الفصل 42 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
19
كلمة
6,882
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

شعر آيسر بالآسف فهذه كانت حقيقة مشاعر آصف تجاه والده قبل أيام، أو بالأصح قبل ذاك الحادث. لكن بعد ذاك الحادث شعر أن مشاعر آصف تبدلت تجاه أسعد، وقد تعود لمسارها الطبيعي في القريب العاجل. تبسم آيسر قائلًا: الكلام خدنا ونسيت أتصل على آصف أقوله إنك فقت. هتصل عليه متأكد أنه هيفرح أوي. *** في شقة آصف قبل قليل

قطع وصل حديث سهيلة مع آصف صوت رنين هاتفها. جذبته ونظرت إلى الشاشة. شعرت بالقلق والتوجس حين رأت اسم آيسر. ثم نظرت إلى آصف الذي نظر إلى شاشة الهاتف بفضول. شعر هو الآخر بتوجس، لكن سهيلة سرعان ما قامت بالرد وسمعت اعتذار آيسر قائلًا: آسف إني أزعجتك بدري كده، بس أنا بتصل على آصف موبايله بيرن ومش بيرد، يمكن عامله صامت. ردت سهيلة بذوق: لأ، مفيش إزعاج ولا حاجة. أنا كنت صاحية. ابتسم آيسر قائلًا بفرحة:

أنا كنت بتصل على آصف عشان أقوله إن بابا فاق ورجع للوعي وطلب يشوفه. تبسمت سهيلة قائلة: الحمد لله، ربنا يتم شفاه على خير. معاك آصف. انشرح قلب آصف وهو ينظر إلى ملامح سهيلة بترقب. أخذ من يدها الهاتف وقام بالرد على آيسر، بينما سهيلة شعرت بغثيان فجأة. نهضت من فوق الفراش وتوجهت نحو الحمام.

خرجت بعد قليل. تبسمت حين رأت آصف مازال يتمدد فوق الفراش ينظر ناحية باب الحمام. تبسم حين خرجت سهيلة، لكن لاحظ على ملامح وجهها الوهن. نهض من فوق الفراش واقترب منها بلهفة قائلًا: مالك يا سهيلة؟ كنتِ كويسة وفجأة قمتِ من عالسرير دخلتِ الحمام، ودلوقتي وشك أصفر. إنتِ تعبانة؟ أومأت سهيلة برأسها قائلة بتطمين: أنا كويسة، هو بس الإرهاق وعدم النوم. رغم يقين آصف أن هذا ليس السبب، لكن تبسم قائلًا:

تمام، بعد ما نزور بابا في المستشفى ونطمن عليه، هنسافر كم يوم نغير جو، كمان هدنة من الإرهاق. تبسمت سهيلة سائلة بفضول: مش هتقول لي هنسافر فين؟ تبسم وهو يقترب من أذنها بوجهه، يُبعثر مشاعرها بأنفاسه الدافئة: كلها كم ساعة وتعرفي. هروح الأوضة التانية أغير هدومي عشان ما نضيعش وقت. لمعت عينيها ببسمة. كذلك آصف. بعد قليل

على طاولة الفطور، شعرت شكران بانشراح في قلبها وهي تتبادل النظر بين سهيلة وآصف اللذان يبدو على ملامحهما السعادة. رغم ملامح وجه سهيلة الشاحبة، لكن تعلم أن سبب هذا الشحوب في "الحمل"، التي لا تعلم إن كانت باحت به لآصف أم لا. لكن تبسمت وقامت بتقريب كوب اللبن من سهيلة قائلة: وشك أصفر يا سهيلة. اشربي اللبن يغذيكِ. تبسم آصف قائلًا: والله يا ماما لسه قايل لها، قالت إرهاق من السهر. تبسمت صفوانة التي أتت ببعض الأغراض ونظرت

إلى شكران بتوافق قائلة: لأ، المفروض تاخدي بالك من صحتك. الإرهاق مش كويس عشان صحتك، وكمان لازم تتغذى كويس. أنا عالغدا هعمل لك شوربة مخصوص فيها كل الغذا. شعرت سهيلة باستغراب من أفعالهن، لكن ظنت أنه مجرد اهتمام زائد. كذلك تبسم آصف. على سهيلة التي لا تعلم أن أمر حملها معلوم لدى الجميع. لكن رد على صفوانة: لأ، ما تعملوش حسابنا عالغدا، إحنا مسافرين كم يوم استجمام. تبسمت شكران سائلة: مسافرين فين؟ تبسم آصف ولم يجب.

نظرت له سهيلة قائلة: والله يا طنط أنا نفسي معرفش. آصف قالي إننا هنزور عمو أسعد في المستشفى وبعدها هنسافر. شعرت شكران بخضة قائلة: هو أسعد في المستشفى ليه؟ نظرت سهيلة إلى آصف ظنت أنه أخبرها، لكن آصف نظر إلى شكران. بداخله لم يسخر من مشاعر والدته التي يعلمها جيدًا. لديها قلب حنون، حتى لو علمت أنه تزوج عليها بأخت سهيلة. لكن قال بهدوء: بابا كان تعبان شوية وآيسر اتصل عليا من شوية وقالي حالته اتحسنت. نهضت قائلة:

كمان آيسر يعرف ومقاليش. على ما تكملوا فطوركم هكون غيرت هدومي، وهاجي معاكم أزور أسعد. تبسمت سهيلة. سرعان ما أخفضت وجهها تشعر بالخزي بسبب زواج هويدا (أختها) من أسعد. لاحظ آصف تفهم ذلك وقام بوضع يده على يد سهيلة قائلًا: كملي أكلك يا سهيلة. تبسمت سهيلة له. بعد قليل دلف آصف إلى غرفة شكران، التي تبسمت له قائلة: أنا خلاص خلصت لبس. تبسم آصف قائلًا: ماما، الدكتور مانع الزيارات عن بابا منعًا للإرهاق. نظرت

شكران له باستفسار قائلة: وأنا لما أزوره هرهقه في إيه؟ أنا يدوب هزوره وأطمن على صحته. اقترب منها آصف وأمسك يدها قائلًا برجاء: بابا كويس، هما شوية إرهاق والدكتور قال ممنوع الزيارات عشان كده. لو مش مصدقاني اتصلِ على آيسر اسأليه. بكرة يكون الدكتور سمح بالزيارات وأبقى روحي اطمني عليه. رغم عدم اقتناعها، لكن وافقت شكران قائلة:

تمام، هبقى أتصل على آيسر يطمني عليه، وإنت كمان ما تقفلش موبايلك عشان لما أتصل أطمن عليك إنت وسهيلة. ومتخافيش مش هتصل غير مرة واحدة في اليوم. ضحك آصف قائلًا: مش هقفل موبايلي يا ماما واتصلِ أي وقت. تبسمت له بحنان قائلة: ربنا يهنيك ويفرح قلبك دايمًا. تبسم وهو ينحني على يدها يُقبلها. بنفس الوقت جاءت سهيلة وتبسمت قائلة: أنا جاهزة وكمان شنطة الهدوم أهي جهزتها. استقام آصف مبتسمًا. بينما قالت شكران: ما قولتيش هتروحوا فين؟

صمت آصف للحظات يفكر. لو أخبر شكران بالمكان الذي سيذهبان إليه ستقلق، كذلك سهيلة. ربما أكثر من والدته. تبسم بخبث قائلًا: لو مش سهيلة واقفة معانا كنت قولت لك عالمكان، بس بكده مش هيبقى مفاجأة ليها. أنا هتصل عليكِ لما نوصل وأقولك إحنا فين. تبسمت له قائلة: توصلوا بالسلامة، يلا بلاش رغي كتير. تبسم آصف وتوجه ناحية سهيلة. حمل منها الحقيبة وغادرا، تصحبهما بسمة ودعاء قلب شكران التي ذهبت خلفهم إلى أن غادرا الشقة.

تبسمت لها صفوانة قائلة: كويس إنك سمعتِ لكلام آصف. قاطعتها شكران قائلة: أنا بس هاودت آصف، وبعد العصر هروح أزور أسعد. قلبي حاسس إن فيه حاجة آصف مخبيها ومش عايزني أعرفها، وأكيد محذر آيسر هو كمان. من امتى أسعد بيحب يدخل المستشفيات، حتى عشان يزور حد مش هو المريض. حاولت صفوانة إقناعها عن العدول عن الذهاب إلى المشفى، لكن فشلت أمام إصرارها. *** منزل أيمن في المطبخ بسبب شرودها كادت سحر أن تجرح إصبعها بالسكين

لولا نبهتها آسميه بتحذير: حاسبي يا سحر. السكينة هتقطع صابعك. مش تاخدي بالك. إيه اللي شاغل عقلك كده عالصبح وسرحانة؟ انتبهت سحر. بينما آسميه عاودت السؤال: مالك شارده في إيه كده عالصبح؟ بقولك العيال فين؟ تنهدت سحر ببؤس قائلة:

رحيم نايم واصل الفجر، وطاهر سافر القاهرة مش عارفة أوراق إيه خاصة بسفره هيخلصها. وقال هيروح يزور أسعد، وأيمن خد حسام يوديه الحضانه وزمانه راجع. وقولي إيه اللي مش واخد عقلي، إن كان هويدا ولا سهيلة. الاتنين شاغلين تفكيري. طغى حبها لـ سهيلة قائلة: مالها سهيلة؟ أنا مكلمها امبارح بالليل وقالت لي إنها بخير الحمد لله. إيه اللي قلقك من ناحيتها؟

صحيح أنا وآصف مفيش بينا استلطاف، بس بعد اللي شوفته منه الفترة اللي فاتت مستحيل يأذيها تاني. ادعي ربنا يقومها بالسلامة وتجيب لك حفيد تاني. تدمعت عين سحر قائلة: لما يجي أسعد هنا ويترجاها تروح معاه وبعدها بكام ساعة نعرف إنه اتصاب بالرصاص ومش عاوزني أقلق عليها، ولا بخت التانية هويدا اللي راحت اتجوزت من أسعد رغم عدم رضانا، وأهو ما لحقتش تفرح معاه ليلة. ويا ترى هيقوم ولا الله أعلم. تهكمت آسميه قائلة:

هويدا زي أمها زمان. ما اطمعت وجريت وسراب عيلة "شعيب". ولما جينا نحذرها عملت زي هويدا ما سمعتش غير لتطلعات عقلها واطمعت، قال إيه. أنا من عيلة شعيب و"زهير" زي ابن عمي وعمره ما هيأذيني. سابها حبلى ولا سأل فيها، حتى لما ولدت وطلبت منه يعترف ببنتها رفض، وربنا كان له بالمرصاد. مات وهو شايل ذنب ابتهال وبنتها. -مين بنت ابتهال؟ هكذا سألت هويدا باستخبار مُلِح. ونظرة عين مُراقبة لملامحهن.

نهضت سحر تشعر برجفة قلب من ملامح هويدا وحاولت تغيير الحديث وتعلثمت قائلة بتتويه: هويدا إنتِ هنا من امتى؟ نظرت هويدا ناحية آسميه تشعر ببغض قائلة: طول عمرك بتكرهيني ودايمًا تقولي على سهيلة حفيدتك الوحيدة. ذهلت آسميه قائلة بتبرير: وهكرهك ليه؟

إنتِ اللي طول عمرك واخدة جنب وما بتفكريش غير في مصلحة نفسك. أنا بكره فيكِ الطمع والغطرسه على أخواتك اللي المفروض كنتِ إنتِ اللي تحتويهم. حتى ابنك اللي لو كنتِ جايباه من الحرام كان قلبك هيبقى أحن عليه من كده. ربنا عطيكِ من نعمه كتير، بس إنتِ البطر طول عمرك مالي قلبك. عاوزه كل حاجة، رغم ربنا عطاكي أفضل من سهيلة اللي معرفش سبب الحقد في قلبك من ناحيتها من وأنتم صغيرين. أبسط شيء اللبس كان عندك بدل الفستان خمسة وهي بترضى

بفستان واحد. حتى لما حاولتِ تسممينيها بجرعة علاج زايدة وكمان غلط وكلنا سكتنا وقلنا عقل عيال صغيرة. طول عمرك عاوزة تبقي محور الكون. ربنا عطاكي زوج كان هوّين معاكِ واتعامل معاكِ برحمة مش وصلك للموت، وطفل كلنا عارفين سهيلة فضلت تتعالج لفترة هي نفسها ما كانش عندها أمل أنها تحبل وتبقى أم. حياتك إنتِ اللي كنتِ بتختاريها مش بتتفرض عليكِ زي سهيلة اللي عاشت عتمة سجن بين أسوأ أنواع النسوان. دايمًا كنتِ بتحقدي من سهيلة مع إن لو

فكرتِ للحظة كنتِ هتعرفي إنك أفضل منها، وكنتِ المميزة عنها. مش بس ورثتي شكل ابتهال كمان ورثتي أطباعها. كأنه سلسال بيوصل لبعضه. في البداية كان مرات أخويا جدتك اللي بعد ما اترملت راحت اتجوزت ومعبرتش إن عندها طفل محتاج ليها ومحتاج اللي يحطحط عليه ويهتم بشؤونه. قبلت ابنها يتشرد، وياريت بس كده كمان جوزها كان عاوز يموتها عشان مسبب له إزعاج. مش عارف يتهنى معاها. سلسال فقد الإحساس بلذة وطعم الحياة. مش في المال والجاه، لذة

الحياة في الرضا بعطايا ربنا لينا.

صفقت هويدا بيديها باستهزاء من حديث آسميه قائلة باستنفار: لأ حلوة وصلة المعايرة دي. أنا عارفة ده كله طبعًا أنا الشيطان والملاك هي حبيبتك سهيلة. بس ما يهمنيش. اللي يهمني أعرف حقيقة الصورة دي كمان الورقتين دول؟ -ورقتين إيه يا سهيلة؟ نظرت سهيلة خلفها إلى أيمن. -مصلحة نفسية! قالتها وعينيها تشع ببؤس، ثم أكملت وهي ترفع يدها بتلك الصورة وألقتها على المنضدة أمامهن. الصورة والورقتين دول إيه تفسيرهم، ومين البنت المقصودة بالنسب؟

بيد مرتجفة جذبت سحر تلك الأوراق، نحت الصورة، ثم قرأت اعترافًا من زهير بنسب طفلة ابتهال. ذُهلت ونهضت واقفة، ثم قرأت الورقة الثالثة كانت ورقة زواج عرفي بين زهير وابتهال. بذهول أعطت الأوراق لأيمن الذي قرأها بذهول هو الآخر، ثم نظر إلى هويدا سائلًا: جبتِ الأوراق دي منين يا هويدا؟ نظرت له هويدا بجبروت تقول: مش مهم جبت الأوراق دي منين. قولي مين البنت المقصودة بالنسب؟ الصورة دي في نسخة تانية منها. في هنا ألبوم الصور.

صمت أيمن غير مصدق للحظات، ثم نظر إلى سحر وآسميه. نظراتهم الثلاث كانت مذهولة. تنقلت عيني هويدا بينهم تستشف منهم الحقيقة. بنفس الوقت دخل رحيم إلى المطبخ يتثاءب غير منتبه قائلًا: ماما أنا جعان. نظرت له هويدا باستحقار، ثم قالت بعصبية: اللي أعرفه إن في الصورة دي المفروض عمتي "ابتهال" وماتت بعد ولادتي تقريبًا بسنة وشهور. إيه اللي وصل الصورة دي لـ أسعد شعيب؟

كمان الاعتراف قريبه ده ببنت ابتهال، كمان عقد الجواز العرفي. فهموني قبل عقلي ما يشت و... قاطعه أيمن قائلًا: عقلك يشت ليه؟ ده موضوع ميخصكيش. ميفرقش مع حد. استهزأت هويدا بضحكة سخرية ملوعة لقلبها وعقلها: إيه اللي ميخصنيش بالظبط؟ الصورة

اللي مكتوب في ضهرها: أنا وبنتك يا "زهير". الشبه الكبير اللي بيني وبين ابتهال. نسخة طبق الأصل تقريبًا رغم إنها صحيح أختك من الأم بس بتشبه أبوها، أو بمعنى أصح أبوها اللي من عيلة شعيب. طبعًا دي صدف مش مستحيلة. كره تيتا ليا طول عمرها تقول سهيلة أول أحفادي. صحيح ماما كانت جابت طفل بس اتوفى قبل ما يشوفه. قولي يا بابا حقيقة الصورة دي، وكمان الاعتراف وورقة الجواز العرفي. سبق وقلتوا لينا إن عمتي ماتت قبل ما تتجوز. طب والعقد العرفي ده، كمان اعتراف ببنوة بنتها. إيه الحقيقة قولولي، عقلي هيشت مني خلاص.

تحدثت آسميه: أنا مش بكرهك يا هويدا، أنا بكره أطباعك السيئة. وزي سحر بدعي ليكِ بالهداية. وليه عقلك يشت؟ وضحي قصدك إيه؟ عايزة توصلي لأيه؟ هدفك إيه؟ عاوزة تنكري إن سحر وأيمن هما أبوكِ وأمك؟ نفسك تلزقي لعيلة شعيب؟ مش اتجوزتي أسعد خلاص. نظرت هويدا لـ آسميه بغضب قائلة باستهجان: أنا بكلم بابا وماما ليه إنتِ بتردي بدالهم. قولولي إيه الحقيقة وإيه الكذب. رد أيمن: الحقيقة إنك بنتنا يا هويدا، حتى لو.

قاطعته هويدا باستعجال ودموع تترغرغ بعينيها سائلة برجاء أن يكون هذا كذب: لو إيه يا بابا؟ قول الحقيقة. أنا البنت اللي في الصورة دي. أرجوك قول الحقيقة وإني مش بنت ابتهال وزهير شعيب. صمت الجميع. حتى رحيم لا يبدو مصدومًا من قول هويدا، بل مصدومًا من رجائها أن يكون هذا كذب. لم يتوقع ذلك منها. كان لديه يقين أنه لو علمت سترحب بالأمر بل ستسعد كثيرًا. كذلك سحر التي سالت دموع عينيها واقتربت من هويدا وضمتها قائلة:

إنتِ بنتي اللي بدعي لها بالهداية. سالت دموع هويدا، قائلة بلوعة: أنا كذبة يا ماما. أنا... -إنتِ بنتي اللي ضمتها لحضني وأنا في لحظة أسى. كنتِ إنتِ الدوا اللي رجع النبض لقلبي.

سكتت هويدا تضم هويدا. تسيل دموعها تعلم أنها تحاول ألا تجعلها تشعر بالدونية. اقترب أيمن هو الآخر وضع يده يربت على كتف هويدا. عادت للخلف تنظر لهما. بداخلها تشعر بأسى وبؤس من ذاك الذي تبرأ منها ولم يعطيها هي وأمها حقهما. لم تكن تريد ماله. لأول مرة تعلم أن السعادة ليست بالمال والجاه التي كانت تبحث عنهما دائمًا. مجرد اعتراف علني بها ربما كان لها أفضل. حكاية قديمة لا تعرفها، لكن وصمة لها. طفلة لا تعلم من أين منبتها. لماذا لم يتزوج بوالدتها أمام الناس ويعترف بها علانية؟

فقط أعطاهما كنيته؟ لماذا وماذا حدث ولما بقي الأمر سراً؟

أسئلة تعلم أن إجابتها لن تجعلها تشعر بالراحة. لكن الأهم الآن هو لماذا أخفى أسعد هذه الأوراق. ابتعدت هويدا عن سحر وأدارت وجهها. تقابلت عينيها مع رحيم ثواني ثم غادرت بصمت يزداد بقلبها أسى واحتقار لكل عائلة "شعيب". لم تهتم بنداء سحر ولا أيمن الذي لحقها حتى خرجت من باب المنزل. كانت تهرول مثل الشارد سريعًا. صعدت إلى تلك السيارة التي كانت تنتظرها أمام المنزل. سريعًا أمرت السائق أن يسير بأقصى سرعة ممكنة، تاركة خلفها غبارًا طرف عيني أيمن.

*** بالمشفى تبسم أسعد على مزاح بيجاد. كذلك آيسر الذي قال: خد بالك آصف زمان جاي، وهو بيضايق من هزارك ده. نهض بيجاد قائلًا: بص يا عمي أسعد أنا مش عارف إنت إزاي متحمل غلاسة آصف. إيده سابقة تفكيره. أنا بقول زيارة المريض لازم تكون خفيفة. تبسم آيسر قائلًا: أكيد طبعًا كانت غلطة إني رديت على اتصالك، وقولت لك إن بابا في المستشفى. ضحك بيجاد قائلًا:

تصدق إني غلطان. قولت إني في القاهرة جاي مؤتمر في جامعة القاهرة قولت اتقابل معاك. من زمان متقابلناش ولا غلسنا على آصف إحنا الاتنين. ضحك أسعد بخفوت قائلًا: طول عمرك سهن وأعصابك باردة يا بيجاد. وبتستغل عصبية آصف. ضحك آيسر. كذلك بيجاد الذي وضع يديه على وجهه قائلًا: هتقولي، آصف معندوش تفاهم ومالوش في الهزار. عكس الواد آيسر كنا وفق بعض في المدرسة. آصف يعمل المصيبة ونلبس معاه فيها ونتعاقب بسببه.

في نفس الوقت فتح آصف باب الغرفة وتجنب لـ سهيلة التي دخلت أولًا. استغربت وجود بيجاد بالغرفة. سرعان ما تساءلت: بيجاد إنت إيه اللي جابك هنا؟ إنت تعرف عمو أسعد. نظر بيجاد إلى آصف الذي دخل خلف سهيلة ونظر إلى بيجاد بترقب ينتظر رده: أيوه عمو أسعد ناسيه إني من محافظة كفر الشيخ. كمان كنت أنا وآصف زملاء في المدرسة العسكرية. أنا كنت المخ وهو العضلات. -نعم! قالتها سهيلة بعدم فهم. تبسم بيجاد على ملامح آصف التي تبدلت

من ترقب إلى غيظ وقال: قصدى يعنى كنا أصدقاء من بعيد لبعيد. أنا كنت بستخدم مخي وآصف كان بيتعصب ويضرب زمايلنا ونتعاقب سوا. مع إني مكنتش بغلط أساسًا بس هو رفيق السوء كده دايمًا مبجيش من وراه غير المصايب. تبسمت سهيلة، بينما اغتاظ آصف قائلًا باستجهان: مش الدكتور مانع الزيارات على بابا. مين اللي سمح للـ. صمت آصف للحظات وكز على أسنانه. عاود باستهزاء مبطن: الدكتور. بيجاد.

تبسم كل من آيسر وبيجاد. الذي مد يده لمصافحة سهيلة، لكن شعر بيد آصف تضغط على كفه بقوة حتى أنه سمع صوت طرقعة أصابعه. كذلك آيسر الذي ضحك. بينما تألم بيجاد وسحب يده بصعوبة من يد آصف قائلًا: على فكرة سهيلة كنت عاوز. سهيلة! اسمها دكتورة سهيلة. هكذا قاطعه آصف بنظرات نارية. بينما استمر بيجاد بيغيظه قائلًا: على فكرة سهيلة كانت تلميذتي، وما فيش أستاذ بينادي تلميذة بلقب سابق.

برقت عين آصف غيظًا. بينما تبسمت سهيلة وهي تشعر بغيرة آصف من بيجاد. لكن ذهبت نحو فراش أسعد سائلة: حمد الله على سلامتك يا عمي. طنط شكران كانت عاوزه تيجي لحضرتك. بصعوبة أقنعناها إنها تأجل الزيارة لبكرة. تنهد أسعد آسف وتبسم بخفوت قائلًا: ده الأفضل عشان صحتها. ومُتشكر ليكِ. تبسمت سهيلة قائلة: أنا ما عملتش حاجة أستاهل عليها الشكر. وإن شاء الله، تقوم بالسلامة.

لاحظت سهيلة همس بين بيجاد وآصف. كذلك آيسر. تذكرت أنه سبق أن تقابل آصف وبيجاد وكل منهم ادعى عدم معرفة الآخر. لم يدخل أي شك لرأسها. فربما كما رأت قبل قليل هم أصدقاء وبينهم مزاح جاف. ابتسم آصف حين لاحظ نظر سهيلة له. وتبسم لها حين رأى الفضول بعينيها. لكن بيجاد نظر لها قائلًا برجاء: بصي يا سهيلة. قصدي يا دكتورة سهيلة. أنا بيني وبين سكرتيرة آصف استلطاف وبقول له فاتحها أني عاوز أتزوجها وهو مش عاوز يوفق راسين في الحلال.

-راسين في الحلال. دي ألفاظ دكتور محترم. سبق وقلت لك منك ليها. بس نصيحة بلاش تحرج نفسك لأني شايف إنها ما عندهاش أي استلطاف ناحيتك. بالعكس دي بتستغلسك. بس محبرة تضحك في وشك ذوقيًا يعني. ضحكت سهيلة قائلة: وليه مش يجرب؟ وأكيد في أمل. وأعتقد مساعدة آصف مش هتنفعك. لازم تجازف بنفسك وتقدم لها عرض الزواج يا دكتور. أومأ بيجاد مبتسمًا بتوافق. اغتاظ آصف لتلك البسمة. وتوجه ناحية سهيلة قائلًا: مش يلا بينا؟

إطمنا على بابا. هو تقريبًا نام بسبب المسكنات. وكمان كفاية كده عشان نلحق نوصل قبل الضلمة. وافقت سهيلة وذهبت مع آصف نحو باب الغرفة. خرجا سويًا. لكن الغيظ متملك من آصف من بيجاد. توقف قائلًا: نسيت أقول لـ آيسر يبقى يطمن ماما. ثواني وراجع. اسبقيني إنتِ للجراج بتاع المستشفى. ذهبت سهيلة. بينما آصف فتح باب والده دون استئذان. تفاجأ بـ بيجاد أمامه يبتسم ابتسامته السخيفة في نظره. قبل أن يتحدث كان آصف يلكمه بقوة قائلًا:

أهو بعد البوكس ده لو رحت للسكرتيرة يمكن تراُف بيك وتثبت لها إنك دكتور مجانين مهزأ. *** بعد الظهر بالمشفى دخل آيسر يحمل صينية عليها كوبان من القهوة قائلًا: بابا لسه نايم. تنهدت له يارا بآسف قائلة: كان صحي ورجع نام تاني. الدكتور قال إن المسكنات مش مخلياه حاسس بالألم وهي اللي بتنيمه. تبسم آيسر قائلًا: أنا جبت لك قهوة معايا. طالما بابا نايم تعالي نقعد عالكنبة ندردش سوا.

تبسمت له يارا بموافقة وذهبت تجلس جواره على أريكة بالغرفة بعيدًا قليلًا عن فراش أسعد. تحدثا بود أخوي ليس غريب عليهما. يارا قريبة من شكران وأخويها. بعد وقت قليل سمعا صوت طرق على باب الغرفة. نهض آيسر قائلًا: يمكن الممرضة. فتح آيسر الباب. سرعان ما تبسم ترحيبًا قائلًا: أهلًا يا طاهر. طاهر! حين سمعت الاسم خفق قلبها بشدة. بينما طاهر دلف إلى الغرفة قائلًا: ألف سلامة على عمي أسعد.

خفق قلبه هو الآخر حين رأى يارا تنهض واقفة. تلاقت عيناهما. كانت النظرات كفيلة بلفت انتباه آيسر، لكن تغاضى عن ذلك حين لم تتحمل يارا البقاء وتحججت قائلة: شيرويت كانت قالت لي اتصل عليها عشان أطمنها على بابا. استغرب آيسر قائلًا بلا انتباه: شيرويت كانت هنا ومشيت عشان عندها محاضرة. نظرت له يارا قائلة بتبرير: ماهي كانت قلقانة وهتصل عليها أطمنها.

خرجت يارا سريعًا. شعر طاهر بغصة يعلم أن يارا تتهرب منه. وقف قليلًا مع آيسر يتحدثان ثم استأذن منه. كاد يخرج من المشفى لكن وقع بصره على يارا التي تجلس على أحد المقاعد بالحديقة. بلا تفكير ذهب نحو ذاك المقعد وجلس جوارها قائلًا: هتفضلي تهربي مني لحد امتى يا يارا؟ ليه تعذبيني وتعذبي نفسك؟ نظرت له يارا بذهول قائلة باستهزاء مرير: أنا بعذبك؟ ليه؟ إنت مش كنت معجب بزميلتك في الجامعة؟

إنت بنفسك اعترفت لي بكده. فاكر ولا السنين نستك؟ تنهد طاهر بندم قائلًا: أنا عمري ما كنت معجب بزميلة ليا أيام الدراسة. وقتها كنت مشوش بسبب اللي حصل لـ سهيلة. مكنش سهل عليا. تهكمت يارا قائلة: وكان سهل عليا اللي قولته وقتها. ليه راجع وعاوز توصل الماضي تاني؟ عشان سهيلة قبلت ترجع لـ آصف؟ يعني غيرك بيتحكم في حياتك. تنهد طاهر قائلًا:

لأ يا يارا محدش بيتحكم في حياتي غيري. ومن فضلك افهميني. أنا أجازتي محدودة وخلاص قربت تنتهي، أقل من شهر. نهضت يارا بعناد قائلة: ترجع بالسلامة يا باشمهندس. قالت هذا ولم تنتظر. هرولت من أمامه يخفق قلبها. لكن الغريب أنها تشعر بانشراح. بينما زفر طاهر نفسه بآسف وندم ونهض يذهب خلفها.

بنفس الوقت بعد خروج طاهر تفاجأ آيسر بفتح باب الغرفة دون استئذان. لكن قبل أن يتحدث دلفت هويدا بغضب وصفعت الباب خلفها بقوة. أصدر صوتًا عاليًا جعل أسعد يفتح عينيه. نظر إلى هويدا ظن أنها آتية من أجل واجبها كزوجة له. لكن تفاجأ حين قالت له باستهجان: كويس إنك لسه عايش ما متش. رغم إني كنت أفضل موتك. بس ربنا هو اللي أراد يكشفك. استغرب أسعد. كذلك آيسر الذي قال: مدام هويدا. قاطعته هويدا باستهجان قائلة:

كنت مفكرة إن مفيش أخبث مني، بس إنت فقتني بمراحل. إزاي ضميرك قدر يتحمل كل الظلم اللي ظلمته ليا. لم يفهم أسعد حديثها. لكن هويدا اقتربت منه ووضعت أمامه تلك الأوراق. وقالت بتجهم تشعر بمرارة:

حقيقتي. أيوه أنا البنت اللي في الصورة مع عمتها. لأ قصدي مامتها. أنا البنت اللي اعترف بيها ابن عمك على آخر عمره. يمكن كان عاوز يبرأ ذمته قدام ربنا وفكر بكده بيرد لأمي كرامتها. بس إنت خفيت الاعتراف وورقة الجواز العرفي. طبعًا طمع في قلبك. رغم كل اللي عندك ده محبتش حد يشاركك فيه. بس تعرف يا أسعد أنت غبي. كان لازم تتخلص من الاعتراف وورقة الجواز العرفي. ما كانش لازم تحتفظ بيهم، عشان ميقعوش في إيد الشخص الغلط، أو بالاصح

صاحبة الحق. مجهولة النسب، أو بنت الحرام. بس أنا مش بنت حرام يا أسعد. أنا بنت "أيمن الدسوقي". فاكر أول مرة اتقابلنا سألتني اسمي إيه وقولت لك اسمي بالكامل. ملامحك وقتها اتغيرت. ما فهمتش وقتها. قولت يمكن ما يعرفش إن عمتي تبقى من عيلة "شعيب". العيلة اللي اتبرت مني أنا وهي.

توقفت هويدا تلتقط أنفاسها ثم عاودت الحديث قائلة باستهزاء مرير:

أنا اللي كنت مفكرة إني بتلاعب بيك، طلعت غبية. وإنت اللي بتلعب بيا وعارف إن ليا حق عندك يا أسعد. طلعت مخادع كبير وأنا الساذجة. كنت أستاذ في التمثيل. بس ده مش جديد عليك. أنا اللي كنت مفكرة نفسي ذكية. بس سيادة النائب لعبته السياسة والخداع. تعرف يا أسعد أنا كنت بكذب دائمًا وبحاول أتجمل قدامك. عكس حقيقة شخصيتي الوصولية. كان كل هدفي هو اسم ونفوذ وأموال أسعد شعيب، اللي طلع لي فيها نصيب وهو اللي مسيطر عليه. أو بالاصح استحل حق غيره وطمع فيه. تعرف إني بتمنالك الموت. لأ، الموت هيريحك. بتمنى يطلع توقع الدكتور صح، وإنك تكمل الباقي من حياتك مشلول وتشوف العطف والشفقة من كل اللي حواليك. بس أنا عمري ما هشفق عليك لأني بكرهك يا أسعد.

شعرت هويدا ببعض الارتياح حين قالت هذا. ورأت استنفار أسعد الذي أن بآلم وحاول أن ينهض لكن ازداد شعور الألم والعجز. اقترب منه آيسر سريعًا وكاد ينظر إلى هويدا. لكن هي ضحكت بتشفى وغادرت الغرفة تصفع خلفها الباب مرة أخرى. ذهبت نحو مصعد المشفى الكهربائي. وقفت تنتظر المصعد. بنفس الوقت جاء طاهر خلف يارا. لكن يارا سبقت ودخلت إلى الغرفة. بينما رأى طاهر هويدا تتوجه نحو المصعد. ذهب نحوها وحين اقترب منها قام بالنداء عليها. نظرت له لكن لم تهتم وتقدمت إلى الأمام ظنًا منها أن المصعد قد وصل. فتحت الباب وتقدمت بإحدى قدميها. سرعان ما صرخت وهي تشعر بهاوية. بينما هرول طاهر نحوها ينطق اسمها بفزع.

*** استطاع آصف إلهاء سهيلة معه بالحديث طوال الطريق إلى أن توقف بالسيارة، قائلًا: وصلنا. نظرت سهيلة من شباك السيارة إلى الطريق. لم تستطع معرفة المكان إلا حين ترجل آصف من السيارة وهي خلفه. وجدت نفسها أمام ذاك الممشي. علمت المكان بسهولة قائلة: إحنا هنروح البحيرة. ابتسم آصف قائلًا: أيوا المكان اللي كان دائمًا بيضمنا. خفق قلب سهيلة قائلة: خلينا نروح مكان تاني يا آصف.

تبسم آصف واقترب منها وأمسك يدها. جذبها للسير معه قائلًا: خلاص يا سهيلة. الخوف انتهى. خلينا نبدأ من المكان اللي شهد على قصتنا من أولها.

بصعوبة وافقت سهيلة وصعدت إلى ذاك القارب، الذي سار يقطع مياه البحيرة. جلست سهيلة على أريكة قريبة من سياج القارب. ومعها ذاك العيش الذي بدأت تُطعمه قطعًا صغيرة وتُلقيها على مياه البحيرة. تبتسم وهي ترى تلك الطيور تلتقط تلك القطع. جلس جوارها آصف يضمها لصدره. لم ترهب منه بل تبسمت له. جلس مثلها يُقطع العيش ويُلقيه في المياه. يستنشق هواء الربيع المنسم بنسمة باردة. ضم سهيلة لحضنه. شعر بالدفء، كذلك هي. لكن قطع الانسجام بينهم رنين هاتف آصف. أخرجه من جيبه ونظر إلى شاشة الهاتف. ثم نظر لـ سهيلة قائلًا:

ده آيسر أكيد عاوز يسخف. أنا مش هرد عليه. نبهته سهيلة قائلة: لأ رد عليه. ناسي إن باباك في المستشفى. وافق آصف وقام بالرد. لكن طلب آيسر منه الحديث بعيدًا عن سهيلة. شعر بأن هناك خطبًا ما. نهض بعيدًا عن سهيلة قائلًا: هكلم آيسر وأجيب عيش عشان الطيور الموجود خلص. تبسمت له.

بينما لم يغيب آصف كثيرًا وعاد. لكن تفاجأ بـ سهيلة التي تضجع برأسها على مسند رأس المقعد. ويبدو أن صفاء الطقس جعلها تغفو. ذهب وآتى بدثار وقام بوضعه على سهيلة. إلى أن وصلا إلى البحيرة وما زالت سهيلة نائمة. لم يرد إيقاظها. حملها وترجل من القارب نحو تلك السيارة التي كانت قريبة من الشاطئ تنتظرهما. بعد وقت

صحوت سهيلة من النوم. رغم أنها ما زالت تشعر بخمول. لكن حاولت نفض ذلك عنها وتمطئت بيدها. في البداية استغربت أنها نائمة فوق فراش. سألت نفسها: آخر حاجة فاكرة إني كنت في قاعدة في المركب. برمي فتافيت العيش للطيور فوق مية البحيرة. يظهر نمت من غير ما أحس. بس إزاي وصلت لهنا، وفين آصف؟ فجأة تذكرت جزءًا من ما حدث هنا في المرة السابقة. ارتجف قلبها عليه وخشيت أن يكون سوء أصابه.

سريعًا أزاحت الدثار عنها ونهضت. لم تدرِ أنها بمنامة نسائية صيفية ولا أنها دون وشاح فوق رأسها. خرجت من الغرفة. كان المنزل يسوده الضوء. شعرت بالراحة قليلًا. توجهت نحو درج المنزل الداخلي وبدأت في النزول إلى أن وصلت إلى الدرجة قبل النهائية. توقفت بخضة حين فجأة وجدت آصف أمامها مباشرةً. ارتخى جسدها. لكن وقوف آصف أمامها منعها من السقوط. أصبح مستقر جسدها بحضنه وهي غير واعية للحظات حتى شعرت بيديه تحتضن ظهرها. لم تشعر بالرهبة من قربه منها كما بالسابق.

تنهدت براحة سائلة: آصف إنت كنت فين؟ شعر آصف بتنهيدتها على عنقه. أنفاسها كأنها نسيم ربيعي دافئ. ضمها بيديه وأجابها ببساطة: روحت السوبر ماركت اشتريت شوية معلبات. البيت مكنش فيه أي حاجة تتاكل. وعت على حالها. شعرت بخجل ورفعت وجهها تنظر لـ وجه آصف بحياء وسألته: أنا وصلت لهنا إزاي؟ آخر حاجة فاكرة إني كنا عالمركب. ابتسم آصف وانحنى يحمل جسدها بين يديه بتلقائية قائلًا:

يظهر هوا البحيرة سطلك ونمتِ. ولما وصلنا ما حسيتيش وأنا شيلتك زي كده بالظبط.

للحظة شعرت بخضة ورجفة في جسدها. لكن حاولت أن تسيطر على ذلك الرهاب من اقتراب آصف منها. أو ربما بالحقيقة هدأ هذا الرهاب. بل ربما زال نهائيًا. لم تعطي ردة فعل إلا حين بدأ يصعد بها الدرج. لا تعلم لم ظلت صامتة تنظر له فقط. تواصل بين الأعُين سيطر عليهما وهو يصعد بها إلى أن وصلا إلى غرفة النوم. اقترب من الفراش وضع جسدها عليه. رغم أنه ما زال يأسر جسدها بين يديه. لكن انزاحت نظرة عينيه عن عينيها وتمركزت على شفاها اللتان

ضمتهما. للحظة تشوق لتذوقهما. لكن بداخله يخشى أن يفعل ما يريد وترفضه أو ترهبه كما كان قبل أقل من شهر. لكن تملك الشوق منه. انحنى برأسه ولثم طرف شفاها بقبلة ناعمة. ازدادت بشوق حين استكانت للحظة. حقًا لم ترفضه أو تظهر الرهبة. جعله هذا يتعمق بقبلته ويضم كامل شفاها بقبلة تزداد اشتياقًا وهي تشعر بعدم الرهبة منه. لم تعطي ردة فعل إلا حين ترك شفاها. لكن ما زالت تشعر بأنفاسه قريبة من شفاها. رفعت عينيها تنظر لعيناه. سرعان ما

أخفضتهما بحياء تضم شفاها. للحظة تملك منه اليأس. لكن حركة يدها التي وضعتها فوق معصم يده جعلته يترك النظر لعينيها. ونظر إلى يدها الموضوعة حول معصمه كأنها تتمسك به. عاد بنظره لوجهها رأى بسمة على وجهها. تبسم لها بتلقائية. عاد يشعر بالشوق لشفاها. لكن هذه المرة بداخله شعور يؤكد له أنها لن ترفض مشاعره، أو تتحجج بأي شيء. بالفعل انحنى وقبلها. لكن تفاجأ حين شعر بيدها فوق عنقه. لم تكن تدفعه للابتعاد عنها. كذلك لم تكن تضمه. فقط

وضعتها بإرادة منها. رفع وجهه عن شفاها ونظر لوجهها بالكامل. تبسم حين أخفضت وجهها بحياء. بينما هي تشعر كأن بجسدها مغناطيس تود انجذاب آصف لها. لم تتمنع ولا تظهر الرهبة. فقط أرادت خوض تلك المشاعر معه دون أن تدع تلك الليلة تتحكم بعقلها. وودت نسيان تلك الليلة بليلة أخرى. ربما تنتهي تلك الرهبة نهائيًا. رسمت بسمة ولمعت عينيها وهي تنظر بحياء لآصف الذي مثل التائه بين أمواج التردد في الانجراف بتلك المشاعر المسيطرة عليه. يود أن

يغرق وهو هائم بها. استسلم لرغبته الذي قاومها ولم يتغلب عليها. حتى لو رفضته سهيلة، يكفي أن ينال بضع قبلات. بالفعل هبط بجسده فوق جسدها يضم شفاها بين شِفاه يُقبلها بوله وشغف. تفاجأ حين شعر بقبول سهيلة لتلك القبلات. لكن للحظة كاد يشعر بيأس حين رفعت إحدى يديها ووضعتها على كتفه. ظن أنها تدفعه كي ينهض عنها. لكن إرادة المزيد من القبلات لديه جعلته لا يستسلم وخلل صوابع يدهُ بين أصابعها. شعر بانقباض أصابعها مع أصابعه. شعر

بتناغمها معه. توغل بلمساته وهمساته. يدفس وجهه بحنايا عنقها ينتشي من عبقها للحظات قبل أن يرفع رأسه وينظر لعينيها التي كانت تُغمضهما للحظة قبل أن تفتحهما وتتلاقى أعينهما. بتلقائية تبسمت له. رفع يده وأزاح تلك الخصلة عن جبينها.

وهمس بعشق: أنا أعشقك يا سهيلة. عشقك ساكن فيا مع روحي. مستحيل ينتهي أو حتى يقل غير بطل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...