الفصل 12 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
19
كلمة
5,371
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

شعرت بزيادة خفقان قلبها حين دلفت إلى الغرفة. رفعت يدها لتضعها على زر الإنارة كي تُشعل الضوء، لكن شعرت بشيءٍ ما أسفل يدها. سرعان ما سحبت يدها وشهقت بخضة قبل أن يُسْطَع ضوء الغرفة وتراها هويدا أمامها. تنهدت، تضع يدها فوق صدرها تستنشق بعمق. تهكمت هويدا، تلوّي شفتيها بسخرية واستهزاء، قائلة: مالك، وشك اتخطف كده ليه؟ شوفتي عفريت؟ ولا لسه عايشة تحت تأثير الفترة اللي قضيتيها في السجن. نظرت سهيلة لها بغصة وقالت:

لأ، بس اتخضيت ومتوقعتش تكوني لسه صاحية لدلوقتي. تهكمت هويدا قائلة: معلش، خيبت توقعك. أصلي كنت نايمة وفجأة حسيت إن ريقي ناشف صحيت، وكُنت رايحة أشرب من المطبخ. بس مالك بتنهجي كده زي ما تكوني كنتِ بتجري، ولا حد قارصك. ارتبكت سهيلة وأجابتها بهدوء: قولتلك إني بس اتخضيت، كنت متوقعة تكوني نايمة. مش كنتِ رايحة المطبخ تشربي؟ *** ألمانيا.

"حرب، قتلى مدنيين أبرياء تتساقط، منازل تُهدم على قاطنيها بسبب غارات غاشمة من عدو لا يعرف الإنسانية. مشفى ميداني ووالدتها به تحتضر بعد أن أصابتها إحدى قذائف بارود العدو الغاشم."

استيقظت من غفوتها، تشعر كأن هذا ما زال يحدث الآن، ليس من سنوات مرت. تمر الذكريات أمام عينيها، ما زال نفس شعور الخوف يتملكها حتى بعيدًا عن وطنها. ظلت شاردة بماضيها الأليم للحظات حتى عادت للواقع. جففت ذلك العرق الذي كان يغزو وجهها، وكذلك تلك الدموع، وكذلك ابتلعت مرارة تلك الغصات القوية.

نهضت تلك الشقراء من فوق فراشها، تحاول نفض تلك الذكريات المريرة. تواسي نفسها من أجل أمل بمستقبل، وكذلك من أجل والدها، الشخص الذي بقي لها وظل معها بمشوار لم يكن سهلاً بالغربة بعيداً عن موطنهم الذي تركوه قسراً. لو ظلت تتذكر تلك الأيام أكثر قد تصاب بالإحباط. تحاول التعايش مع حياة الغربة، ترسم أماني ومستقبل تريد أن يكون أفضل، قد يواسي جراح الماضي التي لم ولن تلتئم. لكن كما يقولون: "الحياة تستمر".

بعد دقائق، وضعت آخر طبق قامت بطهيه على طاولة صغيرة بالمطبخ. رغم الألم الساكن بالروح، لكن سرعان ما تبسمت كعادتها وهي تنظر خلفها لذلك الكهل الذي دلَف إلى المطبخ قائلاً: صباح الخير يا "رومس". ردت بمودة: صباح الخير يا بابا. نظر إلى طاولة الطعام التي أصبحت ممتلئة. للحظة تملك منه شعور بالغصة، لكن تبسم قائلاً:

بقالنا أكتر من اتناشر سنة في ألمانيا، كل يوم بفوق من النوم على الصبح بدري على ريحة طعام الفطور الطيبة من إيدك. يا هناه اللي بتكونِ من نصيبه، مش بس راح يفيق على وجه جميل، لأ وكمان راح يسيل لعابه من ريحة ومنظر الطعام الطيبة، غير الطعم الشهي. تبسمت وهي تقترب منه، تحتضن يده بيديها قائلة:

كل يوم بتقول لي هدول الكلمات يا بابا، وأنا بقول لك إني ما راح أتركك وأفل، راح أضلني على قلبك هيك. ما بنسى يا بابا كيف حملتني وقت الحرب على كتفك، وقتها كان عمري اتناشر سنة وهلأ صاروا أربعة وعشرين. تلألأت الدمعة بعينيه، يشعر بغصة قائلاً: اتناشر سنة مروا بدون "ياسمين"... ما نزلتش لبنان حتى مرة واحدة مشان أزور قبرها وأقرأ لها الفاتحة على روحها. شعرت هي الأخرى بغصة قوية ودمعت عينيها، لكن حاولت التخفيف عنه قائلة:

اقرأ لها الفاتحة من هون يا بابا، بتوصل لها من أي مكان. بابا، أنا اليوم عندي مقابلة عمل، ادعي لي يا بابا إني أُقْبَل العمل في هيك شركة. دي تبقى فرصة كبيرة إلي، هيك الشركة كتير كبيرة وليها تعاملات مع مطارات ألمانيا كلها. ضمها مبتسماً، يقول بتشجيع:

متأكد راح يقبلوكِ بها الشركة، إنتِ عندك امتيازات كتير. أولها تقديرك الجامعي الجيد جداً، غير كمان تقدير رسالة الماستر اللي أخدتيها بامتياز. وقبل كل ده هوايتك وحبك لقطع الغيارات الخاصة بالطيارات. فاكر وقت ما كنت في الجامعة كانوا عم ياخدوكم للتدريب بالمطارات، كنتِ عم تحصلِ على تقدير وإشادة كبيرة من المهندسين اللي عم يشرفوا عليكن. حتى إنت كنت تحكي لي إنهم عم يستغربوا إن بنت تحب هندسة الطيارات. تبسمت رومس بأمل قائلة:

أنا كنت من صغري بهوى هدول الطيارات. ناسى إن الماما كانت بتشتغل مضيفة داخلية بالمطار وكانت تاخدني معاها، كانت تبحث عني في غرف صيانة الطيارات في المطار. تبسم لها قائلاً:

إنتِ ورثتي جمال الماما، وكنت راح تكوني أجمل مضيفة بالعالم. بس حبستي حالك ورا هدول العوينات اللي حوالين عيونك. رغم هيك، عمر العوينات ما أخفوا جمال عيونك. كمان جمالك اللي دايماً بتخفيه بلبس الصبيان اللي عم تلبسيه. بس إنتِ حابة تثبتي عكس مقولة "إن المرأة الجميلة فارغة العقل"، بتجمعي بين الجمال الطاغي ومعاه كمان الذكاء الفني، بس ضعيفة في الذكاء الاجتماعي كتير. ورغم هيك، متأكد إن الشركة راح تقبلك بترحيب. آمنت

على دعمه لها قائلة بأمل: بس أُقْبَل في الشركة يا بابا، راح أكمل من بعدها رسالة الماجستير والدكتوراة، بتطبيق عملي. *** بمطار القاهرة. قبل أن يدلف آيسر إلى قمرة قيادة الطائرة، توقف يمدح تلك المضيفة كعادته مع أي مضيفة تكون معه على الطائرة، قائلاً: إيه الاحتشام والرقة دي كلها. تبسمت له، تعلم طبعه المرح. بينما استنشق الهواء، يشعر بصفاء من تلك الروائح الطيبة، قائلاً: إيه الروائح الجميلة اللي في الطيارة دي؟

تبسمت له المضيفة قائلة: دي ريحة الركاب "مسك وعنبر"، مش الطيارة رايحة السعودية ومعانا الحجاج. تبسم لها بانشراح قلب قائلاً: يعني الاحتشام والرقة دي عشان كده بقى. أنا بقالي تلات سنين بشتغل طيار وبنقل ركاب، بس دي أول سنة أنقل الحجاج. ربنا يتقبل منهم ومني. كمان خدي بالك، الحجة مامتي هنا معانا على الطيارة، عاوزك تتوصي بيها بزيادة عشان خاطري. تبسمت المضيفة قائلة:

عنيا، خاطرك غالي. بس إنت قولي هى فين وأنا هتوصى بيها لحد ما نوصل للمدينة المنورة. بعد لحظات، عبر مكبر الصوت الخاص بالطائرة، تحدث آيسر بمرح:

صباح الخيرات للسادة الركاب، بتمنى لكم رحلة لطيفة في الطيارة. عارف إنكم جميعاً رايحين السعودية لتأدية فريضة الحج. ربنا يتقبل منكم ويغفر ذنوبنا جميعاً. بطلب منكم تفتكروني بالدعاء معاكم. وبالمناسبة كمان، ترحيب خاص مني لـ ست الحبايب وست الكُلاللي اللي منورة الطيارة، "الحجة شكران" أمي. صباح الأنوار يا حجة شكران. كمان الست اللي شاركت في تربيتي وكانت بتواليني كتير لما بغلط. صفوان.

ربنا يتقبل منكم جميعاً، ما تنسونيش في دعواتكم. ادعولي ربنا يبعد عني مطبات الهوا، وكمان الإرهابيين اللي كيفهم يخطفوا الطيارات. طب قولولي، لما يخطفوا الطيارة هيستفادوا إيه؟ ولا حاجة. إحنا الطيارين غلابة والله. هما مفكرين الطيار ده أساساً سوبر مان. طب أنا هشهدكم، إحنا أهو في الهوا، حسيتوا بأي حاجة؟ أنا بقى سايق على سرعة هادية، محافظ على مطبات الهوا عشان راحتكم.

رغم حزن قلبها، لكن تبسمت على حديث هذا الثرثار الذي يمزح من أجل أن يجعل قلبها يهدأ من الحزن قليلاً، لكن الحزن ساكن الروح وصعب أن يهدأ. *** بالجامعة ظهراً. قبل قليل، أثناء خروج يارا إلى فناء السرايا، تقابلت مع أسعد الذي وقف ينظر بساعة يده، ثم نظر لها بتبسم، سألاً: الساعة حداشر، عندك محاضرة في الجامعة. ردت له الابتسامة وهي تقترب من مكان وقوفه: أيوا، عندي سكشن عملي ولازم أحضره. تبسم لها قائلاً:

طب بلاش تاخدي السواق وتعالي معايا في عربيتي. أنا عندي مشوار قريب من الجامعة، هوصلك في طريقي. تبسمت له بترحيب قائلة: طبعاً، شرف كبير ليا إن اللي يوصلني سيادة النائب في سِكّته. تبسم وهو يضمها أسفل يده، ثم تركها تصعد للسيارة. كان بينهم حديث عائلي أثناء الطريق إلى أن وصلت أمام الجامعة. ترجلت من السيارة، لكن وقفت للحظات تتحدث مع أسعد، الذي فتح شباك السيارة وتحدث لها قليلاً بأبوة.

بينما بنفس وقت وصول السيارة أمام الجامعة، كان طاهر بالصدفة يخرج من الجامعة، لكن أوقفه زميل له يسأله عن بعض المواد الدراسية. وقف يرد عليه إلى أن انتبه لتلك السيارة التي يعلم هوية صاحبها. هو رآها أكثر من مرة تسير في البلدة وعلم أن صاحبها هو "أسعد شعيب". للحظة استغرب نزول يارا من تلك السيارة، لكن تذكر سابقاً أنها أخبرته أن والدها من كفر الشيخ. ظن في البداية أنه ربما أسعد صديق قريب لوالدها، لكن سمعها تقول:

باي باي بابي، أشوفك المسا في السرايا. إذن، يارا هي ابنة أسعد، وأخت "سامر". كيف لم ينتبه لذلك سابقاً؟ سيارتها الفارهة التي سبق وترجلت منها أمامه، وكذلك هواتفها ذات الماركات العالمية والغالية. ربط كل هذا بعقله. شعر لأول مرة أنه أخطأ وعليه التوقف وعدم الاستمرار بذلك الخطأ، خطأ شعوره بمشاعر خاصة حين يرى يارا أو يتحدث معها حتى برسائل هاتفية.

لحسن الحظ، لم تراه يارا أثناء دخولها إلى الجامعة. ظن أنها ربما رأته وقصدت تجاهله عن عمد منها. لكن حسم أمره، عليه أن يُلجم تلك المشاعر، وكذلك يقلل الحديث مع يارا، أو حتى يمنعه نهائياً. فهو لم ينسَ اتهامات وتهديدات أسعد لأخته بالمحكمة، أو نظراته لها الدونية، وهو لن يسمح بذلك مرة أخرى. لتنتهي تلك المشاعر قبل أن ينجرف نحو هاوية "الطبقات الاجتماعية". *** قبل العصر بقليل. بجزيرة البُلُس.

ذلك المكان الذي شهد على قصتهم من البداية. هنا كان أول حديث دار بينها وبين آصف. هنا أيضاً اعترف لها أول مرة بتلك المشاعر التي يكنها لها. هنا كان مكانهم السري للقائهم بعيداً عن الأعين. ترجلت من ذلك القارب وبدأت تسير نحو ذلك المكان الذي كانا يلتقيان به. سارت رغم حرارة الطقس اليوم دون عادتها في هذا الوقت من العام. توقفت في ذلك المكان بالجزيرة، ظلت لوقت قليل عينيها تراقب الطريق.

باندهاش، لأول مرة يخبرها بميعاد ويتأخر. كان دائماً يصل قبلها ينتظرها هو. للحظة شعرت بهاجس أن لا يأتي. سأم قلبها، لكن سرعان ما عاد لها الأمل حين لمحته يقترب. بينما هو بالفعل، كالعادة، وصل قبلها، لكن توارى خلف أحد الكافيهات القريبة من المكان يراها بوضوح. تهكّم باستهجان ساخراً:

تلك المدعية لأول مرة تأتي في الميعاد. إذن سابقاً كانت تتعمد التأخير، حتى أنه أحياناً كثيرة كان يضجر وهو ينتظرها. يبدو أنه كان سابقاً يُدللها أكثر مما تستحق. أصبحت أشعة الشمس أكثر قسوة. كأن قسوة تلك الأشعة تسلطت على قلبه مباشرة. فكر للحظات قبل أن يتخذ القرار ويظهر نفسه أمامها. يسير نحو مكانها بخطوات بطيئة. انبسط قلبها وشعرت بعودة النبض حين رأته يأتي نحوه.

رسمت ابتسامة طفيفة بداخلها. مشاعر تتسم بالأمل والعشق الذي ما زال يسكن قلبها رغم ما حدث. رغم تجاهله لها تلك الفترة الماضية، لكن عاد بداخلها ينبض الأمل. بينما هو انقبض قلبه وهو يقترب منها بخطوات بطيئة. بكل خطوة يُخضع قلبه لقسوة عقله. العشق وقمة الكره يتصارعان بوتر واحد. والقرار المسيطر هو الانتقام.

إن كانت الدلائل برأتها وأعطتها حريتها، لن تفلت بلا عقاب. هناك سجن آخر أقسى ينتظرها بين جدران قضبان قلبه التي لن تترأف بكذبها. لن يهتم حتى إن كانت تلك القضبان ستشهد هلاكهما الاثنين معاً. رغم وجود بضع خطوات بينهم، قطعتها هي ترسم بسمة أمل مشرقة على وجهها تعكس ما تشعر به بداخلها. وقفت أمامه تنظر لوجهه الذي اختفت عيناه خلف تلك النظارة الشمسية. ودت أن يخلعها وترى تأثير انعكاس رؤيته لها. تحدثت بعتاب: اتأخرت ليه؟

أنا فكرتك مـ... قاطع حديثها قائلاً: فكرتِ إيه؟ إني مش جاي؟ بس أنا اللي طلبت إننا نتقابل، يبقى إزاي مش جاي؟ كل الحكاية إني جاي باليخت واتأخرت على ما عرفت أركنه في مكان قريب من الشط. تبسمت له، تشعر بحيرة لا تعلم من أين تبدأ سرد حديثها. ظلت صامتة، لكن عينيها حادت عن وجهه ونظرت نحو المكان الذي كانا يجلسان به أسفل تلك الشجرات. نظر إلى ما تنظر إليه عينيها. تهكّم بداخله ساخراً قبل أن يقول: خلينا نروح نقعد تحت الشجر.

أومأت له وسارت أمامه، لكن لسوء حظها كادت تتعثر برمال الشاطئ، لكن قبل أن تسقط، التقطها آصف من إحدى يديها حتى عاد توازن جسدها واستقامت واقفة. لكن شعرت بألم بسبب ثني إحدى ساقيها. لم تخبره بألم ساقها، وتركت يده لوقت بيدِه دون انتباه منها إلى أن ذهبا إلى مكان جلوسهم. رغم وجع ساقها، لكن ما زالت تتحمل ذلك وجلست أرضاً. جلس آصف بالمقابل لها، مستغرباً من عدم سحبها يدها من يده كعادتها سابقاً. لكن انتبهت لذلك، شعرت بحياء وسحبت يدها. ظلت

صامتة لوقت قبل أن تقول: رغم إننا في آخر الخريف والجو خلاص المفروض يسقع، بس واضح إن الشتا هييجي متأخر السنة دي. الجو لسه دافي، حتى النهاردة درجة الحرارة عالية على غير الطبيعي في الوقت ده. ما زالت عيناه مسلطة على وجهها من أسفل نظارته الشمسية المعتمة. تهكّم بداخله، حين تحدثت هي، من كان يبدأ بفتح مجال للحديث بينهم. رسم بسمة خباثة على وجهه قائلاً:

بالعكس، ده أفضل طقس في السنة. الجو بيبقى لطيف، لا هو حر صيف ولا برد شتا. بس أنا مش جاي النهاردة عشان نتكلم عن الطقس. سأم وجه سهيلة للحظات قبل أن ترد بتوتر: آصف، في حقيقة لازم تسمعيها مني. أنا ماقتلتــ... قاطعها مرة أخرى قبل أن تسترسل بقية كلمتها، قائلاً بنبرة ظهرت أنها حقيقية حين قال: سهيلة، أنا مش جاي أحقق معاكِ. أنا متأكد إنك بريئة. بسمة فرح ظهرت على وجهها، ومدت يديها بتلقائية تمسك بيديه قائلة بتسرع ورجاء:

والله أنا بريئة يا آصف. كان قلبي حاسس إنك مش مصدق إني ممكن أقتل سامر. ترك آصف النظر لنهديها ونظر ليديها اللتان تمسك يديه. بداخله سخر من ذلك، لكن هناك شعور آخر يتوغل لقلبه، حين قبض بيديه فوق يديها. لكن سرعان ما نفضه عقله وهو يتغلب على ضعف قلبه أمام برائتها الخادعة، وضغط بقوة على يديها وقال بهدوء: سهيلة، أنا خلاص قفلت الموضوع ده. انتهى، وخلينا ننسى.

استغربت سهيلة رد آصف، وكذلك سحبت يديها من يديه، بعد أن تألمت قليلاً من ضغط يديه على يديها، وسألته: ننسى إيه؟ آصف، أنا... قاطعها بنبرة عصبية ونهى: سهيلة، الموضوع ده انتهى خلاص. في الأهم منه، خلينا نفكر في مستقبلنا. اندهشت سهيلة من رد آصف، وقالت باستفسار: قصدك إيه بـ "انتهى"؟ وأيه اللي يخص مستقبلنا أهم من الموضوع ده؟ تمثل آصف بالبرود وأجابها وعيناه مسلطة على عينيها... يود معرفة رد فعلها حين فاجأها:

مستقبلنا مع بعض، أقصد إننا لازم يكون بينا ارتباط رسمي. لم يستوعب عقلها ما قاله، كأنها فقدت الإدراك للحظات قبل أن تبتسم بلا وعي وتقول ببلاهة: قصدك إيه بـ "ارتباط رسمي بيا"؟ البسمة التي ظهرت على ملامحها كانت كفيلة بؤد قلبه. هي الآن تبتسم وتدعي البلاهة عليه كي يعيد طلبه منها برجاء أكثر كما في السابق. لا مانع من بعض المراوغة معها كما تريد. زفر نفسه قائلاً:

يعني كفاية كده، إحنا لازم نتجوز في أقرب وقت. أنا انتدبت الدورة القضائية السنة دي في محكمة في الجيزة قريبة من الشقة اللي كنت عايش فيها من الفترة اللي فاتت. خلينا نتجوز قبل ما المحاكم ترجع تشتغل بقوتها من تاني. للحظة صمتت سهيلة، تستوعب، تفكر ماذا ترد عليه. أتتحجج كما في السابق، وتطلب منه التأجيل. حاولت سهيلة الرد بهدوء قائلة: بصراحة، إنت فاجئتني يا آصف. أنا كنت جاية ورأسي فيها هدف تاني... قاطعها ببرود:

وأيه الهدف التاني اللي كان في راسك؟ موضوع سامر؟ قلت لك خلاص الموضوع بالنسبة لي انتهى. أنا قاضي وأقدر أميز كويس وكنت متأكد من براءتك، وده السبب اللي خلاني كنت واخد دور المحايد لحد ما المحكمة عطتك براءتك. للحظة كادت تعتب عليه بهذا الشأن، لكن رده المقنع جعلها تتغاضى عن عتابه وتبسمت. بينما نظر لها بخباثة وتبسم هو الآخر، سائلاً: أفهم إيه من البسمة دي؟ موافقة إننا نتجوز. كادت تقول له أن تؤجل هذا لوقت، لكن عاود آصف

الحديث بإلحاح ومكر وتلاعب: سهيلة، كفاية كده. خلينا نرتبط ونتجوز. مش هسمح لك بأي حجة، إلا لو قلتي إن ما عندكِيش ليا أي مشاعر. وقتها هتمني لك السعادة حتى لو مع غيري. تلاعب آصف جيداً بمشاعر سهيلة. شعرت باستغراب من حديثه كيف يقول أن هناك آخر غيره. رغم ما مرت به تلك الفترة السابقة وعدم سؤاله عنها، لكن ما زال قلبها ينبض ويخفق بقوة حين تراه أو حتى تسمع اسمه. تسرعت قائلة: موافقة.

قالتها باندفاع، سرعان ما انصهر وجهها خجلاً وأخفضته بحياء منها. بينما تهكّم آصف بحنق من تلك المدعية بامتياز، لكن راقه ذلك قائلاً: تمام، أنا مستعد أرجع معاكِ دلوقتي من هنا على بيت والدك أطلب منه إيدك. رفعت وجهها ونظرت له بتفاجؤ قائلة بتعلثم: دلوقتي! لأ طبعاً. الموضوع محتاج تمهيد، لازم أقول أنا لبابا الأول وبعدها هقولك إمتى تيجي لينا البيت. عادت للدلال السابق، لا بأس هكذا أخبره عقله. لكن قال بأمر:

ياريت تقولي لهم بسرعة، والأفضل يكون النهاردة، لأني المفروض أسافر للـ جيزة بعد يومين، عندي أول قضية هناك، وعاوز أبقى مطمئن إن خلاص أمر ارتباطنا وجوازنا بقى واقع. ارتبكت سهيلة، وقالت له: تمام، هحاول أتكلم مع بابا الليلة. رسم بسمة نصر على شفتيه قائلاً بنبرة يحرضها على التسرع: مش هنام قبل ما تتصلي عليا وتقولي لي رد باباكِ إيه. نظرت له تشعر بحيرة ممزوجة بخوف. ما زالت تود أن يخلع تلك النظارة عن عينيه.

بينما هو شعر بزهو وانتصار. ظل بينهم أحاديث فرعية. كانت تحاول أن تذكر اسم سامر حتى يسمع منها تلك الحقيقة، وأنها حذرته سابقاً كثيراً، لكن كان يغير دفة الحوار بينهم لموضوع آخر، حتى غابت الشمس تقريباً. كان هذا أطول لقاء بينهم. لم تفعل مثل عاداتها السابقة، كانت تدعي الانشغال بأي أمر آخر هام لديها وتنهض بعد وقت قليل. تبسمت ببراءة وهي تنظر نحو قرص الشمس الذي بدأ يتوارى خلف تلك أشجار الجزيرة. نهضت واقفة تمسد كتفيها قائلة:

أنا برد... الطقس جاب نسمة باردة كمان. الكلام سحب مننا الوقت ومحسيناش، والدنيا خلاص هتضلم. خلينا نلحق آخر مركب. نهض واقفاً بداخله يستهزأ. الآن فقط لاحظت ذلك، لكن قال لها بتورية: متخافيش، قلت لك قبل كده إني جاي باليخت. تبسمت سهيلة وقالت: تمام، خلينا نرجع برضو، كفاية كده. نهض آصف واقفاً يقول بتكرار وإيحاء: تمام، كفاية كده. خلاص قرب ارتباطنا خلاص، وقتها مش هتبعدي عني ولا هيفرق معانا ضلمة أو نور. تبسمت له بخجل، قائلة:

تمام، فين اليخت ده؟ خلينا نروح لمكانه عشان نرجع للبر التاني.

أشار لها بيده أن تسير جواره إلى أن وصلا إلى مكان رسو القارب الخاص به. صعد هو أولاً إليه، ثم مد يده لها. للغرابة، لم تتغاضى عن يده الممدودة. رغم تحفظها، لكن هناك ألم بساقها. لم تستطع أن تتحمل عليها وتصعد دون مساعدته. تمسكت بيده وصعدت إلى القارب. بمجرد أن وضعت قدميها فوق القارب، تركت يده. ظل بينهم حديث عابر لأشياء كثيرة، إلى أن وصلا إلى البر الآخر. ترجل هو أولاً، وفعل مثلما فعل أثناء صعودهم. تمسكت بيدِه وهي تنزل من القارب.

تبسم لها قائلاً: هنتظر ردك على طلبي الليلة. لو اتأخرتي في الرد هعرف إن... قاطعته بسرعة: لأ، أكيد هرد عليك الليلة. سلام. غادرت سهيلة رغم عينيه التي تتبعها، لكن لم يلاحظ تلك العرجة التي تسير بها. بداخله فقط يتهكّم ويسخر من نفسه وهو يتذكر سابقاً طريقة تحفظها معه حتى بلمس يديها. عاد لذاكرته أول حديث دار بينهم كان على هنا، على متن هذا القارب قبل سنوات. [فلاش باك]

كان يوم خريفي قبل أيام من موعد بدء الدراسة. سمع آصف سامر وهو يتصل على أصدقاؤه المقربون بالمدرسة سواء بنات أو فتيان ويقترح عليهم قضاء يوم ترفيهي على "بحيرة البرلس". سمع إلحاحه على سهيلة للمجيء وإخبارها أنه مجرد فسحة لأصدقاء الدراسة قبل أن ينشغلوا كل منهم بطريق بعيد عن الآخر. وافقت بصعوبة بالغة بعد أن توسطت لها هويدا وقتها وقالت أنها رحلة عادية بين الزملاء كما أن البحيرة ليست بعيدة. جاءت لكن لم تندمج كثيراً مع مرح

أصدقائها. بتلقائية منها، هبطت عبر ذلك الدرج إلى أسفل القارب وأصبحت قريبة من مياه البحيرة. جذبت إحدى قطع العيش التي كانت موضوعة على أحد الرفوف بالمكان وبدأت بتفتيتها، ثم مدت يدها إلى الأمام كي تأتي تلك الطيور وتلتقط منها الفتفات. لكن سرعان ما شعرت بخضة حين جذب آصف يدها قائلاً

بتحذير: حاسبي، بلاش تمدي إيدك كده. الطيور دي طيور جارحة ومنقارها حاد ممكن يجرح إيدك. ارمي لها فتات العيش على مياة البحيرة وهما هيلتقطوها. شعرت بخضة، كذلك سار شعور آخر يسري بقلبها. لكن سرعان ما جذبت يدها من يده، تشعر بخجل من نظرة عينيه. تبسم على ذلك الخجل الذي دائماً يراه على ملامحها. بينما هي ألقت تلك القطع من العيش على مياه البحيرة، وكادت تترك المكان، لكن هو أراد الحديث معها. بتسرع منه جذبها من معصمها قائلاً بفضول:

عرفت إنك قبلتي في كلية الطب. لوهلة شعرت بضيق من إمساكه لمعصمها، لكن سحبت معصمها وردت بهدوء: أيوا، هدرس طب أطفال. بصراحة، كان مجموعي يدخلني طب جراحة أو أي تخصص تاني، بس أنا كان نفسي أدرس طب نفسي، بس للأسف الطب ده مالوش مستقبل. ضحك مازحاً: طب المجانين. تبسمت على قوله وأكدته قائلة: فعلاً، نفس الجملة اتقالت لي، عشان كده اخترت طب الأطفال بديل. ليه؟ هكذا سألها وأكمل بمديح:

فعلاً، شخصية رقيقة زيك ما كانش ينفع تدرس طب جراحة. بس اللي أعرفه معظم البنات بتميل لدراسة طب النسا. شعرت بخجل لكن سألته بفضول: وإشمعنى طب النسا؟ نظر إلى ذلك الخجل الواضح على وجهها، وكذلك عينيها اللتان تحايد النظر له وتنظر نحو مياه البحيرة، وأجابها: يعني عشان بتبقى شغلها كله مع ستات. ما زالت تنظر ناحية تلك الطيور وأجابته ببساطة:

دراسة الطب أو ممارسته مش مرتبط بالنوعية ولا بالتفرقة العنصرية، سواء راجل أو ست. مش بيقولوا "لا حياء في العلم". ابتسم قائلاً بمفاجأة عن قصد منه: بصراحة، لو مراتي دكتورة أفضل يكون شغلها مع ستات، عشان إيديها تلمس أي راجل غيري. وطالما إنتِ معترفة إن لا حياء في العلم، وما فيش تفرقة بين راجل وست، ليه مش بتبصي لي وعينيكِ مركزة ناحية طيور البحيرة؟ شعرت بخجل وأرادت التهرب من نظرات عينيه التي تربكها، وقالت:

ممكن زمايلي يسألوا أنا روحت فين، لازم أرجع لهم. قالت هذا ولم تنتظر رده وغادرت المكان تشعر بذبذبات قوية تضرب قلبها. كذلك آصف هام بذلك الخجل الواضح عليها. كاد يجذبها قبل أن تصعد ويقول لها: "ابقى معي"، لكن خشي أن ترفض وذالك. [عودة] عاد من تلك الذكرى يقارن عقله بين لقاء اليوم وذلك اللقاء القديم. سهيلة كانت أذكى مدعية، وهو سقط بفخ برائتها وتحفظها الذي كان مجرد واجهة مزيفة لها. *** ليلاً. بمنزل أيمن.

هي الأخرى ساهدة، تتضارب بداخلها المشاعر. كذلك لأول مرة تشعر بتردد في أخذ القرار الحاسم. تذكرت قول آصف لها أنه ينتظر الرد منها الليلة. شعرت بغصة قوية، لما لا تتجاهل ذلك؟ لكن تحكم قلبها. قد يفهم آصف ذلك كخطأ ويظن أنها لا تريد الارتباط به.

حسم قلبها التردد ونهضت من فوق فراشها وخرجت من الغرفة. ذهبت نحو غرفة والديها. للحظة عاد التردد، لكن حسمه سماعها لصوت شيء سقط خلفها. نظرت له، ما كان سوى قطعة ديكور. قامت بالطرق على باب الغرفة وانتظرت لحظات حتى سمعت صوت والديها يسمح بالدخول. فتحت باب الغرفة ونظرت نحو الفراش. تنحنحت بأسف: صحيتكم من النوم. رد أيمن ببسمة: تعالي يا سهيلة، إحنا كنا لسه صاحيين. تبسمت له بخجل وقالت: بابا، في موضوع خاص كنت عايزة أقوله لحضرتك.

تبسم أيمن وهو يشير لها بالاقتراب من الفراش قائلاً: تعالي اقعدي جنبي عالسرير وقوليلي الموضوع اللي شغل عقلك ده. تبسمت وهي تقترب حتى جلست جواره على الفراش وجوارها سحر التي مسدت على شعرها ببسمة تحثها على الحديث بما تود قوله: خير، إيه الموضوع الخاص ده. للحظة ترددت سهيلة، لكن استجمعت شجاعتها وقالت بهدوء وارتباك مصحوب بخجل: في شخص طلب إني أحدد له ميعاد مع حضرتك عشان يجي للبيت ويتقدم ليا. تبسم الاثنان بانشراح، تسأل أيمن:

ومين بقى الشخص ده؟ حد احنا نعرفه. كذلك سحر قالت بتخمين: دكتور زميلك. توترت سهيلة وهي ترد عليهما: لأ، مش دكتور زميلي. الشخص ده هو "آصف شعيب". سرعان ما خفتت بسمة الاثنين وانسأت ملامحهما.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...