الفصل 16 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل السادس عشر 16 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
19
كلمة
5,675
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

بعد مرور خمس سنوات. في شقة خاصة بمنطقة سكنية راقية بالقاهرة. بغرفة خاصة مجهزة بأحدث الأجهزة الرياضية، تشبه جيم صغير. انتهى للتو من تمرين قاسٍ، ثم توجه إلى كيس الرمل المعلق وبدأ بلكمه بعنفوان. توقف فجأة عن اللكم حين أمسك آيسر كيس الرمل قائلاً: إرحم نفسك شوية، إيه أنت بتقاتل؟ هتروح فين بعد كده؟ مش شايف جسمك كل مدى بيتضخم. إرحم يا عم الناس اللي صحتها على قدها زيي. صباح الخير. توقف يضحك بلهث قائلاً:

صباح النور، اصطبحت تقر على الصبح، بدل ما تقر اتمرن لك ساعة. الساعة مش هتأثر على النحنحة بتاعتك. أيه اللي مصحيك بدري كده؟ مش راجع الدوبلكس امبارح الفجر؟ كنت فين آخر رحلة؟ تنهد آيسر قائلاً: كنت في فيينا. تهكم آصف قائلاً: ليالي الأنس في فيينا. قطع تهكم آصف رنين هاتف آيسر الذي نظر للشاشة، ثم رفع الهاتف في وجه آصف قائلاً: أهي القلق دي اللي صحّتني من النوم. تبسم آصف قائلاً:

"شيرويت" بنت الليدي شهيرة، عايزة إيه منك انت كمان. نظر له آيسر سائلاً: ليه هي طلبت منك إيه؟ تهكم آصف قائلاً:

واسطة عند الدكاترة في الجامعة، غاوية تدرس حقوق، نفسها تبقى "قاضية" وعايزة واسطة مني مش من الدكاترة. دول كانوا زمايلي حتى في منهم كانوا دكاترة عليا، وهي أساساً مش بتفهم في حاجة غير صيحات الموضة والمكياج، معرفش مين اللي مدخل دماغها العبط إنها تبقى قاضية، زي القاضيات اللي ظهروا مؤخراً عالساحة، غاوية شهرة من الآخر. وأنا مش بحب أتحرج وأكسب جمايل من حد عالفاضي ولشخص معندوش طموح، مجرد زهوة في عينيه، أو تقليد أعمى، عايزة

تظهر إنها متمردة. عكس يارا، أهي يارا خلصت دراسة الحاسبات والمعلومات وبدأت تشتغل في مركز المعلومات، صحيح طبعاً بوصاية خاصة من سيادة النايب "أسعد شعيب" بس بتحاول تثبت استحقاقها وجدارتها، بتحاول تعتمد على نفسها. لكن شيرويت لأ، النسخة التانية متسلقة زي مامتها، ولاقية تشجيع من سيادة النايب طبعاً بيحب المناصب القيادية، ومش هيلاقي أفضل من بنت شهيرة.

تبسم آيسر قائلاً: شهيرة بقى عندها براند خاص بها في الموضة. تهكم آصف قائلاً: بس شيرويت كانت عايزة إيه منك؟ رد آيسر: شوية برفانات ومساحيق تجميل ماركات فرنسية. وجبتهم لها تجنبًا لزنها الكتير، قبل رحلة فيينا كنت في باريس وصديقة اشتريتهم لها، وطبعاً بتتصل عشانهم. هي مش بتتصل غير عشان مصلحتها. ضحك آصف قائلاً بتأكيد: مش قلتلك نسخة تانية من شهيرة وضيف عليها خباثة سيادة النائب.

غص قلب آيسر من عدم نطق آصف باسم والدهم بلقب "بابا" كما كان في الماضي قبل سنوات. حاول وأد هذا الجفاء بينهم، لكن آصف ما زال جريحاً ولم يلتئم جرح قلبه رغم مرور أكثر من خمس سنوات. تبسم الاثنان حين سمعا قول شكران التي دلفت إلى الغرفة تبتسم لهما بحنان: صباح الخير يا شباب، مش كفايه رياضة عالصبح ويلا صفوانة حضرت الفطور. فك آصف تلك القفازات التي كانت حول يديه، وضعهم جانباً واقترب من شكران وانحنى يقبل يدها قائلاً:

أوامر ست الكل تتنفذ فوراً، بس معلومة أنا بس اللي كنت بتمرن، إنما النحنوج ده كان واقف يقر عليا. تبسمت شكران حين انحنى آيسر يقبل يدها الأخرى قائلاً بمزح: أنا رقيق، ماليش في العنف زي آصف، مش شايفه فرق الأحجام. تبسمت له شكران وربتت على كتفه قائلة: بلاش قر على أخوك، ويلا تعالوا نفطر سوا. وبعدين انت راجع الفجر، توقعت تكون نايم. تنهد آيسر قائلاً: والله كنت في أحلاها نومة وبحلم بموزة رقيقة كده شبه الحاجة شكران تهتم بيا.

ضحكت له قائلة: إن شاء الله تقابل بنت قريب تخليك تتوب. ضحك آيسر قائلاً: عندي رحلة آخر الأسبوع لألمانيا، والبلد دي بالذات ملهاش في الرومانسية خالص. هشوف بقية الجدول، يمكن الرحلة اللي بعدها تبقى شرم الشيخ ولا دهب، وهناك بقى الروسيات مقولكيش يا ماما حاجة كده آخر دلع. هبقى آخدك معايا تغيري جو هناك، الجو دفا عن هنا والرملة فيها شفا. ونسيب آصف هنا لوحده مع أجهزته الرياضية والسيجار اللي شبه العسلية. تبسمت شكران قائلة:

والله بدعي ربنا يتوب عليه من السيجار والسجاير، بس دول كيف عنده. تبسم آصف قائلاً: والله بحاول أقلع عنهم، وأهو خففت شوية. تنهدت شكران بأسف قائلة بنصح: لازم تمنعها نهائي مش تخفف. حرقها، بترجع تتغوى تاني، لكن لو قطعتها نهائي مش هترجع لها تاني. تبسم آصف قائلاً: هحاول عشان خاطرك. تبسمت شكران بأمل قائلة: عشان صحتك يا حبيبي. يلا خلونا نفطر سوا.

شعرت شكران بسعادة وهي تسير بالمنتصف بين آصف وآيسر. رغم أنه ما زال صدع بقلبها بفراق سامر، لكن لم تندم للحظة واحدة أنها اختارت آصف، وقفت بجواره بأشد لحظات كان فيها تائهاً وجريحاً. رغم أن لديها يقين أنه ما زال يئن قلبه بألم لم يلتئم دواؤه صعب الحصول عليه. بعد قليل. صعد آصف إلى تلك السيارة الفخمة. نظر له السائق سائلاً: هنروح المحكمة الأول يا باشا. رد آصف:

لأ، هنروح المقر الجديد. ميعاد الجلسة لسه عليه ساعتين ونص، عايز أشوف إيه آخر تجهيزات المقر قبل ما نتنقل له من الليلة إن شاء الله.

تبسم له السائق. توقف بعد دقائق أمام مبنى فخم ذو واجهة زجاجية مكون من ثلاث طوابق. ترجل آصف من السيارة، استقبله أحد العاملين بالمقر وأخذ تلك الحقيبة الخاصة به منه وسار لجواره وهو يدلف إلى داخل المبنى، يحصد احترام وإعجاب العاملين بذلك المقر، بهذه المنطقة الراقية. دلف إلى غرفة كبيرة بها أثاث راقٍ بل وثير يجمع اللونين الأبيض والرمادي. جلس خلف المكتب، فتح تلك الحقيبة التي وضعها العامل فوق المكتب. أخرج منها بعض الملفات، كذلك حاسوبه الشخصي. قام بفتحه، نظر إلى تلك الملفات المحولة له عبر الإيميل، كذلك بعض التعاملات البنكية الخاصة ببعض موكليه. جلس حوالي ساعة ونصف يتابع العمل ثم نهض مغادراً المقر، ذاهباً إلى إحدى المحاكم.

وصل بعد وقت إلى وجهته. ترجل من السيارة، اقترب منه أحد مساعديه قائلاً: الجلسة اتأجلت نص ساعة يا باشا، بسبب القاضي اتأخر في الوصول بسبب سوء الطقس. تهكم آصف قائلاً: يوصل بالسلامة، إن شاء الله النهاردة ننتهي من القضية دي. بعد قليل.

كانت مرافعة من محامي محنك في اللعب بأوراق القانون، تلاعب بأدلة واهية جعلها صادقة، بدل القضية من قضية رشوة مؤكدة من أحد كبار رجال الأعمال إلى موظف بالدولة، إلى قضية ملفقة له من أجل تصفية حسابات قديمة، ليحصل بعد ذلك على قراراً من المحكمة بإخلاء سبيل المتهم وحفظ القضية. قضية ذاع صيتها إعلامياً بسبب صيت رجل الأعمال الطاغي، الذي ارتفعت أسهمه بعد هذه البراءة المدلسة. *** بمنزل أيمن. قبل وقت قليل.

فتحت سهيلة عينيها بعد أن شعرت بيد صغيرة تربت على وجهها بخفة، كذلك بعض القبلات على وجهها. تبسمت وهي ترفع ذلك الصغير ذو العامين عن الأرض وتضمه لصدرها وهي ما زالت مسطحة فوق الفراش مبتسمة وقامت بتقبيله بمحبة قائلة: صباح الخير حسام. حضنها الصغير وقبل وجنتيها بنفس الوقت. صدح رنين هاتف سهيلة. اعتدلت سهيلة جالسة على الفراش وجذبت الهاتف من فوق تلك الطاولة وتبسمت قائلة: ده خالو طاهر، هلل الصغير بيديه.

تبسمت سهيلة قائلة: خلينا نكلمه عشان تقول له على تيتا سحر اللي انت هربان منها عشان متأكلش. أومأ الصغير برأسه يود إخبار طاهر أن سحر تصب عليه الطعام دون إرادته. قامت سهيلة بالرد ضاحكة: صباح الخير يا طاهر، بتتصل قبل ما تنزل شغلك؟ خد كلم حسام عايز يشتكي لك من ماما. ضحك طاهر قائلاً: هو هربان ولا إيه؟ وبعدين مش عارف والله دماغ هويدا إزاي متحملة بعد ابنها عنها معظم الوقت عند ماما. ردت سهيلة بتفسير:

ناسي إن هويدا موظفة، وابنها محتاج اللي يرعاه وحماتها متقدرش تهتم بيه. كمان كان عندها جرد امبارح واكيد كانت هلكانة وسابته مع ماما تهتم بيه. تهكم طاهر قائلاً: والله بستغرب هويدا دي بقت أم إزاي، وهي مش متحملة مسؤولية ابنها. تبسمت سهيلة قائلة:

أساساً حسام متربي على إيد ماما من صغره، بحب ماما عن هويدا، وأهو بيسلي ماما. انت عارف من يوم ما رحيم دخل كلية الشرطة وهو مش بنشوفه غير في الإجازات، وأنا بروح المستشفى وبعدها العيادة ومعظم الوقت بره البيت. حتى بابا من يوم ما طلع معاش بقى يقضي وقته هنا معاهم، حسام بيسليهم. تنهد طاهر بأسف قائلاً: والله حسام خسارة في هويدا، ربنا يهديها. قوليلي أخبار رحيم إيه؟ لما بتصل عليه قليل لما بيرد عليا. ضحكت سهيلة قائلة:

رحيم من يوم ما دخل كلية الشرطة وهو مقضيها عقوبات في الإجازات، بس الفترة دي مشارك بطولة كاراتيه في الكلية وبيقولي ادعيلي أكسب الحلوف اللي هلاعبه في الماتش النهائي. ضحك طاهر قائلاً: ربنا معاه. أكيد بيتعاقب عشان شقاوته، كان مفكر إن كلية الشرطة سايباه، أو هيفوتوا له زي بابا وماما. متأكد أنه يستاهل العقاب. ضحكت سهيلة قائلة:

فعلاً يستاهل. على رأي هويدا ده مش رحيم ده جحيم. بس سيبك من سيرة رحيم، قولي هتنزل إجازة في نفس ميعاد السنة اللي فاتت ولا إيه؟ رد طاهر: أيوه هنزل إجازة في نفس ميعاد أجازتي السنوية، يعني بعد تلات شهور. مش عايزة حاجة أجبهالك من هنا من "الإمارات". تبسمت سهيلة قائلة بمزح: هاتيلي معاه برج خليفة. ضحك طاهر قائلاً: عينيا، هجيبلك ميدالية على شكل برج خليفة. ضحكت سهيلة قائلة:

كتر خيرك. يلا بقى شقتك تقريباً خلاص خلصت تشطيبات. قول لماما تدور لك على عروسة. حظك خالك معندوش بنات. وكمان مكنش لك غير عمة واحدة واتوفت صغيرة قبل ما تخلف، كانوا سهلوا عليك. ولا أقولك قول لتيتا اسمية تدور لك، هي تعرف كل بنات البلد.

غص قلب طاهر للحظة وتذكر بآخر له إجازة قضاها بالبلدة، رأى يارا صدفة من بعيد، اهتز قلبه وقتها. لكن ربما هذا أفضل أن يتجنب فرصة معدومة له معها. بالنهاية هي ابنة المتعالي "أسعد شعيب"، وقبل ذلك شقيقة "آصف" الذي دمر قلب شقيقته بلحظة كبر وغرور وانتقام. لولا إصرارها ما كانت استطاعت تحدي ضعفها وعاودت لحياتها ولم تستسلم لهزيمة قلبها. لا يود أن يخوض تجربة نهايتها الفشل مؤكد. والسبب ليس فقط فرق الطبقات الاجتماعية، بل الاستسلام لرأي القدر الذي فرقهما من البداية.

*** مساءً. بـ فيلا شهيرة. انتهى أسعد من هندمة ثيابه، ثم خرج من الغرفة تقابل مع شهيرة التي للتو عادت. تبسمت له بإعجاب قائلة: إنت خارج؟ رد ببساطة: أيوه معزوم عشا مع صديق ليا. حاوطت شهيرة يديها حول عنقه بدلال قائلة: هتتأخر. وضع أسعد يديه حول خصر شهيرة قائلاً: مش عارف حسب الوقت، ده عشا عمل. بدلال زمت شهيرة شفتيها قائلة: حاول متتأخرش عشان أنا هستناك. تبسم لها قائلاً: هحاول. ممكن بقى أمشي عشان متأخرش.

تبسمت له بدلال وقبلته قبلة خاطفة ثم سحبت يديها من حول عنقه قائلة: هستناك يا حبيبي. أومأ أسعد ببسمة وهو يغادر من أمامها. تتبعته بعينيها إلى أن غادر الفيلا. زفرت نفسها تشعر براحة ظناً أنها سيطرت على أسعد بعد تخلي شكران عنه واختيارها جانب آصف. رغم أنها على يقين أن أسعد ما زال مهتماً بمعرفة أحوال آصف، لكن جفاء آصف في مصلحتها. بينما صعد أسعد إلى سيارته الخاصة، صدح رنين هاتفه. أخرجه وتبسم وقام بالرد:

تمام، لأ أقل من نص ساعة هكون في المطعم. أنهى أسعد المكالمة، لكن لفت نظره ذلك الإشعار الذي أتى لهاتفه من أحد المواقع الإلكترونية الإخبارية. فتح الإشعار يقرأ الخبر. شعر بانشراح وهو يقرأ هذا الخبر الذي يمدح بذكاء ذلك المحامي الشاب وكيفية مرافعته التي بدلت القضية وكسبها موكله. تبسم يشعر بزهو. آصف أخلف توقعه وتحداه وفاز بالتحدي. أصبح من أشهر وصفوة المحامين بالبلد. اسمه يتصدر أشهر وأمهر المحامين.

غص قلبه وهو يتذكر ذلك اليوم الذي توقف فيه أمام آصف. [بالعودة للزمن قبل خمس أعوام] أغلق أسعد الهاتف متعصباً بعد أن وصل له خبر تقديم آصف لاستقالته من القضاء. نهض من خلف مكتبه، وخرج يسأل إحدى الخادمات عن مكان آصف. أخبرته أنه بالغرفة الرياضية. ذهب لها يشعر بغضب ساحق. دلف إلى تلك الغرفة رأى آصف يتمرن على إحدى الآلات. بغضب. أوقف تلك الآلة باستهزاء واندفع بالحديث سائلاً: الكلام اللي وصلني ده صحيح؟

رغم أنه لديه يقين أنه وصل له خبر استقالته من القضاء، لكن أجابه ببرود: أي كلام، انت بيوصلك كلام كتير. تنرفز أسعد قائلاً: انت قدمت استقالتك من القضاء. بنفس البرود أجابه بإيجاز: أيوه. غضب أسعد قائلاً: وإزاي تعمل كده؟ أكيد عقلك اتجنن خلاص. نظر له آصف قائلاً: أعتقد استقالتي من القضاء مضرتكش في حاجة. نظر له أسعد بغضب قائلاً: انت بتتكلم ببرود كأنك معملتش حاجة غلط. على العموم إحنا لسه فيها، اسحب الاستقالة اللي قدمتها فوراً.

رد آصف بعناد: لأ مش هسحب الاستقالة. دي حاجة خاصة بيا، وأنا مبقتش عايز أبقى قاضي في المحكمة، زهقت من التنقلات الكتير كل سنة في محكمة بمكان مختلف. استهزأ أسعد قائلاً: ولما تستقيل من القضاء هتستقر في مكان واحد؟ وهتستقر مع مين؟ مش معقول حتة بت ملهاش قيمة تخليك تتخلى عن منصبك، ومستقبلك بالقضاء. فهم آصف فحوى حديث أسعد ورد بهدوء: خلاص الموضوع انتهى. أنا قدمت الاستقالة ومش هتراجع فيها. جذب أسعد عضد آصف باستهجان قائلاً بحِدة

وأمر: لأ، هتتراجع وهتسحب الاستقالة، وترجع لمنصبك كـ قاضي. كمان تنسى البت اللي سحبت عقلك. هو مفيش غيرها في الكون؟ المفروض كانت حمدت ربنا إنك قبلت ترتبط بيها. ده كان شرف كبير ليها، إنها تبقى زوجة آصف أسعد شعيب، بدل ما كانت تتمرد وتطلب الطلاق. بس هقول إيه؟ يحق لها تتمرد وهي شيفاك زي الدلدول ليها. طبعاً بتضغط عليك عشان تلهث وراها. إيه يعني جوازه وفشلت؟

انت الراجل مش هي. في ألف بنت تتمنى بس إشارة منك. واللي مش عاجبها تغور وغيرها تتمناك. نظر آصف له بغضب قائلاً:

أنا مش زيك يا أسعد باشا ببدل في النسوان، وقلبي يسع اتنين، ومفكر نفسك قادر ترضي الاتنين وانت ظالم الاتنين. كل واحدة راضية تعيش معاك لهدف في دماغها. إن كان أمي رضيت عشان خاطرنا، والليدي شهيرة طبعاً معندهاش مانع طالما بتوصل للي هي عايزاه منك مش أكتر من بنك ممول لطموحاتها. انت شخص خالي المشاعر، عايش لهواه وجاهه قدام الناس إنه مقتدر على جوازه من اتنين بغض النظر عن مشاعر الاتنين دول إيه. فكرت في قلب واحدة منهم وهي بتفكر فيك في حضن التانية، وهي محتاجة لحضنك يطمنها.

بنفس اللحظة دلفت شكران إلى الغرفة، وسمعت حديث آصف مع أسعد. تذكرت تلك الليلة التي أخبرها أنه سيتزوج بأخرى. كان بالصدفة آصف بإجازته الأسبوعية من مدرسته العسكرية كان بعمر الثانية عشر وقتها سمع أخبار أسعد لها بزواجه بأخرى. فكر عقلها وقتها لو رفضت ربما يتجبر عليها ويسلب منها أبنائها. وافقت مرغمة بعدها. بكت بدموع تسفك قلبها التي بدلت مشاعره من زوجة إلى أم فقط لأبنائها. من أجلهم تحملت أن تشعر بهذا النقصان، أنها زوجة ثانية

وأصبح هناك أخرى ثالثة، وعليها أن ترضخ لذلك طواعية منها. تحملت كثيراً كان هدفها أبنائها فقط. لم تفكر في كرامتها المذبوحة على يد زوج يظن أن الزواج فقط قدرة مالية وجسدية، نسى "الود والرحمة" ومعهم التفاهم والتآلف وجبر الخاطر. انسكبت الدموع من عينيها وهي تسمع رد أسعد الجاحد الذي لم يكبت غضبه وكاد يصفع آصف لولا يدها هي التي منعته. نظر له بسحق، وأخفض يده جواره قائلاً

بتعسف: حتة بت مجرمة متستواش قدرت تهزمك. ليه مفكرتش إنها كدابة؟ مرة تقول إن أخوك حاول يعتدي عليها، والمرة التانية تضحك على عقلك بكلام فارغ وتوصم أخوك، وفي الآخر تروح تطلقها بكل سهولة. تعصب آصف قائلاً: بلاش تحشر سهيلة في الموضوع. مش سهيلة هي السبب. كفاية أنا غلطت في حقها أذيتها وصلت للموت بسببِ. مصلحتها إيه تكذب؟ متأكد إنك كنت عارف بحقيقة سامر المخزية. أكدت شكران ذلك:

سهيلة مش كدابة يا أسعد، أنا سمعت هذيانها وهي بين الحياة والموت، قالت الحقيقة اللي صدمتني. مفيش حد قريب من الموت هيهذي بكذب وإفترا. كفاية يا أسعد. نظر أسعد لـ شكران بذهول مستهزئاً: انتِ كمان بتسانديه، بدل ما ترجعي له عقله وتقولي له فين مصلحته. ردت شكران: آصف مش صغير وغلط وهو حر في اختيار طريقة حياته. تهكم أسعد قائلاً: انتِ مع مصلحته ولا ضده. ردت شكران: هو أكتر شخص أدرى بمصلحته، وآياً كان قراره هو اللي هيتحمل عواقبه.

غضب أسعد ونظر إلى آصف قائلاً: ولما هتسيب القضاء هتشتغل إيه؟ هتروح تدرب تحت إيد محامي كان بينتظر حكمك على قضية هو بيترافع فيها قدامك. أنا مش هساعدك. انت من غير اسم أسعد شعيب ولا حاجة، مجرد شخص عادي. غضب آصف قائلاً بتحدي: أنا مش محتاج لـ اسم أسعد شعيب. أنا أقدر أصنع اسم "آصف شعيب" وأبقى أقوى كمان. تهكم أسعد ونظر إلى شكران بغيظ ثم لـ آصف قائلاً بتهديد:

وأنا لو انت مرجعتش لعقلك وسحبت الاستقالة وفوقت من وهم البت الحقيرة دي هتبرأ منك وأي حد هيسألني عنك هقول معرفكش، وكمان تطلع من سرايتي وأي مكان أنا أمتلكه ممنوع تدخله. صدمة لقلب شكران، بينما رد آصف كان حاسماً: سهيلة مش حقيرة، أنا اللي كنت حقير، وإنك تتبرأ مني شئ مش هيأثر عليا. وأنا ماليش عندك حاجة تهمني غير ماما. أمسك أسعد يد شكران، وكاد يجذبها عليه، لكن شكران سحبت يدها من يده وتوجهت نحو آصف.

ذُهل عقل أسعد وثار بغضب قائلاً بغرور: إنتِ مراتي وأمري عليكِ نافذ. قطع حديثه حين وضعت شكران يدها فوق كتف آصف. ازدادت عصبية وقال بتخيير: معنى كده إنك اخترتِ آصف. أومأت شكران برأسها ببسمة دامعة العين وهي تنظر إلى آصف، بينما أسعد يتهور قائلاً باستكبار: لو اخترتِ آصف تحرمِ عليا. لم تبالِ شكران وضمت آصف، ثم نظرت صامتة لـ أسعد وهي تضع يدها بيد آصف غير نادمة، ثم سارت معه، وتركت أسعد لغضبه السخيف. ماذا ظن؟

من يضع أم بالإختيار بين ولدها وأي أحد مهما كانت مكانته؟ الاختيار بلا تفكير ولا ندم سيكون لولدها، وبالأخص إذا كانت تعلم أنه يحتاج إلى دعمها وهي على يقين أنه "ممـزق الوجدان". [عودة]

عاد أسعد من تلك الذكرى التي زرعت الجفاء بينه وبين آصف. رغم أنه لم يطلق شكران، لكن ما زال يشعر بالغضب من اختيارها آصف ومساندته وقتها. لكن رغم ذلك يشعر بفرحة وانشراح في قلبه من نجاح آصف الملحوظ. في تلك القضية التي كانت مثار الإعلام وكان الجميع ينتظر بترقب يتوقع تأجيل القضية، شعر بغبطة آصف بخمس سنوات فقط أصبح من عتاولة القانون بل وأشهرهم. *** بشقة هويدا. نحت دثار الفراش وتمددت عليه بجسدها تشعر براحة قائلة:

حاسة إن جسمي مرهق، الجرد بتاع النهارده كان كبير أوي. نظر لها عادل سائلاً: هو مش المفروض كنتِ رحتي جبتِ "حسام" من عند باباكِ؟ كفاية إنه بيفضل عندهم طول اليوم. تنهدت بتعب قائلة بعدم مبالاة: حسام عنده سنتين يعني اتفطم خلاص، وأنا حاسة بإرهاق وهو مع ماما هتهتم بيه، مع إن المفروض اللي كانت تهتم بيه هي الست والدتك، بس طبعاً هي بتدعي المرض وإنها متقدرش تهتم بطفل عنده سنتين، وأهو ماما قامت بمهمتها. رد عادل:

ماما فعلاً مريضة مش بتدعي. تهكمت هويدا قائلة بحنق: قصدك بتدعي المرض عشان تصرف عليها أكتر من نص مرتبك، والنص التاني بيتصرف عالبيت بالعافية وأنا اللي قايمة بمصاريف حسام. كانت غلطة لما خلفت. قبل ما أضمن إننا قادرين على مصاريف طفل صغير. نظر لها عادل بأسف قائلاً:

على فكرة في صديق ليا كلمني وقالي إن في فرصة أشتغل في بنك استثماري هو بيشتغل فيه من فترة وقالي إن المرتب كويس، بس البنك مالوش فروع كتير في المحافظات، القاهرة وإسكندرية بس. تهكمت هويدا قائلة: وفيها إيه يعني، طالما المرتب يستاهل. هو الخروج من كفر الشيخ هيخرجك من الجنة. وبصراحة أنا زهقت، والشقة بقت ضيقة علينا. أنا أساساً بسيب حسام عند ماما عشان مالوش مكان هنا. استغرب عادل سائلاً: قصدك إيه بمالوش مكان هنا.

ردت هويدا باستقلال: الشقة أوضتين وصالة، حسام هينام معانا في الأوضة. استغرب عادل قائلاً: حسام طفل مكملش سنتين. وأنا خلاص هقدم على إجازة ست شهور بدون مرتب وأجرب الشغل في البنك الاستثماري، أهو أمسك العصاية من النص. زَمت هويدا شفتيها بسخرية وتهكمت بحنق قائلة: تمام، وإبقى اسأل صاحبك ده إن كان يشوف ليا أنا كمان فرصة. أهو أتنفس بعيد عن هنا قربت أتختق. ودلوقتي أطفي النور مصدعة وعايزة أنام.

قالت هويدا هذا وجذبت الدثار عليها، بينما أطفأ عادل الضوء وتسطح جوارها على الفراش يزفر نفسه يشعر بندم أنه اختار خطأ من البداية حين سار خلف الطمع. *** بـ أحد مطاعم القاهرة الفاخرة المطلة على النيل.

كان هناك احتفالاً احتفاءً ببراءة رجل الأعمال من تلك التهمة، كان ضيف الشرف هو المحامي المحنك الذي بدل مجرى القضية. تأخر عمداً في الوصول إلى المطعم، بداخله لم يكن يود المجيء من الأساس، لكن فقط عشر دقائق مجاملة لن تضر به. دلف بهيبته الطاغية، يسير بغرور ملك. نهض الجميع وقفوا استقبالاً له بحفاوة ومديح بمهارته.

كان يبتسم لهم بمجاملة فقط، بداخله يبخس تلك المظاهر التافهة والأفاقة، لكن المديح بنجاحه هو كل ما يهمه. فجأة خفتت تلك البسمة حين سمع ذلك الصوت الذي يعلم هويته جيداً، كذلك نهوض من معه وقاموا بالترحيب بوجوده بينهم، وقال أحدهم: نورت يا أسعد باشا، أكيد إنت فرحان النهاردة. أنا بعد كده مش هقول له غير يا "ملك". بصراحة قلب الموازين وكسب القضية من أول جلسة، طبعاً الذكاء وراثة.

تبسم آصف بتهكم صامت. يعلم أن كل ما يقوله هذا الآفاق مجرد نفاق لا أكثر، لكن شعر بضيق من يد أسعد الذي ربت على كتفه ينظر له ببسمة زهو وافتخار، لكن العيون تحكي حديث آخر لكل منهم. آصف استهزاء من ذلك الزهو الذي يراه بعين أسعد، بينما أسعد يشعر بانشراح بعد خمس سنوات جفاء ها هم يجلسان خلف طاولة واحدة، حتى وإن كان آصف مجبراً من أجل المجاملة فقط. حديث رتيب ساد بينهم، بين مديح بذكاء آصف كذلك بعض المواضيع الأخرى. شعر آصف بالملل، نظر إلى ساعة يده ونهض واقفاً. تعجب الآخر سائلاً:

وقفت له يا "ملك" السهرة لسه هتحلو. رد آصف: للأسف مش هقدر أكمل السهرة، عندي قضية مهمة بكرة ولازم أبقى مركز. نهض الآخر قائلاً: تمام إن شاء الله في سهرة آخر الأسبوع عندي في الفيلا، تفضي نفسك السهرة دي على شرف حضورك. أومأ آصف ببسمة دبلوماسية. لم يهتم لنظرات أسعد له غادر يشعر بضجر.

صعد إلى سيارته يقودها، رغم برودة الطقس لكن فتح شباك السيارة يترك تلك النسمة الباردة تتسرب إلى قلبه علها تطفئ ذلك الضجر الذي يزيد من حرارة جسده.

بعد وقت توقف أمام تلك البناية الفخمة. ترجل من السيارة ودلف إلى شقته. خلع ذلك المعطف ووضعه على يده وتوجه مباشرةً إلى غرفة المكتب الخاصة به. وضع المعطف على مسند المقعد الذي جلس عليه خلف المكتب، يسند رأسه على مسند الرأس يشعر بإرهاق. لكن سمع صوت إشعارات برسائل وصلت إلى هاتفه. اعتدل بجلسته وأخرج الهاتف من جيب معطفه. قام بفتح تلك الرسائل. خفق قلبه حين رأى تلك الصورة، بتلقائية تحركت أنامله على ملامح صاحبة الصورة التي تبتسم.

تنهد ببسمة بسمتها لم تتغير رغم مرور السنوات، لم تغب لحظة عن خاطره. لكن انطفأت بسمته حين فتح الرسالة الأخرى ورأى سهيلة تضحك وهي تسير مع شخص يعلم هويته جيداً. إنه ذلك الطبيب النفسي أحد المشرفين على رسالة الماجستير والدكتوراه التي حصلت عليهم. سرعان ما فتح رسالة أخرى كانت فيديو مصور لها وهي تسير برفقة هذا الطبيب بأحد أروقة مشفى. يبدو بينهم انسجام. شعر بغضب وغيره. تنهد بضيق، ولم يكمل باقي الرسائل. ترك الهاتف فوق المكتب

وعاود إسناد رأسه على المقعد، يزفر نفسه بحسرة قلب. أغمض عينيه لحظات رافقت صورتها خياله، حتى أنه تخيلها

أمامه تقول له بعتاب: مبسوط يا آصف؟ ده العدل اللي أقسمت أنك تحققه. أخفض وجهه يشعر بخزي. نظرت له سهيلة بأسف قائلة: يا خسارة يا آصف، توهت عن الحقيقة. نصرت الظالم على المظلوم. استدارت سهيلة وأعطت له ظهرها، وكادت أن تسير لكن تسرع وأمسك عضدها يحذبها إليه ضمها قائلاً: سهيلة كفاية بعد عني. نظرت له سهيلة وقالت: انت اللي اخترت طريق تاني يا آصف وأنا طريقي في اتجاه تاني.

ضمها آصف وأغمض عينيه يحاول أن يتنفس، لكن فجأة شعر بخواء بين يديه. فتح عينيه لم يرى سهيلة كان يضم جسده بيديه وسهيلة كانت سراب. حتى ذلك السراب انتهى حين فتح عينيه بالحقيقة ونظر إلى بسمة شكران التي سمعت همس آصف باسم سهيلة. غص قلبها بقوة لكن تبسمت له قائلة: آصف إيه اللي نيمك هنا عالكرسي في المكتب. اعتدل آصف على المقعد قائلاً: أنا مكنتش نايم، بس يمكن عيني غفلت شوية. نظرت له شكران برفق وهي تمسك يده تسحبه للنهوض معها قائلة:

أكيد غفلت بسبب الإرهاق في الشغل طول اليوم. افصل شوية وقوم اطلع أوضتك خدلك دش وبعدها هتحس براحة وتنام بهدوء.

وافقها آصف ونهض معها يتوجه نحو غرفتها أولاً. نظرت له تشعر بأسف على حاله يحاول إلهاء نفسه وينغمس بالعمل لفترات طويلة. ربما يستطيع أن ينسى ألم قلبه، لكن هذا ليس دواؤه. دواؤه يبدو صعباً ومريراً. توجه إلى غرفته ألقى بجسده فوق الفراش يشعر بإرهاق لكن ليس جسدي بل إرهاق في قلبه الذي ما زال يئن. تذكر تلك الصور والفيديو. حسم قراره يكفي انتظاراً. آن أوان الاقتراب. لماذا تحمل وانتظر طوال خمس سنوات؟

هل كان يظن أن تصفح سهيلة عنه وتذهب إليه؟ هو وأد مشاعرها اتجاهه. يوم أن باحت بأنها كانت مغرمة به أتبعت قولها أنها كرهته واختارت الفراق. لكن حتى وإن كانت تكرهه لن يستسلم. يكفي ابتعاداً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...