقون منه الأوامر العسكرية.
انتهى اللقاء بعد فترة ثم تحرك الجميع للخارج. تحرك إلى أن وصل لكريم وهو على الأرضية بجواره.
"بتعمل إيه يالا."
تسطح بجواره قائلاً.
"كنت بكلم أمي وأبويا، أمي تعبانة أوي من وقت جواز عاليا."
تذكر تلك الشرسة فلاح ابتسامة ساخرة على وجهه.
"قولها متخفش عليها. المفروض تخاف عليا أنا، والله معرفش دي اختك إزاي دي جبروت."
قهقه كريم عليه فرفع كفيه يربت على ظهره.
"دي عاليا ملاك يابني، والله اختي طيبة بس ابن الكلب دا أكيد وراه حوار."
استدار ياسين متنهداً.
"بعت وراه أجيب أصل الحكاية يا كريم، لازم أعرف الواد دا إيه حكايته."
جلس يستمع إليه باهتمام. تذكر ياسين شيئًا.
فلاش.
خرج من مرحاضه يلف خصره بمنشفة، كانت تصعد لغرفتها بخروجه من المرحاض فتصادما حتى كادت أن تسقط لولا ذراعيه التي حاوطتها.
تلاقت النظرات بحوار مكنون بالقلوب بالألم لحظات لم يعلم أي منهما لما هي الذبذبات التي تقارعت بصدروهما.
اعتدلت متراجعة للخلف.
"إيه تور متاخدش بالك ماشي تدوس على خلق الله."
جز على أسنانه واقترب منها، يجذبها من معصمها.
"انتي يابت لسانك دا إيه، نفسي تلمي نفسك وأحس إنك محترمة مرة واحدة."
دفعته بيديها.
"ابعد بتتلزق فيا كدا ليه."
لاحت ابتسامة على وجهه منعها من الظهور ثم دني منها ولف ذراعيه على جسدها.
"آه بتلزق، ماهو لقيت حاجة رخيصة قدامي ليه ماتلزقش فيها."
لكزته ببطنه.
"ابعد ياحيوا."
وضع كفيه على فمها هامسًا لها بفحيح.
"أقسم بالله لو نطقتيها تاني لأعرفك الحيوان دا هيعمل إيه."
قالها ودفعها بعيدا حتى كادت أن تسقط فأشار بسباباته.
"اسمع قلة أدب منك تاني هحولك حيوان ومفترس كمان."
أشار على نفسه.
"تحبي تجربي."
هنا فاقت على جسده العاري فاستدارت سريعا تضع كفيها على عيونها.
"قليل أدب وحيوا."
صمتت عندما استمعت لخطواته خلفها، حاولت الهروب من الغرفة إلا أنه احتجزها بذراعيه يلقيها على الفراش ويحاصرها بجسده يطالعها بغضب.
"آه بتلزق، ماهو لقيت حاجة رخيصة قدامي ليه ماتلزقش فيها."
لكزته ببطنه.
"ابعد ياحيوا."
وضع كفيه على فمها هامسًا لها بفحيح.
"أقسم بالله لو نطقتيها تاني لأعرفك الحيوان دا هيعمل إيه."
قالها ودفعها بعيدا حتى كادت أن تسقط فأشار بسباباته.
"اسمع قلة أدب منك تاني هحولك حيوان ومفترس كمان."
أشار على نفسه.
"تحبي تجربي."
هنا فاقت على جسده العاري فاستدارت سريعا تضع كفيها على عيونها.
"قليل أدب وحيوا."
صمتت عندما استمعت لخطواته خلفها، حاولت الهروب من الغرفة إلا أنه احتجزها بذراعيه يلقيها على الفراش ويحاصرها بجسده يطالعها بغضب.
"شكلك عايزة تشوفي الحيوان بجد."
انسابت عبراتها تهز رأسها بعنف.
"آسفة ياياسين والله ماهقولها تاني، إياك تقرب مني، ياسين لو سمحت ابعد ماينفعش إحنا ماتفقناش على كدا."
كانت نظراته ترسمها. شفتيها المتحركة بانفعال وخديها الذي تورّد ونيران حارقة تخرج منهما. تاه بجمال عيناها التي تشبه لون السماء. وآه من ثغرها المعقود الذي يشبه حبة الكريز. لم يشعر بنفسه وهناك ما أثر به وانحنى لثغرها لأول مرة ولكنها صرخت تدفعه بقوة.
هب فزعا متجها للداخل يصفع الباب خلفه.
فاق من شروده على حديث كريم.
"تصدقني لو قولتلك أنا مش مصدق خالد وندمت إني جوزتهالك بالطريقة دي، نفسي آخدها في حضني وأطبطب عليها."
ربت على كتفه وتوقف قائلاً.
"اختك وراها حوار يا كريم مش داخلة موضوع ابن عمها، فيه حاجة أكبر من كدا."
بتر حديثهم استدعائهم.
بمنزل جاسر.
"روح أشوف عاليا، سلملي على تقى."
توقف متجهًا إليها وابتسامة واسعة على محياه.
"هجبها وأجي في يوم كدا، ونخرج زي زمان."
ابتسمت له قائلة.
"أكيد طبعًا."
دنى ولم يفصل بينهما سوى خطوة وانحنى بجسده لطول جسده ونظر بداخل مقلتيها.
"لو جاسر زعلك أنا زي أخوكي يا جنى وعمر بابي ما يتقفل في وشك. وآسف على الليلة إياها."
طحن ضروسه ضاغطا على فكيه، ثم هب من مكانه، يسحب كفيها قائلاً.
"خليك هنا ياحنين هقول لمراتي حاجة."
تحرك متجها للداخل، دفعها بقوة.
"ممكن أعرف إيه لزوم الضحك اللي برة دا، وازاي توقفي مع جواد."
طالعته بصدمة فاقتربت منه تلكمه بصدره.
"إيه اللي بتقوله دا، انت اتجننت، ليك عين أصلا تتكلم."
جذبت ياقة قميصه ورفعت نفسها تهمس له بجوار أذنه.
"إحنا انتهينا ياخاين."
قالتها وتحركت للخارج إلا أنه جذبها بعنف يحجزها بالجدار.
"اسمعيني لأخر مرة يا جنى مش هكرر كلامي."
لكزها بإصبعه برأسها.
"حطي دي في ودانك.. انتي هتفضلي مراتي لأخر يوم في عمري."
انحنى وطبق على ثغرها بقوة آلامتها ثم تراجع.
"متنسيش وعدك يا جنونة قلبي. من وعد أخلف دا في الدرك الأسفل ياحبيبة جاسر، يرضيكي يا جنجون أروح الجنة من غيرك وأتجوز واحدة غيرك ياروحي."
طالعته بأعين زائغة تهمس له.
"إنت بتقول إيه."
"جاسر ابعد لو سمحت."
اقترب أكثر حتى التصق بجسدها غامزًا لها.
"قصدك ابعد كدا ياروحي."
ابتسمت على أفعاله الصبيانية فرفعت كفيها تجذبه من ياقته.
"إنت بتعمل كدا ليه ياروحي، الموضوع خلص، إحنا نشوف عمو جواد هيحكم بإيه. لما أصر إني أخلعك ياحبيبي."
شبت على أصابع قدمها قائلة.
"ماهي مامتك عملتها قبل كدا ليه أنا ما أعملهاش كمان."
دنت من شفتيه.
"هخلعك يا جاسر، سمعتني هخلعك."
توسعت عيناه من كلماتها وكأن كلماتها نزلت فوق رأسه كمطرقة ثقيلة اخترقت عظامه. فتراجع بجسده بعيدًا عنها وبأنفاس بدأت في التسارع يوالييها ظهره. انتفض قلبها بألمًا على مظهره، ودت لو هرولت تختفي بأحضانه ولكن كيف بعدما فعل بها ما فعله. نظرت لكفيه الذي يكورهما بغضب يكاد أن يمزق أوردته. ظل دقائق يسحب أنفاسًا ويطردها بهدوء.
"طلاق مش هطلق، ولو بنت صهيب اعملي اللي قولتي عليه، واعرفي من اللحظة دي إنك كسرتي قلبي، واعمليها يابنت صهيب وشوفي هعمل فيكِ إيه."
"خروج من البيت مفيش، شغلك ممنوعة منه، وجهزي نفسك من بكرة هننقل بيت تاني، وهعرفك إزاي توقفي قدامي وتقولي هخلعك، حبيت أه، عشقتك أه، موت فيكي أه. بس عند رجولتي أدوس عليكي يابنت عمي، وأطلع قلبي من صدري وأدوس عليه، ورغم كدا برضو هتقعدي معايا حتى لو غصب عنك زي ما بتحاولي تبيني كدا. مش عايزك تختلطي بجواد. ودا أمر."
قالها توجه للخارج دون أن يستدير إليها.
تحركت خلفه ولكن توقفت متراجعة وعقلها يصفعها بقوة على ما قاله لها.
بعد قليل وصل إلى مكان يتجمع به الخارجون عن القانون. انتشر بقواته حتى حاصرهم من جهة وجواد من جهة أخرى حتى تم الإمساك بالجميع.
وصل لمركز الشرطة وولج لمكتب باسم بناءً على طلبه.
"حضرتك طلبتني يافندم."
توقف باسم متجها إليه.
"حمدالله على السلامة، ومبروك ياحبيبي."
أومأ له قائلاً.
"شكرا لحضرتك يافندم."
آلامه قلبه من حديثه فاقترب يحتضنه من أكتافه.
"بقيت حضرتك يا جاسر."
استدار متحركًا لمكتبه وجلس عليه يسحب نفسًا ثم تحدث.
"باباك جالي وقالي على اللي حصل."
رفع نظره لباسم.
"الكلام مابقاش له أهمية، لو تسمحلي تعبان ولازم أروح لو مفيش أوامر تانية."
أشار له بيديه للخروج بعدما علم أن الحديث حاليا لا يجدي أهمية.
الصفحة التالية
الفصل الرابع والعشرون
استقل سيارته متجها للمشفى. ولج للداخل بعدما أذن له يونس.
توقف يونس يستقبله.
"مصدقتش لما قالت إنك برة."
ابتسم له يحيه.
"عامل إيه يادكتور."
جلس يونس وأجابه.
"الحمد لله. أخبار مدام جنى إيه دلوقتي، بقالها شهر مش كدا."
أومأ برأسه ثم استند على مكتبه قائلاً.
"يونس."
أومأ منتظر حديثها.
"ايه رأيك في التحاليل والأشاعات اللي بعتها."
تراجع يونس قائلاً.
"مش هخبي عليك يا جاسر، لازم مرحلة علاج علشان الموضوع مايتكررش، بس دا مش معناه إنه مرض. إن شاء الله هكتبلها على علاج فترة وكله هيكون تمام."
نقر جاسر على المكتب فتسائل.
"هو فيه دوا يوقف حمل بعد علاقة حصلت."
ضيق يونس عيناه متسائلاً.
"تقصد إيه؟!"
حمحم جاسر قائلاً.
"عايز دوا يايونس يمنع حمل، يعني مثلا لو حصل علاقة ومأخدتش مانع حمل، فهمت قصدي."
هز رأسه متفاهمًا.
"طبعا فهمت رأيك، بس دا مبيكونش تأكيد. ممكن تكون البويضة اتلقحت بالفعل، والعلاج يعمل تشوه."
قاطعه جاسر.
"عايز حاجة تمنع دا."
صمت يونس لفترة ثم أردف.
"تمام. بس زي ما قولتلك ممكن متكونش ضامن."
مسح على وجهه يرجع خصلاته للخلف قائلاً.
"شوفلي حاجة موثوق فيها الأول."
ثم طالعه وأردف.
"وعايز حاجة تمنع الحمل للأبد، يعني ماينفعش تحمل بعد كدا."
ذهل يونس ينظر إليه بصدمة.
"بتقول إيه.. ليه؟!"
بمنزل جاسر.
انتهت من ارتداء ثيابها واتجهت للأسفل. قابلتها عاليا.
"إنتِ خارجة."
أومأت لها قائلة.
"مشوار نص ساعة وراجعة بإذن الله."
"سلام علشان متأخرش."
❈-❈-❈
وصلت بعد قليل لمنزل فيروز. سحبت نفسًا وصعدت للأعلى قابلها أحد الضباط.
"حضرتك محتاجة حاجة يافندم."
نظرت إليه متسائلة.
"إنت مالك، أنا طالعة لشقة مدام فيروز."
توقف أمامها قائلاً.
"ممنوع يافندم."
أشارت بسبباتها.
"لو مامتحركش من قدامي هتصل بالشرطة، قول للي موقفك هنا أوامره متمشيش عليا."
قالتها وتحركت للأعلى.
رفع هاتفه وقام بالاتصال بجواد.
كان يجلس بجوار صهيب بغرفة العناية، ينتظر إفاقته، تحرك للخارج بعدما استمع لرنين هاتفه.
"أيوة يابني."
"مدام جنى جت هنا ياباشا وطلعت لمدام فيروز."
اتسعت حدقتيه يسب جاسر بداخله ثم أردف.
"اطلع وراها متسبهاش لوحدها."
قالها وأغلق.
"حمار يا جاسر حمار. ياترى ناوية على إيه يابنت صهيب."
بالأعلى فتحت فيروز تنظر إليها بصدمة.
دفعتها جنى وولجت للداخل.
"هتفضلي تبحلقي كدا، وسعي وبعدين اتصدمي بعدين."
تحركت فيروز خلفها وابتسامة ماكرة تجلت بملامحها قائلة.
"شكل جاسر قالك اللي حصل بينا، بس ياترى قالك كدا ندمان ولا خاف إنك تعرفي مني مثلا."
جلست تضع ساقًا فوق الأخرى تطالعها باشمئزاز.
"لا ياروحي قال إنه ندمان وعايز يروح يحج علشان ربنا يسامحه على المصيبة اللي عاملها، ماهو اللي يتجوز شيطانة زيك لازم يحج سبع مرات يشيل ذنوبه."
رغم كلماتها التي أحرقته إلا أنها ضحكت بصخب تصفع كفيها.
"مين اللي قالك كدا يا جنجون، مش يمكن هو كان عاجبه الموضوع وعمل حوار تأنيب ضمير مش أكتر."
دنت تنحني لها هامسة.
"قولتلك قبل كدا، جاسر دا ملكي أنا وحبيبي أنا ومستحيل أتنازل عليه وهو كمان بيحن متقوليش لا، وتقنعي نفسك بكدا."
جلست تضع ساقًا فوق الأخرى مثلها بقميصها القصير حتى ظهر جسدها أمام جنى التي طالعتها باشمئزاز وهتفت.
"جنجون أنا وجاسر بينا كيميا حبيبتي متقدريش تفهميها."
تراجعت واستأنفت وهي تغرز عيناها بمقلتيها.
"يعني زي ما أنا محتاجة هو بيحتاجني ممكن ملقاش عندك اللي عندي، وخصوصا اللي زي جاسر دا أفهمه من نظرة عينيه. ولو بيحبك زي ما بتوهمي نفسك مكنش بات في حضني امبارح وعيشني ليلة ألف وليلة كأنه كان محروم."
ارتعش داخلها من كلماتها التي شقت صدرها. نهضت من مكانها واقتربت منها ونظرات نارية ودت لو خرجت من عيناها لتحرقها فهتفت محذرة إياها.
"اسمعيني ياسلطعون البحر، أنا مجنونة وبشهادة أطباء مصر كلها هتقربي من جوزي هشربك سم فئران. وحياة جاسر عندي مستعدة أقتل... ومخدش يوم واحد فيكي."
جذبتها من خصلاتها حول معصمها وجذبتها تهمس لها.
"جاسر مش جوزي بس، دا كل حاجة حلوة ومرة في حياتي، فهو لو كان غلط واتجوزك، اهو صحح الغلط، أما تحاولي تقربي بقذارتك وتعملي شو هحرقك أقسم بالله أموتك وما يرفليش جفن."
جذبتها من خصلاتها بقوة حتى صرخت فيروز. تتحرك بها ببهو الشقة، لتصل لغرفتها، دفعتها بقوة حينما توقفت تنظر لفراشها، وتخيلات تضرب عقلها لينشق قلبها ويدمي بصمت دون نزيف. نظرت فيروز لنظراتها وهتفت مستشفية للحزن الذي تجلى بملامحها.
"هنا امبارح كان معركة يا جنجون كان نفسي أصورهالك، بس مخبيش عليكي الحاجات دي أخدت عليها من جاسر."
كتمت صرخاتها بداخلها ورسمت ابتسامة قائلة.
"أيوة ما أنا عارفة ياروحي، علشان كدا جاية أحرق أي حاجة جوزي يلمسها بعيد عن حضني."
لم تستوعب فيروز ما قالته سوى بعد خروج جنى لزجاجة من حقيبتها واقتربت من الفراش تسكبها. صرخت فيروز متجهة إليها لكي تمنعها.
أشارت لها.
"هتقربي هدلوقها عليكي، وحياة جاسر عندي أقلبها عليكي وأولع فيكي ومتهزنيش شعرة."
ابتسامة واسعة وأشارت على نفسها.
"مش قولتلك مجنونة."
سكبت الزجاجة بالكامل وهي تستمع لطرقات بالخارج.
"عارفة لو حاولت تفتحي الباب هحبسك في الأوضة قبل ما توصلي للباب."
أخرجت القداحة وبدون تفكير ألقتها على الفراش حتى اشتعلت النيران بالفراش بالكامل. هنا انسابت عبراتها وهوت بمكانها ترتفع شهقاتها بخروج فيروز كالمجنونة لباب شقتها تفتحه ولكنها توقفت مستمرة عندما وجدته يقف بطوله المهيب أمامها.
"فيه إيه مالك."
أشار عليها.
"مش هتسيبك من القرف دا وتخرجي بقمصان النوم."
استمع لطرقات على باب الغرفة فتسائل.
"مين جوا."
أشم لرائحة الحريق.
"إيه النار دي."
أشارت تبكي وجسدها يرتجف.
"جنى حبست الراجل اللي كان بيحرسني، ودخلت ولعت في الأوضة جوا."
" انعقد لسانه وانحشر الكلام بحلقه، ناهيك عن نفسه الذي انحبس بصدره ونبضاته تتسارع، وكأنه أصيب بجلطة شلت أعضائه ولم يستطع التحرك. ارتجفت خلاياه بالكامل وعيناه على الغرفة التي ملأت بالدخان. تحرك بخطى متعثرة رغم خطاه الواسعة الا أنه شعر بطول المكان. تحرك للداخل وقف مصدوما وهو يراها تجلس بمنتصف النيران وعيناها تسكب الدمع بالدمع. هرول إليها يحملها ويخرج بها رفعت نظرها وعيناها الدامية إليه وهمست له.
"هنا دبحتني يا جاسر."
يتبع...
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سيلا وليد
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سيلا وليد
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سيلا وليد
تراجعت وهي تجذب حجابها متجهة للمرآة.
"استعد ياحبيبي، بدل مفيش حفلة نخرج شوية على الشاطئ، اهو كفاية حرمتني من عمرو دياب."
جذب بالطوها وجمع أشيائها.
"يارب تسكتي علشان تروحي بعقلك يابنت عمي."
ابتسمت، ترمقه من خلال المرآة.
"على فكرة بحبه وانت عارف."
"لا مش عارف، وبلاش تستفزيني. وحياتك كنت ناوي اخليكي تحضري له حفلة في القاهرة بس انسي."
"جسور حبيبي مهونش عليه."
"لا تهوني ياقلبي، ياله." قالها بعدما جمع أشيائه.
انتهت، ثم اتجهت تقف بجواره. يضع بالطوها فوق أكتافها.
"البسي ياقلبي بدل ماتاخدي برد وتبقى إجازة منحوسة."
بغرفة عز.
كان يلاعب طفله وهو يضم إحدى أصابعه بكفيه.
"أيهم حبيب بابي مؤدب وهيفضل مع النانا لحد مابابي ومامي يرجعوا."
رفع الطفل ساقيه بالهواء وارتفع بكائه.
ضحك عليه بصوت مرتفع حتى وصلت ربى إليهما.
"عملت ايه في الواد ياعز؟"
حملته تضمه تمسد على رأسه.
"باااااس حبيب قلب مامي، بابي وحش متسمعش كلامه."
اقترب منها مضيقًا عيناه.
"مين دا يابت اللي وحش؟ والله اخدك انتِ والبورص دا احطكم طعم للسمك."
ضمته لأحضانها وهي تضحك عليها.
"مالك بس يازيزو، دا حتى ابنك شبهك نرفوز."
جذبها بقوة حتى أصبحت بأحضانه، ينادي على مربيته.
"خدي أيهم سكتيه."
حملته من أيدي ربى المحاصرة بذراعها.
استدارت له بعدما خرجت المربية.
"ايه اللي عملته دا، الواد عايزني، ولازم يرضع."
كان يطالعها بصمت. حاولت أن تبتعد عنه إلا أنه شدد من احتضانها.
"أنا جايبك هنا علشان نتفسح ونقضي يومين حلوين، مش علشان البورص اللي جوا. مربيتي معاك، وبعدين أنتِ لسه مرضعاه، هو الواد دا مفجوع، ولا غيران مني؟"
ضربت كفيها ببعضهما تضحك بصوت مرتفع. آثر قلبه فانحنى يهمس لها بعض الكلمات لتستدير إليه تعانقه وترسمه برماديتها بعشق.
"وأنا كمان بحبك قوي ياعز، وحياتي مالهاش معنى من غيرك."
غمز بعيناه قائلا بهمس أمام وجهها.
"مشفتش الحب دا ليه ياقلب عز؟"
بغرفة ياسين قبل قليل.
ولج للغرفة وجدها تجلس تنظر للبحر بملامح حزينة، وعيناها تزرف الدموع بصمت. آلامه قلبه على حالتها فاقترب حتى توقف خلفها. شعرت به فاعتدلت بجلستها دون حديث. جذب المقعد واتجه يجلس بجوارها.
"آسف." قالها بصوته الرزين، ثم سحب نفسًا وأكمل.
"أنا ماليش حق أسألك، عارف جوازنا مجرد وقت، بس اتضايقت قوي. أنتِ المفروض شايلة اسمي، كنت أتمنى تحترميني شوية، لكن غلطت للأسف. كريم كان دايمًا يحكي عليكي ويقول فيكي أشعار."
رفع عيناه يطالعها للحظات ثم استأنف.
"تعرفي كان نفسي أشوف البنت اللي رسمتها في خيالي من كلماته، لكن صدمتيني يوم فرحك، غير أفعالك اللي أكدتلي أن البنات مالهمش أمان، وأو بالأصح مفيش حب صادق. بعتذر مرة تانية، بس رجاءً خليكي محترمة الراجل اللي شايلة اسمه." قالها وتوقف.
أمسكت كفيه ورفعت نظرها إليه وهتفت.
"الموضوع مش زي ما أنت متخيل، أنا عملت حاجة كبيرة غلط وصححتها، وخالد لما عرف اتجنن وكان جاي وهددني لو مخرجتلوش هيدخل الفرح ويفضحني قدام العيلة. خوفت عليك انت مالكش دخل أن سمعتك وسط الناس الكتيرة دي تبقى وحشة، خرجت وهددته وعرفته أنك عارف كل حاجة علشان كدا مشي."
نظر لكفيها الممسوك بكفيه ثم نظر إليها.
"عاليا، إيه اللي بينك وبين ابن عمك؟"
تركت كفيه ونظرت للخارج قائلة.
"اللي يخصك عرفته ياياسين، ليك تحاسبني وأنا على ذمتك ودلوقتي قولتلك هو كان جاي ليه."
أومأ برأسه وتحرك دون حديث متجهًا للداخل بصعوبة حتى لا يضغط على عنقها، ولم يتركها سوى بلفظها لأنفاسها الأخيرة.
عند جاسر بالأسفل.
كان يتوسد ساقيها على شاطئ البحر يحتضن كفيها.
"جاسر، ناوي على إيه مع فيروز؟"
أغمض عيناه يطبق عليها بقوة ثم هتف.
"حبيبي ممكن منتكلمش في الموضوع دا، إحنا جايين ننسى كل حاجة."
خللت أناملها بخصلاته.
"فاهمة ياجاسر، بس بابا حاسس إن فيه حاجة، وخايفة يعرف قبل ميعاد التحليل، مش عارفه وقتها ممكن يعمل إيه."
التزم الصمت لبعض الوقت بملامح متصلبة، ثم اعتدل يجذب سجائره وبدأ ينفثها بشراسة. لم ينطق، ولكن نظراته الخرساء إليها زلزلت كيانها. شعر بها فجذب رأسها يلثم جبينها، يحاوطها بذراعه حتى أجلسها بأحضانه.
"عايزك تتأكدي من حاجة مهمة قوي."
تراجعت برأسها على صدره تستمع إليه بعناية. فك وشاحها من حول عنقها ورفعه لأنفه يستنشقه ثم ردد بنبرة متحشرجة حزينة.
"عارفة ريحتك دي، مستعد أدخل جوا نيران حروب علشانها. تأكدي مهما يحصل سواء مني أو من فيروز أو من عمي، أو من الدنيا كلها.. إنك أغلى من روحي، ومحدش يقدر يعمل حاجة فيهم علشان يبعدك عني، بس وقت ما أنا اللي أبعدك اعرفي إني مت ياجنى."
استدارت إليه سريعا تضع كفها على شفتيه.
"اسكت.. مش عايزة أسمع حاجة، إيه اللي بتقوله دا؟"
ابتسم بوجع فتساءل.
"طب اختاري موتي ولا بعدك عني يامهلكة جاسر؟"
انسابت عبراتها تهز رأسها ثم احتضنته.
"ليه ياجاسر، ليه تعمل فيا، عايز توجعني وخلاص.. انسى كاني مقولتش حاجة."
احتضن وجهها وعانق عيناها يهاتفها مترجيا.
"وأنا بقولك علشان خاطر جاسر عندك لازم تختاري، وقبل ماتختاري اعرفي اختيارك دا بعده حاجات كتيرة."
شهقت تضع رأسها بأحضانه تبكي بنشيج.
"الاتنين واحد ياجاسر."
ضمها بقوة يضع رأسها بخصلاتها.
"لا حبيبي الاتنين مش واحد. يالة ياجنى اختاري."
حاولت أن تخرج من أحضانه إلا أنه عصرها كالتحام اللحم للعظم.
"مش هسيبك غير لما تختاري."
لكمته بقبضتها بقوة على ظهره وصرخت به حتى استمع إليها عز وربى المقتربين منهما.
"هبعد.. هبعد، لا موت لا... كفاية وجودك حتى لو من بعيد." قالتها ببكاء مرير.
وصل عز متلهف ينظر إليهما بدقات عنيفة من بكائها.
هنا نهض وحملها غامزًا لعز.
"مالك يالا اختك بتدلع عليا، وأنا كمان عايز أدلع." قالها وتحرك وهو يحملها متجهًا للشاليه الخاص بهم.
توقف يشير لروبى بذهول.
"شفتي أخوكي البارد، يخربيته مستفز، هو عمل إيه ولا قال للبت إيه خلاها تنهار كدا."
قهقهت ربى تضرب كفيها ببعضهما.
"ماتيجي نعمل زيهم ياأبو أيهم."
دنى منها وفجأة حملها بين ذراعيه متجها بها للبحر.
"أنا هوديكي للحوت الأزرق ياكلك ياحبي."
ضحكت كالأطفال متجهين لذاك الذورق الصغير للتجول بالبحر.
مرت عدة أيام فيها البعض ينثر السعادة الروحانية بحياته، والآخر يعض ندما على ما تفوه وما صار له من أحداث.
عاد الجميع إلى منازلهم.
ترجل ياسين من سيارته يبسط كفيه إليها ورسم ابتسامة أمام الجميع. قابله جواد بالأحتضان.
"مبروك ياوحش، يارب أسمع خبر حلو بعد كام شهر." قالها جواد وهو يغمز لأبنه أمام الجميع.
توردت وجنتيها عندما وجدت أنظار الجميع عليهما، فيما انحنى جواد يهمس له.
"عارف البت لو اشتكت منك هعجنك في بعضك كدا، اتلم سمعتني. أخبارك كلها عندي، وقول للخايب اللي بيراقب ابن عمها يعرف."
رفع نظره لوالده ثم اتجه لوالدته التي ضمته بحنان أموي.
"ألف مبروك ياحبيبي بالرفاء والبنين إن شاء الله."
هز رأسه ثم ابتسم لياسمينا التي هتفت.
"مبروك يا حضرة الظابط، عقبال لما نفرح بظابط صغنن."
ضحك الجميع. سأله جواد.
"جاسر فين؟"
بسط كفيه لعاليا وهو يهتف.
"راح بيته، بيقول مش هيرجع هنا دلوقتي."
جز جواد على أسنانه ينظر لغزل بغضب.
"شوفتي عمايل ابنك، دا قالي هيرجع على هنا."
سحبت ذراعيه ودلفت للداخل.
"سيبه براحته واهدى ابنك زيك بلاش تحسسني أنه ابن البطة السودا."
توقف ينظر إليها مذهولا.
"الواد دا شبهي ياغزل، دا أفشل عيالك."
لكمته بصدره تضحك.
"متقولش أفشل بس ياجواد، دا علشان حنين وطيب، هو الطيب في الزمن دا فاشل."
اتجهت بنظرها لياسين الذي يصعد بجوار عاليا بصمت.
"شوف سيدي الرجال، اللي عملي سبع اللي."
اقتربت منه.
"جواد البنت شكلها مريح قوي، حاول تقعد معاه وتفهمه. أنا سمعته مرة بيشتمها وحش قوي بس محبتش أدخل، علشان خاطري حاول تفهمها."
استمع لسيارة جواد حازم بالخارج. تركها متجهًا إليه.
"جواد!!"
توقف ثم استدار إليه. نزع نظارته ثم توقف أمامه.
"نعم ياخالو."
سحبه من كفيه ثم تحرك لمكتبه.
"تعالى عايزك في موضوع مهم."
بمنزل جاسر.
توقفت السيارة بحديقة المنزل. كانت تغفو على كتفه. فتح باب السيارة بهدوء يحملها، ثم اتجه للداخل بعدما تحدث للسائق.
"روح لبابا زمانه محتاجك، وابعتله سلامي."
توقف الرجل.
"حضرتك مش هتروح حي الألفي ياباشا."
هز رأسه بالنفي وتحرك وهو يحمل جنى. استمع لصرخات فيروز.
"حمدالله على السلامة ياحضرة الظابط."
رمقها مستخفًا. تحركت خلفه كالمجنونة تطالع جنى بنظرات نارية. توقف بعدما وصل لباب المنزل واتجه بنظره.
"رجلك هتخطى لداخل البيت دا هكسرلهالك، إياكي تستهوني بكلامي." قالها واستدار ثم صاح.
"مكانك برة مش هنا."
فتحت جنى عيناها تنظر حولها، وإلى أحضانه. تملصت من بين ذراعيه.
"جاسر نزلني، شايلني ليه."
نزلت وهي تحاوط عنقه تستند عليه.
"وصلنا."
ابتسم ثم انحنى يلثم وجنتيها.
"لا لسة.. إحنا هناك."
لكمته بقبضتها الصغيرة.
"بس يارخم."
حاوط خصرها وصعد للأعلى وهو يحادث منيرة.
"منيرة جهزي حاجة خفيفة لمدام جنى وطلعيها فوق."
بعد شهر، وخاصة بشركة الألفي.
الاجتماع العائلي.
جلس أمام راكان وتحدث بعض الوقت.
ثم سحب نفسًا مكملا.
"أنا لازم أعمل التحاليل دي في مستشفى البنداري لسببين، أولا ممكن يكونوا عاملين حسابهم في مستشفى الألفي ومعرفش إيدهم واصلة لفين، ثانيا علشان التحاليل دي توصل ليونس بسلام حتى لو هم وصلوا لحد يبقى فيه عينة تانية مع يونس. مقدرش أخاطر بحد عندنا، ومقدرش أحكي حاجة لماما، حتى لو حكيت لماما تاخد بالها. أولا أمي مابقتش بتروح المستشفى زي الأول، ثانيا ممكن زي ما قولتلك أنهم يكونوا واصلين لحد، ماهو اللي يخطط لكدا يعمل أي حاجة."
أومأ راكان يحك ذقنه ثم تساءل.
"الفلاشة فين؟"
أشار لنفسه قائلاً.
"معايا، وهبعتلك منها نسخة والتانية لابويا. أنا معرفش ناويين على إيه."
استند راكان على المكتب يطرق بأنامله على سطح المكتب.
"طب اسمعني كويس، وافهم هقولك إيه، بدل جابوا سيرتي وعرفوا طريق مراتي، يبقى خلينا نلعب زيهم. آه هما مبيضين ورقهم بالكامل، بس دايما اللص بينسى حاجة وبيوقع بالغلط حتى لو بسيط. أنا محتاج فيروز ياجاسر، مش عايز أحرق كرتها دلوقتي، وزي ما أنت مخطط بالظبط، هنوهمها باللي عايزين يوصلوا لها الشحنة دي جاية بمكانك. تمام قوي دا في مصلحتنا، بس الأخطر أنهم يخترقوا بيتك أو بيتي، يبقى لازم نسبقهم بخطوة. عارف اللي هطلبه صعب بس لازم منه."
أشار بيديه وتحدث مؤكدا.
"حماية مراتك دي أول حاجة تحطها في اعتبارك وزي ما حضرة اللوا قالك افصل الخاص عن العمل، فيروز لازم تقتنع إنك مصدق الواد ابنك، وإن شاء الله مش هيكون ابنك، دا في حالة واحدة أنها هتعرف جنى."
تراجع جاسر بجسده واشعل سيجاره.
"جنى عارفة كل حاجة ياراكان."
جحظت أعين راكان مرددًا.
"يخربيتك إزاي تقولها حاجة زي كدا، ودي متقبلة عادي كدا."
نفث دخانه محترقًا برمادها ثم شرد قائلا.
"سيبك من حياتي الخاصة وعايز منك خدمة مهمة. أولا مينفعش أظهر يونس في الموضوع، خليه مفاجأة، ثانيا لازم تشوفلي طريقة أدخل عشهم. فكر بحاجة بس إياك بابا يعرف."
قهقه راكان بصوت مرتفع.
"إنت حمار يابني، أبوك دلوقتي عارف إنك قاعد معايا وبتتفق كمان."
ابتسم رغمًا عنه يتلاعب بسيجاره.
"أيوة فعلا إزاي نسيت جواد الألفي."
توقف راكان قائلا.
"احمد ربنا أنت عندك نعمة أب فيه بيحسدك عليه."
توسعت ابتسامته يتذكر حديث والده.
"أكيد، وخاصة لو واحد زي جواد الألفي."
جذبه يجلسه مرة أخرى ثم قام بفتح جهازه وأشار إليه.
"شوف كدا."
نظر راكان بشاشته. مط شفتيه يهز رأسه.
"مُصر!!"
أومأ له وأجابه.
"جدا.. جدا!! بس دا خطر جدا ياجاسر!!"
تراجع يتكأ بجسده ينظر إليه.
"مش خطر ولا حاجة ياراكان بس عايز تخطيط صح."
حك راكان ذقنه ثم تساءل.
"حضرة اللوا ميعرفش أكيد."
نهض متجهًا للمبرد وجلب قنينة مياه متجهًا إليه.
"أجبلك تشكوليت."
جحظت أعين راكان فنهض من مكانه متجها للخارج.
"هي اعرف ياجاسر وحياتك عندي، وزي ماقولتلك هو عارف دلوقتي كل حاجة."
"أنا بوصله اللي عايز يعرفه."
"اممم.. بس أكيد لازم يعرف."
تحرك متجهًا إليه يقهقه.
"مش هتعملها ياراكان مش من قيمك صح يابن البنداري."
خرج راكان يغلق الباب خلفه بعنف يسبه، فتحدث قائلاً.
"خلعت الباب ياحضرة المستشار ودا عهدة ابن الألفي."
فتح راكان الباب يرمقه بسخرية.
"ليه مش دي شركتكم يالا خليتها عهدة."
قهقه بصوت مرتفع بدخول عز ملقيا السلام.
"خير يابن عمي اتجننت ولا إيه."
جز راكان على أسنانه قائلاً.
"لا دا من نومه بين نسوانه الاتنين اتجنن."
توقف جاسر يرمقه بنظرات نارية، فيما نظر عز مستفهما.
"يعني إيه!!"
تلاعب بحاجبه يشير لعز.
"إلبس يامعلم، وجاوب." قالها وتحرك ملوح بيديه.
أشار جاسر لعز.
"تعالى هاتلي الورق اللي محتاج توقيع عندي شغل."
اقترب عز منه يدقق النظر بعينيه متسائلاً.
"راكان يقصد إيه؟"
رجع خصلاته للخلف وهز رأسه للأعلى.
"دا موضوع بعدين أحكيلك."
مرت عدة أيام أخر وتم أخذ عينة لتحليل الحمل DAN.
خرج من مشفى البنداري ونظراته على الطريق من مراقبته ثم توقف أمامها.
"دلوقتي هترجعي على بيتك لحد ما نتيجة التحليل تظهر."
مرت أيامًا أخرى إلى أن جاء موعد النتيجة.
تحرك بجوارها لداخل المشفى، دلف لأخذ النتيجة بجوارها. توقفت تعقد ذراعها.
"إيه ياحضرة الظابط، صدقتني؟"
اقترب يضغط على ذراعها.
"إنتِ أحقر بني آدمة قبلتها في حياتي."
"حقيرة." قالها بصفعة على وجهها حتى توقفت الممرضات يطالعونهم.
جذبها يجرها خلفه، حتى وصل بها للخارج.
"دلوقتي مش عايز أشوف وشك، تروحي شقتك لحد ما تولدي وعيني عليكي." قالها واتجه لسيارته وانفاسه مضطربة، ثم رفع هاتفه.
"إيه يايونس..."
"نفس النتيجة."
تراجع بجسده يستمع إليه بإهتمام ثم قام بتشغيل المحرك وهو يهاتف راكان.
"كل حاجة حصلت زي ما توقعت بالظبط. جهز نفسك للخطوة التانية."
على الجانب الآخر.
"أنا مش موافق ياجاسر، ورأيي زي ماحضرة اللوا قال."
"راكان أنت متقوليش أعمل إيه، دي قضيتي وأنا حر، وزي ماسيادة العقيد حط ثقته فيا يبقى محدش له يمنعني."
عند فيروز.
ترجلت من سيارتها أمام منزل صهيب، وخطت بخطوات واثقة، ثم ألقت ورق التحليل أمامه.
"دا إثبات أن بنتك ما هي إلا مرحلة في حياة ابن أخوك."
جلست تضع ساقًا فوق الأخرى وتحدثت.
"لو بيحبها مش هيجي يقضي عندي ليالي صح ياباشمهندس، قولتلك قبل كدا، هو مع جنى علشان لقاها ميتة فيه وكمان جوازة جاتله لحد عنده ومفيش مانع يقضي وقت حلو. أقنعت نفسك أنه بيحبها."
"خلصتي كلامك." أشار للباب ثم هتف.
"اطلعي برة بيتي."
نهضت من مكانها.
"بنتك هتفضل رخيصة عارف ليه لأنها قبلت تخطف راجل من مراته، ومش بس كدا، حاولت تولع فيا، لما عرفت أنه بيروحلي، اتجننت ياحرام لما اكتشفت أنه مبيحبهاش."
نزلت بجسدها تنظر بمقلتيه.
"الحق مش عليها، الحق عليك لأنك عارف أن بنتك مريضة بحب جاسر، وخليتها عنده يتذلل بحبها."
وضعت كفيها على أحشائها.
"أنا دلوقتي حامل ياحضرة المهندس العظيم، ومن حق ابني أنه يعيش في حضن أبوه، فيا ريت تخلي عندك كرامة وتبعد عن جوزي، أكيد بعد قربه مني من غير عقد بينا تعرف قد إيه هو بيحبني، دا حتى مهموش حلال وحرام."
وضعت التحاليل.
"اتأكد بنفسك، دي عينة من حملي، وابن أخوك عندك، لف معامل مصر كلها ولو عايز برة معنديش مشكلة."
"تشاو ياحضرة الدكتور العظيم، بس مش عيب تبقى نفساني وسايب بنتك مريضة، هو باب النجار مخلع." قالتها بضحكة صاخبة ثم تحركت بخطوات واثقة مثلما دخلت.
ارتفعت أنفاسه يهز رأسه.
"مستحيل جاسر يعمل كدا، لا.. لا مستحيل."
امسك الورق يعيده للمرة المليون. شعر بنغزة بصدره وانسابت عبراته.
"ليه يابني كدا، أنا مكسور من غير حاجة."
امسك هاتفه وقام مهاتفة جواد.
"ابنك عمل علاقة في الحرام مع فيروز ياجواد."
ذهب فزعًا من نبرة صوته فتساءل.
"إنت فين يا صهيب."
فتح صهيب زر قميصه عندما شعر بإختناقه، وانسابت عبراته.
"ابنك خان بنتي ياجواد، دبحتو البت ياجواد."
تحرك جواد سريعا للخارج.
"صهيب اسمعني لو سمحت، أنت فاهم غلط."
"ابنك دبح بنتي وموت عمه ياجواد." قالها وأغلق الهاتف.
رفع جواد هاتفه ليحاكيه عدة مرات ولكن دون جدوى، أسرع بسيارته متجهًا إليه يهاتف جاسر الذي كان بإجتماع مغلق.
تحدث باسم يشير لبعض المناطق المفترض يتم تسليم بها شحنة السموم.
"هنا هتتحرك مع فريقك، ومن الناحية التانية جواد، مش عايز حد يعرف انتوا رايحين فين. ممنوع أخبار تتسرب."
"كل واحد فيكم يشوف هيعمل إيه علشان يوصل لمكانه دون خسارة في الأرواح. جالي خبرية أن فيه شحنة هيروين مع إحدى سيدات أصحاب البيوتي سنتر، داخلة على شكل مكياجات. جواد عيونك مصحصحة في المطار، مع فريقك." ثم أشار لجاسر.
"ركز في الطرق الصحراوية تفتيش أي عربية وركز في عربيات الخضار والأطعمة سامعني ياجاسر."
"تمام يافندم، إن شاء الله هتكون قد المسؤلية."
أشار لهم بالخروج.
"واثق فيكم أبطالي، ومتأكد أنكم هتوصلوا."
بعد فترة.
وصلت جنى إلى منزل والدها وأنياب الألم تنهش بها كحيوان مفترس ينهش بفريسته. توقفت السيارة أمام المنزل الجديد الذي ابتاعه والدها منذ فترة.
استدار عز إليها ثم قام بفتح الباب بهدوء ينظر لوالده بأسى على وضعها.
امسك كفيها يساندها بذراعها. ترجلت من السيارة تخطو معه كالذي فقد الحياة لا يشعر بشيء.
قابلتهما نهى على باب المنزل. توسعت عيناها من حالة ابنتها.
"مالها اختك ياعز؟!" ثم التفتت خلفها تبحث عن زوجها متسائلة.
"فين جاسر؟!"
كأن اسمه أعادها مرة أخرى لأرض الواقع، فنظرت لوالدتها بنظرات متألمة ضائعة كحالها الآن. همست لها.
"ماما خديني في حضنك." قالتها ببكاء.
هزت نهى رأسها مذهولة تفتح ذراعيها وتوزع نظراتها بين صهيب الذي ألقى نفسه على أول مقعد قابله.
بكت بنشيج مردفة من بين بكائها.
"سحبوا روحي ياماما، بابا وفيروز موتوا بنتك."
زوت مابين حاجبيها غير مدركة حديث ابنتها. ضمتها تجذبها متجهة للأعلى بعدما وجدت جلوس عز بصفو حزينًا يضع رأسه بين راحتيه منحني بنظراته للأسفل.
قطع حزنه صهيب عندما أردف.
"من بكرة تشوف محامي يرفع لأختك قضية طلاق، أنا متأكد جاسر مستحيل يطلقها، هو حب يريحني مش أكتر، وكام يوم هينط ويقول مراتي."
اعتدل بجسده ينظر لوالده بذهول ثم تمتم بعدم رضا لما يعلمه من عشقهما قائلاً.
"إيه اللي حضرتك بتقوله دا يابابا، مستحيل طبعًا أعمل كدا، وقبل ماتقنعني اقنع نفسك، عايزنا نوقف ضد بعض في المحاكم، دا عمو جواد يموت فيها."
نهض من مكانه واقترب من جلوسه.
"حضرتك متأكد من كلام فيروز، ما يمكن بتلعب لعبة زبالة كعادتها."
نهض صهيب متجهًا لغرفته، ثم توقف يطالعها قائلاً.
"عز اختك هتتطلق من جاسر سواء كلام فيروز حقيقة أو لا."
نهض عز يدقق النظر بوالده عله يعلم لما سبب إصراره على طلاقه رغم معرفته بعشق ابنته لجاسر.
توقف أمامه ولحظة من صمت اللسان، ولكن هناك حوار العيون يفشي بالمكنون. هز رأسه.
"بابا حضرتك مخبي حاجة عليا، ماهو مش معقول عايز تموت جنى."
اقترب من والده وأردف بلين الحديث حتى يصل مايفكر به والده عله يجد حلا فأردف بهدوء.
"ليه جاسر وافق على إنك تاخد جنى بسهولة، وليه عمو جواد كان هادي ومتكلمش، ومين اصلا عرفك موضوع فيروز، وليه طلبت مني أروح معاها تعمل التحاليل."
"بابا الأسئلة دي."
ربت على كتفه وإجابه.
"علشان الولد ابن جاسر ياعز زي ما عرفنا، عمك مقدرش يعمل حاجة لأن ابنه أهم من اختك، فكر في ابنه وزي ما أنت عارف فيروز مش هتسكت، وطبعا جواد مش هيضحي بمستقبل ابنه علشان عيون اختك."
نهض عز متجها للأعلى حتى وصل لغرفتها، قام بطرق الباب لعدة دقائق ثم دفع الباب خوفًا من يصيبها مكروه.
وجدها تتسطح تضم نفسها كالجنين.
تحرك إلى أن وصل إليها، جلس على الفراش يمسد على خصلاتها.
"جنى حبيبتي عاملة إيه؟"
انسابت عبراتها مردفة.
"عايزة أنام ياعز، ممكن تسبني أنام."
جلس على ركبتيه أمام فراشها يمسد على خصلاتها بحنو قائلاً.
"احكيلي ياجنى إيه اللي حصل خلى جاسر يعمل كدا، إزاي قدر يخونك."
اعتدلت تضع كفيها على فمه.
"اسكت ياعز ماتكملش، جاسر مش خاين، ولا عمره كان خاين. هو أنا اللي هقولك عليه."
اعتدل يجلس بجوارها، ثم ضمها لأحضانه.
"احكيلي ياجنى، سامعك."
"إزاي مخونكيش وفيروز بتقول الولد ابنه، مش هي اللي بتقول التحاليل ياجنى، أنا أخدت التحاليل في كذا معمل ونفس النتيجة."
مسحت دموعها ثم رفعت نظرها لأخيها.
"علشان دي شيطانة أهم حاجة تهدم حياتنا وبس، استغلت كل الطرق الحقيرة علشان توصل لهدفها."
جلست أمام أخيها تستعطفه بنظراتها وعينيها الباكية.
"عز أنا متأكدة أن جاسر مظلوم، ارجوك فهم بابا، عرفه إزاي يقدر يقسى علينا كدا. أنا مقدرش أعيش بعيد عنه، والله ماهقدر." قالتها بنشيج مرتفع.
ضمها يربت على ظهرها. وصلت نهى بكوب من الليمون تطالعها بصمت ثم أردفت.
"قوم ياعز سبني مع اختك شوية."
لثم جبينها وهتف.
"هوصل حي الألفي أطمئن على روبي كانت تعبانة من امبارح وراحت عند الدكتور مع طنط غزل ومعرفش عنها حاجة، وهجيبها لو كانت كويسة."
ربتت نهى على ظهره قائلة.
"حبيبي روح ارتاح، الدنيا ليل مينفعش ترجع تاني، اختك كويسة، أنا معاها، وبوسلي أيهم ويبقى الصبح هاته، بلاش تيجي الليلة تاني."
مسدت على خصلات ابنتها متسائلة.
"مش كدا ياجنى."
أومأت برأسها تترجاه بعينيها ألا يتركها بمحنتها. انحنى يلثم جبينها.
"هجيلك الصبح ياقلبي." قالها وتحرك ونظراته تحاصرها حتى وصل لدى الباب، توقف للحظات وتنهد بألمًا عليها.
أطبقت على جفنيها حتى تحرك للخارج مهرولاً، هربًا من حالتها التي شقت قلبه لنصفين.
بمنزل جاسر.
ولج للداخل يبحث عنها كالمجنون، وجدها تجلس تتناول المثلجات. وصل إليها بخطوة واحدة وجذبها من خصلاتها بعنف للخارج، يلقيها بقوة حتى سقطت على الأرضية. انحنى بجسده، يرمقها بنظرات لو تحرق لأحرقتها كاملا.
"البيت دا نضيف، فيه ريحة مراتي، أنتِ مكانك هنا جنب مكان الكلب اللي بيحرص البيت."
جلس على عقبيه متناولاً خصلاتها يرفع رأسها يشير لعينيه.
"عايزك تفتكري الوش دا كويس، وادعي مايكونش آخر وش تشوفيه على الدنيا."
هزت رأسها رافضة كلماته مردفة بقهر.
"ليه ياجاسر؟!"
"مفيش حد حبك قدي، ولا فيه حد اتمناك قدي."
ضغط على فكيها حتى شعرت بتحطيمها. حاولت دفع كفيه إلا أنها حولته لشيطان مارد. همس لها بهسيس مرعب.
"قولتلك بلاش تخرجيني عن تربية أبويا، لكن اللي زيك ميستهلش غير إنك تترمي زي الكلبة كدا. لآخر مرة هقولك الجنين دا لازم ينزل."
دفعته كالقطة الشرسة متراجعة بجسدها بعيدًا عن قبضته وصاحت بغضب.
"على جثتي ياجاسر، الواد هيجي وهتعرف بيه إلا إذا هفضحك في الدنيا كلها وبالدليل."
أصابه الجنون وكاد أن يخنقها ولا يتركها سوى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، تراجع للداخل يصيح بصوت كالرعد.
"منيييرة.."
خرجت سريعًا الخادمة متسائلة.
"أيوة يابيه."
أخرج مفتاح بيته وأشار إلى المنزل.
"البيت دا تقفلي كل الأوض اللي فيه، وتغطي الفرش، خلاص مش عايزه، ومن بكرة ترجعي لبيتك وقبضك هيوصلك كل شهر."
استدار يرمق الأخرى بإحتقار قائلاً.
"للأسف البيت دا ذكرياته بقت زفرة." قالها وصعد للأعلى.
ولج لغرفته توقف على الباب يوزع نظراته على تلك الغرفة التي كانت تعج منذ يومين بضحكاتهم ونبضات قلوبهما العاشقة، خطى بهدوء وكأن الغرفة أصبحت كثلاجة للموتى، بعدما كانت تحتضنهم بدفئها. وصل لتختهما يتحسسه بانامله وهناك ذكريات تلاحق عقله وتصفعه دون رحمة. ذهب ببصره إلى تلك القطعة الموضوعة التي توضع على جانب الفراش، رفعها لأنفه يستنشقها بقوة وكأنه يستمد منها التنفس الذي انسحب من رئتيه. أطبق على جفنيه هامسًا بنبرة متألمة.
"سامحيني ياجنى، عارف إني كسرتك، غصب عني يانبض قلبي."
نهض متجهًا لغرفة ثيابها، فتح تلك الخزانة التي أصبحت هاوية من محتوياتها. هنا شعر بسقوط قلبه بين ساقيه، وضع رأسه على الخزانة وانسابت عبراته يدعو الله بسريرته.
"ربي إني مغلوب فانتصر."
بحي الألفي وخاصة بغرفة جواد.
أنهى صلاته، وجلس لبعض الوقت على سجادة صلاته، يدعو الله بسريرته. بإستودعه لأولاده.
نهض بساقين هلامتين وجلس بضعف شديد، يمسد على صدره من شدة آلامه.
ولجت غزل بمشروبها. انزل يديه ورفع نظره مبتسمًا.
"تعالي يازوزو."
تحركت ونظراتها تخترق جلوسه حتى وصلت إليه، وضعت المشروبات على طاولة دائرية، ثم رفعت رأسها تطالعه بصمت لفترة.
ضيق مابين حاجبيه وتساءل.
"بتبصي كدا ليه؟!"
رفعت إحدى حاجبيها ثم تساءلت.
"مخبي عليا إيه ياجواد، ومتفكرنيش عبيطة ومش ملاحظة إنك بتحاول تكون كويس، وفين الإشاعات اللي المفروض عملتها. مخبي عليا إيه ياجواد وياريت ماتستغباش عقلي."
جذب رأسها يضمها لأحضانه.
"مفيش حاجة يازوزو أنا بس مضايق علشان جاسر وجنى."
خرجت من أحضانه تنظر إليه بلهفة.
"مالهم.. اتخنقوا تاني، العيال دي مش عايزة تهدى، دول بيعشقوا بعض."
تراجع بجسده على الأريكة ممدًا على الأريكة، أشار بعينيه على اقترابها بجواره. تحركت حتى حاوط أكتافها بذراعيه.
"فيه موضوع كنت مخبيه عليكي من فترة، كنت عايز أتأكد مش أكتر."
سحب نفسًا وطرده يطالعها بنظرات متألمة.
"فيروز حامل!!"
زوت حاجبيها تهز أكتافها.
"واحنا مالنا ماتحمل ولا تموت حتى."
صمتت تضيق عيناها ثم تساءلت.
"إزاي حامل هي مكنتش استأصلت الرحم؟"
تنهد بحزن، فيبدو أن زوجته لم تعي كلماته، كل ما أصاب عقلها استئصال الرحم. احتوى كفيها قائلاً.
"زوزو ركزي وحياة ابنك، أنا دماغي سايحة لوحدها."
لحظات تهز رأسها متراجعة بجسدها بعيدًا عنه.
"مستحيل اللي انت عايز توصله دا، ابني مش غبي."
نهضت وكأن كلماته كانت طاغية لاستيعاب ما يشير إليه.
دارت في الغرفة تمسح على وجهها بعنف تكاد تقتلع جلده.
"لا.. جاسر مستحيل يعملها، ابني مش شاذ ياجواد، متقنعنيش أنه يعمل حاجة زي كدا، وأنه يرجعها، لا ويضحك علينا ويعمل مسرحية أنها مابتخلفش علشان يوصل لأييه."
هزت رأسها تدور كالذي أصابها الجنون تضع كفيها على صدرها.
"ابني مايعملش كدا، لا.. فيه حاجة غلط، جاسر بيحب جنى، ليه يرجع فيروز، وكمان تحمل، دا لو ناوي يموت جنى مستحيل يعمل كدا، دا لو حقيقي يبقى الواد دا مش تربيتنا."
توقفت عن الحديث.
"لا.. البنت دي كذابة، لا جاسر بيحب مراته، لا جاسر مش خاين."
أغمض جواد عيناه متراجعًا برأسه حتى تنهي صدمتها، استدارت بجسدها إليه، تصيح به.
"جواد!!"
فتح عيناه يطالعها بصمت، اقتربت منه.
"اوعى تفكر إني هصدق بنت المجرمين دي، حتى لو ابنك نفسه جه قال كدا. ابني مايعملش كدا، سمعتني."
زفر بقوة حتى شعر بالاختناق، فأشار إليها بكفيه.
"ممكن تقعدي وبطلي جنان، أنا دماغي لفت مني، مبقتش مستحمل، حاسس بصخرة بتقفل على بيتي ياغزل، مش مستني كلامك المجنون دا."
رفرفت بأهدابها ومعالم الحزن تجلت على وجهها، فجلست بصمت.
رفع نظره إليها، حاملاً بنظراته جبالًا من الوجع والحزن الذي سكن أحشائه.
"وبعدهالك ياغزل، صدقيني حبيبتي أنا مش متحمل أي ضغط."
أطأت رأسها للأسفل.
"خلاص ياجواد، اقنعني أن ابنك حقير وأنا هقولك آه."
شعر بالأسى على ما توصلت إليه، فبسط كفيه إليها.
"تعالي يازوزو، تعالي حبيبتي جنبي هنا واسمعي كلامي كويس."
جلست بجواره، فضمها لأحضانه، وآهة عميقة أخرجها من قيح أحزانه. رفع خصلاتها التي تمردت على وجهها من فعل حركاتها العصبية، ثم اعتدل يحتوي كفيها قائلاً.
"اسمعيني كويس، مش عايزك تقاطعيني."
قام بقص ما صار لجاسر من أفعال فيروز حتى وصولها إلى منزل صهيب بالتحاليل التي تؤكد أبوية جاسر لولدها.
جحظت عيناها وترقرقت الدموع بها فأردفت بنبرة متحشرجة بالبكاء.
"حبيبي يابني، دا كله يحصله وأنا معرفش، وازاي حياة تسمح لفيروز تعمل فيه كدا."
ارتفع صوت بكائها على ما أصاب ابنها، ضمها يمسد على ظهرها.
"غزل.. افهمي كلامي كويس، الموضوع مش موضوع ولد تلبسه لجاسر بس، الموضوع أكبر من كدا، فيروز مش لوحدها، عايز منك تهدي لحد ما نعرف هي واللي معاه ناوين على إيه مع جاسر وجواد."
"جواد!! قصدك جواد حازم."
هز رأسه وأردف.
"مرقبين تحركاته كلها، واللي خايف منه، أنهم يحاولوا يضغطوا عليه بتقى أخته. جواد وجاسر استلموا قضية كبيرة ومين اللي ماسك القضية دي راكان البنداري، طبعا راكان العوباني وبيلاعبهم كلهم وهو حاطط رجل على رجل، أما جواد وجاسر دول لسة في أول حياتهم متعلموش كتير، فلازم أحاصر الكل، عايزك تهتمي كويس بداخل البيت، مفيش خدامة تدخل بيتي من غير أصلها وفصلها، عينك تحرص البنات كويس، لحد ما أشوف آخرة لعبتهم إيه."
ارتجف جسدها تبكي بقلب أم.
"مش كنا ارتحنا من وجع القلب دا ياجواد، ليه تدخل جاسر وجواد في دايرة الوجع والخوف دي."
رفع كفيها يلثمهما ثم احتضن وجهها.
"زوزو حبيبتي دا واجبهم وشغلهم، مينفعش نقول لا، أنا مدخلتش عرفت زي زيهم، مينفعش أبعد ابني وأشيل حد تاني، بدل دخل المجال دا مجبور يعمل كل ما يمليه عليه وطنه، دي مخدرات وأسلحة ياغزل.. يعني موت، اللي مش تموته المخدرات تموته الأسلحة، ابنك عند ربنا هو الحامي، لا خوفنا هيحميه ولا عدم تأدية واجبه هيحميه، وقولتها زمان وهقولها تأتي."
"ابنك مكتوب له كل حاجة من وقت ماربنا رزقنا بيه، كنتي تتخيلي أنه يحب جنى كدا، ولا يطلق فيروز، خلي عندك ثقة بدينك وإيمانك القوي، اعرفي كل حاجة قدر ومكتوب."
احتضنته تبكي بنشيج على ما أصاب قرة عينيها.
"غصب عني ياجواد، جاسر لو حصله حاجة هموت بعده، كفاية عليا جاسر واحد، مش متحملة التاني."
رفعت كفيها تقبله وتنظر إليه تترجاه بعينيها.
"وحياتي عندك ياحبيب عمري خلي بالك عليه، اوعى ياجواد عيونك تنزل من على ابنك، هو طيب أوي ومكنش له في الشرطة بس أعمل إيه نصيبه ياحبيبي."
ضمها لصدره يربت على ظهرها.
"مش عيوني بس عليه ياغزل، قلبي وكل ما أملك حارسينه، واللي ربنا كاتبه أنا راضي بيه، أنا استودعت ولادي كلهم عند الذي لا يغفل ولا ينام."
شهقة خرجت من نياط قلبها بنبرة باكية.
"آه ياحبيبي.. وطبعًا صهيب أخد بنته."
على بعد بعض الأمتار بالأعلى وخاصة بغرفة ياسين.
أنهت عملها، رفعت ذراعيها تتمطأ بخروجه من المرحاض. نظر إليها وابتسامة لاحت على ملامحه.
نهضت تجمع أشياءها وأغلقت جهازها قائلة.
"بكرة بعد الشغل هعدي على جنى، من وقت مارجعنا من شرم ماشفتهاش."
كان متوقفًا أمام المرآة يصفف خصلاته، ثم وضع بعض عطوره ينظر إليها من خلال المرآة.
"ترجعي على هنا الأول، وبعد كدا نروح مع بعض، مفيش خروج لوحدك، وآه العربية بالشوفير هتوديكي وترجعك."
نهضت بعدما ألقت دفترها.
"مش كفاية إنك خلتني أشتغل في شركتكم، إيه لزوم الشوفير، أنا بتخنق مبحبش اللي مراقبني في الروحة والجاية."
أنهى مايفعله، ثم استدار يرمقها بنظرة مبهمة مردفًا.
"اسمعيني كويس، عايزة تشتغلي بشروطي كان بها مش عايزة براحتك، اشربي من البحر." قالها وخرج من الغرفة يصفع الباب خلفه بقوة حتى انتفضت بمكانها.
جلست بمكانها حزينة، تتذكر بعض الساعات الوحيدة التي تمنت أن تكون حقيقية، ولكن كيف بعد أفعاله التي شطرت قلبها. احتوت رأسها بين راحتيها. ظلت لفترة بمكانها تعيد ذكرياته معها، ثم نهضت قائلة.
"أنا ياياسين تعمل فيا كدا، طب وحياة ربنا لاعرفك إزاي تقرب مني."
وصلت إلى غزل قائلة.
"طنط غزل عايزة أقولك حاجة وخايفة من ياسين."
طالعتها تشير إليها.
"عمل إيه ياحبيبتي."
وضعت كفيها على أحشائها ونظرت للأسفل.
"أنا حامل وعايزني أسقط البيبي."
وصل إليها توقف وهزة عنيفة أصابت جسده فتحرك إليها.
جذبها من رسغها وهو يطالع والدته بإبتسامة مزيفة.
"ماما عايز عاليا." قالها وتحرك يضغط على رسغها حتى وصل إلى غرفته يدفعها بقوة داخل الغرفة.
"كنتي بتقولي إيه لماما تحت يابت."
تراجعت بجسدها بعيدًا عنه تتمتم بكلمات متقطعة.
"بقولك إيه ارحمني من حصارك دا، وأنا مش هتكلم."
ضغط على قبضته بقوة، وتراجع حتى لا يصفعها على وجهها، ثم استدار للخارج.
"صفقت بيديها تقفز فوق الفراش."
"بموت في غضبه ابن الألفي، استنى بس لو مخلتكش تلف حوالين نفسك ياحضرة الظابط."
بعد فترة صعد لغرفته وجدها تشاهد التلفاز وبجوارها بعض المكسرات. رمقه بنظرات صامتة لبعض الوقت ثم هوى على الفراش بجوارها يتلاعب بخصلاتها. ارتجف جسدها وحاولت الابتعاد إلا أنه أردف وعيناه تغرز بعينيها قائلاً.
"جهزي نفسك ياروحي، علشان هنروح للدكتور."
ضيقت مابين حاجبيها متسائلة.
"دكتور ليه هو انت عيان؟"
نهض يعبث بخزانته ثم هتف.
"لا مش المدام حامل وعايزة تطمن على البيبي."
هبت فزعا متجهة إليه.
"إنت مجنون، حامل إزاي، مفيش حمل."
جذب رأسها يثبتها وتبسم غامزًا.
"ليه مش جوزك ياحرام عايز ينزل البيبي، من حقي أطمن على البيبي يابقلي."
سدحته بقوة مع اهتزاز جسدها من قربه.
"أنا مش هتحرك معاك في مكان، وبطل هبل ولو على طنط غزل هنزل أفهمها وأقولها مفيش حاجة حصلت بينا أصلا."
خطى إلى أن حجزها بالجدار يحاوطها بذراعيه، وانحنى برأسه يهتف بالقرب من وجهها.
"كدا بتعيبي في جوزك ياروحي، عايز تطلعيني قدامهم مش راجل."
رفعت كفيها على صدره تبعده عندما لافحت أنفاسه وجهها و ضعفت بحضرته فهمست بتقطع.
"ياسين ابعد لو سمحت، مبحبش كدا."
عانق بحر عينيها وتناسى مابينهما، فسحر بجمال عينيها وعبيرها الذي اخترق رئتيه فهمس بتقطع.
"ليه ياعاليا، ليه قربي بيوترك كدا."
توردت وجنتيها واهتز قلبها برعشة حتى سارت بكامل جسدها، رفعت نظرها إليه وسبحت بملامحه الرجولية الجذابة.
صمت متأملا ارتجاف شفتيها، ود لو تذوقهم ليكتشف مذاقهم.
خمدت ثورته من جهتها وتناسى مابينهما، صفع عقله مقتربًا من كرزيتها، أغمضت عيناها تاركة له نفسها. وضع رأسه بخصلاتها يسحب عبيرها يتلذذ برائحتها.
همست بتقطع بعدما فقدت سيطرتها.
"ياسين ابعد لو سمحت."
رفع أنامله بخصلاتها وهمس دون وعي.
"تعرفي إنك حلوة قوي، وشدتيني قوي."
ابتلعت ريقها بصعوبة، تهمس بتقطع وهي تستند بذراعها على صدره.
"وانت كمان شكلك راجل قوي، بس عصبي."
ابتسم بخفوت، ثم حمحم متراجعًا يجمع أشياءه ليهرب من فتنتها التي سيطرت على رجولته.
"أنا خارج عندي مشوار مهم، ممكن ساعتين ولا حاجة، وبعد كدا هعدي على عمو صهيب نحاول أنا وأوس في موضوع جاسر، نامي ممكن أتأخر."
تحرك لبعض الخطوات ثم استدار إليها.
"عاليا."
رفعت رأسها تنظر حديثه، فأشار على الفراش.
"نامي على السرير مالوش لزوم نومك في الأوضة التانية مش هاكلك."
طأطأت رأسها للأسفل تبتعد من نظراته.
تحرك سريعًا.
جلست لبعض الوقت تبتسم بحالمية هامسة لنفسها.
"إيه اللي بيحصلك ياعاليا، أنتِ سلمتي قلبك مرة وخذلك بلاش تحلمي بياسين دا لسة بيحب حبيبته."
هوت بجسدها على فراشه تستنشق رائحته تغمض عيناها.
"شكلك حبتيه يابنت نادر."
استمعت لإشعار إحدى الرسائل. تناولت هاتفها وإذ بها تنهض سريعا، تجذب اسدالها متجهة للأسفل تنظر حولها حتى خرجت من الباب الخلفي للحديقة.
عند ياسين.
توقف أوس يربت على ظهره قائلاً.
"بابا قال خليه لما يهدى من ناحية جاسر، عمك مكسور مش فاهم حاجة يومين وبعد كدا هتكلم معه."
وصل جواد حازم يوزع نظراته بينهما ثم تساءل.
"إيه اللي سمعته دا، صحيح جنى وجاسر هيطلقوا، إزاي بعد الحب دا كله."
نفض أوس قميصه ونظر لداخل عيناه.
"جواد حبيبي لو البحر ميته خلصت، جاسر وجنى مش هيسيبوا بعض، حتى لو بعدت المسافات فيه تلاحم في القلوب. دنى يتعمق بعينيه وأكمل."
"جاسر مستحيل يتخلى عنها، ولو فرضنا طلقها صدقني مجرد كلام قدام عمه، بس اتأكد اللي هيقرب منها هيدفنه. نصيحة أخوية يانمس." قالها وتحرك وهو يزفر بقوة، ثم رفع هاتفه يحاكي أخيه.
عند جاسر.
ارتدى ثيابه ونظر لهاتفه الذي أعلن رنينه.
"نعم ياأوس."
"من الآخر كدا، كل الكلام الهلس دا أنا مش مصدقه، والله لو مليون تحليل، فخليك شطور كدا وثق من نفسك، البنت دي محبتهاش ياحضرة الظابط وقولتلك الكلام دا من زمان."
"أنا رايح لمراتي ياأوس."
"غلط ياجاسر، بلاش دلوقتي."
رفع قنينة عطره ونثر الكثير منها مبتسمًا عندما تذكر حديثها ثم أجاب أخيه.
"مراتي وحشتني ياأوس، ومش هتنازل عنها، وأنا عرفت بابا.. سلام."
عند عاليا.
خرجت متجهة إليه، وجدته واقفا مستندًا على سيارته يدندن. وصل إليه وهو يضحك.
"لولو حبي القديم."
رفعت كفيها لتصفعه، ولكنه جذبها بقوة حتى أصبحت بأحضانه يهمس لها.
"اسمعيني كويس، صورك الحلوة معايا، وحلو قوي جوازك بالصعلوط بتاعك اهو الفضيحة تسمع أكتر، ياتجيبي ورق المصنع زي ماسرقتيه، ياإما تتنازلي عن كل نصيبك ومش بس كدا فوقيهم 10 مليون من جوزك المحترم، إنما هو قربلك ولا لسة، عرف إنك ولا مؤاخذة مش بنت."
لكمته تصرخ به.
"هموتك ياخالد."
قبل قليل تحرك بعد حديث أوس، أوقفه جواد قائلاً.
"إنت مزعل مراتك، شوفتها من شوية طالعة من الباب الخلفي."
تحرك سريعا متجهًا للباب وجدها بأحضان ذاك المدعو. صرخ باسمها حتى انتفضت تدفعه بقوة، هرب متجها لسيارته.
"مستنيكي يالولو، أوعي تتأخري عليا ياروحي."
تحرك بالسيارة حتى توقف بجوار ياسين وغمز له.
"الصراحة فرسة خسارة إني ضيعتها، بالهنا على قلبك فضلاتي."
ركض متجهًا إليه بعدما غرزه بخنجر بارد بصدره، تراجعت بجسدها مرتعشة تهتف بتقطع.
"ياسين اسمعني هقولك كل حاجة."
سحبها من كفيها دون حديث. لقد زهقت روحه عندما طعنته برجولته للمرة التي لا تحصى، لم يعد يتحمل حقارتها كما انتابه عقله، والشك نهش بجسده كحيوان مفترس. قابله غزل متوقفة أمامه.
"كنتوا فين؟!" تساءلت بها بعدما وجدت ملامح ابنها العابسة.
تحركت عاليا تتشبث بكفيها.
"حضرتك كنت طالباني، آسفة اتأخرت عليك." قالتها عاليا حتى تنقذ نفسها من براثن جيوش غضبه الظاهرة بملامحه.
فهمت غزل ما تؤل إليه عاليا، فجذبت كفيها قائلة.
"أيوة حبيبتي تعالي عايزاكي ضروري."
جذبها بقوة وسحب عيناه بعيدًا عن والدته.
"آسف ياماما، محتاج مراتي دلوقتي."
أغمضت عاليا جفونها بإستسلام لقدرها معه. صعد بها سريعا بعيدًا عن والدته.
وصل لغرفته ثم دفعها بقوة على الفراش واقترب منها كالمجنون.
"ليه!!.. عملت فيكي إيه لدرجة دي أنتِ حقيرة."
نهضت مقتربة منه وحاولت الحديث إلا أنه دفعها بقوة يصرخ بها.
"حقيييييييرة."
توقفت تصيح به.
"ياسين اسمعني."
صفعة قوية على وجهها ثم قام بنزع ثيابها مقتربًا منها كالمجنون.
"إيه مش حقي، قولي حقي ولا لا."
جذبها من خصلاتها يرفع رأسها.
"إنتِ مراتي يافرسة، عايز أشوف الفرسة اللي الغريب بيتمتع بيها."
"ياسين.."
ضغط على فكيها بقوة حتى شعرت بتحطمها.
"اسمي مش اسمه منك يازبالة، وياله اجهزي، دخلتنا الليلة.. ولا شكل الأمورة مش فارقة، ماهي مدورها."
رفعت كفيها صفعته بقوة ثم تحركت للداخل وخرجت بعد دقائق وهو يثور بالخارج يحطم كل ما يقابله حتى أصبحت الغرفة شظايا محطمة. خرجت بنامتها القصيرة الشفافة المخصصة لتلك الليلة ثم تحركت تقف أمامه قائلة.
"أنا جاهزة."
رفع رأسه يطالعها بضحكات مرتفعة ثم أشار عليها.
"مكنش له لزوم دا كله، بلاش تحسسيني إنك عروسة بجد."
انسابت عبراتها وضغط على منامتها متجهة تجلس على الفراش.
"لو خلصت إهانة أنا جاهزة، بس قبل أي حاجة اعتبر من الليلة دي قطعت كل الخيوط اللي بينا."
نهض يمسح على وجهه ابتسامة ساخرة على وجهه حتى وصل إليها، جلس بجوارها ونظر إليها بملامح متفحصة ثم رفع أنامله يمررها على وجهها وهتف.
"وانت اعرفي إنك أحقر واحدة قابلتها في حياتي."
انسابت عبراتها بقوة حتى أصبحت كالشلال، بعدما انشق قلبها فلقد خانها ونبض قلبه لها. اقترب يدفن رأسه بحنايا عنقها يهمس لها.
"وياترى لعبة إيه اللي بتحاولي تقنعيني بيها، خايفة أفضحك ماهو إنتي مفضوحة ياروحي."
أغمضت عيناها تهز رأسها ورددت بتقطع.
"بس مكنتش منتظرة منك دا، تقابلت الأعين حتى رفعت كفيها على وجنتيه لأول مرة."
"حبيت فيك رجولتك وكرهت فيك شهامتك ياحضرة الظابط، لو قلبي ضعف قدامك مرة فأنا بتأسف لنفسي."
ارتجف قلبه من كلماته حتى نزف قلبه واقترب منها يحتضن خاصتها لأول مرة، لأول مرة يتذوق نعيمها، لأول مرة يشعر بجمال النبض الذي عزف رغمًا عنهما ولكن هناك نقطة فاصلة، جعلته متراجعًا ينظر إليها بذهول قائلاً.
"إيه دا؟!"
تراجعت تجذب الغطاء على جسدها، تستدير بجسدها.
"اطلع برة.. أخدت حقك، برة مش عايزة أشوف وشك." قالتها بشهقات.
ظل للحظات ينظر لجسدها، ثم تحرك للمرحاض وكأنه يخطو فوق النيران.
عند جاسر.
ولج لمنزل عمه يبحث عنها بعينيه وجدها تجلس بشرود بمكانها المخصص، خطى إلى أن توقف خلفها، يرسم كل انش بها. يومان فقط شعر بهما كسنوات من عمره. توقف خلفه صهيب قائلاً.
"كويس إنك جيت، كنت لسة هكلمك."
هنا استدارت تطالعه بحزن. ورغم الآلام قلبها النازفة منه، إلا أنها توقفت متجهة إليه، تحرك بعض الخطوات ولم يعير لحديث عمه أهمية. وصل حيث وقوفها هامسًا بقلبًا منتفض.
"وحشتيني."
انسابت عبراتها واقتربت منه. فرد ذراعيه ينتظر احتضانه. لحظات من الصمت المريب بنظرات العتاب الأليم. ورغم حزنها ووجعها من تخليه عنها، إلا أن القلب هنا له تحكمات تصفع مايقابله ويحرمه من نبضه، احتضنته تبكي بشهقات مرتفعة.
"ليه.. ليه تعمل فيا كدا؟!"
ضمها بقوة يعصرها بأحضانه كأنه يستمد من ذاك الحضن قوته للحياة.
"جاسر.."
صاح بها صهيب.
أغمض عيناه يستنشق عبيرها يهمس لها.
"جنى سامحيني."
بكت بصوت مرتفع تهز رأسها تهمس بتقطع.
"ماتسمعش كلام بابا ياجاسر، بابا مضايق متسمعش كلامها."
احتضن وجهها ينثر ترانيم عشقه بثغرها ثم همس لها.
"محدش هيقدر يفرقنا ياحبيبة عمري."
صرخ صهيب بصوت مرتفع.
"أنا بكلمك يابن جواد، إيه مفيش احترام يالا."
حاوط كتفها متحركًا إلى عمه.
"مراتي كانت وحشاني ياعمو، مستخسر فينا لحظات اشتياق."
أشار لجنى.
"ابعدي عنه ياجنى."
رفعت نظرها لزوجها تهز رأسها.
"بابا ممكن تسمعنا."
أشار بسبباته مهددًا إياها.
"لو مبعدتيش عنه.. يبقى انسي أن ليكي أب، ياأنا ياهو، اختاري يابنت صهيب."
ثم أشار إليه.
"وانت يابن جواد، لو باقي على الأخوة اللي بيني وبين أبوك ارمي عليها يمين الطلاق. أنا مستحيل أسيب بنتي على ذمتك يوم واحد بعد خيانتك ليها."
اقتربت جنى منه ثم انحنت ترفع كفيه تقبلهما تنظر إليه بعيون راجية.
"بابا.. اسمعني."
صفعة قوية على وجهها.
"ادخلي جوا.. إلى هنا وحياتكم انتهت.. خلي عندك كرامة البيه المحترم عنده ولد في الحرام وياعالم متجوزها ولا لأ."
"عمو ممكن تسمعني."
"الطلاق اللي عايزه بس الطلاق يابن جواد، لو أنت ابن جواد فعلا طلق بنتي، أنا مبقتش عايزك."
وصل جواد إليهما توقف أمام جاسر، يجذب كف جنى.
"اسمعي كلام بابا ياجنى." ثم جذب ابنه وتحرك دون حديث.
"حبيبي تعالى عايزك."
توقف أمام والده.
"مش هسيب مراتي يابابا، تحرك لوقوفها وضمها لأحضانه بعدما وجد بكائها، أخرجها من أحضانه يزيل عبراتها ثم اقترب يدمغ جبينها بقبلة حانية.
"جنجونة قلبي بطلي عياط، يالة ياقلبي هنرجع بيتنا."
احتضنت ذراعيه.
"جاسر اوعى تتخلى عني، مش هقدر أعيش من غيرك." همست بها بتقطع.
كان يطالع أخيه الذي يهرب بنظراته، تحرك جاسر يحتضن خصرها إلى أن توصل لباب المنزل فهتف صهيب.
"ابنك لو خرج ببنتي ياجواد اعتبر كل اللي بينا انتهى."
ارتفعت شهقات جنى تحتضن ذراعه بقوة، علمت أنها النهاية، عمها ماذا سيفعل، أيختار سعادتهما على حساب والدها.
أطبقت على جفنيها وهمست اسمه.
"جاسر يالة بينا مش قادرة أتحمل أكتر من كدا، كفاية عذاب."
رفع نظره لوالده الذي هز رأسه ثم هتف جواد وعيناه على صهيب.
"لو طلعت بيها ياجاسر يبقى انسى إنك ابني."
هنا شعر بتذلذل الأرض تحت قدميه فاستدار لوالده يهز رأسه بحزن قائلاً.
"ليه يابابا، ليه دا كله."
اقترب منه وجذب ذراع جنى المتشبثة به.
"كل شئ قسمة ونصيب يابابا، لثم جبينها يحتضن وجهها.
"حبيبة عمو تعرفي إن عمو بيحبك قوي."
هزت رأسها رافضة حديثه.
"لا ياجنى.. بحبك وعلشان بحبك خليكي في حضن باباكي." قالها ثم اتجه لجاسر يجذبه بقوة متحركًا بجواره.
"صاحت باسمه."
"جاسر!!"
توقف مستديرًا إليها.
"ليه!!"
تحرك لسيارته سريعا وقادها بسرعة جنونية حتى شعرت بتوقف قلبها فهوت على الأرض تبكي بشهقات مرتفعة، وصل عز الذي ترجل من سيارته سريعا متجهًا إليها.
"جنى!!"
رفعت نظرها إلى أخيها.
"اختارهم هم ياعز، رغم إني اخترته، بعت الكل واشتريته وهو باعني واشتريهم." قالتها وهي تشعر بغمامة سوداء تحاصرها فابتسمت من بين بكائها مرحبة بها فهوت بين ذراع أخيها.
بعد عدة أيام.
اقترب من جلوسها وهي لا تحرك ساكناً مجرد انفاسًا متألمة تخرج من صدرها، اتجه لوالدها بنظراته الحزينة ثم رفع كفيه يمسد على خصلاتها. لكنها صارت كما هي صمت لبعض اللحظات ومشاعره تجمدت وكيانه يترجح بين الوجود والتلاشي. ولكن كفى وكفى.
انحنى يهمس بأذنها بعدما أزاح خصلاتها.
"إنتِ طالق."
أطبقت على جفنيها وانسابت عبراتها. هذا ما عشقته عشق حد الوجع، هذا كيانها الذي ضعف بوجوده، قلعتها الآمنة التي انهارت بحوزته. هذا وهذا. عشق نادر وهجر بغفران نقي. ياالله كم هو مؤلم ذاك الشعور الذي تعجز عن وصفه مفردات جميع اللغات.
قشعريرة سارت بجسدها واختلجت كيانها انسابت عبراتها بمرار يتساقط من محاجرها، فنزلت برأسها تضعها على ركبتيها دون حديث. ظل متجمدًا بمكانه لبعض الدقائق يتابعها بأنين صامت. توقف والدها يربت على ظهره فاستدار متحركًا بخطوات ضعيفة متهالكة وكأنه متجهًا جهة الموت، دعاها بسريرته.
"ربي اختنقت روحي فازهقها."
فتح باب سيارته ورفع رأسه للأعلى ينظر إليها نظرة وداعا.
عانقت نظراتهما الخالية من الحياة، حتى ارتجفت شفتيها تهمس اسمه بتقطع.
"لاحت ابتسامة يكسوها الحزن ممزوج بالوجع ثم همس اسمها وينظر إليها نظرة أخيرة ممزوجة بالاشتياق، فكيف يشتاق إليها الآن وهي مازالت بحوزته، نظرة يدفعها العديد بالنظرات إلى أن وصل لنظرته الأخيرة بتنهيدة تجمع الكثير من المشاعر.
.. فهل ستكون نظرة وداع أبدي؟
أم هناك ماسيكتبه القدري.