ردت سحر: متخفيش عليه أمي هتعرف تهتم بيه. أنا هفضل جنب هويدا. تنحنح رحيم قائلًا بآسف: أنا أجازتي خلصت ولازم أرجع للكلية. هبقى أتصل عليك يا بابا أطمن على هويدا. أومأ له أيمن يشعر بالبأس. بينما قال طاهر: خدني معاك أوصلك وبالمرة أروح السفارة أشوف الأوراق خلصت ولا لسه.
غادر الإثنين. بعد قليل انتبه أيمن. كذلك سحر التى إنتفضت وإقتربت من ذاك الفراش بعد أن سمعا صوت هويدا التى بدأت تهذي قبل أن تعود إلى الوعي. نظرا الإثنين لبعضهما متأثران بحال هويدا بعد أن تعود للوعي. بالفعل عادت هويدا للوعي. تنظر عينيها زائغة. بداخل عقلها أن ما حدث مجرد كابوس وبفتح عينيها إنتهى. لكن حين حركت يديها شعرت بوخز ألم. نظرت نحو يدها رأت تلك الإبر الطبية المغروسة بيدها. كذلك وقوف كل من سحر وأيمن جوار الفراش.
سمعوا همسها لأول مرة تسأل: حسام!
تعجب الإثنين من سؤالها. حاولوا إخفاء دمعة أعينهم. لكن كان هويدا كانت بسكرة. حين صرخت بعد أن حاولت رفع ساقها. صرخة مؤلمة لفؤادها. حين حاولت رفع قدمها لم تشعر بألم بالتأكيد بسبب المسكنات. لكن كان الألم الأقوى هو ذاك الفراغ التى شعرت به. بدأ عقلها يعود للوعي. كل ما حدث لم يكن كابوسًا بل حقيقة. بدايتها من حقيقتها أنها بلا نسب. عاشت حياتها بكذبة أن لها والدين. بالحقيقة هي لم تكن سوى إبنة رجل. ماذا تنعته بالخسيس أصبح
بقبره. لن تشفع له كلمتها. حقيقة مرة بأبشع من العلقم. فقط تود الصراخ كي تنفض ذاك الألم. استجابت لرغبتها. صرخت. بعزمها الواهن. جلست جوارها سحر سريعًا تضمها تحاول تهدئتها. كذلك أيمن هاتف الطبيب سريعًا. ثم جلس لجوارها يضع يده فوق كتفها قائلًا
برجاء: هويدا إهدي وإحمدي ربنا. إن ربنا نجاكِ كل شيء يتعوض. -أيه اللي يتعوض. صرخت بها هويدا بحسرة ثم أكملت: رجل ولا نسب. أيه فيهم يا بابا. توقفت تقول: المفروض إنت خالي. أنا... كان لفظًا نابيًا. صُعق الإثنين. ضمتها سحر قائلة: لاء يا هويدا. إنتِ شفتي اعتراف زهير بنسبك له. كمان أنتِ بنتنا. أكدتها سحر:
بنتنا. من أول لحظة في عمرك كنتِ بين إيديا. كفاية متوجعيش قلبي أكتر من كده. ربنا كان له هدف يخفي الحقيقة عشان تبقي العوض ليا أنا وأيمن. وقت ما كنا يائسين كنتِ الأمل. نظرت لهما هويدا بآسف. بنفس الوقت دلف الطبيب. ورأى حالة هويدا وضم سحر لها. فهم أنها بحالة هيستيريا لصعوبة تقبل ما حدث. قام بإعطائها مسكن جعلها تغفو مرة أخرى. ربما تهدأ فيما بعد. بينما سحر وأيمن قلبيهما يأن بالحزن على حالها ورد فعلها غير المتوقع.
بأثناء سير طاهر مع رحيم بممر المشفى تقابلا صدفة مع يارا وشيرويت. توقف طاهر مبتسمًا ينظر إلى يارا التى توقفت هي الأخرى تبتسم بخجل. سائلًا: حالة باباكِ إيه دلوقتي. شعرت يارا بغصة قائلة: الحمد لله. فاق وبدأ يتقبل الوضع بعد ما الدكتور قال إن في أمل إن يكون ده وضع مؤقت. وهويدا أخبارها إيه؟ رد طاهر بآسف: لسه مفاقتش من المخدر. الدكتور كان أداها حقنة مخدرة عشان متوقع حالة انهيار. قال يتجنب رد الفعل شوية. رغم أنها
زوجة أبيها لكن قالت بصدق: ربنا... قطبت يارا على بقية حديثها حين صدح رنين هاتفها. أخرجته من حقيبة يدها. للحظة ارتجف قلبها وهي تنظر إلى شاشة الهاتف. لاحظ طاهر ذلك. كذلك شيرويت التى تأففت من الوقوف قائلة: مش بتردي ليه؟ نظرت لها يارا قائلة: الرقم ده معرفوش. -وفيها إيه ردي عليه. هكذا حثتها شيرويت على الرد. أومأت يارا وقامت بفتح الخط وقامت بالرد لتتغير ملامح وجهها إلى عبوس حين سمعت:
حضرتك إحنا من إدارة المستشفى وبنبلغ حضرتك إن مدام/شهيرة محجوزة عندنا هنا في قسم الحريق. لا تعرف كيف خرج الحديث من فمها قائلة: تمام أنا جايه فورًا. أغلقت يارا الهاتف. نظرت إلى شيرويت التى سألت باستفسار بعد أن لاحظت هي الأخرى عبوس ملامح يارا: مين اللي كان بيتصل؟ ردت يارا بصوت مرتجف: دي إدارة مستشفى بيقول إن ماما محجوزة عندهم في قسم الحريق. ارتجفت شيرويت هي الأخرى قائلة برعشة صوت:
وقال لك إيه تاني. مامي جرالها إيه. خلينا نروح لها بسرعة. استغرب رحيم وطاهر. الذي قال: خليني أجي معاكم. بينما قال رحيم: للأسف أنا هتأخر على الكلية. ولو اتأخرت هتعاقب. هبقى أتصل عليك يا طاهر. انصرف رحيم. التى أغتاظت منه شيرويت دون تفسير لسبب. بينما ذهب طاهر معهن إلى المشفى. *** بمنزل البحيرة
ضم آصف جسد سهيلة على صدره وقبل جبينها. شعرت بخجل وظلت تضع رأسها فوق صدره. شعور هادئ في القلب رغم أنفاسهم الصاخبة. مشاعر خاصة أعطاها كل منهم للآخر. مشاعر تأخرت. وكادت تطمس بنزيف البُعاد. لكن الفرصة الثانية أعادت لها البريق لتشع مرة أخرى وتسري بين الأوردة تضخ عشقًا يكتسب مناعة من سقم الماضي. فرصة أخرى تستحقها القلوب. بعد لحظات هدأت أنفاسهم أيضًا. بسبب حياء سهيلة من النظر إلى آصف بعد ذاك اللقاء الحميمي. تبسم آصف على ذاك الحياء الذي يمنعها من النظر له أو حتى الحديث.
وهمس جوار أذنها: سهيلة إنتِ نمتي. رفعت سهيلة رأسها عن صدره. نظرت لعيناه بحياء للحظات. ثم تهربت سائلة: مفسرتش يعني إيه عمرك ما دافعت عن متهم مش واثق من برائته. تبسم آصف وهو يزيح تلك الخصلات الثائرة عن وجهها قائلًا: يعني قبل ما كنت بقبل القضية اللي هترافع فيها كنت لازم أتأكد إن الشخص ده مذنب أو لأ. لم تفهم وسألته: مش فاهمه. يعني كنت بتعمل عليهم تحريات قبل ما تقبل القضية. أومأ برأسه مبتسمًا وأجابها:
يمكن شغلي في القضاء ساب عندي خبرة أقدر بيها أعرف وأو على الأقل أستشف حقيقة الشخص اللي قدامي. -غرور. ومنين جالك إن مش بيمثل البراءة. أجابها بابتسامة: مش غرور. وفعلاً سهل تمثيل البراءة. لكن في شواهد بتأكد الحدث بتاعي. وبالتالي بقبل القضية اللي هترافع فيها وأنا واثق إن الشخص ده يستحق دفاعي عنه. نظرت له سهيلة سائلة: طيب في كذا قضية لفتوا نظري وكان عليهم ضجة إعلامية كمان. تبسم آصف قائلًا: أيه هما؟ نظرت إلى عين آصف قائلة:
قضية رجل الأعمال والرشوة اللي قدمها لموظف الحكومة مثلاً. ضحك آصف مجاوبًا:
عارف إن فيه إشاعات كتير على رجل الأعمال ده إن له أساليب ملتوية في تيسير مصلحته. وهو فعلًا قالي إنه فكر يعرض على الموظف ده رشوة بعد ما سمع من كذا شخص إنه بيقبل الرشاوي. أو بمفهوم آخر على إنها هدايا مقابل مصالح بيقدمها لهم. بس هو كان له غريم واتفق مع الموظف ده. والموظف وافق غريمه. وبمجرد ما رجل الأعمال راح له المصلحة هو ادعى النزاهة واتهمه بتقديم رشوة. وده اللي للأسف ما حصلش. يعني القصة كانت من البداية تصفية خلافات وهو وقع بالفخ.
اقتنعت سهيلة سائلة: طب والأرض اللي أخدتها من الدولة ورجعتها لـ للي استولوا عليها بدون وجه حق. أجابها ببساطة:
إنتِ قولتيها رجعتها. بس رجعتها لأصحابها مش للي استولوا عليها بدون وجه حق. الأرض دي كانت لمجموعة شباب أخدوها من الدولة بغرض الاستصلاح وحطوا فيها تعبهم وخبرتهم. غير كمان الأموال اللي كانت معاهم. هوب موظف في الدولة بالصدفة شاف الأرض. طبعًا اخضرت زاغت في نظره. عرض عليهم يشاركهم فيها. وطبعًا ده تعبهم لسنين. هو جاي عاوز يبقى شريك عالجاهز. رفضوا. قام استغل منصبه في الحكومة وقدم شكوى إنهم استولوا على الأرض. بس للأسف ما كانش يعرف إن معاهم مستندات تثبت أحقيتهم في الأرض دي. وكسبت القضية بسهولة لما قدمت المستندات دي. القضية كانت سهلة. بس الإعلام كده دائمًا بيحب يكبر الصغيرة. وبالذات لو كانت القضية الحكومة طرف فيها بيبقى لها صدى واسع.
لمعت عين سهيلة بنظرة إعجاب وثقة وتبسمت. تبسم آصف هو الآخر مستفسرًا: والبسمة دي سببها إيه؟ ابتسمت سهيلة مراوغة بالرد: بدون سبب. أي عاوزه أبتسم. ضحك آصف وهو يرفع يده يتلمس بها وجنتها قائلًا: أنا بعشق بسمة عينيك يا سهيلة. بحسها بتديني أمل وسعادة في قلبي. تبسمت سهيلة وهي تعود تضع رأسها على صدر آصف. الذي ضمها بين يديه يشعر بأنفاسها الدافئة فوق صدره. بينما هي همست:
طنط شكران كان عندها حق لما قالت لي إني باخد الحقيقة من جانب واحد. دلوقتي فهمت الحقيقة من كل الجوانب. بحبك يا آصف. انشرح قلبه وازدادت خفقاته. ورفع وجهها بيده ينظر لوجهها قائلًا: طب ليه بتخفي وشك وإنتِ بتقوليها.
شعرت سهيلة بالخجل وأخفضت عينيها. تبسم آصف وهو يرفع ذقنها لترفع عينيها تنظر إلى عيناه. تلاقت العيون بحوار صامت للحظات. قبل أن تخجل عين سهيلة. التي أخفضتها تنظر نحو شفاه آصف. الذي تبسم وهو يجذبها عليه قبل وجنتها هامسًا بعشق: بحبك يا سهيلة. ومش بخجل أقولها قدام العالم كله. قلبي مش بينبض غير وإنتِ قريبة مني.
تبسمت. لكن سرعان ما انخذت وتنهدت بقوة وهي تجد جسدها أسفل جسد آصف. تبسمت لللمعة عينيه. تلك اللمعة القديمة الصافية. لكن امتزجت بلمعة شغف. وهو يُقبل شفاها يأخذها معه تتناغم أنفاسهم معًا برحلة غرام خاصة بعلم الوصول إلى القلب. *** بعد مرور ثلاث أيام قبل الفجر بمنزل أيمن بالبلدة تبسمت سحر لـ آسميه التى دلفت عليها بالمطبخ. تساءلت: أيه اللي صحاكِ بدري كده يا أمي. الفجر لسه عليه أكتر من ساعة. تنهدت آسميه بحزن:
قلبي حزين على اللي حصل لـ هويدا. ربنا يصبرها. تألمت سحر قائلة: أنا كمان قلبي حزين أوي. حاسة إن نفسها انكسرت مبقتش هي. بس تعرفي الصدمة دي غيرتها. حتى بقت تسأل على حسام ابنها. تنهدت آسميه قائلة: مش مستغربة. في نوعية كده وتعرف قيمة نعم ربنا عليهم غير لما يتصدموا. هويدا خدت بدل الصدمة اتنين. ربنا كان رايد لها تعترف بنعمهُ عليها وده اللي حصل لها. لما شوفتها امبارح قلبي وجعني أوي. لما بكت قلبي اتقطع.
تبسمت سحر بآلم وهي تتذكر بكاء هويدا. حين رأت آسميه. كذلك آسميه التي بكت هي الأخرى. وسرعان ما ضمتها لصدرها. كان هذا تعبيرًا عن خبايا القلوب. آسميه كانت تكره فقط أفعال هويدا الهوجاء. لكن لم تكرهها أبدًا. *** بالقاهرة بشقة آصف كان نداء الفجر الأول يصدح على المآذن. تبسمت صفوانة وهي تدلف إلى المطبخ وجدت شكران تقوم بالطهي. قالت لها: صباح الخير. صحيتِ النهارده قبلي. تبسمت لها بمودة قائلة:
أنا نمت من بعد ما صلينا العشاء. محسيتش غير من شوية. قمت صليت ركعتين ولقيت نفسي نشيطة. قولت أحضر لينا الفطور وكمان كم آكلة أبعتهم لـ آيسر في المستشفى. تبسمت صفوانة قائلة: تعالى إقعدي إرتاحي شوية وبعدين نبقى نكمل تجهيز بقية الأكل. وافقتها شكران وجلسن خلف تلك المنضدة بالمطبخ. نظرت صفوانة إلى شكران سائلة:
تعرفي أنا لما آصف قالي أحاول أقنعك بلاش تروحي المستشفى لـ أسعد. وقالي عالسبب. اضايقت وزعلت أوي. وافتكرت مقابلتك له من فترة بعد فرح آيسر. وقولت كويس إنك موافقتيش ترجعي له. تنهدت شكران ببسمة ألم قائلة: تعرفي يا صفوانة. في شيء غريب أنا حاسة بيه. استفهمت صفوانة قائلة: أيه هو الإحساس ده. ليه حاسة إنه مش فارق معاكِ. ردت ببساطة:
فعلاً مش فارق معايا. بالعكس يمكن حسيت بهدوء في حياتي. هقولك. زمان لما أسعد جالي وقالي إنه هيتجوز شهيرة. قلبي اتكسر. وسألت نفسي أيه اللي ناقصني عشان يتجوز عليا. بس قولت ليه بفكر في اللي ناقصني. وأنا عملت كده واتجوزت أسعد وهو كان له زوجة أولى. مش ذنبها إن غلطة دكتور خلتها بقت عاجزة ومحتاجة اللي يرعاها ومش هتقدر على رعاية جوزها. رغم إني كنت بشفق عليها أوي وإنتِ شوفتِ معاملتي معاها. بس أنا كنت مصدومة. مكنش فيا شيء ناقص.
بالعكس يمكن المفروض كان ليا امتياز عنده. إني خلفت له تلات ولاد. بس ده ما كانش كفاية بالنسبة له. دور عالوجاهة اللي كانت ناقصاني. فاكرة لما أمي عرفت إنه اتجوز عليا. جت لي وقالت لي أقوله له أو بمعني أصح أساومه. وأقوله. لو ما طلقش مراته التانية هاخد ولادي وأسيب السرايا. فكرت وقتها بعقلي. صحيح أنا من عيلة ميسورة. بس دول تلات ولاد ومصاريفهم وحياتهم اترتبت على نظام معين. دفنت مشاعري وقولت أسعد بالنسبة لي مجرد أب لأولادي
والسلام. بس النهارده بندم إني ما سمعتش لعقلي وقتها وكنت خدت ولادي وضمتهم لحضني وبعدت عن أسعد. يمكن كنت قدرت أتجنب حرقة قلبي على سامر اللي راح مني شاب. ولا شوفت لوعة قلب آصف بعنيا وهو بينه وبين سعادة قلبه باب أوضة. وياريته مقفول. بالعكس كنت بشوف آصف وهو بيتسحب انصاص الليالي يدخل أوضة مراته. اللي بتخاف من قربه منها. كمان توهان آيسر اللي كان بيخفيه ورا هزاره دايمًا. بس كان بيدور على شيء ناقص في حياته. هو الانتماء لشخص
يحس معاه بالحب الحقيقي. وده اللي لقاه مع روميساء. كان بيهرب بسفره الدائم. كان نادر الإجازات. اللي دلوقتي بقى مش عاوز يشتغل عشان يبقى قريب من روميساء اللي حس معاها بالانتماء. يمكن لو كنت ضمت ولادي في حضني ما كانش قلبي اتكوي بلهيب سامر وبشاعة موته. لو الماضي يرجع كنت بعدت عن أسعد وسيبته لنزواته. اللي آخرها يتجوز أصغر من بناته.
وضعت صفوانة يدها على يد شكران بمواساة ومؤازرة قائلة: الماضي مش بيرجع يا شكران. بس ربنا بيعوض. وأهو زي ما قولتي. آصف سهيلة معاه. وإنتِ بتقولي إنه صوته وهو بيكلمك إنه سعيد وفرحان. كمان آيسر مع روميساء. اللي بحس إنها بتعيد تربيته. جففت شكران دموعها واومأت رأسها ببسمة مؤلمة:
فعلاً. روميساء بتعيد تربية آيسر. تعرفي كنت خايفة آيسر يورث أسعد في حكاية ميله للنسوان دي. لما كان يحكي عن البنات اللي بيقابلها في رحلاته. بس قلبه كان نضيف ووقع في روميساء. صحيح مسترجلة شوية. بس دي اللي تنفع مع آيسر. *** بمنزل البحيرة
فتح آصف عيناه. نظر نحو سهيلة التي تسكن بين يديه. ضمها للحظات. في ذاك سمع أصوات تلك الطيور التي تبدو جائعة وخرجت باكرًا بحثًا عن قوتها. نهض من جوارها وجذب معطفًا وقام بارتدائه وتوجه إلى تلك الشرفة. تعمد ترك باب الشرفة مفتوح. وقف يستنشق تلك النسمات شبه الباردة المختلطة بأريج زهور الربيع. نظر أمامه رأى بزوغ الشمس من بعيد. بدأ يلمع ضوء شعاعها الخافت فوق مياه البحيرة. التفت إلى نحو أحد الأماكن وتنهد يتذكر وهو يبتسم على
شاب يافع يسير ببدايات طريق العشق. يشعر بالبرد وهو ينتظر تلك البريئة الرقيقة التي كانت تتأخر دائمًا. تأتي بعد أن يضجر من طول الانتظار. لكن كان مع رؤيتها يتبدد البرد إلى دفء منبعه القلب. حتى وقت رحيلها كان يشعر ببرودة قلبه. كان ومازال يتمنى بقائها معه دائمًا. كانت ومازالت مثل شمس الربيع الدافئة. سنوات مضت تغيرت ملامح المكان. لكن لم يتغير العشق. مازال ساري وممزوج بالوتين.
شعرت بنسمة هواء باردة تلفح صفحة وجهها. كذلك اخترق أريج الزهور انعش فؤادها. تمطت تستنشق ذاك الهواء بعمق. فتحت عينيها. نظرت لجوارها بالفراش كان مكانه خاويًا. نظرت نحو باب الشرفة. رأت ظل آصف من خلف تلك الستائر التي تتطاير. نحت ذاك الدثار ونهضت من فوق الفراش. جذبت ذاك المئزر شبه الثقيل وقامت بارتدائه. ذهبت نحو الشرفة. نحت تلك الستائر قائلة: صباح الخير. استدار ينظر لها بغرام قائلًا: صباح النور. تبسمت وهي تقترب منه قائلة:
أيه اللي مصحيك بدري كده. ضمها بين يديه برومانسية. تبسمت وهي ترفع يديها تزم طرفي معطفه قائلة: إقفل الروب على صدرك. الجو لسه فيه نسمة برد. وأنا خلاص رصيد إجازاتي انتهى. اليوم اللي باخده إجازة بيتخصم من مرتبى. ضحك قائلًا: بتقبضي كام. نظرت له بزغر. أثار ضحكه وازداد حين قالت: يعني بتراقبني طول الوقت وبتعرف عني كل حاجة ومش عارف مرتبى كام.
-تصدقي دي الحاجة الوحيدة اللي ما فكرتش أعرفها. لأني عندي خلفية سابقة عن مرتبات الحكومة. ناسيه إني كنت موظف حكومي. ردت بتسرع: مش كل المرتبات يا سيادة المحامي. القضاء من أعلى المرتبات. إنما الدكاترة لو مش العيادات كانوا مدوا إيديهم وطلبوا معونات. ضحك وهو يضمها ثم همس جوار أذنها: عشقك مدفي قلبي يا سهيلة.
نطقه اسمها بتلك النبرة الناعمة تغلغل إلى قلبها. عادت برأسها للخلف تنظر له. تسلطت عيناه على شفاها مشتاقًا. انساق خلف قلبه المشتاق دائمًا وجذبها يُقبلها. تجاوبت مع قُبلته ورفعت يديها تُعانقه. ترك شفاها لكن لم يبعد وجهه. مازال قريب من وجهها للغاية شبه ملتصق بوجنتها. تشعر بأنفاسه فوق عينيها. كذلك هو يشعر بأنفاسها على وجنته. هتف هامسًا: فاكرة في يوم قولتلك هجيبك هنا هحضنك وهبوسك مش هتقدري تمنعيني.
تبسمت وهي تزيد في عناقه. ثم عادت برأسها للخلف تبسمت عينيها وهي تنظر إلى شفاه. وبلا تردد كانت تقترب منهما. وضعت قبلة عشق. انشرح قلب آصف وهو يعانقها بقوة وهمس باحتياج ورجاء: إنتِ الشمس في حياتي يا سهيلة. متغيبيش تاني. كان جوابها تنهدت بعشق وهي تشد من عناقه. تضع قبلة على جانب عنقه. تدفئ قلبه. تخبره أنها قد عادت تشرق به ومن أجله. عادت برأسها للخلف ونظرت لـ آصف قائلة بدلال:
هو مش المفروض نرجع للناس اللي هناك نطمن عليهم. موبايلي معرفش هو فين. وإنت اللي بتتصل على آيسر وأنا نايمة. تبسم وهو يضمها قائلًا: زهقتي بسرعة. تبسمت وامأت رأسها بـ لا قائلة: بالعكس. أنا نفسي نفضل هنا طول الوقت. بس كمان عاوزه أطمن على بابا وماما واخواتي. وطنط شكران وخالتي صفوانة وتيتا آسميه.
بمجرد ذكر اسم آسميه يسأم وجه آصف. تبسمت سهيلة. بينما تذكر آصف إخبار آيسر له عن ما حدث لـ هويدا. بالتأكيد لو علمت سهيلة ستحزن كثيرًا. لكن تبسم قائلًا: موبايلك في العربية عالشط التاني. تبسمت قائلة: تمام خلينا نرجع للشط التاني. -وهنا. هكذا سأل آصف وتبسمت سهيلة قائلة: هنرجع تاني. -تمام. بس قبل ما نرجع في سر عاوز أقوله لكِ. نظرت له باستخبار. لكن قبل أن تستفهم كان يحملها بين يديه وهي تبتسم من الخضة تلف يديها
حول عنقه بدلال قائلة: خضيتني. تبسم وهو يضعها فوق الفراش قائلًا بنظرات عشق: طالما هنرجع للشط التاني. يبقى نتنفس شوية هوا نضيف قبل ما نرجع للزحام مرة تانية. استقبلت قبلاته ولمساته وهامت معه بين نسائم منعشة للقلب والروح. *** بالمشفى الموجودة بها شهيرة
شعرت بالضجر من تلك الضمادات الموضوعة فوق يديها تصل إلى منتصفها. كذلك ساقيها. والضجر الأكبر هو ذاك الضماد الذي يخفي نصف وجهها الأيسر. يتآكل قلبها أن يترك أثرًا فيما بعد. نهضت تشعر بألم في ساقيها وهي تبحث عن مرآة ترى بها وجهها. لكن لا يوجد سوى زجاج شباك الغرفة. ذهبت نحوه. نظرت لانعكاسها. لكن ارتجفت يدها وهي تضعها فوق ذاك الضماد الموضوع فوق نصف وجهها. وكادت تنزعه تطمئن على وجهها. لكن بنفس اللحظة أنقذها من فعل ذلك. صوت طرق على باب الغرفة. عادت نحو الفراش وتمددت عليه. وسمحت للطارق بالدخول.
نظرت نحوه. وهو يعرف نفسه أنه أحد رجال الشرطة. ثم سألها: الدكتور قال إن حالة حضرتك تسمح بسؤالك عن الحادث. قاطعته سريعًا تقول بإتهام صريح: أسعد. أسعد شعيب هو اللي ورا حريق الأتيليه. هو عاوز يدمرني. تسأل الشرطي: ومين أسعد شعيب ده. وليه يحرق الأتيليه. كمان البحث الجنائي قال في تقريره إن الحريق ما كانش متعمد. ده كان بسبب شرارة من ديزل الكهربا المساعد. ردت شهيرة بتسرع: لأ. هو أسعد. أسعد يبقى طليقي وبينتقم مني.
سألها الضابط: حضرتك ده اتهام صريح. وممكن ينفي ده ووقتها ممكن يقدم فيكِ بلاغ إنك بتتجني عليه. اتهام بالباطل. أكدت شهيرة بعصبية واستهزأت قائلة: اتهام بالباطل! أسعد هو اللي غرضه يدمرني وهو اللي حرق الأتيليه. زي ما قتل رامز أخويا. اندهش الضابط. ونظر نحو وجهها ورأى ذاك الضماد الموضوع فوق وجهها. ثم نهض قائلًا: تمام. أنا هطلب السيد/أسعد للتحقيق معاه في اتهامك له. بس أعتقد من الأفضل تتواصلي مع شركة التأمين. الخاصة بسيادتك.
غادر الضابط. بينما نفخت شهيرة بغيظ وتلمع عينيها بهذيان ووعيد قائلة: أكيد أسعد هو السبب في الحريق ولازم يدفع التمن. مفكرني هبلة وغبية زي شكران. مش هسيبه يتهني مع العروسة الجديدة. *** بالمشفى الموجود بها أسعد
بعد إلحاح أسعد. امتثل له آيسر. بعد أن سمح له الطبيب بالنهوض من فوق الفراش والبقاء على مقعد متحرك لوقت قليل. طلب منه الذهاب إلى غرفة هويدا بالمشفى. بعد دقائق دخلا إلى غرفتها بعد أن سمح لهما. نظر أسعد نحو هويدا الراقدة فوق الفراش نصف جالسة. والتي تمسكت بيد أيمن الذي كان يقف جوارها. وقالت بإستهجان: لو جاي تشمت أو تتشفى فيا فـ فيا تبقى غلطان. تهكم أسعد ببسمة مرارة. فمن يشمت أو يتشفى بمن. لكن امتثل بالهدوء قائلًا:
لأ يا هويدا. مش جاي أشمت ولا أتشفى فيكِ. أنا جاي أرجع لك حقك. *** بشقة آصف وجع القلب له ترياق مسكن قوي المفعول. قبل ساعات كانت تبكي على صغيرها الذي توفي شابًا. الآن تبتسم وتشعر بانشراح وهي ترى تلك البسمة الصافية على وجهي آصف وسهيلة اللذان عادا للتو. بملامح تشع حياة. تتبدل قلبها المسؤوم إلى منشرح. ببسمة آصف وسهيلة وهي ترى أيديهم تحتضن بعضهما بملامح تشع صفاء وعشق تداوي نزيفه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!