بذهول نظر لها آصف غير مصدق، ما تفوهت به سهيله. تلاقت عيناهم لأول مرة منذ فترة. سخرت سهيله من نفسها وتذكرت قبل أيام حين سألته لماذا يضع تلك النظارة المعتمة حول عينيه باستمرار حتى ليلاً. كان جوابه مقنعًا: "عندي حساسية في عيني الفترة دي ولما بتتعرض لضوء بيزيد الوجع". أين تلك الحساسية، وأين هو الوجع الذي تحدث عنهما؟ الآن أمامها عيناه بلا تلك النظارة التي كان يخفي خلفها حقيقة قلبه ونواياه تجاهها. بتحدٍ
منها وجبروت أكدت باستهزاء: "أيوة كان كيفة الرجالة تقليعة جديدة حب يجربها، وكان مفكرها زي قصة شعر موضة. وقت ما يحب يغيرها سهل، لكن التقليعة بقت مرض عنده واتوغل منه. صدفه عرفت ونصحتُه يروح لدكتور نفسي. فاكر كم مرة كنت بلمح لك إنكم تحاولوا تقربوا منه وتحتوه شوية؟ هو محتاج اللي يساعده ويرجعه للطريق الصح واللي يرجعه للفطرة اللي ربنا خلقنا عليها." تذكرت تلك الليلة التي علمت بها حقيقة سامر القذرة. [فلاش باك]
كانت ليلة شتاء، قبل الفجر بمنتصف وقت عملها بالمشفى. للتو انتهت من مباشرة أحد الأطفال المرضى الذي يعاني من مرض عضال. شفقت قلبها عليه، شعرت بحزنه لعدم شفائه، كذلك أحلامه البسيطة التي يود تحقيقها لكن مرضه يمنعه. خرجت تشعر بآسى عليه. كانت متوجهة إلى غرفة الأطباء، لكن أثناء سيرها بأحد الممرات توقفت أمام غرفة خاصة بالكشف على المرضى قريبة من الاستقبال الخاص بالمشفى. سمعت صوت تآوهات تشبه تآوهات الألم. ظنت أنه ربما مريض يتألم بداخل الغرفة. بإنسانية منها فتحت باب الغرفة.
انصدمت من ذلك الموقف المقزز لسامر ورجل آخر لم تر وجهه، كان يعطيها ظهره. سريعًا أغلقت باب الغرفة تشعر بغثيان. بالفعل ذهبت إلى أحد مراحيض المشفى. فتحت صنبور المياه وقامت بغسل وجهها بماء بارد علّ ما رأته قبل لحظات كان وهمًا أو فيلمًا قذرًا. لكنها الحقيقة. سامر كان رفيق دراستها كما أنه الأخ الأصغر لحبيب قلبها "آصف". سألت عقلها ما الذي جعله يصبح بتلك القذارة ويتغافل عن الفطرة الإنسانية. لم يعطها عقلها جوابًا.
خرجت من المرحاض، وعادت لعملها إلى الصباح حتى انتهى موعد عملها. خرجت من المشفى. تفاجأت بسامر الذي يظهر عليه الكسوف منها، لكن طلب منها أن يوصلها إلى البلدة. في البداية رفضت، لكن بسبب إلحاحه وافقت. سار قليلاً، إلى أن تنحنح سامر قائلاً: "على فكرة أنا عارف إن انتِ وآصف في بينكم مشاعر." تفاجأت سهيله وسألته: "ويا ترا عرفت منين؟ آصف هو اللي قالك؟ رد سامر:
"لأ آصف كتوم، أو على الأقل معايا. يمكن هو وآيسر قريبين لبعض. بس أنا لاحظت ده من نظراته ليكِ غير كمان ملامحه اللي بتتغير بمجرد ذكر اسمك قدامه. صدفه. أنا مش بدخل في شؤون إخواتي بس مش معنى كده إن معنديش نظر ومبفهمش. هما أحرار في حياتهم وأنا كمان حر." نظرت له سهيله باستغراب وسألته: "قصدك إيه بإن انت كمان حر؟ سامر انت محتاج علاج نفسي وبسرعة كمان." نظر لها سامر باستهزاء قائلاً: "علاج نفسي! ليه يعني؟
كل الحكاية إن عندي شوية فضول زايد وبحب أجرب تقاليع وحاجات غير، زي قصات الشعر، وسهل أوقفها في أي وقت حسب مزاجي وبدون تأثير على أي حد." استغربت سهيله رده السافر وقالت له باستهزاء: "انت إزاي درست طب وعارف تأثير الشذوذ؟
كمان قبل الطب الدين مش بيحرم الشيء الضار وربنا نزل آيات في القرآن لعقاب النوعية دي من البشر. دي تقاليع غريبة علينا ومحرمة. وأنا مش خايفة حد يعرف إن في مشاعر بيني وبين آصف، لأني مش أقل من مستوى آصف، وآصف نفسه يتمنى إني أوافق على جوازنا. بلاش تضحك على نفسك يا سامر وفوق وارجع لعقلك. انت كنت شخص كويس قبل سنة التجنيد اللي بدلتك دي. نصيحة ليك بسرعة شوف دكتور نفساني وارجع لـ سامر الشخص اللطيف. ومتخافش أنا مش هقول لـ آصف."
توتر سامر، شعر كأنها قرأت أفكاره. اتخذ مبدأ المساومة في البداية بإخباره لها بمعرفته بوجود مشاعر خفية بينها وبين آصف. لكن سهيله أخزته ولم تتنكر من مشاعرها لآصف، كذلك أخبرته بثقتها بحقيقة مشاعره تجاهها. شعر بالخزي وهو يقول بارتباك: "أنا فعلًا كنت نويت أوقف العلاقة دي، لأني مليت منها." نظرت له سهيله باستهزاء قائلة:
"المفروض تقطعها نهائي، مش عشان مليت، لأ عشان ده الصح. وكمان تتوب وتطلب من ربنا المغفرة، ده إثم كبير عقابه أسوأ من الزنا."
اقتنع سامر بحديث سهيلة، التي كانت تشعر بحياء وخجل وهي تتحدث معه بهذا الموضوع الشائك. لكن ربما هوايتها للطب النفسي وقراءتها به جعلتها تتخلى قليلاً وتتحدث دون شعور منها. بينما سامر، شعر أنه فعلاً مخطئ وابتعد عن الدين بسبب بهرجة تلك التقليعات تحت مسميات عولمية سخيفة بكلمة "حرية شخصية" لا تستحق سوى الوأد من مهدها. [عودة] عادت سهيله تشعر بآسف، ليتها تلك الليلة ما تحكمت بها الإنسانية ولا علمت حقيقة سامر القذرة.
بينما آصف يشعر أنه أمام حقيقة ليست فقط مخجلة، بل قاصفة للقلب والعقل معًا. لم يستطع تكذيبها، كذلك لن يستطيع تقبلها. مستحيل أن يكون وصل حال أخيه إلى تلك الدناءة أن يخالف دينه ويسير خلف تلك القذارة. لكن ملامح سهيله تؤكد ذلك. يشعر أنه مثل المذبوح بنصل حاد يكز بقلبه. فاق من سكرة تلك الحقيقة على حقيقة أقصى. انخنفرت سهيله بقوة واهية بسبب إحساسها بأنها مسلوبة الروح فعلاً، كذلك جسد بلا روح تتنفس، لكن جسدها بلا حركة. حاولت
التماسك وهي تقول بيقين: "كل كلمة قولتها لي في البدروم سمعتها واترسخت في عقلي. ما كنتش محتاج تستحمل تغصب على نفسك وتدعي إنك لسه بتحبني ولا للمراوغة دي كلها عشان تنتقم مني يا آصف. كان كفاية تبعد عني كان هيبقى انتقام أقوى منك. كان كفاية أسمع إنك بقيت لواحدة غيري... وإن مبقاش ليا مكان في حياتك. كان إحساس كفيل يموتني من القهر."
توقفت للحظات تستجمع ما بقى من حطامها بقسوة. ليتها كانت تمسكت بها من قبل. لكن يكفي، لم يعد لديها طاقة للتحمل. هي انتهت بين يديه كما أراد. فاضت بتعمد: "قد ما حبيتك قد ما أنا بكرهك يا آصف.... طلقني." والصدمة ارتسمت على الوشوش. كيف لزواج أن ينتهي قبل أن يمر عليه حتى أسبوع واحد؟ مجرد أيام لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. والإثنين خاسران، كل منهم أصبح ذابح ومذبوح بنفس اللحظة. هُدرت أمنيات عشقهم وأضحت حياتهم معًا بلا أمل.
ذُهل عقل آصف. حقائق مريرة تبعها طلب سهيله للطلاق التي أكدته بقولها:
"أنا متنازلة عن كل حقوقي عندك، ومش عاوزة لا مؤخر حتى القايمة اللي مضيت عليها اعتبرها مش موجودة. كل شيء بينا انتهى من قبل ما يبدأ. أنا اللي كنت غبية. الحقيقة كانت واضحة قدامي من أول تخليك عني وتصديقك إني ممكن أكون قاتلة. عدم سؤالك عني، حتى يوم لما جيت المحكمة يوم الحكم مشيت واديتني ضهرك. كان لازم أفهم إن ماليش مكان في حياتك من البداية. بس قلبي خانني أول ما كلمتني قلبي رق لك وعقلي تنحى وقال لي قدامك فرصة مع حبيبك، أكيد
لما يعرف الحقيقة يصدقك. بس كنت ذكي جداً. كل ما أحاول أقولك الحقيقة كنت بتراوغ وتغير الموضوع، عشان كنت واخد القرار مضبوط حسب رؤيتك كأخ. أنا شوهت صورته بالكذب والإفترا عشان أبعد عن الإعدام اللي كنت أستحقه حسب وجهة نظرك. ولما فلت من حكم المحكمة كان في حكم تاني أسهل يتنفذ، وانت نفذته باحتراف. كمان انت فعلاً موتت قلبي يا آصف، وانسحابي أو بالأصح هروبي من حياتك أفضل قرار أنا خدته عشان أرجع أعيش من تاني."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساءً منزل أيمن صدمة غير متوقعة حين سمعت هويدا حديث آسميه مع أيمن أثناء وضعها لتلك الصينية أمامهم. ذُهلت وهي تسمع قول آسميه تحثه: "فيها إيه لما سهيله تطلق؟ هي مش أول واحدة تطلق، والمثل بيقول 'إيش عملت الحرة اتجوزت واتطلقت'." رد أيمن بتردد حائر العقل والقلب، كذالك يشعر بعذاب ضمير أنه تنازل ووافق على زواج سهيله من البداية: "إنت مفكرة إن حكاية طلاق سهيله سهلة يا عمتي؟
الناس هتقول عليها إيه؟ دي مكملتش حتى أسبوع جواز." تهكمت آسميه تقول بآسف: "والناس مش هتتكلم لما تطلق بعد شهر ولا اتنين؟ هتسمع لملام وكلام الناس. هتستني إيه لما المرة الجاية تستلمها جثة بعد ما يموتها." نظرت هويدا لآسميه بغضب قائلة: "بابا عنده حق، إزاي يوافق على طلاق سهيله؟ وفيها إيه يعني لما تستني فترة ومش يمكن كان تهور من آصف ويتعدل معاها بعد كده؟
وبيحصل كتير في أول الجواز مناوشات بين الأزواج، والدليل قدامنا الست جارتنا جوزها بيضربها وتزعل له يوم ولا اتنين ويرجعوا تاني كويسين مع بعض. بلاش تتسرعي يا بابا، حضرتك كنت شايف رغبة سهيله في الجواز من آصف، هي يمكن زعلانة كمان حكاية شلل جسمها دي مؤثرة عليها. بلاش توافق على قرارها وتهدم بيتها في لحظة غضب منها، وآصف أكيد ندمان، والدليل أن حضرتك بتقول إنه رفض يطلقها... وساب المستشفى ومشى عشان ميتهورش."
نظر طاهر لهويدا باندهاش قائلاً: "أنا مع قرار تيتا، سهيله لازم تطلق من آصف وإن كان على كلام الناس يغور في داهية. أنا مكنتش موافق عالجوازه من الأول، بس لما هي وافقت قولت يمكن أكون غلطان وهي شايفة حقيقة أنا مش شايفها. آصف كان كل غرضه ينتقم منها بعد ما المحكمة برأتها." ربتت آسميه على كتف طاهر ببسمة مغصوصة قائلة:
"أنا من أول مرة شفت آصف ده قلبي مرتحش له، وبقول كفاية كده. وإن كنت خايف من كلام الناس الفاضي أخد سهيله معايا ونروح نعيش سوا في الشقة بتاع ابني اللي في عمارة الجزيرة وأهي تكون بعيدة عن كلام الناس الفاضية اللي هنا، يمكن بعدها عن هنا يشفيها وترجع تقف على رجليها من تاني، كمان تنسي اللي جرالها."
نظر أيمن لهويدا رأى بعينيها رفض لطلاق سهيله. غص قلبه كم أراد أن تكون هويدا هي الداعم لسهيله لأي قرار تتخذه، لكن خاب أمله. نظر لآسميه وطاهر وتبسم بهم بعضه مريرة وأومأ برأسه موافقًا على حديثهم، فملام وكلام الناس لن ينتهي، ومن يسمع له بالنهاية قد يكون خاسرًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالمشفى
تحسرت سحر المرافقة لسهيله بالمشفى، على حالتها وهي غافية ممددة أمامها هكذا جسد ساكن للفراش بلا حركة. لو ظلت تنظر لها سيلعب بعقلها الشيطان. حسمت أمرها ونهضت توجهت إلى الشباك الخاص بالغرفة وأزاحت تلك الستارة تنظر إلى الخارج. نظرت نحو السماء شبه معتمة اختفت منها النجوم، خلف سحب تتحرك قد تمطر بأي وقت. تنهدت وكادت تترك الستارة، لكن لاحظت ذلك الجالس فوق أريكة رخامية أسفل إحدى أشجار حديقة المشفى، يضع السيجارة في فمه.
استهزأت به وشعرت أنها تود له السوء كما فعل بابنتها. أذاها بأسوأ طريقة والآن يجلس بمكان قريب منها بعد أن طلبت منه أن يبتعد عنها كذلك الطلاق. رغم أن قلبها لم يشفق عليه، لكن هي مثل ابنتها أصبحت تريد أن يبتعد عنها نهائياً. حسمت أمرها، وتركت الستارة. نظرت نحو الفراش كانت سهيله غافية. خرجت من الغرفة بهدوء، وذهبت إلى مكان جلوس آصف. شعرت بلفحة هواء باردة، زمّت شالها الثقيل على كتفيها. نظرت له باستهجان قائلة:
"ولما انت بتحبها أوي كده ليه أذيتها بالشكل القاسي ده؟ كان فين قلبك لما كملت في ظلمها." ألقى عقب السيجارة ونهض واقفًا يحني رأسه صامتًا. سخرت منه سحر قائلة: "كفاية يا آصف ابعد عنها، سيبها تحاول تسترد حياتها من تاني. انت كنت أقسى جلاد لها، سيبها ترمم حياتها بعد ما خاب أملها إنك تكون الحامي لها."
رفع آصف عينيه ونظر إلى سحر التي سخرت من احمرار عينيه. من يراهما يصدق أنه عاشق سهد النوم وسالت دموعه على حبيبته حسرة فقدانها. لكن بالحقيقة هو كان جلادًا وسفك قلب من عشقته وواجهت من أجله وأصرت على الارتباط به أملًا أن تحكي له الحقيقة التي أخفتها، ويصدقها ويغفر لها كذبة كانت تجميلاً لحقيقة قاسية ومخزية. بصعوبة استطاع آصف الرد على سحر:
"أنا بعترف إني كنت قاسي فعلاً واتحكم فيا الغضب والانتقام، بس مستحيل هبعد عن سهيله، حتى لو انفصلنا زي ما هي عايزة أنا مستحيل اسمح إنها تنتهي من حياتي." قال آصف هذا وتوجه نحو سيارته المصفوفة بفناء المشفى، صعد بها وخرج من باب الخروج من المشفى. تنهدت سحر بآسف. لو بيدها، لقطعت جسد آصف، أو صفعته آلاف الصفعات حتى يدمي جسده. بعد لحظات شعرت بالبرد قررت العودة للغرفة، ربما تصحوا سهيله وتحتاج لها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بسرعة غير اعتيادية كان آصف يقود السيارة بلا هوادة، يشعر بحرارة تحرق جسده، ربما منبعه قلبه الذي يحترق أو بالأصح ينزف بغزارة وقسوة ما علمه اليوم. بعد قليل دلف إلى السرايا، توجه مباشرة إلى غرفة والداه. طرق على باب الغرفة وانتظر حتى فتح له أسعد باب الغرفة ونظر إلى حالته المشته. سألًا: "آصف مالك، إيه اللي مصحيك لغاية دلوقتي؟ دلف آصف إلى الغرفة وسأل بتسرع:
"إنت بعت سم لـ سهيله وهي في السجن؟ صمت أسعد للحظة ثم قال بدفاع: "بتخرف تقول إيه؟ أكيد البت دي كدابة و.... صدمة آصف قبل أن يكمل ادعاء على سهيله: "سامر كان شاذ." ملامح وجه أسعد كانت رد فعلها غير متفاجئ، لكن ادعى الكذب قائلاً بزم: "واضح إنك بتخرف آخر الليل. بقالك كام يوم منمتش وده مأثر على عقلك." ترك آصف النظر لـ أسعد ونظر نحو شكران التي تبكي بصمت، ثم عاود النظر لـ أسعد قائلاً بيقين:
"كنت عارف إنه محتاج لعلاج نفسي، كنت بتستهزأ بيه قدامنا. لو سامر وصل للمرحلة دي من السفالة يبقى انت السبب، والمفروض انت اللي كنت تتعاقب على جريمة قتله." صفعة قوية على وجه آصف كانت رد أسعد، قبل أن يقول باستهزاء: "سحبت عقلك إزاي قدرت تصدقها بعد الإفترا وبعد الكذب ده كله، على أخوك؟ قبل كده قالت إنه حاول يعتدي عليها ودلوقتي جاي تقولي إن أخوك كان شاذ؟ إيه فين عقلك؟
حكمة شوية. التضاد في أقوالها واضح، هي بتلعب بقلبك. كان لازم أرفض إنك ترتبط بها وتشرفها باسم عيلة شعيب اللي ما كنتش تحلم بس تشتغل خدامة." نظر له آصف قائلاً:
"سهيله كانت أنضف شيء في حياتي وللأسف خسرته وغبائي وغروري كانوا السبب. سهيله طالبة الطلاق وقبل ما تكمل وتقول هي طماعة وعارفة المؤخر وقيمة قايمة العفش هقولك إنها اتنزلت عنهم بكل بساطة. أنا خسرت أهم وأغلى إنسانة في حياتي، والسبب هو إني ابن أسعد شعيب اللي للأسف معندوش قلب، عنده عقل يمشي ورا هفواته."
ترك آصف الغرفة سريعًا، بينما جلست شكران فوق طرف الفراش تبكي بحرقة. قلبها ممزق بين فقدان سامر المرير، وفقدان آصف لاستقرار حياته وشعوره بالهزيمة في أهم قضية بحياته. حكم خطأ وعليه تحمل عواقب حكمه القاسية فراقه عن معشوقة قلبه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد مرور عدة أيام بـ شقة خاصة بـ بحيرة البرلس.
تبسمت آسميه وهي تضع تلك الصينية الصغيرة أمام مقعد سهيله، ثم توجهت إلى شرفة تلك الغرفة وقامت بإزاحة تلك الستائر تفتح للضوء السماح لدخول الغرفة، ثم نظرت إلى سهيله قائلة: "الشمس النهاردة ساطعة والجو دفا شوية عن الأيام اللي فاتت. خلي نور ربنا يدخل للشقة، حتى نوفر شوية في الكهربا غليت." تبسمت سهيله بغصة قوية في قلبها قائلة: "فعلاً لازم نوفر شوية في الكهربا، الدفاية بتسحب كهربا كتير."
تبسمت آسميه وتوجهت إلى ذالك المقعد المتحرك التي تجلس عليه سهيله وقامت بتعديل ذالك الدثار حولها قائلة: "إيه رأيك دوقي الكيكة اللي أنا عملتها لك مخصوص بالمشمش زي ما بتحبيها. كمان زينتها بالشيكولاتة، عاوزاكِ تخلصيها قبل ما طاهر ورحيم يجوا لو شافوها." تبسمت سهيله قائلة: "ماليش نفس، وبعدين بابا اتأخر النهارده ليه." جذبت آسمية طبق الكيك وقالت بتصميم: "أنا هاكلك بإيدي، ويمكن أيمن اتأخر ملهاش مركب تجيبه من الشط التاني لهنا."
تبسمت سهيله وهي تعلم أن آسميه لا تود أن تجعلها تشعر بأنها عبء عليها، وهي تحتاج لمن يساعدها حتى بإطعامها. ـــــــــــ بمكتب المأذون غصبًا أمام إصرار سهيلة على الطلاق، امتثل آصف لها غرضها. وضع إمضاؤه على تلك القسيمة التي يعلم أنها لن تفرق بينه وبين سهيله، هي وضع مؤقت فقط. خرج من مكتب المأذون وقام بالاتصال على أيمن وأخبره أنه فعل مثلما أرادت سهيله وأنه سيحول لها مستحقاتها لديه بحوالة خاصة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد أيام لم تهتم سهيله بقراءة قسيمة الطلاق، فقط أرادت أن تضع نهاية لـ آصف بحياتها وعليها الآن البدء من جديد واستعادة حركة جسدها بأقرب وقت. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد مرور شهر انبالمحكمة المنتدب بها آصف، كان أمام حكم مصيري بإحدى القضايا الموكلة إليه. كان عليه النطق بالحكم فيها،
وقد كان النطق بالحكم: "بناءً على ما وصل إلى المحكمة من تحريات وحيثيات تخص القضية قررت هيئة المحكمة رفض الطعن المقدم من المدعية بالحق المدني في القضية، وتأيد الحكم السابق في القضية الخاصة باتهامها للمدعي عليه بالاعتداء عليها بعد ثبوت وثيقة زواج عرفي بين الطرفين."
هنالك من هلل بالحكم العادل في وجهة نظره حتى لو كان يعلم أنه كاذب ومخادع. وهنالك الطرف الآخر الذي خسر آخر فرصة له لنيل حقه بالقانون واسترداد شرفها الذي اغتصب منها بالتدليس وخداع القانون. لم يبق أمامها أي طريق لنيل حقها التي ظنت أن القانون سينصفها ويجعل من مغتصب عبرة، لكن القانون أنصف المغتصب بعد أن قدم له وثيقة زواج عرفي مفبركة جيدًا. نظرت نحو والداها الذي أوطى رأسه خزيًا من ذلك القرار الهادم لحياة ابنته، وكرامتها
التي سلبت رغم أنه ليس فقيرًا بل ذو شأن. والمتهم ما هو إلا متسلق كان يود أن يتزوج بابنته طمعًا، وحين لم ينال سوى الرفض، تمكن منه شيطانه أن يجعلهم غصبًا يوافقون عليه بعد اغتصابها، بحجة أنه يحبها. اليوم نال ما أراد بلعبة محامي محنك تحايل على القانون. لكن لا هكذا هي قررت.
بعد قليل، بعد انتهاء القضية شعر بضيق خرج إلى فناء المحكمة كي يتنفس سيجارة بالهواء الطلق يخرج فيها ضيقه. توقف على أحد سلالم المحكمة يشعل سيجارة. بنفس الوقت كان ذلك المغتصب الذي يشعر بنصر يخرج من مبنى المحكمة بيده أصفاد كي يذهب لإنهاء بعد الإجراءات الخاصة ببرائته. بنفس الوقت كانت تلك الفتاة التي سلبت حياتها بالقانون تقف مع والداها الذي يشعر بهزيمة ساحقة يتلاعب بعقله الندم ليته كان وافق على ذلك المجرم وزوجها له وتجنب فضائح المحكمة. لكن فات الأوان الآن حياة وكرامة ابنته بيد مغتصب.
وقع بصر تلك الفتاة على ذلك العسكري الواقف قريب منها ضمن الحرس الخاص بالمحكمة. لم تفكر كثيرًا ذهبت نحو العسكري وسحبت سلاحه وبلحظة كانت طلقات تخرج من فوهة السلاح نحو المغتصب الذي كان ينظر لها بزهوًا وانتصار. ها هو يتردى مدرجًا بدماؤه القذرة، وتلك الفتاة تقف أمامه وتنظر إلى آصف قائلة: "لما المحكمة تفشل في تحقيق العدل، وعينيها تعمي بسبب شوية تدليس أدلة كدابة، وقتها هيسود قانون الغابة وكل واحد ياخد حقه بإيده...
يا سيادة القاضي." ظن أحد العساكر أن تلك الفتاة كانت ستقتنص القاضي أيضاً. لم يفكر ولم يسمع لرجاء آصف أن لا يتسرع، لكن نفذ الأمر ورصاصة أصابت الفتاة بمقتل، ليخرج من المحكمة جثتان، إحداهما أرادت إنصاف العدالة لها ونيل حقها، لكن خذلتها العدالة. وآخر مدنس حقير كان يستحق الإعدام لكن الأدلة كانت منصفة له.
لحظات فارقة تصنع فجوة في عقل آصف. عدالة مغمضة العين تحكم بناءً على أدلة سهل التحايل عليها، بل ليس فقط تحايل بل تضليلها. قارن عقله بين هذه القضية وقضية سهيله السابقة. الاثنتين خذلتهن الأدلة الغير وافية لنيلهن حقهن، وهو كان القاضي بالاثنين. ونفس الخطأ كرره. بعد أن رأى الحقيقة من اتجاه واحد، تيقن عقله أن العدالة معصبة العين ليس لكي لا ترفق بأحد الخصوم، بل هي معصبة العين ولا ترى الحقيقة أساسًا، فقط مجرد رمز سهل خداعه.
بلحظة اتخذ القرار. عاود إلى غرفته بالمحكمة وجلس خلف مكتبه سحب إحدى الأوراق الخالية وقلم وقام بالتوقيع على ثاني أسوأ قرار بحياته كلها بعد توقيعه على طلاقه من سهيله. هذا التوقيع كان قاسيًا أيضاً. ترك القلم ونهض واقفًا رفع يديه على كتفيه يخلع عنه رداء القاضي، يشعر كأنه يسلخ جلد جسده، يشعر بوجع قاسي مع خلعه لذالك الرداء الذي ارتدى يومًا وأقسم على تحقيق العدالة، لكن هو أخلف ذلك القسم، ولم يحقق العدالة، بل استنفذ العدالة بأدلة واهية ومخادعة.
ــــــــــــــــــــ بعد مرور شهر تقريبًا بـ بخيرة البرلس
المكان الذي كان يضم أحلام آصف وهنا على رمال هذه البحيرة قبل أشهر رسمنا قلب وبه سهم ونقشنا اسمينا بداخله. كانت أمنياتنا هو إن يضمنا سويًا مكان واحد صغير مثل هذا القلب الذي يضم اسمينا اللذان اجتمعا سويًا بين أضلع هذا القلب. لكن كان الموج عالٍ وهائج، سحب رمال الشاطئ ومحى معها قلبنا. سحبتنا نحو عاصفة هوجاء عصفت بنا. لا أنكر إنني المخطئ بكل هذا حبيبتي أنا من سلمت عقلي لقصاص خاطئ. اليوم أراكِ تجلسين على هذا الشاطئ وأنا
قريب منك لكن لا أستطيع الاقتراب. أعلم أنكِ أصبحتِ تخشين اقترابي. لكن أتعلمين إني منذ تلك الليلة الشنعاء فقدت روحي معك. كانت الحقيقة قاسية ذبحتيني مثلما ذبحتك. أتنفس مثلك لكن لا أشعر بالحياة. أيام وأشهر تمر يزداد طعم مر الندم بحلقي. أنا لستُ بلا قلب كما تظنين لكن قلبي ضل بلحظة وانجرفت وأخذتك معي نحو بركان ثائر أحرقت به روحينا.
شعرت ببعض البرد يغزو جسدها. اتكأت على تلك العصا الطبية ونهضت واقفة للحظات انحنت قليلاً تنفض آثار تلك الرمال عن ثوبها ثم ارتكازت على العصا واستدارت.
وبدأت بالسير بضع خطوات قبل أن يداعب قرص شمس الربيع عينيها. بتلقائية رفعت يدها فوق جبينها تحمي عينيها من أشعة الشمس لكن تسمرت مكانها بلحظة اقشعر جسدها كأن خلايا جسدها تصنمت والتصقت قدماها بمكانها. تتلفت حولها على الشاطئ الخالي تبحث بعينيها عن أي شخص موجود على الشاطئ ربما تستغيث به. لكن الشاطئ خالي من أي مارة فقط هي وهو. هواء الشاطئ الربيعي الذي يداعب خصلات شعره، يجعله بنظرها مثل الأشعث المخيف. ازدادت القشعريرة بقلبها إلى هلع. رغم أنها تراه يقف بعيدًا لا يقترب منها لكن مجرد وجودهما وحدهما بمكان واحد بالنسبة لها مثل الوقوف على فوهة بركان.
أنقذها من ذلك الخوف صوت نداء آسميه التي استغابت عودة سهيله إلى الشقة وخشيت أن يكون أصابها مكروه. وها هو المكروه واقف على بعد أمتار منها. اقتربت بهرولة رغم سنها، احتوت سهيله بين يديها وطمأنتها أن لا تخاف، وحثتها على السير معها بعيدًا عن هنا تستكمل طريقها دون النظر خلفها، حتى أصبحت تبعد بينهم الرؤية. رغم أنهم على شاطئ واحد لكن ابتعدت المسافات. كل منهم أصبح بطريق عكس الآخر والشاطئ انقسم بينهم وبين أحلامهم وآمالهم السابقة تدمرت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!