بعد مرور يومين. ألمانيا، حوالي الثانية والنصف ظهرًا.
ترجل آيسر من سيارة الأجرة يحمل تلك الباقة من الزهور. شعر بنسمة هواء باردة بسبب الطقس، لكن داخل قلبه يشعر بدفء غريب. رفع رأسه ينظر إلى إحدى شرفات تلك البناية العالية. توجه مباشرةً إلى المصعد الكهربائي الخاص بالبناية وصعد به إلى أن توقف أمام الطابق المحدد. ترجل من المصعد وذهب نحو باب تلك الشقة. وقف قليلًا يأخذ نفسه، كذلك هندم ياقة معطفه. ثم اتخذ القرار وقام بقرع جرس الشقة مبتسمًا بترقب أن تفتح له الجميلة.
بينما بداخل الشقة. نظرت روميساء إلى ساعة موضوعة على حائط الردهة. رغم أن الوقت لم يتأخر سوى دقائق، لكن بداخل قلبها تلك الدقائق ساعات. سأل عقلها: "لما تأخر ساعي الورد اليوم؟ هل لن يأتي بالباقة ككل يوم في نفس هذا الموعد؟ " تلاعبت بها الظنون. أصبح لتلك الباقة تأثير عليها. أصبحت تنتظر ميعاد الساعي. تقرأ نفس الجملة المكتوبة بكل الرسائل المرفقة بالباقة، لكن تشعر أنها كلمات حية تنطقها بقلبها. لما تأخر اليوم؟
هل سوء الطقس هو ما منعه أو أخره؟ وإجابات كثيرة تخشى الإحباط ولا تحصل على باقة الزهور اليوم. لاحظ والدها حالتها ونظرها للساعة ولباب الشقة. خمن سبب وقوفها بهذا الوقت. تبسم لكن سألها بخبث: "واقفة كده ليه؟ عم تنتظري شئ؟ ارتبكت روميساء قائلة بنفي: "أبدًا بابا." تبسم والدها قائلاً بخبث: "اتأخر اليوم." سألت روميساء بعدم فهم: "شو اللي اتأخر اليوم بابا؟
قبل أن يرد عليها، سمع الاثنان صوت قرع جرس الشقة. سريعًا ذهبت روميساء نحو الباب وقامت بفتحه. تبسمت بانشراح حين وقع نظرها على باقة الزهور. جذبتها منه دون حتى النظر إلى حامل الباقة. بحثت عن تلك الرسالة بين الزهور، لكن سرعان ما تفاجأت بعدم وجود رسالة. رفعت نظرها نحو الساعي، لكن جحظت عيناها بضجر قائلة بتلقائية بالعربي: "انت شو جابك لهون؟
ما بيكفي هذيك الليلة تحملت سخافتك مشان ما أثير ضجة بالسفارة. ما تقولي صدفة وإنك عم تشتغل بمحل الورد." تبسم وهو ينظر لملامحها بتتمعن. دون النظارة، هي آية في الجمال. عينان وشفتان. آه من تلك الشفتان. ستجعلني أذوب الآن وأنا أقتنصها الآن بقبلة جامحة. خيال جامح وحقيقة عكس ذلك. حين سألته مرة أخرى: "هتضل تنظر إلي؟ تبسم حين رفع عينيه عنها ونظر إلى والدها قائلاً: "مساء الخير." تبسم والدها الذي استغرب حديثها بالعربي سائلاً:
"انت عربي؟ أومأ برأسه قائلاً: "أيوه، أنا مصري." تبسم والدها بترحاب: "وليش واقف قدام الباب؟ ادخل. أنا بقالي فترة كبيرة ما قابلتش شخص عربي في ألمانيا." كاد أن يدخل للشقة، لكن رفعت روميساء يدها بوجهه قائلة لوالدها بلوم: "انتظر. كيف يا بابا بتدعي هدا الشخص يدخل لبيتنا؟ افرض بيكون حرامي أو شخص سئ." جذب والدها يدها واخفضها قائلاً: "أنا عندي نظرة في الأشخاص. واضح إن هدا الشاب محترم." تبسم له قائلاً:
"والله صدقت يا عم الحاج... نسيت نتعرف. أنا 'آيسر أسعد شعيب'. بشتغل طيار في شركة مصر. رغم إني درست طيران حربي بس مرتحتش فيه واخترت الطيران المدني." "طيران حربي." كلمتان سمعتهما تذكرت صوت تلك الطائرات وقت العدوان الغاشم. وخزات ضربت قلبها. لاحظ والدها ذلك. شعر بغصة وبدل الحديث قائلاً: "عم الحاج، هدي كلمة حلوة منك. بتمنى ربنا ينولني زيارة الحرم الشريف. قولي بقى بتعرف تلعب طاولة." رد آيسر بمديح لنفسه:
"إن شاء الله بتزور الحرم الشريف قريب جداً. أنا بقى بلا فخر حريف طاولة وشطرنج. بالك؟ أنا كنت بكسب كل زمايلي في الملجأ وبلاعبهم على فلوس. أنا كونت ثروتي الكبيرة من القمار." ضحك والدها قائلاً: "واضح إنك فعلًا مصري دمك خفيف. شكلنا هنتفق. خلينا نتعرف. أنا 'مدحت موافي'، مهندس سابق." تبسم آيسر ودلف إلى الشقة وأغلق باب الشقة. عيناه على روميساء التي تشعر بضيق منه، لكن تجاهل ذلك وعاود النظر لمدحت قائلاً بمزح:
"واضح إننا هنتآلف مع بعض. حضرتك عندك قناعة بالوحدة العربية." ضحك مدحت، بينما قالت روميساء بتهكم وسخرية: "وحدة عربية؟ بابا أنا حاسة إني مصدعة. هتركك وأروح نام." تبسم مدحت، بينما أحرجها آيسر: "مش المفروض إني ضيف وأبسط شيء ترحبِ بيا بكوباية قهوة تدفيني في الجو العاصف ده." نظرت له بسخط قائلة: "وشو خلاك تتطلع بها الجو العاصف؟ اتحمل بقى. ومعندناش قهوة. ممنوعة من الدخول لهون؟ تبسم مدحت بإيماءة قائلاً بتظلم:
"فعلاً رومس صادقة. القهوة والنسكافيه ممنوعين هون بسبب تحذير الدكتور. صديقك كان مدمن عليهن وهلأ بقيت أشرب أعشاب عشان الكوليسترول والضغط." تبسم آيسر ببرود قائلاً: "تمام. أنا ماما دايماً تقول لي الشاب لازم يحافظ على صحته. وعشان أنا رياضي زي ما حضرتك شايف وظاهر عليا، ممكن أشرب أي مشروب دافي من إيد 'رومس'." نظرت له روميساء بضجر قائلة: "اسم روميساء ما بسمح لك تناديني بغير هالأسم." بينما همست لنفسها قائلة:
"واضح إنك شخص ثقيل ومعندك إحساس. بتمنى أشربه سم دافي يسري بعروقه." غادرت روميساء. بينما أشار مدحت بيده لآيسر بالدخول نحو إحدى الغرف. جلسا سويًا يتحدثان. شعر مدحت بالتآلف ناحية آيسر، وكذلك آيسر. بعد قليل جلست معهم روميساء تراقب حديثهم معًا صامتة. لا تنكر إعجابها بلباقة وعفوية ذلك السخيف الذي اقتحم شقتهم اليوم دون استئذان. *** بشقة آصف. تفاجئت شكران بـ يارا. استقبلتها بترحاب ومودة قائلة بعشم وعتاب:
"بقالك أكتر من شهرين مجتيش تزريني. غير يقيتِ كل كام يوم على ما تفتكري تتصلي عليا." ضمتها يارا قائلة باعتذار وتبرير: "حضرتك عارفة قيمتك غالية في قلبي، بس والله أنا من يوم ما اشتغلت في مركز الحاسبات والمعلومات، يادوب بوَفق بين الشغل وكمان رسالة الدراسات العليا واخده بقية وقتي." تبسمت شكران بحنان قائلة: "ربنا يوفقك." تبسمت لهن صفوانة قائلة: "مش كفاية عتاب؟ يلا الغدا جهز. كمان آصف وصل وطلع يغير هدومه وهينزل مباشرةً."
تبسمن لها وذهبن خلفها إلى غرفة السفرة. جلسن ينتظرن مجيء آصف الذي لم يتأخر كثيرًا وتفاجأ بـ يارا. التي تبسمت له وتحدث معها بألفة عادية شبه أخوية. شعرت شكران بزيادة مودة لـ يارا ومن محاولتها جذب آصف للحديث معها. لكن قطع حديثهم رنين هاتف آصف. الذي جذب أحد المحارم وقام بتنظيف شفاه ثم أخرج هاتفه من جيبه. نظر لهوية المتصل. سخر بداخله ونظر نحو شكران. ثم أغلق الهاتف. سألت يارا بفضول: "مين اللي بيتصل عليك وليه مش بترد عليه؟
نظر آصف نحو شكران وقال: "عادي شخص مش مهم. وأنا شبه عارف هو بيتصل ليه. ومش حابب أرد عليه." تبسمت يارا بإيماءة. لكن شعرت شكران أن آصف تعمد عدم الرد لسبب ليس كما قال. بينما وضع آصف الهاتف بجوار يده على طاولة ثم عاود الطعام. لكن صدح الهاتف مرة أخرى. لكن هذه المرة كان برسالة.
ترك الطعام بضجر وعلم أن من كان يهاتفه هو بالتأكيد من أرسل الرسالة. كاد أن يغلق الهاتف لكن الفضول هو ما جعله يفتح الرسالة وقرأ محتواها. هب واقفًا غير مصدق. استغربت يارا وشكران من ذلك. سألت شكران: "خير يا آصف؟ نظر لها وحاول الهدوء عكس الغضب الذي يهدر بقلبه، قائلاً: "خير يا ماما. ده عميل وافتكرت إن كان في بينا ميعاد."
لم ينتظر وهرول إلى غرفته يشعر بنزيف هادر في قلبه. فتح خزانة ثيابه جذب ثياب أخرى ارتداها سريعًا ثم توجه. انحنى قليلًا وجذب أحد أدراج الدولاب. جذب ذلك الملف سحب منه ورقة قرأها ثم قال بيقين ووعيد عاشق: "واضح إني اتأخرت كتير بس إنتِ مش هتقدري تتحرري مني غير بموتي يا سهيلة." قام بثني الورقة ووضعها في جيب معطفه وخرج مسرعًا. تصادم مع يارا وشكران التي لاحظت تغير ملامحه. سألته: "خير يا آصف؟ قبل رأسها بمودة قائلاً:
"خير يا ماما. أنا لازم أمشي عندي ميعاد مهم مع زبون ولازم أسافر دلوقتي. وما تقلقيش عليا. احتمال كبير أبات هناك كمان. يلا هبقى أتصل عليكي." لم ينتظر آصف وهرول نحو خارج الشقة. بينما نظرت يارا إلى حنية شكران شعرت بغصة. بينما شكران هي الأخرى لديها يقين أن هناك سبب هام غير العمل لذهاب آصف بهذه الطريقة المندفعة. نظرت إلى يارا قائلة:
"قلبي حاسس إن الموضوع مش حكاية ميعاد شغل زي ما هو قال. بتمنى ربنا يخلف ظني. وما يكونش الموضوع يخص سهيلة." استغربت يارا ذلك قائلة: "سهيلة! مش معقول بعد أكتر من خمس سنين يكون لسه بيفكر فيها! تنهدت شكران بأسى على حال آصف قائلة:
"آصف مفيش لحظة بتمر في حياته من غير ما يفكر في سهيلة، ويندم على اللي هو عمله. هو ارتكب غلطة كبيرة، بس عقاب سهيلة إنها تختار تبعد عنه كان قاسي أوي وصعب عليه. مقدرش أقول إنه ما كانش يستحق العقاب ده، بس آصف من وقتها بقى جلاد لنفسه. رغم نجاحه وشهرته بس هو مش قادر يتقبل بعد سهيلة عنه. أو إنه يقول حب وانتهى. هو لسه بيحبها ويمكن أكتر من زمان."
تنهدت يارا بأسى على حالها كيف ظنت أن آصف قد يكون نسي غرامهُ. وهي الأخرى مازالت تعاني من أول غرام لها. همست لنفسها: "فعلاً بعدنا عن اللي بنحبهم مش سهل. أوقات بيبقى صعب إننا ننسى ونقول ماضي وانتهى." تنهدت بأسف وهي تتذكر ذلك اليوم الذي كان نهاية قصة لم تكتمل بل شبه وأدت قبل أن تبدأ. [بالعودة قبل خمس سنوات] بذلك الكافيه القريب من الجامعة.
دَلفت يارا مع إحدى زميلاتها. في نفس اللحظة كان طاهر يكاد يقترب من الخروج من الباب. تجاهل عن عمد النظر إليها. شعرت بوخزات قوية في قلبها، لكن أعطت له مبررًا، فما حدث لأخته من آصف ليس هينًا. لكن تحكم قلبها بها. بعد أن علمت أن عروس آصف هي أخت طاهر، ظنت أن بزواجهما قد تقترب المسافة بينها وبين طاهر. لكن كان هذا الزواج كارثة وحلت على الجميع. أنهت آمالًا أصبحت صعبة. لكن هل تستسلم وتتنحى؟
فضلت أن تسير عكس التيار، وتنازلت عن غرورها، وقامت بالنداء على طاهر. رغم تردده في عدم الرد، لكن بعكس إرادته توقف يشعر باختراق صوت يارا لقلبه ليس لأذنيه. تركت زميلتها وسارت تلك الخطوات القليلة، ثم قالت بطلب: "طاهر ممكن خمس دقايق من وقتك." نظر إلى زملاؤه الذي كان من بينهم إحدى الفتيات، قائلاً: "حصُلكم عالمدرج." بالفعل ذهب زملاؤه، بينما هو أشار لها بيده قائلاً:
"تمام. خلينا ندخل للكافتيريا. مش كويس وقوفنا في الشارع. كمات الطقس بارد." أومأت له ودخلا مرة أخرى إلى الكافيه. جلسا خلف إحدى الطاولات. ظل الصمت قليلاً إلى أن تنحنحت يارا قائلة: "أنا عارفة إنك بالتأكيد بعد اللي حصل من آصف... لم تُكمل يارا بقية حديثها حين قاطعها طاهر بعصبية:
"يا ريت بلاش تجيب سيرة الشخص الحقير ده. أنا فرحت لما سهيلة اطلقت منه وانتهت قصته على كده. ده شخص معدوم المشاعر من البداية. ما كنتش موافق عليه أساسًا، بس هو استغل براءة قلب سهيلة عشان يسهل انتقامه منها وهي وقعت في فخه. صحيح التجربة قاسية بس سهيلة أختي أقوى من إن حقير زي آصف يهزمها. ومتأكد إنها هترجع توقف تاني على رجليها وهتبقى أقوى. حصل ده معاها قبل كده."
نظرت يارا إلى طاهر وكادت تعترف له أنها معجبة به، أو بالاصح لديها شعور خاص ناحيته يزداد. كذلك ود طاهر أن يعترف أن لها مكانة خاصة، لكن أصبحت بعيدة كثيراً عليه. هو لن يعيد نفس القصة مع يارا. رغم اختلاف المشاعر، لكن لا يود أن يجني الفشل لاحقًا. ربما إن انتهت المشاعر من البداية أفضل لكليهما. ساعده القدر في ذلك حين صدح هاتفه برسالة. فتح الهاتف وقرأ الرسالة وتبسم دون وعي لأن الرسالة كانت مازحة
من زميلته التي أخبرته: "بطل غراميات وتعالى المحاضرة الدكتور هيحط درجات العملي عالحضور النهارده." بينما تلك البسمة التي ارتسمت على شِفاه طاهر غرست نصلًا بصدرها. حين سألته بعفوية: "الرسالة من مين؟ أغلق الهاتف ونظر إليها قائلاً: "دي زميلتي اللي كانت معايا من شوية." تساءلت يارا بعفوية: "انت لسه سايبها من دقايق، إيه اللي استجد عشان تبعتلك رسالة؟
لم ينتبه طاهر إلى نبرة الغيرة بصوت يارا. ظنها عادية، لكن سوء حظ أو بالأصح سوء تفكير منه أن يخبرها بإعجابه بأخرى كي يظهر أمامها أنه لديه أشخاص مهمة بحياته. قال عمدًا: "هي بصراحة مش مجرد زميلة عادية بالنسبة لي. أنا بحس إن فيها مميزات كتير من فتاة أحلامي اللي أتمنى أكمل معاها مشواري." ما معنى هذا الكلام؟ ما تفسيره؟ هكذا سألته هو بلوعة قلب تتمنى تفسيرًا آخر غير الذي قاله بتسرع منه:
"أنا وهي مناسبين لبعض في كل شيء. حتى أفكارنا وأهدافنا في الحياة تقريبًا واحدة. بس بصراحة أنا متردد. أنا لسه بدرس في الجامعة. غير مش عارف هي مشاعرها إيه." بقلب منفطر أومأت برأسها بصعوبة نطقت: "قصدك يعني إنك بـ معجب بزميلتك دي، وخايف تفاتحها وتكون هي مش بتبادلك نفس الإعجاب."
شعر أنه تسرع وأخطأ فيما قال. هو ليس لديه مشاعر لتلك الزميلة سوا زمالة فقط. لكن ذلة لسان فهمتها هي خطأ. هو معجب فقط بذكائها العلمي لا أكثر. بينما هناك مشاعر أخرى يشعر بها تجاهها هي، لكن ليس فقط يخشى تطور تلك المشاعر. هناك عائق أمام تلك المشاعر. لا يود أن يجني الخذلان كما جَنَت أخته سابقًا حين صدقت مشاعر آصف، لكن كان كاذبًا وخداعه كاد يوصلها للموت.
بينما هي تشعر بانهيار داخلي. فقط هي هيئة تتماسك أمامه حتى لا تبكي وتلومه لما حرق قلبها بهذه الطريقة. لكن أعطته عذرًا. بالتأكيد لن يلتفت لها بالنهاية. هي نصف شقيقه لـ آصف الذي شبه دمر قلب أخته. مثلما تدمر قلبها هي الآن. أومأ برأسه. كانت تلك الإيماءة وأد لمشاعر الاثنين. وكان هذا آخر لقاء مباشر بينهما. رغم أنهما تقابلا لاحقًا، لكن لم يتحدثا مباشرةً. [عودة]
رغم مرور سنوات، لكن مازالت تحتفظ بقلبها بتلك المشاعر البريئة، والحب الأول الذي لم يكن سرابًا سهل نسيانه كما ظنت. بل ربما مازال يأسر مشاعرها. *** بسيارة آصف كان يقود بسرعة كبيرة على الطريق. بداخله نزيف. سمع صوت رنين هاتفه. للحظة توقع من يتصل عليه، لكن حين أخرجه من جيبه كان شخصًا آخر. وضع الهاتف جواره ثم أوصل سماعة الأذن بأذنيه وسمع قول الآخر: "بعتلك المعلومات اللي وصلتني عن 'شاكر المنصوري'." تنهد آصف بفضول قائلاً:
"تمام. قولي مختصر المعلومات دي." رد الآخر: "شاكر هو المساعد الأول بتاع مي المنصوري، وهي تقريبًا فارضة شخصيتها عليه، حتى في حياته الشخصية هي مسيطرة عليه." تساءل آصف: "قصدك إيه بـ مسيطرة عليه؟ رد الآخر:
"يعني حتى في حياته الشخصية هي اللي اختارت له مراته. رغم إن في قالوا إنه كان على علاقة بالسكرتيرة الخاصة بيه، بس البنت دي اختفت من الشركة تمامًا. وهو فجأة اتجوز من بنت واحد من رجال الأعمال المشهورين، وما حصلش بينهم وفاق وتم الطلاق بالتراضي بينهم. ومن وقتها وهو كل فترة يطلع عليه إشاعة ارتباطه بأي بنت وبعدها تنتهي الإشاعة. في بيرجحوا ده لـ مي هي اللي بتضغط عليه يتراجع قبل خطوة الجواز. طبعًا عشان مصالحها ما تتأثرش بارتباطه ببنت دون المستوى اللي هي بتسعى إليه. وفي ترجيح تاني كمان."
توقف الآخر للحظات. تسرع آصف بسؤال عله يصل للإجابة الذي يريدها، ويصل لبداية خيط يستطيع معرفة قاتل أخيه: "إيه هو الترجيح التاني؟ رد الآخر: "الترجيح ده من عندي. ممكن شاكر يكون لسه على علاقة بالسكرتيرة دي في الخفاء بعيد عن مي. لأن أثناء مراقبته اليومين اللي فاتوا لاحظت تردده على فيلا بمنطقة سكنية جديدة شبه خالية من السكان." ابتلع آصف ريقه قائلاً بأمر: "تمام. عايزة تعرف لي سبب تردده على الفيلا دي، بأسرع وقت."
أغلق آصف الهاتف وأزاح سماعة الأذن لدقائق. ظل يفكر بشخصية مثل شاكر التابع لقرارات امرأة. هل يشبه أخيه "سامر" في الميول الشاذة؟ لكن نحى ذلك عن رأسه وجذب الهاتف وقام باتصال آخر ثم وضع سماعة الأذن مرة أخرى حتى سمع رد الآخر عليه. سأله باندفاع: "عرفت منين إن سهيلة هيتقدم ليها عريس؟ تهكم عليه ضاحكًا يقول: "واضح إنك لسه عاشق يا سيادة المحامي المبجل." تضايق آصف قائلاً بهجاء:
"للأسف يا أسعد باشا رغم إني بشبهك كتير بس مطلعش لك في الحتة دي. قلبي مش مساعد يساع أكتر من ست. قولي عرفت منين؟
تبسم أسعد يشعر بز هو رغم هجاء آصف له وتذكر [قبل أقل من ساعة ونصف]. أثناء جلوسه بسيارته الخاصة، التي يقودها السائق الخاص به على طريق البلدة الشبه ترابي. زفر نفسه يشعر بضجر. صدفة رفع رأسه ونظر إلى تلك المرآة الأمامية للسيارة. لفت نظره تلك التي تسير على جانب الطريق. علم هويتها سريعًا. إنها شبيهة الماضي. تذكر بالأمس حين تعمد تجاهلها أثناء تجوله بالبنك. كذلك هي لم تلفت نظره إليها. فكر لثواني قبل أن يتخذ قراره الخبيث،
وأمر السائق: "وقف العربية." نفذ السائق ما أراده وتوقف بالسيارة. انتظر أسعد لدقائق حتى اقتربت هويدا وكادت تمر من جوار سيارته. لكن هو فتح باب السيارة وطل من خلفه قائلاً: "أستاذة هويدا ممكن خمس دقايق من وقتك." للحظة ارتبكت هويدا وشعرت بهزة في جسدها رجفة. ونظرت حولها بكل اتجاه. كان الطريق شبه خاليًا. مارَّة قليلون وكل ينتبه لسيره. لكن فكرت أن تدلل وترفع من شأنها وسألت وهي تقف بجوار السيارة: "خير يا أفندم؟
تبسم أسعد مجاوبًا: "خير. اركبِ العربية. مش هينفع الكلام وإنتِ واقفة جنب باب العربية." بذكاء منها تلفتت حولها وقالت له: "ميصحش أركب مع حضرتك العربية واقفة في نص الطريق." تبسم لها قائلاً: "هما خمس دقايق مش أكتر." وافقت هويدا قائلة: "تمام بس سيب باب العربية مفتوح."
تبسم أسعد وابتعد للخلف في المقعد ونظر إلى السائق عبر مرآة السيارة. فهم السائق نظرته وترجل من السيارة بنفس الوقت التي صعدت فيه هويدا إلى السيارة. ارتبكت. لكن سرعان ما شهقت شهقة طفيفة بخضة حين صدح رنين هاتفها. فتحت حقيبة يدها كي تغلق الهاتف. لكن علمت هوية المتصل. نظرت لـ أسعد ثم للهاتف الذي مازال يدق بيدها. حسمت أمرها وقامت بالرد بهدوء وثبات. "مساء الخير يا ماما." ردت عليها سحر مباشرةً:
"خلصتِ شغلك في البنك تعالي على الدار عندنا عشان تبقي جنب أختك." استغربت هويدا سائلة: "أبقى جنب أختي؟ ليه مالها؟ تبسمت سحر قائلة: "بخير، بس عشان تبقي جنبها. سهيلة الليلة في عريس جاي يتقدم ليها." ذهلت هويدا سائلة: "وسهيلة تعرف بالموضوع ده؟ وموافقة عليه؟ ردت سحر: "أيوه، ده دكتور من اللي كانوا بيشرفوا على رسالة الدكتوراه بتاعتها. يلا تعالي عندنا عالبيت ابقي جنب أختك." ردت هويدا: "طيب يا ماما."
أغلقت هويدا الهاتف مازالت تشعر باستغراب. لكن نفضت ذلك ونظرت لـ أسعد قائلة: "حضرتك قلت خمس دقايق." راوغها أسعد قائلاً: "خير؟ شايف ملامحك اتغيرت بعد المكالمة." صمتت لحظات مازالت مشدوهة. لكن تخابث أسعد قائلاً: "آسف إن كنت أزعجتك بالسؤال. أكيد ده شيء خاص. ما كانش قصدي أتطفل عليكِ." نظرت له هويدا قائلة دون قصد منها: "لأ أبدًا مفيش إزعاج. كل الحكاية ماما عاوزاني أبقى جنب أختي." زاد الفضول داخل أسعد سائلاً: "ليه خير مالها؟
ادعت هويدا الطيبة قائلة: "أبدًا الحمد لله هي بخير. بس متقدم ليها عريس وماما عاوزاني أكون معاها عشان أنا أختها الكبيرة." سهَم أسعد للحظات. يفكر هل يعلم آصف بذلك. وماذا سيكون رد فعله. أليست هذه هي سهيلة التي بسببها حدث بينهم فجوة وجفاء منذ سنوات. بينما قالت هويدا: "حضرتك منظر وقوف العربية في نص الطريق كده مش لطيف." تنحنح أسعد معتذرًا:
"متآسف إن كنت حطيتك في موقف حرج. عالعموم هدخل في الموضوع مباشرةً. أنا مدير الحسابات اللي كان عندي للأسف في الفترة الأخيرة كبر في السن وبقى محتاج له مساعد يخلص بعد التعاملات الخاصة في البنوك. وكان رشح لي كذا محاسب يساعده في إدارة الحسابات الخاصة بيا. وأنا بصراحة مدير البنك الزراعي مدح لي في شُغلك كتير. وإنك عندك خبرة خسارة تشتغل في بنك صغير زي ده. فأنا كنت لسه هكلم مدير البنك يفاتحك في الموضوع ده، بس الصدفة إني شوفتك النهارده. وقلت أفاتحك أنا مباشرةً دون وسيط. يعني تبقي مساعدة مدير الحسابات عندي. وطبعًا المرتب اللي هتطلبيه."
فرصة عظيمة لها وآتت على طبق من ذهب. لكن فكرت لو وافقت مباشرةً قد يظن أنها ملهوفة. تحدثت بتردد كاذب: "بصراحة دي فرصة كويسة جدًا. بس للأسف أنا عندي مسؤوليات. أنا زوجة وكمان أم. يعني هنا ابني بيفضل عند ماما لحد ما برجع من البنك." تسرع أسعد قائلاً: "سهل ابنك يروح حضانة متخصصة في وقت العمل. عالعموم أنا هسيب لكِ فرصة تفكري وهنتظر ردك واتمنى يكون بالموافقة. واتفضلي ده كارت برقمي الخاص والمباشر."
أخذت هويدا الكارت من أسعد وترجلت من السيارة. لكن قبلها قالت: "تمام هفكر وأرد عليك." رد ببراعة: "هنتظر قرارك وأتمنى يكون بالموافقة. إنتِ مكسب كبير لأي مكان بتشتغلي فيه." تبسمت وهي حاسمة أمرها. لكن لا مانع من بعض التعزيز لنفسها. بينما أسعد من خبرته السابقة في التعامل مع النفوس البشرية على يقين بأنها فقط تتعزز وستوافق لاحقًا.
بعد قليل بـ سرايا شعيب بغرفة المكتب. فكر فيما علمه من هويدا عن طريق الصدفة، بأمر خطوبة سهيلة. تبسم بشمات ولم يظل كثيرًا قبل أن يتصل على آصف. لكن تبسم على عدم رد آصف عليه، بل وإغلاقه للاتصال. لكن لم يستسلم قام بإرسال رسالة متهكمًا بسخرية وشمات: "يا ترى الحارس الخاص اللي معينُه لحراسة الدكتورة سهيلة حرمك المصون، عرفك إن في عريس هيتقدم ليها الليلة؟
علم بالتأكيد أن آصف سيقرأ الرسالة. ضحك بتشفي وهو يضع الهاتف فوق المكتب أمامه ينتظر إعادة اتصال آصف عليه. حتى إن كان اختار أن يبتعد عن دائرته، لكن يعلم خِصاله جيدًا. آصف بارد لكن بشأن سهيلة هو بركان خامل سهل الانفجار بلحظة. وها هو آصف لم يخيب توقعه من ناحيته وعاود الاتصال عليه. [عودة] عاد أسعد يضحك وهو يرد على سؤال آصف:
"وصلني الخبر من مصدر موثوق. أكيد هي متعرفش إنها لسه على ذمتك. وعشان كده وافقت على الارتباط بشخص تاني. الله أعلم مين ومشاعرها إيه اتجاهه. أصل المشاعر مع الوقت بتتغير بسهولة. بس العيب مش عليها العيب على اللي ردها لذمته و... قطع أسعد بقية تهجمه على آصف حين سمع صوت إغلاق آصف لهاتفه. رغم ضيقه، لكن تبسم وهو يتخيل ملامح وجه آصف.
بينما آصف تضايق بشدة وزاد في سرعة السيارة، يشعر بغضب كفيل بهدر دم ذلك العريس الذي ربما يتوقع من يكون. *** مساءً.
بقاعة فخمة بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة كان هناك تجهيز لعرضًا ضخمًا لأشهر مصممي الأزياء. والراعي الرسمي له هو شهيرة التي وافقت على طلب ذلك المصمم وأن تعرض هي الفستان الخاص بنهاية العرض. منذ سنوات لم تسير على ذلك المسرح الخاص بتلك العروض، لكن مازالت تمتلك الرشاقة والسير على المسرح لن يكون صعبًا عليها. مازالت تمتلك الجرأة والثقة بالنفس وهذا كل ما تحتاج إليه. وها هي تسير على المسرح تعرض ذلك الفستان الذي يصف ويشف بعضًا
من أجزاء جسدها. تحصد إعجاب وإطراء مهتمي الموضة وكذلك عدسات التصوير. توقفت أمام تلك العارضات الصغيرات وهن خلفها مثل الملكة والرعية. كان حلمهن أن يصبحن مثلها يومًا ما. تشعر أنها نالت القمة كما أرادت. وقفت تصفق بأناقة لـ مصمم العرض الذي يقترب من مكان وقوفها وانحنى يقبل يدها ثم أعطاها تلك الباقة من الورود. وأتبع ذلك بتقبيل وجنتيها. امتلكتها زهوة خاصة، تشعر أنها ماسة وكل العيون تتشهى النظر إليها. لم تمنع ذلك غير آبهة
بعدسات الهواتف الذكية وعدسات بعض مواقع الموضة وكذلك القنوات الخاصة. ولم تهتم بما سيحدث لاحقًا.
*** منزل أيمن، غرفة سهيلة.
جلست سهيلة على مقعد أمام المرآة تنظر إلى نفسها. شعرت بالبرودة تغزو قلبها. دمعة فرت من عينيها هنا قبل سنوات جلست هكذا. كان بداخلها أملًا أن تحصل على السعادة مع من كان مازال قلبها ينبض بعشقه وقتها. صدقت أكاذيبه الذي كان يخفيها خلف تلك النظارة المعتمة التي كانت تخفي جحيمًا لها معه. دمعة أخرى سالت وهي تتذكر رفض والداها. لكن تخلى غصبًا عن هذا الرفض لاحقًا حين أظهرت أنها راغبة بالزواج من آصف. آصف الذي قصف بداخلها كل
الأماني والأحلام. جعلها تفيق على حقيقة واحدة أنها أصبحت جسد بلا روح. فقط أرادت أن تثبت أنه لم يهزمها كما ظن. عادت تنهض تقف على ساقيها تُكمل طريق. كل ما تريده هو أن تظهر كامرأة ناجحة لم تُهزم من أقوى تجربة سيئة مرت بحياتها. حتى كانت أقسى من تلك الأشهر التي قضتها بين قضبان السجن. لا تعلم لما وافقت على عرض بيجاد. هناك ترجيحات قليلة جدًا. هل أرادت أن تبدأ حياتها مرة أخرى من جديد؟
هل أرادت أن تضع نهاية وحائط صد أمام آصف، بعد عودة ظهوره أمامها؟ والترجيح الأقرب هي أرادت أن تثبت أنها أقوى دائمًا وهي فقط من تتحكم بإرادتها. رفعت يديها وجففت تلك الدمعة حين سمعت صوت مقبض باب الغرفة. رسمت بسمة مزيفة حين رأت دخول آسميه تحمل حسام قائلة بمرح: "يلا يا حسام سقف لـ سهيلة وقولها مبروك." صفق حسام بيديه مرحًا. بينما اقتربت آسميه من سهيلة وقامت بتقبيل وجنتيها بمحبة. لكن سرعان ما سئم وجهها حين دخلت هويدا للغرفة
ونظرت إلى سهيلة قائلة: "مش تحطي روج أو كحل في عينك، ينوروا وشك شوية. اللي يشوفك يقول حد غاصب عليكِ." نظرت لها آسميه بنزق قائلة: "مالها وشها منور من غير أي مكياج يخليها شبه البلياتشو." تضايقت هويدا وصمتت. عقلها مشغول بعرض أسعد الذي بالنسبة لها فرصة كبيرة لن تضيعها. *** ألمانيا. أغلق مدحت ذلك الصندوق مبتسمًا، يقول: "أنا مبسوط من فترة مكسبتش في لعب الطاولة ولا الشطرنج."
نظر آيسر إلى تلك الصامتة التي تشاركهم فقط بالمشاهدة. وتيقنت من خباثة آيسر الذي كان من السهل عليه ربح والدها أكثر من مرة، لكن كان يتغاضى عن ذلك ويتقبل الهزيمة. تبسم قائلاً بمرح: "أول مرة تحصل معايا وأنهزم في لعب الطاولة والشطرنج، بس المثل بيقول: الخسران في اللعب كسبان في الحب."
تبسم أيضًا مدحت هو الآخر معترفًا أن آيسر أحرف منه، لكن كان يتعمد الخسارة من أجل يماطل في الوقت حين يطلب منه اللعب مرة أخرى تعويضًا لخسارته. أُعجب كثيرًا بذكاء آيسر، لكن طال الوقت وبدأت روميساء في التثاؤب. وضح على وجهها الإرهاق. تبسم وهو ينهض قائلاً: "أنا لسه قدامي أسبوع بحاله هنا في ألمانيا. ولازم ألعب مع حضرتك جيم مرة ثانية عشان أعوض خسارتي النهارده." تبسم مدحت له قائلاً:
"تمام. هستناك بكرة في نفس الوقت. بصراحة إنت لاعب ممتاز وخليتني أحس بزهو وفخر إني حريف." تصعب آيسر بمرح قائلاً: "المثل بيقول يا بخت من بات مغلوب، ولا إيه يا رومس." تعصبت روميساء من نطقه هذا الاسم وقالت: "اسمي روميساء. وماليش في الأمثال والكلام الفارغ. مش بعترف غير بالأحقية والجداره. غير كده يبقى فشل. وبالذات لما يكون الشخص كان قدامه أكتر من فرصة للفوز ويضيعها بإيده يبقى 'مغفل'." رسم آيسر بسمة برود قائلاً بحنكة:
"أوقات ممكن الشخص يتنازل عن فوز كان قدامه سهل، عشان يكسب الصعب بسهولة بعد كده." تنهدت روميساء بضجر من هذا السمج الذي يحاور من أجل المماطلة وبقاؤه أكثر. لكن هي ضاقت ذرعًا منه تهكمت بلوى شِفاها بسخرية. تبسم آيسر، يعلم أنها على شفا لحظة وستقوم بطرده مباشرةً. تنحنح قائلاً بسماجة متعمدة:
"إن شاء بكرة هاجي في نفس الميعاد، يا عم مدحت، ويمكن يكون معايا الحظ وأنا اللي أكسب حضرتك. أصل الحظ مش دايماً بين لحظة والتانية اللعبة بتتغير." ماذا لو صفعته الآن؟ لا. ماذا لو قامت بإلقائه من شرفة الشقة؟ لا. ماذا لو قامت بضربه على رأسه بقوة ضربة أفقدته الذاكرة؟ هذا أفضل حتى ترتاح من رؤية ذالك السمج مرة أخرى. لكن لا تعلم أنها أمام طيار مثابر. *** أمام منزل أيمن.
ترجل آصف من السيارة هرول سريعًا نحو باب المنزل مباشرةً. دق الجرس، وانتظر اللحظة تمُر ساعات. بينما بداخل المنزل. رحب كل من آسميه وأيمن بـ بيجاد، كذلك سحر. جلسوا جميعًا بغرفة الضيوف بينهم حديث هادئ. حاز بيجاد على إعجاب آسميه ببساطته ومرحه. بينما كانت هويدا تشعر بالسخافة منه. دق جرس باب المنزل. كادت تنهض سحر، لكن نهضت هويدا قائلة: "خليكِ يا ماما أنا هفتح الباب أشوف مين."
ذهبت هويدا فتحت باب المنزل، نظرت أمامها بذهول. بالتأكيد هذا مستحيل. لكن فكر عقلها، أيعقل أن يكون أسعد أخبره؟ وجه آصف واضح عليه الغضب. انزاحت قليلًا بجوار باب المنزل. دلف آصف دون استئذان منها. بينما بغرفة الضيوف تنحنح بيجاد قائلاً:
"أنا سبق وطلبت من الدكتورة سهيلة إنها تقبل وتتجوزني. وهي أبدت موافقة. وحسب الأصول المفروض كان يبقى معايا حد من عيلتي. بس أنا ماليش غير أمي وأختي مسافرة مع جوزها السعودية. للأسف ماما مقيمة عندها الفترة دي تراعيها عشان حامل ومعاها أولاد محتاجين رعاية. فانا قلت أجي لحضرتك أطلب إيد سهيلة ونقرأ الفاتحة وإن شاء الله."
توقف بيجاد عن تكملة حديثه حين سمع صوت تصفيق. كذلك توجهت أنظار من بالغرفة بغضب إلى ذلك الذي اقتحم الغرفة يصفق. رغم أنه يشعر بنيران تتآكل بداخله، لكن رسم الهدوء والبرود، وتوقف عن التصفيق قائلاً باستفزاز: "الشو خلص. مقدرش أقول غير إن الأداء كان هزلي، يفطس من الضحك. مش معقول يا دكتور جاي عشان تطلب إيد الدكتورة. وهي على ذمة زوج. بصفتي بمارس مهنة المحاماة قانونًا ده يعتبر سفه منك."
شعرت سهيلة بتيبس بساقيها. حاولت النهوض حتى وقفت عليهم بصعوبة ونظرت له بنفور وغضب قائلة بتكذيب: "بس أنا مش على ذمة زوج، ولا... قاطعها وهو يقترب منها بخطوات واثقة يظهر برودًا يثلج صدرها: "ولا يا دكتورة، إنتِ مراتي شرعًا وقانونًا." ذهل عقل سهيلة وتعلثمت قائلة: "مستحيل إحناطلقنا وفي قسيمة طلاق تثبت ده." ضحك آصف باستفزاز قائلاً بثقة:
"كنت متوقع إنك مش هتقري وثيقة الطلاق. كان كل هدفك تشوفي إمضتي على قسيمة الطلاق وخلاص. بس نسيتِ إني كنت على درجة مستشار أول يعني كنت قاضي قبل ما أبقى محامي. وأفهم. وأعرف أستغل ثغرات القانون وأطوعها لمصلحتي كويس. تفتكري كان ممكن بسهولة أوافق عالطلاق غير لو عارف إني هقدر أردك تاني لـ ذمتي حتى لو كان بدون علمك. الطلاق كان راجعي يا دكتورة."
ذهلت سهيلة تنظر له ببغض وغضب ساحق وهي تراه يتقدم بالسير إلى أن توقف أمامها مباشرةً يضع عيناه بعينيها بوقاحة. ارتجف جسدها، تشعر بضياع. ازداد تأثيرًا حين أخرج آصف من جيبه وثيقة وقام بمد يده بها لها قائلاً بثقة مفرطة: "فاكرة سبق وقولتلك هتفضلي مراتي لحد آخر لحظة بعُمري اللي ربط بينا عشق غازي مستوطن بقلبي. صعب.. لاء... مستحيل... تتحرري من عشقي بلحظة."
أخذت سهيلة الورقة من يد آصف وقرأتها. هي حقًا وثيقة زواج أخرى بتاريخ قبل نهاية فترة عدتها. ذُهلت تشعر برجفة قائلة بتعلثم: "ده مستحيل." رسم بسمة باردة قائلاً بأحقية له: "أنا فعلًا مستحيل أتخلى عن حقي فيكِ يا سهيلة، بس تأكدي إني جيت لكِ مرتين المرة التالتة إنتِ اللي هتيجي لحد عندي." اقترب أكثر منها هامسًا جوار أذنها بثقة: "وقريب جدًا." لم يخجل من الجالسين وطبع قبلة على وجنتها وأتبعها بعشق متملك: "يا حبيبتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!