كان طاهر يسير عبر الرواق، متوجهًا إلى غرفة هويدا، لكن تقابل مع يارا. لاحظ على ملامحها التوتر والوجوم. توقف أمامها، نظرت له للحظة ثم أخفضت وجهها بسبب رنين ذاك الهاتف الذي بيدها. إرتجفت يدها وهي تنظر للهاتف وكاد يسقط من يدها. لاحظ طاهر ذلك، شعر بفضول سائلًا: "أيه، وشك شكلك متوترة." رفعت نظرها له قائلة بارتباك: "ده إتصال من هنا في المستشفى عشان... توقفت تشعر بغصة وحرج أيضًا. حرضها طاهر على مواصلة الحديث:
"عشان أيه كملي." تجمعت الدموع بعينيها وهي تشعر بخزي: "أكيد عشان أكمل بقية إجراءات أخد جُثمان خالي رامز من المشرحة." رغم شعوره بالبغض من رامز، لكن عذر مشاعرها قائلًا: "البقاء لله... بس ليه حاسس إن في شئ محيرك." أومأت برأسها قائلة: "شكرًا... أنا بصراحة معرفش أيه الإجراءات دي، كمان المفروض لما أخد جثمان خالي يندفن. كمان الإجراءات دي معرفهاش، المفروض مامي هي اللي كانت تستلم جُثمانه، بسهى كمان في المستشفى...
ومكسوفة أطلب من آيسر يجي معايا وهو مرافق لبابا، وآصف هو كمان مش هنا، وشيرويت في جامعتها وبعدها هتروح لمامي المستشفى." تفهم طاهر ذلك قائلًا: "تمام خليني أساعدك في إنهاء الإجراءات هنا وبعدها ندفن خالك في المقابر." رفعت يارا رأسها ونظرت لطاهر بتفاجؤ. تبسم رغم عنه، قائلًا: "خلينا نخلص الإجراءات."
رغم حزن قلبها على خالها، حقًا لم يكن ذو أهمية ولا مكانة في حياتها هي وأختها، لكن تبقى صلة الرحم. وافقت. طاهر الذي ذهب معها وأنهى جميع الإجراءات. كما وقف معها أثناء توارى جسد رامز بالقبر. تهكم بداخله على هذا المتوفى، الذي لا يحضر أحد دفنه كأنه معدوم الهوية. حتى العزاء لم ينل هذا أيضًا. ربما كان انتفع ببعض الأدعية والرحمات. كذلك يارا، كانت ترى التفاف كبير حوله وهو حي، الآن لا أحد غيرها هي وطاهر الذي هنا فقط من أجل مساعدتها لا أكثر من ذلك.
غادر الاثنان المقابر، وذهبا إلى المشفى الآخر. دلفت يارا إلى حجرة شهيرة، رأتها تجلس تضجع بظهرها على خلفية الفراش، تحلق بسقف الغرفة مثل الشاردة. تفوهت بهدوء: "مساء الخير يا مامي." التفت شهيرة ونظرت لها بغضب قائلة: "على ما افتكرتي تجي لي، طبعًا قاعدة جنب باباكِ طول الوقت، هتفكري فيا ليه." سُرعان ما زاد غضب شهيرة حين رأت طاهر يدخل خلف يارا. اعتدلت في جلستها ونظرت له بإستهجان قائلة بعصبية:
"ومين اللي جايباه معاكِ ده كمان، استني الشكل ده مش غريب عليا، بس مش متذكرة شفته فين." ارتبكت يارا، بينما فكرت شهيرة للحظات وهي تتمعن النظر له، لم تتذكر، إلا حين أخبرتها يارا: "ده طاهر، يبقى أخو سهيلة مرات آصف." نهضت شهيرة من فوق الفراش بغضب تتجه نحوه وكادت تشتبك معه لولا منعتها يارا. حتى حاولت تهدئة غضبها، لكن وقفت تلهث قائلة باستحقار:
"كمان يبقى أخو الحقيرة اللي اتجوزها أسعد وبسببها طلقتني، أوعى من قدامي، جايباه معاك لهنا ليه، أيه اللي بينكم، ما هو مبقاش ناقص غيرك... طبعًا عشان يسيطروا على أموال أسعد." شعرت يارا بالخزي من حديث والدتها التي انكمشت، ووضعت كف يدها فوق وجنتها المصابة. ثم تراجعت نحو الفراش، تعطي ظهرها لهما قائلة بغضب:
"اطلع بره أكيد جاي تشوفني عشان تقول لأختك تشمت وتتشفى، بس أنا بخير شوية حروق وهرجع تاني أجمل مما كنت، أنا 'شهيرة' وهفضل طول عمري أيقونة من أيقونات الموضة." شفق طاهر عليها، وكذلك على هويدا وما أصابها. يبدو أن طمعهن للثراء كان له ضريبة فادحة. *** بغرفة هويدا استرسل أسعد قائلًا:
"هويدا أنا يمكن قبل كده كان مستحيل أعترف بغلط أنا عملته، بس بعترف جوازي منك كان غلطة دفعنا تمنها إحنا الاتنين. أنا مكنش فارق معايا شبابك، بالعكس أنا صورتك، أو بمعنى أصح صورة الماضي 'تهاني' أمك الحقيقة. زمان لما المستندات دي جات لي، بصراحة كنت مغرم أو يمكن معجب بإبتهال شوفتها كم مرة لفتت نظري، واتفاجئت باعتراف زهير، إنها كانت مراته في السر، وكنت اتصلت عليها وطلبت منها نتقابل، مش هنكر كنت هساومها قصاد إنها تتجوزني، رغم
إني كنت متجوز من شكران، بس ده مكنش عيب في نظري وقتها، وافقت تقابلني وحددنا ميعاد نتقابل فيه وكان المكان مقر بتاعي هناك في البلد، فضلت منتظرها، وهي مجتش، قولت أكيد مش عايزة تبين إنها ملهوفة وعايزة حقها هي وبنتها اللي مجهولة النسب، بس للأسف تاني يوم اتصدمت لما عرفت إنها ماتت بعد ما صدمتها عربية. فكرت أتواصل مع أيمن، بس اتراجعت وقولت مش يمكن البنت دي كانت مع مامتها، معرفش شئ منعني أو حسيت إنه شئ ملوش لازمة بالذات لما
دورت في سجل المواليد عن بنت باسم إبتهال ملقتش. عارف هتقوليلي كانت هتسجلني إزاي، بس يمكن غباء مني، لكن مكنش طمع يا هويدا لأن الحقيقة زهير ابن عمي مكنش يمتلك غير كنيته العسكرية. عمي الله يرحمه، كان هاوي رهانات على الخيول في السبق وخسر كذا مرة وكان هيبيع نصيبه اللي ورثه من جدي، أبويا عرف واشترى الأراضي دي عشان هيبتنا في البلد، محدش غريب ياخد أرض 'شعيب' وعندي المستندات اللي تثبت كلامي بسجلات رسمية كمان، زهير كان يمتلك
جزء بسيط من السرايا، هو ده اللي تبقى من أملاك عمي، والجزء ده أنا تمنته ومستعد أدفعه لكِ، كمان المستند اللي معاكِ فيه اعتراف بنسبك تقدري تقدميه وتثبتي إنك بنت 'زهير شعيب'."
تهكمت هويدا قائلة:
"أنا كنية شعيب مبقتش تلزمني، حتى الميراث والحكاية اللي حكيتها كنت أتمنى معرفهاش وأفضل طول عمري بنت 'أيمن الدسوقي' الموظف البسيط اللي ضمني وعطاني من حنانه محستش معاه إني مش بنته للحظة واحدة. يمكن قبل كده كنت بطرانة على مستوى المعيشة وكان نفسي أبقى في طبقة تانية، كنت مفكرة وقتها إني مش هحس بالنقص، بس للأسف كنت غلطانة أوقات كتير بيبقى على عينينا غشاوة الطمع بتزين لينا حياتنا، أنا مستغنية عن كنية 'شعيب' ومش عاوزاها لا زوج ولا حتى نسب، أنا هفضل بنت الموظف البسيط 'أيمن الدسوقي'...
أعتقد جوازنا كان مبني على طمع من الطرفين، كل طرف كان له هدف يوصله وللأسف وصلنا للـ لا شئ إحنا الاتنين." تفهم أسعد فحوى حديثها قائلًا: "تمام يا هويدا... ورقة طلاقك هتوصلك كمان قيمة الجزء بتاع زهير اللي في السرايا هحولهم باسمك عالبنك." أومأت برأسها قائلة: "شكرًا مش محتاجة للأموال دي، مش عاوزة حاجة تفكرني إني كنت بلا نسب."
انتهى اللقاء وغادر أسعد برفقة آيسر. ضمت سحر هويدا الباكية في حضنها. طمعت وطمعت وبالآخر لم تجني شئ سوى الخسارة. *** بشقة آصف على طاولة الغداء، شعرت سهيلة بالخجل من نظرة آصف لها لا تعرف السبب. رغم أنها مجرد نظرات عادية وابتسامات، كذلك بسمة شكران لها، تشعر كأن شيئًا غريب، أو جديد عليها. نظف آصف بقايا الطعام عن فمه بأحد المناديل ثم نهض قائلًا: "الحمد لله." نظرت له شكران قائلة: "اقعد كمل أكلك أنت مأكلتش."
نظر آصف نحو سهيلة وتبسم قائلًا: "أنا مكنتش جعان بس أكلت عشان خاطرك، إحنا كنا فوتنا على الحجة اسمية وأصرت إننا ناكل عندها." نظرت شكران نحو سهيلة وتبسمت قائلة: "طبعًا طبيخ الحجة اسمية مفيش زيه، بالهنا يا حبيبي." تبسم آصف قائلًا: "هدخل آخد شاور وأروح لبابا المستشفى." نهضت سهيلة قائلة: "أنا كمان لازم أروح عشان أطمن على هويدا، معرفتش اللي حصلها غير من تيتا، وزمانها زعلانة مني." تبسمت شكران قائلة:
"إنتِ المفروض بلاش تجهدي نفسك كتير." لم تفهم سهيلة مغزى شكران، لكن قالت: "فين الإجهاد ده يا طنط أنا بقيت باخد أجازات أكتر ما بشتغل." تبسمت شكران لآصف الذي تبسم هو الآخر. فهمت سهيلة أو خمنت السبب وقالت بسؤال: "إنتِ كمان كنتِ عارفة يا طنط، واضح إن كل اللي حواليا كانوا عارفين وأنا اللي مش واخدة بالي." استغربت شكران سائلة: "عارفين أيه." نظرت لها سهيلة قائلة بتلقائية: "إني حامل." أومأت شكران ببسمة وحضنت سهيلة قائلة:
"ربنا يكملك على خير إنتِ وروميساء." تبسمت سهيلة لها بود... وذهبت مع آصف. تنهدت بانشراح... بينما قبل أن تدلف سهيلة إلى غرفتها القديمة جذبها آصف من يدها قائلًا: "لأ خلاص كفاية، صفوانة نفلت كل أغراضك في الأوضة بتاعتي." تبسمت له بقبول وتوجهت نحو غرفته. استغربت. قال: "المهندس خلص تعديل الأوضة في وقت قياسي، ضم أوضة المكتب مع أوضة النوم وبقى بينهم باب مفتوح عشان يتقفل علينا باب منعًا للإحراج." ضحكت سهيلة قائلة:
"واضح إن الفلوس لها مفعول سحري، كم يوم اتغير ديكور الأوضين، بس بقى المكتب بتاعك هتراجع القضايا فين." اقترب منها وضم خصرها بين يديه قائلًا: "أوضتك القديمة بقت هي المكتب، يعني مبقاش في بينا أبواب تاني بعد كده." تبسمت بدلال قائلة: "بس الباب مكنش مقفول يا آصف كان متوارب، ودلوقتي اتفتح على الآخر." ضحك آصف وهو يحني رأسه قليلًا يقبل سهيلة التي أصبحت ترحب بقبلاته... ترك شفتيها ليتنفسا. همست سهيلة:
"كفاية كده خلينا نجهز عشان نروح المستشفى." بصعوبة وافقها آصف، وهو يقبلها مرة أخرى قائلًا: "كان نفسي نفضل في بيت البحيرة هناك مكنش فيه أي هموم... كنا لوحدنا." تبسمت عينيها قائلة: "بسيطة بس نطمن على اللي هنا ونبقى نرجع تاني، بس اعمل حسابك يا حضرة الأفوكاتو إن إنت اللي هتدفع المرتب اللي اتخصم كله بسبب الأجازات." ضحك قائلًا: "ده مش استغلال يا دكتورة." ضحكت سهيلة بدلال:
"لأ ده تعويض يا حضرة الأفوكاتو وكفاية رغي قربنا عالمسا." شعر آصف بانشراح في قلبه وهو يضحك، سهيلة عادت معه كما كان يريد بلا تحفظات. *** بالمشفى بغرفة هويدا، دخلت سهيلة ونظرت نحو الفراش، تدمعت عينها وغص قلبها، حين تلاقت عينيها مع هويدا التي نظرت لها وتدمعت هي الأخرى. اقتربت سهيلة وجلست بجوارها. نظرت سحر نحو أيمن نظرة فهمها، فنهض قائلًا: "هروح أنا ماما نصلي المغرب قرب." أومأ لهما. سالت دموع الاثنتين. احتضنت سهيلة هويدا،
قائلة: "الطب اتقدم يا سهيلة والطرف الصناعي بقى طبق الأصل من طرف الجسم." بكت هويدا قائلة: "سامحيني يا سهيلة، عارفة إن طول عمري كنت أنانية معاكِ وإنتِ كنتِ بتسامحيني دايمًا." تذكرت هويدا تلك المرة التي أعطت فيها لسهيلة الدواء، وقالت: "لما اديتك جرعة الدوا والله ما كان غرضي أأذيكِ أنا كنت مفكرة إنك لما تاخدي جرعة كبيرة هتخفي بسرعة... عشان كنت بكره أنينك بالألم اللي كنت بضايق منه...
بسبب ده كنت هتسبب لكِ في شلل لو ما كانوا لحقوكِ بسرعة في المستشفى." رغم الدموع التي تسيل من أعينهن، لكن ضمتها سهيلة قائلة: "هويدا انسى الماضي وكل اللي حصل، من شوية كلمت طاهر وقالي عاللي حصلك، ربنا كتب لكِ عمر جديد، وكل شئ ممكن يتصلح عندك نعمة كبيرة تستحق تتمسكي بالأمل عشانها 'حسام'." أومأت هويدا قائلة: "فعلاً، أنا غلطت كتير في حق حسام، كنت بحسه عقبة في حياتي، بس فوقت ويمكن ربنا نجاني عشانه." تبسمت سهيلة قائلة:
"بس خدي بالك مش هيفضل دلوع كده كتير كلها كم شهر ويجي اللي يشاركه أو يشاركها الدلع." تبسمت هويدا ووضعت يدها فوق بطن سهيلة قائلة وغمرت بمرح: "ماما قالت لي إنك حامل، وصدقيني فرحت أوي، كمان فرحت إن الحياة بينك وبين آصف اتعدلت، بس قولي لي راجعة كده وشك منور، آصف أكيد كان مش بيطلعك من أوضة النوم." تبسمت سهيلة بخجل. ضحكت هويدا وضمتها. لأول مرة تفعل ذلك تمزح معها وتتحدث بهدوء. شعرن بمعنى كلمة أخوات...
كما كان المفروض أن يكن أقرب لبعضهن، لكن هنالك فرص أخرى للأخوات. *** ليلًا بغرفة أسعد تنهد بألم ونظر ناحية آصف الذي كان يجلس على أحد المقاعد شاردًا ينظر إلى ذاك الخاتم الخاص بالزواج في يده، ويبتسم...
رأى السعادة عادت لوجهه، شعر بالأسف. ربما كان ضلعًا أساسيًا في لوعة قلبه، وفراقه عن سهيلة لو كان استمع لحديثها واحتوى القضية وترك آصف وما ضغط عليه وقتها. ندم. سهيلة لم تتردد للحظة ولم تفرض السوء منه حين طلب مرافقتها كي تضغط على آصف، حتى وهو مصاب تعاملت معه دون النظر إلى الماضي.
تعمد التأوه بألم كي يلفت انتباه آصف، الذي كان شارد الفكر ينظر إلى ذاك الخاتم بإصبعه يشعر باشتياق من مجرد ساعات. ربما بسبب بقائهم الأيام الماضية وحدهم طول الوقت، لا ليس هذا هو التفسير لذلك بل الشوق الدائم لها. تمعن ذاك الخاتم الذي لم يخلعه من إصبعه منذ أن وضعته سهيلة في بنصره ببداية ليلة زواجهم الأولى التعيسة. لم يغادر بنصره، يتذكر دائمًا ذاك الموقف ويد سهيلة المرتعشة وقتها، كذلك خجلها الذي يهيم به.
أخرجه من ذاك الشرود والاشتياق صوت تأوه أسعد. انتفض من مكانه واقترب من الفراش سائلًا: "بابا حاسس بأي ألم، أتصل على الدكتور." تبسم أسعد من اهتمام آصف قائلًا: "لأ أنا بس كنت بتحرك وحسيت بشوية ألم بس انتهى، فين آيسر." تبسم آصف قائلًا: "آيسر ما صدق إني رجعت وقالي استلم إنت بقى مكاني ورجع لشقه." تبسم أسعد قائلًا: "فعلاً آيسر كان مرافق ليا ومحتاج راحة." تبسم آصف قائلًا:
"فعلاً من يوم ما اتجوز وهو مقضيها مرافق في المستشفيات، من حقه ياخد راحة." تبسم أسعد بغصة... وشعر بندم. حرم نفسه من عائلة دافئة بالمحبة التي كانت بقلب شكران ووضعتها بقلب أبنائها. حتى سامر رغم الخطأ الذي سقط فيه لكن كان يمتلك قلب رقيق، ربما هو ما جعله فريسة لـ رامز الذي استغل فجوة ودخل إلى عقل سامر أفسد عقله بتخاريف ومحرمات...
آيسر كذلك رغم مرحه، تذكر في الماضي حين عارضه حين أراد دراسة الطيران المعدني، لا يهوى المقاتلات يكره الحروب، وقتها ظن أنه يود الرفاهية، لكن ربما هذا كان القدر الذي رسم له اللقاء بـ روميساء، بإحدى رحلاته... أبناؤه لم يرثوا صفة التعدد منه، كل منهم سقط بعشق امرأة واحدة أسرت قلبه... تنهد أسعد وهو يضع يده فوق يد آصف قائلًا: "سامحني يا آصف." نظر له آصف باستغراب قائلًا:
"بابا مبقاش له لازمة الماضي أنا خلاص مبقتش بفكر فيه، أنا شوفتك وإنت بتقف ورا سهيلة، لو مكنتش إنت منعت الرصاصة توصل ليها، يمكن كان زمانها أقل شئ فقدت الجنين اللي في بطنها، كمان لو مكنتش جبتها معاك للهنجر عشان تمنعني يمكن كنت قتلت رامز ودمرت مستقبلي." شعر أسعد بالسعادة قائلًا: "يعني أنا هبقى جد قريب." تبسم آصف قائلًا: "إنت فعلاً جد يا بابا." تبسم أسعد قائلًا: "بس ولاد الابن غير ولاد البنت يا آصف...
ولاد البنت صحيح ليهم فرحتهم بس ولاد الولد بتبقى فرحتهم شئ تاني، لأن دول هما اللي بيكونوا امتداد الشخص." تبسم آصف قائلًا: "خلاص افرح بزيادة آيسر كمان مراته حامل وهتبقى جد يمكن روميساء تولد قبل سهيلة... أو يمكن في وقت واحد."
تبسم أسعد وهو يتجاذب الحديث مع آصف بود يمزحان، يشعران بمشاعر خاصة كما كان لابد أن تكون من البداية. ما كان عليه إبعاد آصف وآيسر لتلك المدارس التي ظن إنها ستشكل منهما رجال أقوياء، بل الدفء العائلي الحقيقي هو ما يشكل رجال. *** بشقة آيسر تمدد على الفراش يتنهد قائلًا: "كويس آصف هو اللي هيبات مع بابا الليلة في المستشفى... وحشتيني يا جميلتي."
تبسمت روميساء وهي تتمدد جواره، ثم اقتربت منه، قامت بوضع رأسها على صدره وظل الصمت للحظات قبل أن تتنهد تشعر بدفء صدر آيسر قائلة:
"الحرب شئ بشع كتير، ما زال محفور بذاكرتي ماما وهي عم تحتضر والمشفى محاصر، بعد وفاة ماما بابا متحملش يعيش بلبنان بدون ماما خدني وسافرنا عـ ألمانيا هناك مجتمع مفتوح ومع ذلك عنصري الحرية عندهم كذب، مجتمع آفاق وكاذب بلا مشاعر، يمكن كنت أنا وبابا محتاجين لمجتمع زي هيك، يمكن مشان كنا بنريد حياتنا مغلقة، كانوا زملائي بالدراسة والعمل بيعتبروني شاذة عنهم أو بمعنى أصح منغلقة، فيها أيه لما أصاحب شاب، بس أنا كنت بتذكر تحذيرات ماما الي وانا صغيرة، ماما وبابا من ديانتين مختلفتين ومع ذلك عمري ما حسيت إني متشتتة بينهم بالعكس بابا كان بيوصل ماما لقداس الأحد وهي كانت تشغل القرآن بالبيت...
ألمانيا مجتمع نازي على حق، يوم ما قابلتك ما كنت بدي أحضر الحفلة مشان ما أتحرج من زملائي، بس بابا أصر علي." رفعت رأسها عن صدر آيسر ونظرت له قائلة:
"بتعرف يا آيسر أنا كمان أعجبت بيك من أول لقاء بالذات لما عاكستني بالعربي، فهمتك وما رضيت أعرفك إني فاهمالك، صرت عم استنى بوكيه الورد كل يوم، وجواي شغف أعرف مين اللي عم يبعته، لحد ما دخلت علينا وعرفت إن إنت اللي بتبعتوه، قلبي اتحرك، في رحلة القاهرة كنت عايزة أقولك ما بدي أرجع عألمانيا خليني هون بالدفء بقلبك." تبسم آيسر وهو يرى إصبع روميساء الذي وضعته فوق قلبه، جذبها عليه وقبلها بشغف قائلًا:
"إنتِ جميلتي، اللي وقعت في غرامها من نظرة عين... جميلتي اللي فتحت دماغي مرتين." تبسمت ووكزته بكتفه قائلة: "بتستحق، أنا طنشت حديثك مع الممرضة المايصة اللي كانت بالمشفى." ضحك آيسر قائلًا: "بسرعة كده يارا فتنت لك، والله أنا كنت بتحمل سخافتها غصب عني، بس عشان تهتم بـ بابا، لكن القلب خلاص يا جميلتي اكتفى."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!