الفصل 19 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
23
كلمة
5,305
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

بعد مرور شهر ونصف. دروب مُتعرجة وملتويه تسير بها، تشعر كأن هنالك من يتعقبها، تحاول السير سريعًا، لكن كلما ظنت أنها وصلت إلى نهاية الطريق، تجد نفسها بنفس مكان البداية. لا تعلم إن كانت طرق متشابهة، أم أنها تائه بنفس الطريق. توقفت تشعر بإنهاك، تنظر إلى تلك الدروب أمامها، تشعر بحيرة أي درب تسلكه لتخرج خارج تلك الدروب، لكن فجأة تشنج جسدها حين شعرت بيد توضع على كتفها، إذن صدق حدسها، هنالك من يتعقبها فعلًا.

إستدارت بصعوبة تنظر خلفها، زاد تشنج جسدها للحظات، قبل أن تنتفض بعيدًا بخطوة. تمقت تلك البسمة وذلك الصوت الذي نطق اسمها بنبرة هادئة: "سهيلة". شعرت برهبة من تلك النظارة التي تخفي عينيه، بالتأكيد يخفي خلفها الجحيم. عاودت خطوة أخرى للخلف، لعدم انتباهها كادت تتعرقل، حاولت تفادي السقوط، لكن شعرت بقبضة يده على معصم يدها يمنع سقوطها، حتى استقامت واقفة، سرعان ما سحبت يدها بعنف. نظرت حولها، كل الطرق تتشابه. نطق لتلك الكلمات

كان مثل سن نصل فوق الحديد: "سهيلة، إحنا طريقنا واحد، مهما تحاولي بنهاية الطريق هتتقابل دايمًا." بسبب صوت تنبيه الهاتف، فتحت عينيها بفزع، نظرت حولها بترقب للحظات، قبل أن تفيق من هذا الحلم، بل الكابوس. جمعت خصلات شعرها بيديها للخلف وزفرت نفسها قائلة: "الكوابيس دي مش هتنتهي، ليه آصف ظهر تاني بحياتي؟ كنت نسيته، وفكرت نفسي بقيت أقوى. ليه رجع يلازم أحلامي من تاني؟

لازم يفضل بعيد عني، ولازم أكون أقوى من كده. آصف مالهوش مكان في حياتي، هو أكتر شخص وثقت فيه واتسبب في أكبر أذى في حياتي." زفرت نفسها تحاول نفض تلك المشاعر البغيضة عن قلبها، لكن عاود تنبيه الهاتف. جذبته من فوق الطاولة، وقامت بالضغط على الشاشة فوق علامة توقف. بالفعل توقف تنبيه الهاتف، لكن كان هناك بعض الإشعارات، فتحت الهاتف تراها.

تبسمت من ذاك الفيديو المضحك المرسل لها من رحيم معه عبارة "صباح الخير". تبسمت وهي ترى موعد إرسال هذه الرسالة كان باكرًا جدًا. ضحكت قائلة: "رحيم اللي ما كانش بيقوم من النوم وماما كانت بتصحيه بالعافية عشان يقوم يروح المدرسة أو ميعاد دروسه، بقى بيصحى قبل الفجر." سرعان ما خفتت بسمتها وهي ترى إشعار آخر لأحد المواقع الخاصة بأخبار عامة، واستهزأت من مدح تلك المراسلة بذكاء وحنكة المحامي الشاب. أنهى القضية وربحها كالعادة.

سخرت قائلة: "هو ده العدل اللي كنت بتقول عليه، عدالة القانون بمنظور آصف أسعد شعيب." تصفحت أخبار أخرى، لكن وضعت الهاتف فوق الفراش وتبسمت حين سمعت صوت دفع باب الغرفة الموارب وهرولة ذاك الصغير يمرح بضحكات بريئة وهو يتجه نحوها على الفراش يصعد بجوارها كأنه يختبئ بها. تبسمت وهي تضمه قائلة: "انت هربان من تيتا سحر." تبسمت أسيمة التي دلفت خلفه قائلة: "لاء هربان مني أنا." ضحكت سهيلة قائلة: "وهربان من ناناه ليه."

جلست أسيمة على الفراش وذهب الصغير وجلس على ساقيها. تبسمت له بمودة قائلة: "والله الواد ده خسارة في أمه هويدا." تبسمت سهيلة وهي تداعب خصلات شعره قائلة: "سبحان الله، انتِ بتحبي حسام جداً وبتدلّعيه وهو كمان بيحبك، عكس هويدا. انتِ وهي مش عارفة سر عدم تقبلكم لبعض، رغم إنها المفروض كانت تبقى الأغلى على قلبك لأنها أول حفيدة." بخطأ من أسيمة دون وعي قالت:

"والله الحفيدة اللي من النوعية الغتوتة دي قلتها أحسن والحمد لله إنها مش حفيدتي." استغربت سهيلة رد أسيمة وظنت أنها تمزح. بنفس الوقت كانت سحر تدخل إلى الغرفة وسمعت ذلة لسان أسيمة. تداركت الموقف ونظرت لأسيمة بتحذير قائلة: "انتِ طول عمرك كده يا ماما تحبي تهزري، وهويدا معذورة شغلها في البنك تقيل." تهكمت أسيمة قائلة: "آه فعلًا تقيل، ربنا يكون في عونها، بس المحروس جوزها بقالي فترة مس بشوفه خلقته السمحة." ردت سهيلة:

"ادعي له يا تيتا بيشتغل في بنك استثماري، هويدا بتقول إن المرتب كويس، وإنها قالت يشوف لها وظيفة في البنك ده هي كمان." رفعت أسيمة يديها قائلة: "ربنا يرزقها إياكش تشبع، وتهتم شوية بابنها اللي من وقت ما ولدته وهي زي ما تكون ما كانتش عاوزاه ولا جايباه من حرام." ردت سحر: "لازمته إيه الكلام الفارغ ده، بعدين حسام هو اللي بيسليني أنا وأيمن معظم الوقت لوحدنا." تبسمت أسيمة ونظرت لسهيلة بحنان قائلة:

"عقبال ما أشيل ولاد بقية أحفادي." شعرت سهيلة بوخز في قلبها لكن تبسمت قائلة: "طاهر جاي قريب في ميعاد إجازته، يلا يا تيتا بقى جهزي له لستة عرايس." نظرت أسيمة لسهيلة بغصة ولم تريد الضغط عليها بالقول، كذلك سحر شعرت بآسف. بينما تبسمت سهيلة على أفعال حسام الذي نهض من فوق ساق أسيمة وخرج من الغرفة. نهضت سحر قائلة: "أما أطلع ورا حسام لا يلعب في حاجة في المطبخ." نهضت أسيمة هي الأخرى قائلة:

"خديني معاك، خلينا نسيب سهيلة تكمل نوم، أكيد حسام اللي صحاها." تبسمت سهيلة، قائلة: "لاء أنا كنت صاحية، هقوم أتوضأ وأصلي الضهر، الحمد لله عندي النهارده إجازة من المستشفى آخد راحة شوية للمسا ميعاد العيادة." نظرت لها أسيمة بمحبة قائلة: "ربنا يعينك يارب." خرجن أسيمة وسحر ذهبن إلى المطبخ، جلسن خلف طاولة صغيرة يقمن بتجهيز بعض الأطعمة. تركت أسيمة ما كان بيديها ونظرت إلى سحر سائلة: "هنفصل ساكتين لحد إمتي يا سحر؟

أنا مش عاجبني حال سهيلة، طاحنة نفسها في الشغل بين المستشفى والعيادة، أمتى هتشوف نفسها وتعرف إن العمر بيعدي. الأول كنا بنقول تخلص الماجستير والدكتوراه، والوقت هينسيها اللي حصل من اللي ما يتسمى ابن أسعد. فات أكتر من خمس سنين، المفروض تفوق بقى لنفسها وتبني لها حياة ويكون ليها أولاد، مش شايفة حبها لحسام ومعاملتها له كأنه ابنها. نفسي أشيل ولاد أول حفيدة ليا وأفرح بيهم، أنا مبقتش صغيرة." شعرت سحر بغصة قوية قائلة:

"أنا كمان نفسي سهيلة يبقى ليها بيت وولاد وأفرح بيهم، دي بنتِ الوحيدة، خايفة. ولمحت لها كذا مرة، وهي بتتهرب مني بأي حجة. خايفة يكون لسه آصف في قلبها." نفضت أسيمة ذاك برفض قائلة: "مستحيل اللي ما يتسمى ده يكون لسه في قلبها بعد اللي عمله فيها، هي بس تلاقيها خايفة من التجربة، ولازم تعرف إن مش معنى إنها عاشت تجربة سيئة توقف حياتها." تنهدت سحر بآسف: "والله قولت كده لأيمن وقالي سيبيها على راحتها." زفرت أسيمة نفسها قائلة:

"أيمن غلطان.. لو سيبناها على راحتها هتفضل خانقة نفسها." ردت سحر: "أيمن حاسس بالذنب بسبب اللي حصلها مع آصف، لغاية دلوقتي بيلوم نفسه إنه اتنازل وقبل جوازها منه." تنهدت أسيمة بآسف وآسف: "مش ذنب أيمن، ده ذنب آصف اللي خدعها، وهي كانت لسه صغيرة وقلبها متشعب بأمل إنها تظهر براءتها قدام الناس، بس هو أثبت إنه من نسل عيلة شعيب طلع واطي وقذر زي ابن عم أبوه زمان... ما عمل مع ابتهال، بس ابتهال ما كانتش بريئة زي سهيلة." ***

في مكتب آصف ظهرًا. كان يضجع بظهره على المقعد، ينظر إلى شاشة الهاتف. أغمض عينيه للحظات ثم فتحهما، تنهد بشوق يتلمس بأنامله تلك الصورة على شاشة الهاتف. ما زالت ملامحها لا تفارق خياله، كأنها وشم يستحيل إزالته حتى بالكي بالنار، وإن كان حقًا يشعر بأن قلبه مكوي بلهيب الفراق. سمع صوت فتح باب المكتب، لوح رأسه ونظر لمن دخل. أغلق الهاتف واستدار بالمقعد ينظر إلى إبراهيم الذي دلف ثم سأله باستخبار: "ها القضية اتحكم فيها."

تبسم إبراهيم بزهو قائلًا: "قولتلك القضية مش هتاخد معايا وقت، أهو الحكم صدر." تبسم آصف وهو يجذب سيجارًا وأشعله ثم نفث دخانه قائلًا: "عاوزك تطلع قرار تنفيذ الحكم في أسرع وقت ويتبعت على العنوان التاني." أومأ إبراهيم قائلًا بتوضيح:

"بس خد بالك حُكم الطاعة دلوقتي بقى مختلف عن زمان، مبقاش أوضة وقُلة وحصيرة. لازم مسكن لائق، غير كمان بقى في ضوابط، وكمان هي تقدر ترفض لو قدمت للمحكمة التماس بأي حجة مقنعة، زي عنيف، أو بخيل مثلًا."

عنيف… هو فعلًا خسرها بسبب ذلك، لكن هو على يقين أنه ليس كما تعتقد عنه. يعلم جيدًا أنه لو كان تزوج بها قبل مقتل سامر، كان أذاقها من كؤوس غرامه، لكن أخطأ ودفع الثمن صدمات ألقتها بوجهه. والصدمة الأقسى أعترفها بأنه كرهته أكثر مما أُغرمت به سابقًا، كرهها قاتل وهو يستحق ذلك. لكن قبل تنفيذ قرار الإعدام يسألون المحكوم عليه عن رغبته الأخيرة، لما لا تسأله هي عن رغبته الأخيرة ويبوح لها رغبته الأخيرة، قبل أن أعثر على صفحتك الأخير أُريد "قُبلة وعِناق". قُبلة… أتنفس منها آخر نسمات الحياة. عِناق… أشعر بعودة هويتي كإنسان وأني لستُ جمادًا بلا مشاعر كما تظنين.

زفر دخان السيجار يشعر بوخزات نازفة بقلبه، ليس أمامه غير هذا الطريق، مُرغمًا بعد لقائه بـ سهيلة. هي لن تغفر، وهو لن يستسلم ويرفع الراية ويتركها لآخر غيره. حتى لو كان عودته لحياتها إجباريًا يفرض نفسه عليها. لابد أن ترى الوجه الآخر له، أو بمعنى أصح الوجه الحقيقي الذي عشقها. ربما ضل في وسط الطريق، لكن هناك فرصة للرجوع قبل منتصف الطريق. كل ما يحتاجه هو فرصة أخرى يصلح ما أفسده بحماقة انتقام زائف.

بنفس الوقت صدح رنين هاتف آصف. نظر إلى الشاشة فكر قليلًا في عدم الرد، لكن إبراهيم نهض ونظر إلى شاشة الهاتف بفضول ثم نظر بتعجب لآصف قائلًا: "مي المنصوري مش بترد عليها ليه؟! زفر آصف دخان السيجار قائلًا بسأم: "مش عارف، مش بحب طريقة كلامها المتكلفة زيادة عن اللزوم، بحسها منفوخة على الفاضي." تبسم إبراهيم قائلًا: "منفوخة على الفاضي، إنت مش شايف جمالها ولا شخصيتها؟

دي في رجال أعمال لهم اسمهم وسطوتهم، بس يتمنوا إشارة منها وهيركعوا تحت رجليها. وأنا لو مش متجوز عن مراتي عن حب كنت بقيت زيهم." التقط آصف قلمًا من على المكتب وألقاه على إبراهيم قائلًا بذم: "بتقارن مراتك اللي استحملتك وإنت بتبدأ من تحت الصفر بشخصية باردة وجافة زي مي المنصوري." تبسم إبراهيم قائلًا:

"لاء طبعًا، بس واضح إن مي مش هتبطل اتصال قبل ما ترد عليها. أنا قايم أروح أتغدا مع مراتى وولادي، وإنت ماين نفسك شوية واتحمل غلاسة مي، دي برضه مش زبونة عادية. يلا أشوفك بعدين." خرج إبراهيم وترك آصف الذي ينظر إلى شاشة هاتفه، الذي انتهى مدة الرنين. تنهد للحظات لكن سرعان ما عاد الرنين مرة أخرى. بضجر قام بالرد. سمع اندفاع مي بغضب وهي تقول بسؤال كأنه أمرًا: "اتصلت عليك أكتر من مرة ليه مش بترد عليا من أول اتصال."

زفر آصف نفسه لكن لم يحاول تقبل طريقتها الآمرة وقال بغلظة: "والله أنا مش فاضي طول الوقت للرد على الاتصالات، افرضي إني كنت في اجتماع مع عميل للمكتب، أو حتى باخد وقت راحة. في سكرتارية في المكتب كان سهل تتصلي عليهم وتطلبي معاد وهما هيبلغوني." رغم أنها غاضبة من طريقة رده المتعالية عليها، لكن هذا يثير إعجابها أكثر. هي تعودت أن تكون ذات شأن وأولوية لدى الجميع. ابتلعت ذلك وقالت: "المستندات اللي سبق وطلبتها بقت جاهزة."

تنهد آصف قائلًا: "تمام.... قبل أن يطلب آصف منها إرسالها أو حتى أن تأتي بها إلى المكتب، قاطعته مي قائلة:

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...