الفصل 3 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
35
كلمة
5,782
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

بشُرفة تلك الغرفة وقف آصف ينظر إلى خروج سهيلة من السرايا. تنهد بقوة يقاوم الاشتياق الذي يشعر به كلما غادرت من أمام عينيه. لا يود أن تذهب وتتركه. يفكر في تهربها الدائم منه. تنهد مرة أخرى. لكن سرعان ما نظر خلفه، يبتسم لـ آيسر الذي قال بمزح: "كل دي تنهيدة، شكل سيادة القاضي عاشق والدكتورة بتتقل عليه." تنهد آصف وهو يجلس على أحد المقاعد. تبسم آيسر بمزح قائلاً بنبرة تريقة:

"ولما إنت واقع كده ما قدامك الحل سهل، إتقدم لها رسمي." زفر آصف نفسه قائلاً: "ومين اللي قالك إني مفتحتهاش قبل كده إننا نتجوز، بس مش عارف إيه اللي في دماغها. كل مرة تطلع بسبب شكل. مرة مش هتجوز قبل ما أتخرج من الجامعة، حتى بعد ما اتخرجت وقولت لها أتقدم ليها ونكتب الكتاب، حتى عشان مدة التكليف تبقى هنا في أي مستشفى في كفر الشيخ، قالت لي حابة تشوف أماكن جديدة وتاخد خبرات أكتر." تهكم آيسر قائلاً بإستهزاء:

"وإنت طبعًا بتستسلم لرغبتها. وهي مبسوطة إنك ملهوف عليها. أقولك خليك تقيل شوية يمكن هي بتستغل إنك مدلوق. إنت متأكد إنها بتحبك؟ أومأ آصف رأسه بمعنى أنه لا يعرف. ضحك آيسر قائلاً بمرح: "بقى آصف أسعد شعيب، المستشار بهيئة محاكم مصر مش عارف يسيطر على موزة." قذفه آصف بعلبة السجائر قائلاً: "إحترم نفسك، سهيلة مش نوعية البنات اللي بتتسلى معاهم في المطارات." ضحك آيسر قائلاً: "بسببك سيبت موزة إيطالية. إيه طلقة؟

لما شوفت الفيديو بتاعك عالنت قدمت ميعاد رجوعي. لو كنت أعرف إن إصابتك سهلة كده مكنتش نزلت قبل ميعادي." ضحك آصف قائلاً: "ندل... تطمن على أخوك ولا صحبة الموزة الإيطالية؟ أهو رحمتك من إنك تغلط." رد آيسر بمزح: "أكيد عارف من غير ما أجاوب. وغلط إيه اللي بعمله؟ آخري سهرة لطيفة وبوستين عالخد مش أكتر من كده، ده كله تسالي." تبسم آصف قائلاً: "تعرف أنا بدعي عليك توقع في الحب وقتها هشمت فيك، وهي مطلعة عينيك." ضحك آيسر قائلاً:

"قلبك أسود، بس سيبك بصراحة، لما شوفت الفيديو قد ما خوفت عليك قد ما كنت فخور بيك وبجسارتك في مواجهة الحثالة دول. جبت الجرأة دي منين؟ أنا لو مكانك كنت هقول للإرهابي خد الطيارة بالرجالة اللي فيها وسيبني مع الموزز." ضحك آصف. بينما تساءل آيسر: "يعني الإرهابي ده أخوه كان هيتحكم عليه بالإعدام؟ كسب إيه من عملته؟ أهو سبق أخوه لجهنم. وكمان إزاي قدر يوصل للموقع ده وينشر عليه الفيديو بث مباشر كده." تنهد آصف قائلاً:

"الموقع ده مشبوه أساساً وبيدعم الإرهاب والتطرف في العالم كله. غرضه إظهار مساوئ الشعوب بالذات الشعوب العربية ومصر على وجه الخصوص. وسهل لما يوصلهم فيديو زي ده ينقلوه عشان يكسبوا نسب مشاهدة عالية. وكمان له أجندة سياسية إنه ينشر ويرسخ للعالم الخارجي الشكوك في نزاهة القضاء المصري. هما كان لهم صدمات مع القضاء مش في مصر بس، كمان سبق تقديم بلاغات فيه وبسببها اتقفل الموقع أكتر من مرة واضطروا يبثوا من خارج مصر. بس طبعًا مصر هي الهدف بتاعهم. يبثوا حفلات مجون وشواذ وبيظهر فيها أسماء شخصيات معروفة. غرضهم تشويهها. مش بقول كلهم مش شرفاء بس الموقع ده بيتصيد الفضايح عشان يحقق نسبة مشاهدة تعود عليه بملايين الدولارات تدخل في حساباتهم."

تنهد آيسر بآسف وكاد يتحدث لولا دخول يارا مبتسمة تقول بإرهاق: "مساء الخير، مالكم سكتوا ليه لما أنا دخلت للأوضة. كنتم بتتكلموا في أمور سرية ولا كلام شباب بس." تبسم آيسر قائلاً: "مساء النور، لأ مش أمور سرية ولا خاصة بالشباب، بس شكلك وشك مرهق." جلست على أحد المقاعد تتنهد بإرهاق قائلة: "فعلاً مرهقة، خلاص امتحانات نص السنة قربت ولازم أحضر سكاشن العملي وكمان باخد كورس سواقة والإتنين مواعيدهم ورا بعض تقريباً في نفس اليوم."

رد آصف: "طب وليه مش بتخلي أي سواق من السواقين يعلمك السواقة في الوقت الفاضي، أو كنتِ أجلتِ كورس السواقة في إجازة آخر السنة." تنهدت بضجر: "لأ أنا بزهق من انتظار السواق عشان يوصلني. عاوزة عربية تكون تحت تحكمي في أي وقت. كمان إجازة آخر السنة بتبقى للترفيه مع أصحابي. هقضيها كورس سواقة... كمان كورس السواقة ده هيطلع لي رخصة سواقة بدون ما أدخل لإمتحان وأحتاج واسطة بابا عشان أنجح فيه." تبسم لها آيسر قائلاً:

"ذكية بتحبي تعتمدي على نفسك." تنهدت يارا قائلة: "لأ طبعًا بس إنت عارف بابا يقول لي مش هركب نفس جمايل على حاجة هايفة زي دي." نهضت يارا وآيسر حين دخل عليهم آسعد الغرفة ينظر لـ آصف الجالس قائلاً: "مساء الخير، متجمعين كده بتتكلموا في إيه؟ ردت يارا: "بنتكلم في كورس السواقة بتاعي وبقول لهم إن حضرتك صعب تتوسط لي لو دخلت إمتحان في المرور عشان آخد رخصة قيادة." رد آسعد:

"ده فعلاً، حاجة متستحقش أتوسط عشانها لأن السواقة سهلة. وبعدين ما أنا اللي هجيب لك العربية لما تاخدي الرخصة." تبسمت يارا لأخويها بمغزى أنها كانت محقة. لكن نظرت لـ آسعد قائلة: "طب اشمعنى آصف هو اللي لغيت حضوره جلسات المجلس وجريت عليه في أسيوط وكمان جبته لهنا في كفر الشيخ بطيارة خاصة حتى قبل أخد أقواله في التحقيقات."

نظر آسعد لـ آصف يتذكر أول مرة حمله فيها وهو وليد. كم اشتاق لأن يكون لديه طفل "ذكر" يعلو اسمه واسم العائلة به بعد أطماع رآها من أقرب الأقربين له. وكلمة أن نسله كله سيكون إناثاً ويضيع كل ما سعى إليه جدهُ وأكمل هو في توسيع تلك الأراضي واستردادها أضعافاً مضاعفة وأنشأ بعض المصانع كذلك. أصبح له اسم أكبر من جدهُ. لكن كان آصف هو النبتة التي انتظرها ليضع الجميع أطماعه على جنب ولا ينتظر أن يرث ويندثر نسل "آسعد شعيب".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمنزل إيمندلفت سهيلة إلى المنزل. تبسمت لوالدتها التي نظرت خلفها وقالت: "سهيلة، كنتِ فين، إحنا رجعنا من شوية أختك شافت شنطتك محطوطة على سريرك." تبسمت سهيلة وقالت بتوضيح: "أنا كنت جيت من شوية ملقتش حد في الدار. كان عندي مرجع طبي بتاع سامر كان طلبه مني. قولت أوديه السرايا والحاجة شكران كان لها حقنة أديتها لها ورجعت. بس إنتم كنتم فين؟ تبسمت هويدا

بتهكم وقالت بإستهزاء: "ومكنش ينفع تاخدي المرجع معاكِ له المستشفى." ردت سهيلة: "للأسف مواعيد نبطشياتنا مش بتتفق غير في وردية السهر. هو معظم نبطشياته بيسهر، وأنا مبقتش محتاجة المرجع رجعته." تهكمت هويدا وقالت بمغزى لم تفهمه لا سهيلة ولا سحر: "آه طبعاً لازم ترجعيه له السرايا. أهو حجة برضه." عقدت سهيلة حاجبيها وتساءلت بإستفسار: "حجة لإيه؟ ردت هويدا بتورية:

"حجة ترجعي المرجع عشان بعد كده لما تحتاجي أي حاجة من سامر يبقى يعطيها لكِ وهو عارف إنك هترجعيها في الوقت المناسب." تنهدت سهيلة قائلة بإرهاق: "أنا خلاص قدمت على الدراسات العليا وهختار تخصص الطب النفسي سواء على الأطفال أو الكبار، بس هركز عالأطفال أكتر بالذات أطفال التخاطب." تهكمت هويدا قائلة: "ربنا يوفقك." تبسمت سهيلة لم تشعر بنبرة الغيرة. وتساءلت مرة أخرى: "بس إنتم كنتم فين؟

بابا أكيد لسه بيخلص حسابات الفرن ورحيم وطاهر." تبسمت سحر رغم ملاحظتها نبرة هويدا المتحفزة في سؤال سهيلة وأجابتها: "كنا في محل الأدوات المنزلية، بنشتري شوية رفايع لجهاز هويدا... رحيم نايم من بعد المغرب. المدرسة مع تمرينات الكاراتيه هدته صحته، شوية أصحيه يتعشى ويصلي وينام تاني. وطاهر في المحل بتاع تصليح الإلكترونيات وزمانه على وصول." نظرت سهيلة لـ هويدا وتبسمت قائلة:

"ربنا يتمم لك على خير يارب. هدخل أغير هدومي وأجي أساعدكم في تحضير العشا. زمان بابا على وصول." تبسمت لها سحر وهي تتوجه ناحية المطبخ. بينما وقفت هويدا تنظر لها وهي تدخل إلى غرفتهم واستأزأت قائلة: "كلهم مغشوشين في وش البراءة اللي بترسميه، وإنتِ شاطرة في التخطيط، بس عندي شبه يقين إن مستحيل آصف شعيب يبص لك." بعد قليل. انتهوا من تناول وجبة العشاء. أضجع أيمن بظهره على أريكة خلفه وتنهد بشبع قائلاً:

"طول اليوم مدوقتش الأكل، طلعت من المصنع على الفرن كنا بنقفل الحسابات وخدنا وقت طويل على ما انتهت. والله محتاج كوباية شاي بعد الأكل أظبط بها راسي." نهضت سهيلة التي كانت تجلس أرضاً بجواره قائلة بمودة: "عنيا أحلى كوباية شاي لك يا بابا." تبسم أيمن قائلاً بمزح: "لأ بلاش إنتِ تعملي الشاي، بيطلع ماسخ ومالوش طعم. خلي هويدا هي اللي تعمله هي نفسها في الشاي حلو." نظرت له سهيلة بعتب قائلة: "كده يا بابا." تبسم لها قائلاً:

"دي هبة ربانية، بالكم أحلى كوباية شاي بشربها بتبقى من إيد حماتي عمتي 'آسمية' نفسها خطير. حتى في الأكل الميه من تحت إيديها ليها طعم تاني." تبسم طاهر قائلاً بمزح: "طبعاً لازم تقول كده، عشان حماتك ترضى عنك هي وبنتها." وافقت سهيلة طاهر في المزح. بينما قال أيمن: "أنا بقول الحق، وبعدين كفاية رغي، يلا يا هويدا قومي اعملي لينا دور شاي ندفى الجو. بره ساقع قوي. الشتا السنة دي شكله كده هيطول في السقعه." نهضت هويدا

بضجر تهمس لنفسها قائلة: "طبعاً لازم تقول الكلمتين الفاضيين دول عشان تريح الدكتورة اللي بتتشرف بيها قدام الناس كأن مفيش غيرها بقت دكتورة." بينما ساعدت سهيلة في ضبط بقية الطعام وتركت سحر تجلس مع طاهر وأيمن. ورحيم الذي يستند بجسده عليها يشعر بنعاس... بعد قليل وضعت هويدا صينية على أكواب الشاي على الأرض أمامهم وجلست. كذلك أتت سهيلة قائلة: "أنا شطبت على المواعين يا ماما."

تبسمت لها سحر بإيماءة وهي تجلس بجوار أيمن تمد يدها تأخذ كوباً من الشاي قائلة: "أما أشرب الشاي وهو سخن يدفي إيديا بسبب الميه كانت ساقعة." تبسم لها أيمن، وهو يضع يدهُ على كتفها. بينما تطرق بينهم الحديث إلى مواضيع خاصة بهم. إلى أن تعمدت هويدا الحديث عن آصف قائلة:

"رغم مرور أكتر من أسبوع على حادثة آصف شعيب بس البلد كلها ملهاش سيرة غير عليه. مع إنه مش بطل خارق، بس أعتقد السبب إنه من عيلة شعيب. لو حد تاني مكانه كان زمان حكايته اتنسى. غير كمان أبوه كان في البنك اللي بشتغل فيه النهاردة وكمان سمعت من زميل لينا في الجمعية الزراعية إنهم انتخبوه رئيس للجمعية الزراعية بالتزكية. طبعاً مش سيادة النايب وعنده نص أراضي البلد أو بالأصح المحافظة كلها." تبسمت سحر قائلة:

"ربنا يزيد عبيده. والله مرة أمي حكت لي إنها كانت صغيرة قوي وشافت جد الحج آسعد كان له هيبة." تبسم أيمن قائلاً:

"فعلاً أبويا الله يرحمه مرة حكالي عن شعيب جد الحج آسعد إنه كان راجل له هيبة وكلمة مسموعة. كمان قال لي إنه مكنش بالغي ده كله. هو كان بيشتغل رئيس عمال الفلاحة عند واحد من الخواجات أيام الملك. بس لما ثورة ثلاثة وعشرين يوليو الخواجة ده عرض عليه يشتري منه أرضه، عشان خايف من رجال الثورة يصادروا أرضه ويطردوه لبلده ويرجع فقير، باع له أرضه بتمن بخس." تساءلت هويدا: "وليه الخواجة باع الأرض بتمن بخس." رد أيمن:

"باعها بخس، أحسن ما يرجع لبلده فقير. أهو يقول أرجع باللي حتى يعيشني في بلدي مكرم... وكمان كان في دماغه حاجة تانية." تساءل طاهر: "وأيه هي الحاجة التانية دي يا بابا؟ رد أيمن:

"الخواجات كان عندهم أمل إن الثورة تفشل وبعد كم سنة يرجعوا مصر تاني ويستردوا أرضهم دي، بس طبعاً ده محصلش. حتى سمعت من أبويا، إن لما جه التأميم كانوا بيأمموا الفلاحين اللي عندهم أكتر من ميتين فدان وبعد كده بقى أكتر حاجة ميت فدان وجد الحج أسعد اتأمم المرتين، بس بعد كده جه الانفتاح والحج أسعد استرد الأراضي دي تاني واشتراها من الفلاحين. حتى كمان السرايا اللي عايشين فيها كان مكانها سرايا الخواجة وباعها هي كمان بالأراضي اللي حواليها، بس أبو أسعد كان هدهد وبنى سرايا تانية أفخم من بتاعت الخواجة."

تهكمت هويدا قائلة: "يعني الثراء الفاحش ده من البداية كان من دم الناس الغلابة والحظ لعب مع 'شعيب'. هي كده الدنيا حظوظ." تبسم أيمن قائلاً برضا: "مش حكاية حظ. ربنا بيوزع الرزق على عبيده لحكمة هو بس اللي عالم بها." تهكمت هويدا قائلة: "آه طبعاً، ناس تاخد الحظ 'مال وبنون' وناس تاخد الفقر." ردت سحر:

"ربنا له حكمة. في فقير ربنا يغنيه يفتري، وفي فقير ربنا يعطيه عشان يحمد ربنا. ألم يقولوا 'منكم لو أعطيت له المال لأفسد حاله، ومنكم من أخذت منه المال لأصلح حاله'." تهكمت هويدا ومصمصت شفاها بإستنكار هامسة: "وأنا من المغضوب عليهم." ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باليوم التالي. بحوالي الحادية عشر صباحاً. بكلية الحاسبات والمعلومات بالمنصورة.

بأحد ممرات الجامعة بسبب استعجالها بالسير شبه جرياً كي تلحق ميعاد بداية تلك المحاضرة العملية. لكن لعدم انتباهها خبطت في إحدى زميلاتها سقط من يدها هاتفها وبعض الكتب. تعصبت وهي تنحني تجمع تلك الكتب تسب زميلتها بلغة أجنبية لم تفهمها. لكنهنالك من فهم معنى سبها، وهو منحني يجمع لها أشلاء هاتفها النقال. واقترب منها بهما ومد يديه بتلك القطع. نظرت لها بتغضن قائلة بشبه تعالى:

"الفون بتاعي ماركة عالمية مش موجود منها قطع غيار هنا في مصر، كده معدش ينفع وهيترمى." رفع عينيه ونظر لملامحها بسبب تبرجها وزيها العصري الأنيق ذو الماركات. فطن أنه من طبقة فارهة. لكن رد عليها: "على فكرة موبايلك ينفع يتصلح. فيه هنا في المنصورة أكتر من مركز لتصليح الموبيلات كمان الماركات العالية. لو حابة ممكن أديكِ عنوان والرقم الخاص بمركز مشهور ممكن تلاقي عنده قطع غيار لموبايلك."

نظرت له رأت شاب رغم بساطة ملابسه لكنه أنيق كذلك ووسيم. ارتبكت قائلة: "تمام ممكن تكتب لي عنوان ورقم المركز ده." تبسم وهو يجذب منها أحد الكتب وقام بفتحه ودون على إحدى الصفحات الخالية، اسم وهاتف ذلك المركز. ثم مد يدهُ لها بالكتاب. أخذت منه الكتاب بصمت للحظات بينهم. إلى أن أتى أحد زملائه وربت على كتفهُ قائلاً: "طاهر خلينا نلحق المحاضرة." تبسم له طاهر وأومأ براسه لها ثم غادر دون حديث.

بينما هي وقفت للحظات إلى أن نظر هو خلفه وأومأ رأسه يبتسم لها. برد تلقائي منها تبسمت له. وظلت واقفة حتى اختفى عن مرأى عينيها. انتبهت للوقت هرولت ناحية أحد المعامل الخاصة بالجامعة. لكن هنالك شعور يدلف لقلبها لا تعلم له تفسير غير أنها تريد رؤية "طاهر" مرة أخرى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد الظهر. بالبنك الزراعي بالبلدة. انتهت وقت الدوام. جذبت هويدا حقيبتها ونهضت من خلف ذلك المكتب تزفر نفسها بسأم.

قبل أن تخرج من الغرفة نظرت أمامها بسخط لذلك الذي يقف أمام الباب يبتسم. توجهت نحوه وهو يقول: "هويدا كويس لحقتك قبل ما تمشي من البنك." تهكمت هويدا بسخط قائلة: "خير يا عادل؟ أشار لها بيده قائلاً: "خلينا نتكلم وإحنا بنتمشى في موضوع مهم." تهكمت وسارت معه إلى أن خرجا من البنك وسار بالشارع الرئيسي للبلدة وتساءلت بإستعلام: "خير أيه هو الموضوع المهم؟ رد عادل:

"موضوع إننا نكمل جوازنا، خلاص العفش بقى شبه جاهز، مش ناقص غير نحجز القاعة اللي هنعمل فيها الفرح." تهكمت هويدا: "هو ده الموضوع المهم، عالعموم أي قاعة مش هتفرق. كل القاعات اللي سبق وكلمتني عنهم زي بعض. طبعاً مش هتقدر على تكاليف قاعة كبيرة ومحترمة يبقى كله زي بعضه." كاد عادل أن يتحدث لكن بسبب تلك السيارة التي تندفع بالسير، وكادت تصطدم به اقترب من هويدا وحف بكتفها.

نظرت له وقبل أن تتحدث رأت تلك السيارة الفارهة التي تمر من جواره. تحسرت قائلة: "كان نفسي أتزف في عربية ماركة زي دي. عالعموم بلاش تستعجل وتحجز قاعة. سمعت إن في قاعة كبيرة في كفر الشيخ هتفتح قريب وأكيد في البداية أسعارها هتبقى مش كبيرة." كاد عادل أن يعترض لكن قالت هويدا: "الفرح بيبقى ليلة واحدة. مش كفاية إني رضيت إني أتجوزك في نفس الشقة ومعانا الست الوالدة." رد عادل:

"أولاً اسمها ماما، ثانياً كتر خيرها في شباب كتير بيسكن في شقق بالشئ الفلاني كل شهر، ثالثاً هي خلاص شطبت أوضة صغيرة جنب أوضتها وعملتها حمام خاص بيها، والأوضة بتاعتها فاتحة عالشارع وإحنا هناخد بقية الشقة يعني هتبقى مقفولة علينا." لوت شفتيها بسخط قائلة: "على اعتبار بقية الشقة عشر أوض دول هما أوضتين وصالة ومطبخ يادوب أقف فيه بطولي ميستحملش حد يقف معايا." رد عادل:

"أهو أحسن من إيجار السكن شهر ورا التاني، وخلينا في موضوعنا. أنا اتفقت مع عم أيمن إننا نتجوز في إجازة نص السنة، وياريت تختاري قاعة عشان نلحق الحجز في الوقت اللي حددناه." تهكمت قائلة: "طالما مش هتستنى نشوف القاعة الجديدة يبقى مش هتفرق أي قاعة والسلام." تنهد عادل قائلاً: "تمام هروح البيت ارتاح ساعتين وبعدها هروح أحجز القاعة." أومأت هويدا رأسها قائلة بتعالي: "تمام بس ياريت بلاش تسترخص."

بنفس الوقت كانا وصلا إلى أمام منزل هويدا. توجهت إلى باب المنزل وقالت: "تعالى نتغدا سوا." رد عادل: "لأ مرة تانية، عشان ماما متاكلش لوحدها." إستهزأت بنبرة مبطنة: "آه طبعاً إبقى سلميلي على طنط." أومأ عادل رأسه وهو يستكمل سيره. بينما فتحت هويدا باب المنزل ودلفت إليه نادت على والدتها التي قالت لها أنها بالمطبخ... توجهت نحو المطبخ وقفت أمام الباب، تسمع حديث سحر بلوم:

"أنا كنت شيفاكِ من شباك المطبخ ماشية مع عادل. معزمتيش عليه ليه يدخل يتغدا معانا." تهكمت هويدا برد بارد: "هيروح يتغدا من الست الوالدة عشان متاكلش لوحدها. أنا مرهقة بسبب الشغل في البنك النهاردة كان كتير. هروح أغير هدومي وأمدد جسمي شوية على ما بابا يرجع من الشغل. بس فين سهيلة." ردت سحر: "سهيلة عندها نبطشية مش هترجع غير عالمغرب." تنهدت هويدا قائلة: "طب كويس اهو أنام ساعتين بدون إزعاج منها." نظرت لها سحر بلوم قائلة:

"على فكرة أنا ملاحظة طريقة معاملتك لـ سهيلة. افتكري إن دي أختك وإنتِ المفروض أختها الكبيرة يعني تحل محلها وعند أخواتك كمان." إستهزأت هويدا قائلة: "ربنا يخليكِ دايمًا، محدش بيحل محل حد. هروح أرتاح، قبل ما 'جحيم' يرجع من المدرسة ويقلب البيت دوشة." غادرت هويدا نحو غرفتها. بينما هزت سحر رأسها بآسف قائلة: "ربنا يهديكِ يا هويدا."

بينما هويدا دلفت إلى الغرفة نظرت إلى فراش سهيلة الفارغ إستهزأت. وذهبت نحو فراشها وإتكئت عليه تزفر نفسها وهي تعود لذاكرتها تلك السيارة الفارهة التي كانت تسير بالشارع. زفرت نفسها تشعر بشوق لتجربة الجلوس بداخل تلك السيارة. لكن سرعان ما فاقت تشعر ببؤس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بـ "جزيرة البرلس". نهضت سهيلة قائلة: "المغرب قرب يأذن خلينا نلحق المركبة اللي هناك دي توصلنا للبر التاني، قبل الضلمة."

نهض آصف قائلاً: "لسه بدري، خلينا كمان شوية ومتخافيش. سهل أتصل على أي مراكبِي يجي ياخدنا." ردت سهيلة: "لأ كده كفاية أنا اتأخرت في الرجوع، يلا في مركبة أهي واقفة المرسى خلينا نلحقها." بإمتثال غصبًا سار آصف خلف سهيلة إلى أن وصلا إلى المرسى صعدا إلى تلك المركبة الصغيرة. جلس بأحد الأماكن. أشار آصف للـ مراكبي أن يبحر بالمركبة دون انتظار لركوب أحد غيرهم. بالفعل امتثل المراكبي وسار بالمركبة.

بينما نظرت سهيلة إلى تلك الأمواج أسفل المركبة تبسمت إلى تلك الطيور التي تهبط في الماء تخطف إحدى الأسماك الصغيرة الطافية على سطح المياه. تتقاتل أحياناً بمناقيرها على سمكة صغيرة. نظر لها آصف سائلاً: "بتبصي على إيه في الميه؟ بصي لي مش كفاية إني المفروض متصاب وكنتِ تحني عليا وتفضلي معايا أكتر من كده. أنا المفروض مكنتش أخرج من السرايا قبل أسبوع على الأقل، بس مقدرتش أتحكم في شوقي ليكِ، امبارح هربتي مني." تبسمت سهيلة قائلة:

"ما إنت قدامي بخير أهو. أنا ببص على الطيور اللي بتخطف السمك من مية البحيرة، وكمان خناقهم مع بعض على سمكة صغيرة." تبسم آصف قائلاً: "السمكة فعلاً صغيرة، بس هي دي طبيعتهم." تبسمت سهيلة قائلة: "السمكة فعلاً صغيرة بالنسبة لينا بس هي بالنسبة لهم كنز كبير. كمان الجو النهاردة كان دفا على عكس امبارح، وفرصة ليهم السمك ظاهر على سطح الميه." تبسم آصف، ورفع يدهُ السليمة وكاد يضعها على كتف سهيلة يتشوق لضمها.

لكن سهيلة كانت منتبهة له ونهضت واقفة، تنظر أمامها إلى تلك الشمس التي تتوارى من بعيد. ثم نظرت إلى آصف قائلة: "آصف إنت ليه إخترت القضاء وإنك تبقى قاضي." نهض آصف هو الآخر مستغرباً يقول: "مش فاهم معنى سؤالك، عادي أني أكون قاضي، ناسيه إنني دارس حقوق، وكنت بنجح بتقدير جيد جداً على مدار الأربع سنين." تساءلت سهيلة: "عارفة دي، بس ليه إخترت القضاء، كان سهل تبقى معيد في الجامعة." تنهد آصف يستنشق هواء البحيرة قائلاً:

"بصراحة التدريس موهبة. إنك تشرح للي قدامك ويفهم منك صعب جداً. وأعتقد إني فاشل في الشرح، بدليل إنك لغاية دلوقتي مش قادرة، أو بالأصح مش عاوزة تفهمي حقيقة مشاعري."

ارتبكت سهيلة من نظرات آصف لها. كيف يظن هذا الأحمق أنها لا تفهمه، ولا تود البقاء معه طوال الوقت. هي تشعر بنبض قلبها حين تراه. لكن هنالك دائماً حاجز تخشى أن توافق على الزواج به وتُفاجئ بالرفض أو الصد أو الاستقلال بها أو بنسبها البسيط. كذلك أن توصف من بعض الأقلية القريبة من آصف، أن ابنة الموظف البسيط حاكت شباكها على أحد فتيان عائلة شعيب المرموقة، حتى أوقعته في غرامها. بقلبها العاشق وعقلها الخائف...

عشق.. تخشى أن يخفت أو يتلاشى قبل أن يسطع تحت وطأة أن الناس طبقات ومقامات. حتى إن أنكروا ذلك أمام العامة، ما زال بداخل عقولهم مكان لتلك الفوارق الاجتماعية. وهي لن تسمح أن يقلل أحد من شأن والداها ولا شأنها كـ طبيبة. ــــــــــــــــــــــــــــــ بنفس الوقت. بـ سرايا شعيب. بغرفة سامر. نادى بعصبية وبصوت جهور: "انتصار."

هرولت انتصار إلى غرفته سريعاً. دلفت إلى الغرفة تفاجئت به يغلق باب الغرفة ويسحبها من يدها خلفه إلى أن اقتربا من الفراش. قام بدفعها بقوته لتقع فوق الفراش قبل أن تلتقط نفسها. كان يجثو فوق جسدها يُقبل شفاها بضراوة. وحتى جذب ملابسها من فوق ساقيها يتحسس جسدها بشهوانية. لكن فجأة نهض عنها يلهث قائلاً بغضب: "قومي غوري من الأوضة وممنوع أي حد يعرف باللي حصل ده."

نهضت انتصار تشعر بارتباك ورهبة. توجهت نحو باب الغرفة بأقدام مرتعشة. لكن وقفت قبل أن تضع يدها على مقبض الباب وقامت بهندمة ملابسها. وسمعت تحذير سامر لها: "إياكِ حد يعرف باللي حصل. وقتها هكذبك ومش بس هيتقطع عيشك، مش بعيد تنطردي من البلد كلها بفضيحة." برهبة خرجت من الغرفة تقف جوار الغرفة تلهث. لكن لعقت شفتيها تبتسم بإشتهاء. بينما دلف سامر إلى حمام غرفته. وقف على حوض الوجه يبصق على انعكاسه بالمرآة يشعر بتقزز.

ــــــــــــــــــــــــــــــ ليلاً. بمنزل أيمن. إبتسمت سهيلة لـ سحر وهويدا اللتان ترتديان ملابس أنيقة. تساءلت: "رايحين فين بالشياكة والأناقة دي." تبسمت سحر لها قائلة: "رايحين فرح على راس الشارع. بقولك إيه ما تغيري هدومك وتعالي بسرعة أهو تفرجي عن نفسك شوية." فكرت سهيلة للحظة ثم ابتسمت ووافقت قائلة: "ثواني أغير هدومي."

بضجر انتظرت هويدا مع سحر حتى عادت سهيلة تبتسم لهن. ثم ذهبن إلى ذالك الصوان المنصوب بداخله شادر للعُرس. نظرن إلى أحد الأماكن الخالية وذهبن إليها وجلسن يرسمن بسمة على وجوههن من تلك المظاهر البسيطة لعُرس بسيط. ... بـ سرايا شعيب. كان آصف ممدداً فوق فراشه يشعر بضجر منذ أن عاد من البحيرة بصحبة سهيلة. كان يود البقاء معها طوال الوقت. فكر عقلهُ ونهض من على الفراش. لما لا يخرج يسير بالبلدة ربما ذهب عنه ذلك الضجر.

بالفعل خرج من السرايا يسير ساقته قدميه إلى بداية الشارع التي تقطن فيه سهيلة. توقف لأحد أهالي البلدة الذي أوقفه يقوم بالتبجيل به وبشجاعته وقام بدعوته لدخول صوان ذلك العُرس البسيط. ببساطة وافق آصف على مظاهر العُرس تُذهب عنه شعور الضجر. دلف معه إلى الصوان. جلس بأحد الأماكن يبتسم على تلك المظاهر البسيطة. لكن فجأة تسلطت إحدى كاميرات مصوري الزفاف على وجه سهيلة الباسم. واعتلت صورتها شاشة رئيسية بالمكان. ظلت لثواني معدودة.

أثارت تلك الصورة غيرة ذالك الجالس بنفس المكان تقريباً. ونظر نحو سهيلة شعر بغضب وهو يرى ذالك المصور يجول بكاميراته بين الحاضرين بالمكان وأصبح قريباً للغاية من سهيلة. نهض بغضب متوجهاً إلى مكان جلوسها. لكن بسبب زحام حفل الزفاف وهو يحاول السير دون الاحتكاك بين الموجودين. وصل متأخراً إلى ذالك المكان تفاجئ بعدم وجود سهيلة. فقط كانت أختها ووالدتها هن من يجلسن ومقعد سهيلة لم يظل شاغراً بل هنالك أخرى جلست عليه.

تيقن هي غادرت. تنفس بعمق وحسم قراره سيذهب إلى منزلها الآن. بينما قبل دقيقة نهضت سهيلة وانحنت على والدتها تُخبرها أنها ستغادر لم تعد تتحمل الضجيج. كذالك مجهدة من عملها بالمشفى. تبسمت لها والدتها. بينما تساءلت هويدا بعد مغادرة سهيلة: "هي سهيلة راحت فين؟ ردت سحر: "سهيلة هتروح البيت بتقول صدعت." تهكمت هويدا. لكن وقع بصرها على آصف الذي كاد يقترب منهن وعيناه مسلطة نحوهن. للحظات تتبعت سيره بين الجموع إلى أن غادر هو الآخر.

تهكمت لديها شبه يقين أن هنالك مشاعر خفية بين آصف وسهيلة. ربما غادر الاثنان ليلتقيا سويًا.. شعرت بالحقد. مالت على أذن والدتها تُخبرها أنها تشعر بصداع وتود العودة للمنزل. وافقت سحر هويدا ونهضت هي الأخرى كي تعودان إلى المنزل. بينما ذهب آصف إلى منزل سهيلة. وقف أمام ذلك الباب الحديدي الصغير الذي على الجانب الآخر للمنزل، يغلق المنزل مع سور حديقة صغيره بالكاد بضع أمتار تعتبر مدخل آخر للمنزل.

أدخل يده من بين ذالك الفراغ الصغير بالباب وقام بفتح ذالك الترباس الذي يغلق الباب من الداخل. فتح الباب ثم تسلل إلى تلك الحديقة. ما هي إلا ثلاث خطوات وأصبح أمامه سُلم صغير. بضع درجات. صعد مباشرةً. تبسم يبدو أن الحظ يسانده. باب تلك الشرفة شبه مفتوح بسبب حشر تلك الستارة بين ضفتي الباب. ببساطة دفع الباب. ثم دخل إلى الغرفة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...