ضمها آيسر مُربتًا على ظهرها بأخوة قائلًا بآسف: "هويدا كانت هنا وصدمته بحقيقة أنه ممكن يبقى مشلول." استغربت يارا ذلك قائلة: "وليه عملت كده، المفروض كانت تعمل العكس، ده يا دوب ممرش على جوازهم يومين."
زفر آيسر نفسه بغضب وقبل أن تنهي يارا حديثها، كانت دخلت شكران الغرفة دون طرق الباب. وسمعت نهاية حديث يارا، نظرت نحو أسعد الممدد. شفق قلبها على رقدته، لكن للغرابة كأنه شخص عادي ليس زوجها الذي عاشت معه حوالي ثلاث عقود من الزمن. ثم نظرت نحو آيسر ويارا قائلة: "أنا شايفة الدكتور لسه خارج من الأوضة." تحدث آيسر بلوم قائلًا: "مكنش لازم تتعبِ نفسك يا ماما عشان صحتك، آصف مش قالك إن الزيارات ممنوعة." نظرت شكران إلى أسعد قائلة:
"فعلًا قالي بس دي عشرة عمر. قوليلي هو إيه اللي حصل لـ أسعد، مش شكل شوية إرهاق زي ما آصف قالي؟ علم آيسر أن شكران لن تقتنع بأي إجابة غير منطقية لما تراه أمامها، فسرد لها فقط أنه تعرض لإصابة طلق ناري. فزعت شكران سائلة: "ومين اللي ضرب عليه رصاص، يكون حد من المنافسين له في عضوية مجلس الشعب؟ نظر آيسر إلى يارا ثم أجابها باختصار ورجاء: "يمكن... الدكتور محرج الزيارات، وكفاية كده عشان صحتك يا ماما."
تغاضت شكران عن الرد على رجاء آيسر ونظرت إلى يارا سائلة بفضول: "وأنا داخلة سمعت يارا بتقول "ممرش على جوازهم يومين"، مين دول وإيه علاقتهم بـ أسعد؟ ارتبكت يارا وكذلك آيسر. لم يستطع المراوغة، وكذلك يارا التي أخبرت شكران بتردد، تشعر بأسى وآسف في نفس الوقت: "كنا بنتكلم على هويدا وبابا، اتجوزوا من يومين." غرت شكران شفاها، ليست مصدومة ولكن غير مصدقة وسألت: "هويدا مين... قصدك هويدا أخت سهيلة ولا واحدة غيرها؟
بآسف أكدت يارا. تهكمت شكران بداخلها وهي تنظر لأسعد وسأل عقلها عن سبب هذه الزيجة. هل كان يود استمرار الشعور بأن قلبه ما زال شاباً ليتزوج امرأة في منتصف عمره، بل أصغر من بعض أبنائه؟ لكن لم تستغرب ذلك، فهذه طبيعة أسعد، اللهث خلف المظاهر. نظرت نحو آيسر وتغاضت عن الأمر سائلة: "أنا شفت طاهر وأنا طالعة من الأسانسير، كان داخل للأسانسير الثاني وهدومه عليها دم كتير، والأسانسير نزل بسرعة، ملحقتش أسأله."
خفق قلب يارا بتوجس، بينما استغرب آيسر قائلًا: "هو كان هنا بيزور بابا وكان مشي وكان كويس، معرفش." بينما نظرت شكران إلى يارا التي تبدلت ملامحها وحاولت غض فكرها عن فرض السوء قائلة: "يمكن أنا مركزتش ومش هو. على العموم زيارة المريض لازم تبقى قصيرة... واضح أن أسعد مش هيفوق دلوقتي، هبقى أتصل عليك يا آيسر أطمن عليه." تنهد آيسر قائلًا: "تمام يا ماما، ده الأفضل عشان صحتك."
تبسمت وهي تضع يدها على كتفه ثم غادرت. بينما القلق ما زال مسيطرًا على عقل وقلب يارا. نظرت نحو والدها بغصة ثم تحججت قائلة: "هطلع أكلم شيرويت، أقول لها أن الدكتور منع الزيارات عن بابا وهحاول أطمنها عشان متقلقش." أومأ لها آيسر موافقًا. بنفس الوقت صدح رنين هاتفه، أخرجه من جيبه. علم أن روميساء هي من تتصل، تنهد باشتياق وكاد أن يرد، لكن فُتح باب الغرفة بعد أن سمح للطارق بالدخول. استغرب ذاك الذي دخل وأغلق
رنين الهاتف بعد أن قال له: "ياريت تقفل الاتصال... أنا وكيل النيابة المكلف بالتحقيق في القضية، وكنت لسه مع الدكتور وعرفت حالة المريض بالضبط، وكمان هنضطر نحط فرد أمن على غرفة المريض لحد ما ناخد أقواله هو كمان، لأن للأسف، الشخص الثاني توفى بنوبة هبوط في القلب." ذُهل آيسر سائلًا: "رامز مات! رد وكيل النيابة:
"للأسف قلبه اتوقف ومقدروش ينعشوه. بكدا ناقص أقوال السيد/أسعد عشان نقفل القضية بعد أقوال آصف والشخص الثالث. كمان آصف قدم بلاغ بإعادة فتح قضية "سامر شعيب" وكان اتهم رامز بقتله وقدم أدلة تثبت ده، بس للأسف بموت رامز القضية انتهت." تساءل آيسر: "والنيابة معندهاش شك إن ممكن يكون موت رامز متعمد؟ رد عليه:
"حتى لو عندنا شك فالنهاية التقرير الطبي هو المستند الثابت لينا. مرة تانية بتمنى الشفا للسيد/أسعد، وهكون على تواصل مع الدكتور، وفرد الأمن إجراء روتيني فقط للتحفظ على السيد أسعد لحد ما ناخد أقواله ونطابقها ببقية أقوال الشهود." أومأ له آيسر بتفهم، وهو مذهول بعد مغادرته. بحديقة المشفى، بلا تردد من يارا هاتفت طاهر، الذي قام بالرد عليه. تسمع صوته شبه مختنق، وسألته:
"طنط شكران بتقول أنها شافتك وإنت داخل الأسانسير، وهدومك كانت ملوثة بالدم." تنهد بآسف قائلًا: "هويدا... توقف عن بقية حديثه يشعر بألم يضيق بصدره. شعرت يارا بذلك وسألته: "إنت لسه في المستشفى؟ قول لي إنت فين بالظبط." أجابها بالمكان الموجود به، قالت له: "تمام، أنا جايه لك."
بعد دقائق، أمام إحدى غرف العمليات. رغم بؤس طاهر على ما أصاب هويدا، لكن شعر بهدوء نسبي وتبسم بخفوت حين رأى يارا تقترب منه. حين نظرت له ارتجف قلبها من ذاك الدم الذي يلوث معظم ثيابه. بسرعة قالت بلهفة: "إنت بخير؟ إيه سبب الدم اللي مغرق هدومك ده." تنهد طاهر بآسف: "أنا بخير، بس هويدا للأسف... صمت قليلاً، ثم سرد لـ يارا ما حدث مع هويدا. شعرت بآسف عليها قائلة:
"أنا كنت سمعت أن فيه مشكلة حصلت قدام واحد من الأسانسيرات اللي في المستشفى، بس حلوها بسرعة، ومحدش طلع من الأوضة." رد بنفي: "لأ، بس صعبان عليا هويدا أوي. هويدا صحيح ليها أخطاء، بس... توقف عن بقية الحديث يشعر بالأسى والحزن على ما أصابها وما زال صراخها يطن في أذنيه وهي ترى بتر إحدى ساقيها. لكن نظر إلى يارا قائلًا: "متشكر يا يارا إنك جيتِ، حسيت إني هديت نفسيًا." ارتبكت يارا، وقالت بتوتر حتى لا تكشف لهفتها عليه:
"ناسي إن هويدا تبقى مرات بابا."
تبسم بغصة يعلم أنها تتحجج. أيقن فداحة خطأه بالماضي حين أخذها بذنب آصف. آصف الذي ذهب إليه قبل عدة أيام يطلب منه أن يساعده بإقناع يارا بقبول الزواج منه ووافق على مساعدته. وبالفعل تحدث مع يارا موضحًا لها أن أحيانًا يؤخذ البعض بذنوب الآخرين، وعليها إعطاء نفسها فرصة مع طاهر، إن لديها مشاعر نحوه، لا داعي لإضاعة العمر والندم لاحقًا، كما حدث معه. اقتنعت بذلك، لن تضيع الفرصة، لكن قبلها لابد من مراوغة طاهر، وكذلك ردًا لكبريائها. ما كانت عاشت تلك المرارة.
مساءً بالنيابة العامة. دَلفت شهيرة إلى غرفة وكيل النيابة الذي نظر لها، يبدو من ملامحها الهادئة أنها ما زالت لا تعلم بوفاة شقيقها. تنحنح قائلاً: "اتفضلِ اقعدي يا مدام شهيرة، معرفش المستشفى بلغوا حضرتك أو لأ، بس واضح من هدوء حضرتك أنك لسه متعرفيش." استغربت شهيرة واستفهمت سائلة: "مش فاهمة، إيه اللي المستشفى مبلغتهوش ليا." نظر لها بآسف قائلاً: "للأسف السيد/رامز، البقاء لله. توفى بعد فجر اليوم." صُدمت شهيرة قائلة بتسرع:
"مستحيل! الدكتور كان قالي إن حالته صحيح خطيرة بس فيه أمل. بالتأكيد أسعد هو اللي قتله، هو غرزه ينتقم مني." استغرب وكيل النيابة قائلاً: "وهيقتله إزاي وهو كان في غيبوبة؟ ردت شهيرة بتسرع وغِل: "آصف! آصف ممكن يكون هو اللي قتله، آصف كان بيكرهه." رد عليها: "آصف غادر المستشفى." "يبقى آيسر."
ذُهل وكيل النيابة من اتهاماتها غير المنطقية، كأنها تود إلصاق تهمة القتل لأي أحد، حتى أن ملامحها لم تتغير إلى الحزن أو تصرخ، حتى تبكي على أخيها، أو تطلب رؤيته للمرة الأخيرة قبل التصريح بدفنه. لكن ما وصل له من أدلة عن القتيل أنه كان شخصًا سيئًا، ربما كان كذلك معها أيضًا. بالعودة إلى منزل البحيرة. بِغمرة تلك القبلات ولمسات آصف لها، أفاق عقلها من تلك الغفوة غصبًا بعد شعورها ببعض التقلصات بمعدتها. تنفست بعمق قائلة:
"أنا جعانة يا آصف." بوسط زخم تلك المشاعر والاشتياق المتمكنة من قلبه الذي يترجمها بقبلات ولمسات حنونة، شعر بيدها على كتفه تدفعه برفق. للحظة غص قلبه أن تكون عادت لرفض اقترابه، لكن قولها أدهشه. توقف عن تقبيل عنقها ورفع وجهه ونظر لوجهها باستفهام. شعرت سهيلة بحياء وعادت قولها: "أنا جعانة، على فطوري من الصبح يادوب أكلت شوية فتافيت عيش من اللي كنا بنرميها للطيور في البحيرة." تبسم غامزًا يقول: "يعني طمعتِ في أكل الطيور."
تذمرت بخجل قائلة: "لأ مش طمع، بس أنا كنت جعانة ويظهر لما نمت نسيت الجوع." ضحك آصف ونهض عنها. وقبل أن تستقيم على الفراش، تفاجئت به يحملها قائلًا بمرح: "خليني أشيلك لا تدوخي ويُغمى عليكِ من الجوع." وكزته في كتفه بيدها قائلة: "بطل أسلوب السخافة ده، عادي لما أجوع. إنت مش بتجوع زي بقية البشر، ولا عشان ضخم، ولا "آصف شعيب" طبعًا لو...
قاطعها بتقبيل شفاها. نسيت تذمرها وقامت بلف يديها حول عنقه تستقبل قبلاته بقبول. حتى ترك شفاها ليتنفسا من أنفاسهم المختلطة، حتى هدأت. تبسم بانشراح سائلًا بمرح: "لسه جعانة." زفرت نفسها قائلة بغيظ ووعيد: "آصف." ضحك بإستمتاع قائلًا بإيحاء: "خلاص بلاش عصبية، خلينا ننزل المطبخ. شكلك جعانة أوي... ولا يمكن فيه سبب تاني بيخليكِ بتحسي بالجوع بسرعة." لم تنتبه لإيحاء آصف وتذمرت قائلة: "هو كمان الجوع لازم يكون له سبب؟
ولا طبعًا عشان ضخم وكمان تضخمت أكتر بعد ما بطلت شرب سجاير ونفسك اتفتحت عالأكل أكتر." ضحك آصف قائلاً: "إنتِ هتقري عليا، عالعموم وصلنا للمطبخ." تنهدت سهيلة قائلة: "طب نزلني بقى عشان أشوف هاكل إيه." ضحك آصف وهو يضعها على الأرض قائلًا: "معظم الأكل معلبات وسريع التحضير." نظرت له بإستهجان قائلة: "لأ كتر خيرك، ممكن تسيبني بقى أشوف إيه اللي في المعلبات دي ينفع نجهزه بسرعة." تبسم وهو يضع يده على خصرها قائلًا:
"على فكرة أنا عندي خلفية كويسة في الطبخ، خليني أساعدك أهو نخلص بسرعة." شعرت بكهرباء في جسدها. لو نظرت لوجه آصف ستنسى الجوع وتلقي بنفسها بين يديه كي يضمها وتستمتع بقبلاته ولمساته. لكن عادت خطوة للخلف قائلة بتهرب: "فيه مكرونة وكمان صلصة... "نعمل مكرونة بالصلصة ونسلق بيض ونحمّره وكمان سلطة." تبسم آصف قائلًا باعتراض: "بس أنا مش بحب البيض المسلوق." وضعت يديها على خصرها قائلة: "مش بتحب البيض مسلوق لكن بتحبه ني؟
تفقش يجي خمسين بيضة في شوب اللبن وتحط عليهم عسل وتشربه عالريق، معرفش بتستطعمه إزاي." ضحك آصف قائلًا: "ده وجبة مغذية وبتشبع، وكمان اللبن مع العسل بيغيروا طعم البيض، بالأصح بيختفي وسطهم، فمبحسش بطعمه. لكن أنا مش بحب البيض، بس ممكن آكل مكرونة وسلطة." تنهدت بصبر قائلة بتوتر: "تمام، ممكن تطلع بقى من المطبخ وتسيبني أجهز الأكل." ضحك على توترها قائلًا: "المطبخ واسع، كمان ممكن أساعدك، وأعمل أنا السلطة." وافقت سهيلة قائلة:
"تمام، عندك الخضار، أعمل السلطة بس بلاش تكتر لأن ماليش مزاج للسلطة، هاكل مكرونة وبيض محمر." ضحك آصف، وقام بالجلوس على أحد المقاعد يراقب سهيلة وهي تتحرك بالمطبخ وتأففها للحظات بسبب بعض اللسعات، كذلك تذوقها المبالغ فيه للطعام أثناء تحضيره. تبدو جائعة للغاية. ظلت هكذا حتى انتهت وقامت بوضع تلك الأطباق على الطاولة أمامه. نظر آصف إلى المكرونة سائلًا: "هي دي مكرونة بصلصة الطماطم، ولا بالوايت صوص." نظرت
سهيلة إلى المكرونة قائلة: "مكرونة بالصلصة، مش شايفها حمرا." نظر آصف إلى المكرونة قائلًا: "دي مش حمرا دي بينك، واضح إن الصلصة مكنتش كفاية." تنهدت سهيلة بضيق قائلة باستهزاء: "بينك... لأ الصلصة كده كفاية، أنا مش بحبها حمرا أوي، ومن فضلك ياريت بلاش تريقه ومش عاوزة أعرف رأيك في المكرونة." قطب بين حاجبيه وشرع في تناول الطعام. امتعض قليلاً بوضوح قائلًا: "أنا مش بحب المعجنات." تبسمت سهيلة قائلة:
"عارفة إن المكرونة طعمها مش كويس ومعجنة شوية بس ممكن تتاكل عادي، أنا أهو باكلها. إنت عندك علم سابق إني مش أوي في الطبخ، يادوب بعرف أمشي نفسي بالموجود. تيتا أسمية حاولت كتير في أنها تديني خبرتها، بس على رأي بابا دي مسألة نفس، هبة ربانية يعني." على سيرة أسمية، امتعض آصف. لاحظت سهيلة ذلك وتبسمت، تعلم أن هناك عدم استلطاف متبادل بينهم. تنهد آصف قائلًا: "تمام، أنا هاكل سلطة بعيش." تبسمت سهيلة قائلة:
"براحتك، بس أنا اتعودت إن أي أكل يتحط قدامي آكله وأحمد ربنا." للحظات سأم وجه سهيلة وتذكرت فترة مكثها بالسجن. لاحظ آصف سأم ملامحها، غص قلبه لكن قال بمرح: "لو كنتِ سبتني أنا أحضر العشا كنت أثبتلك إني بعرف أطبخ كويس." تبسمت له قائلة: "تمام، قدامك فطور بكرة تثبت فيه براحتك، دلوقتي لو مش هتاكل طبق المكرونة بتاعك هاتيه وأنا آكله." تبسم وهو يمد يده بطبق الطعام لها قائلًا: "واضح إنك جعانة أوي." تبسمت وهي تلتهم الطعام قائلة:
"فعلاً." ضحك آصف وظل بينهم حديث هادئ بشتى المواضيع، كما كان في السابق قبل ليلة زواجهم الأولى. لكن اختلف قليلاً، سابقاً لم تكن تسمح له حتى بلمس يدها، اليوم عكس ذلك. انتهى الطعام. تبسم آصف وهو ينظر إلى الأطباق شبه الخاوية قائلًا بمزح: "متهيألي فيه لسه شوية مكرونة في الحلة وممكن نسلق بيض تاني لو لسه جعانة." نظرت سهيلة له قائلة: "لأ خلاص، أنا حاسة إني اتنفخت من كتر الأكل." ضحك آصف، بينما تذمرت سهيلة قائلة:
"إنت بتتريق عليا صح." ضحك آصف قائلًا: "أبدًا، أنا كنت هقولك تحبِ أعملك شاي أو عصير." تنفست سهيلة ثم تثاءبت قائلة: "عارفة إنك بتتريق عليا، بس أنا معدتي خلاص اتملت، وكمان كبس عليا النوم، ومبقتش قادرة ومش عارفة هاقوم أمشي على رجليا إزاي، حاسة إني تقلت جداً." ضحك آصف وهو ينهض واقفاً وانحنى لجوارها وحملها قائلًا بمزح: "فعلاً تقلتِ شوية."
وكزته في كتفه ثم لفت يديها حول عنقه تميل برأسها على صدره، تشعر براحة أصبحت ليست غريبة عليها. صعد آصف بها إلى غرفة النوم حتى وضعها على الفراش وانضم جوارها يجذبها لصدره. شعرت سهيلة بتوتر وارتباك وهي تقوم بجذب خصلات شعرها خلف أذنيها وأخفضت عينيها، تخشى النظر لوجهه خوفاً أن لا يصدقها قائلة بتردد: "آصف، فيه شيء مهم لازم تعرف بيه."
تبسم آصف على ذاك الخجل الواضح على وجهها. في نفس الوقت غص قلبه للحظات. سهيلة ما زالت تشعر بعدم ثقته بها، لكن لن يدع الماضي حائلًا أكثر من ذلك. وضع يده على بطنها واقترب من أذنها هامساً: "سبق وقلت لكِ إني كنت واعي، وحاسس بكل نفس... همسة... لمسة... منك وعندي استعداد أعيد كل اللي حسيت بيه في الليلة دي." رفعت عينيها ونظرت إلى وجهه بتفاجؤ سائلة بخجل: "قصدك إيه... إنت كنت... قاطعها بتأكيد: "كنت واعي لكل حركة... همسة...
لمسة...
مع كل كلمة كان يعيد لها جزءاً مما شعر به تلك الليلة ويبث مشاعر ناعمة بعثرت كيانها تستسلم لطوفان هادر من مشاعر طغت عليهم تجذبهم نحو منحدر من بدايته إلى نهايته هادئاً مفعم بنسائم عشق آخاذ لأنفاسهم ونبضات قلبيهم. ليعودا بأنفاس منعشة لقلب كل منهم. علاقة عاطفية كاملة والإثنين يشعران بكامل السكينة والهدوء النفسي اللذين كانا يحتاجان إليه. علاقة أظهر كل منهم مدى عشقه للآخر، وصلا إلى كمال العشق في قلبيهم. وضع آصف قبلة عشق على
جبين سهيلة ونظر إلى وجهها. تبسم حين رآها تخفض وجهها بخجل. وضع إبهامه أسفل ذقنها ورفعه قليلاً ونظر إلى عينيها اللتان تلاقت مع عينيه. تمركزت النظرات بينهم. للحظات كانت مثل قراءة الأعين بالنسبة لكل منهم. قرأت سهيلة عين آصف الصافية التي عشقتها. منذ البداية كان سهل عليها قراءة صدق مشاعره من عيناه. تبسمت بحياء وعادت تخفض عينيها تنفض تلك الذكرى، لن تدعها تفسد نشوة قلبها.
بينما آصف كان يقرأ من عينيها خجلاً كان قديماً أحيانًا يضجر منه. الآن يزداد عشقه لهذا الخجل الذي ارتسم بعينيها. وما زال يندم على ذكرى تلك الليلة البائسة، لكن هو الآخر نفض عن رأسه، لا يود تعكير صفو قلبه. تنحى بجسده عنها واستلقى على الفراش وجذبها لتبقى بحضنه وقبل وجنتها قائلًا بصدق: "بحبك يا سهيلة." تبسمت بدلال وهي تدس رأسها في صدره قائلة: "قولتها كتير قبل كده." رفع وجهها قليلاً ونظر لها بهيام قائلًا:
"وهفضل أقولها طول عمري، ومش بس هقولها كمان أوعدك هيفضل قلبي مفيش فيه أغلى منك." تبسمت ووضعت رأسها على صدره وتثاءبت ثم غفوت دون شعور. منه كذالك آصف هو الآخر غفى، هو يشعر بهدوء كان يفتقده. عودة سهيلة له كان هدوءً بعد الصخب الذي كاد أن يصم قلبه.
بعد وقت صحوت سهيلة بسبب شعورها ببعض التقلصات بمعدتها. وجدت نفسها محاطة بيدي آصف. تبسمت وهي تنظر إلى وجهه وهو نائم، على ذاك الضوء الخافت. حاولت سحب جسدها من بين يديه. ذهبت إلى الحمام وخرجت بعد قليل، تشعر ببعض الوهن. عادت تندس إلى جوار آصف، تنظر لوجهه تشعر كأنها تعود بالزمن إلى الخلف. تبسمت حين تذكرت أنها كانت تخجل من النظر إلى وجهه. شريط ذكريات يمر أمام عينيها منذ أن تعرفت على آصف قبل أن تكمل التاسعة عشر من عمرها.
الآن هي بالثلاثين، حوالي اثني عشر عاماً يمروا أمام عينيها، بين إخفاقات وامتيازات حصلت عليها. هناك خمس سنوات بعمرها لم تلتقِ بـ آصف مباشرةً، لكن كانت تقرأ عبر المنصات الإلكترونية عن نجاحه في تلك القضايا. أحيانًا كانت تكره ذاك الصيت، وأحيانًا كانت تشعر بالغبطة. كان هناك شيء بداخلها لم يبغض آصف رغم ما مرت به. حاولت إلهاء نفسها بالحصول على امتيازات وتقدم أعلى لتثبت أنها لم تنكسر، لكن كان داخلها بالفعل مهشماً. تحصل على
امتياز أعلى وتسمع الإشادات بذكائها العلمي ممن حولها وهي تتقدم، لكن بداخلها كان هدف واحد أرادت إثباته لـ آصف أنها الطبيبة ابنة الموظف البسيط الذي سخر منه تلك الليلة. بداخلها فقدت مذاق اللذة، فقط كانت تبتسم للمديح الذي تناله ويعلو شأنها. بآخر الليل كانت ترثي نفسها بذلك المديح الذي لم يكن سوى لحظات وتعود تنكفي على فراشها تفصل عن عالم لا تشعر فيه بالحياة. قلبها مثل الآلة بداخلها. تنهدت وهي تنظر إلى آصف. تبسمت كأنه كان
لها مذاق الحياة التي كانت وما زالت تود العيش بها. حلمت يوماً أن تكون أسرة صغيرة معه حين كان يخجلها بكلماته وهي تتهرب منها. كانت تشتاق لتلك الكلمات الصادقة والنابعة من قلبه. آصف كان لها متنفساً للحياة.
بِغمرة أفكارها شعرت بيدي آصف تجذبها لصدره. امتثلت لذلك وغفت. مع شروق الشمس استيقظ آصف، تنهد بشعور الصفاء والسعادة وهو يضم سهيلة بين يديه. هذا ما تمناه أن يصحو على وجه سهيلة وهي بين يديه. بالمشفى
استقبل طاهر كل من سحر وأيمن اللذين أخبرهم بجزء مما حدث لـ هويدا دون إخبارهم ببتر إحدى ساقيها. لكن بمجرد أن دخلا الغرفة انصعق قلبيهما، وتدمعت عينا أيمن. كذالك سحر التي اقتربت من ذاك الفراش النائمة عليه هويدا وانحنت تُقبل وجنتيها تسيل دموعها بحسرة قلب. كذالك أيمن الذي سأل طاهر قائلاً: "هويدا هتفوق أمتى... وايه اللي حصل لها." سرد لهم طاهر ما حدث ثم أخبرهم:
"الدكتور قال محتاجة وقت عقلها يفصل قبل ما تفوق عشان الصدمة اللي عاشتها." تحدثت سحر بحسرة قلب: "قلبي اتنفض من وقت ما اتصلت علينا امبارح وقولت هبات هنا عشان مخلصتش بقية أوراقك، والفجر لما اتصلت اتأكد إحساس قلبي. يا حسرة قلبي عليها لما تفوق." بالمشفى مساءً أمام غرفة أسعد وقف آيسر ينظر يمينًا ويسارًا، قبل أن يخطف قبلة من روميساء التي تذمرت من فعلته وقالت بغضب: "وقح! ما بتعرف إننا بممر المشفى؟
يكون بعلمك يا آيسر لو بصيت بعيونك لواحدة من الممرضات والله بخلعلك عينيك وبيعشك أعور." ضحك آيسر قائلًا: "لأ خلاص... توبنا إلى الله." نظرت له روميساء بعين تشع غضباً قائلة: "كمل "وندِمنا على ما فعلنا"." ضحك آيسر غامزاً بوقاحة: "ندمنا شديد الندم كمان يا جميلتي." تبسمت له قائلة: "وهديك الممرضة اللي كانت عم تتمرقع وتتمايص... والله لو عطيتها وش بسكر عيونك للأبد." ضحك آيسر قائلًا: "لأ وعلى إيه أقول للدكتور يغيرها؟
أنا مش مستغني عن عينيا، عشان أشوفك بيهم يا جميلتي." تبسمت روميساء بخفاء قائلة: "تمام، هلأ برجع للشقة مرة ثانية، وبكرة راح أجي المسا ومعاي غيار نظيف إلك." غمز لها قائلًا: "طب إيه رأيك ناخد أوضة هنا جنب بابا نبيت فيها سوا، دا أنا حاسس إن عضم جسمي مخشب ومحتاج مساج من إيدين ناعمين." نظرت له بإستهجان قائلة: "اتحشم، وبلاه هالحكي بيكفي، راح أمشي السواق وبابا ناطريني بالسيارة، بس أنا حبيت أحذرك." ضحك لها قائلًا:
"طب هاتي بوسة تصبيرة." نظرت حولها واطمأنت أن الممر خالٍ قامت بتقبيله على وجنته. بينما هو جذبها وقام بتقبيل شفاها. دفعته عنها بغضب، بينما هو تبسم قائلًا: "البوسة تبقى كده يا جميلتي." بالأتلييه الخاص بـ شهيرة كانت تجلس تقوم بمراجعة بعض التصميمات الخاصة ببعض مصممي الأتلييه. تركت التصميمات وشعرت بضجر حين صدح رنين هاتفها. نظرت إلى الشاشة وقامت بالرد. سمعت إلى من يُخبرها:
"إحنا من المستشفى المحجوز فيها جثمان السيد/رامز، والطب الشرعي خلاص صرح بدفن المتوفي، وبنتصل على حضرتك عشان تجي تستلمي الجثمان." تأففت قائلة: "تمام، بكرة هاجي أستلم الجثمان." أغلقت الهاتف وقامت بوضعه أمامها. عدة مشاعر تضغط عليها، بين الحزن والكُره والغضب، لكن للكُره كان النصيب الأكبر. ضحكت وهي تتذكر أسعد الذي سيبقى قعيداً جزءاً بغدره بها. لكن لم تستمر ضحكتها حين سمعت صوت طرقعة عالية تشبه الانفجار.
خرجت من مكتبها إلى الخارج تفاجئت بنيران مشتعلة تلتهم الأتلييه بضراوة. صرخت بهلع تستنجد بالعمال الذين يهرعون للخارج هرباً من النيران، ومنهم ما التهمته النيران بالفعل.
فصل عقلها للحظات، فأصعب إحساس هو ضياع كيان قضيت وقتاً ومجهوداً ووضعت بسببه ملذات أخرى في الحياة. صرخت بهستيريا تريد إطفاء تلك النيران قبل أن تنهي مشوار عمر قضته من أجل أن يصبح هذا المكان وجهة أشهر مصممي الأزياء وأغنى الزبائن. لم تنتبه للنيران إلا حين اشتبكت بملابسها وتسربت إلى جسدها. صرخت وهي تهرع إلى الخارج قبل أن تحترق هي الأخرى. بمنزل البحيرة
على أريكة بغرفة المعيشة كانت سهيلة نائمة رأسها على صدر آصف. لكن رفعت رأسها ونظرت لوجهه تبسمت حين وجدته مستيقظاً. كذالك هو تبسم لها. نهضت جالسة تتكئ بإحدى يديها على الأريكة. استغرب آصف ذلك ورجف قلبه أن يكون فعل شيئاً أزعجها بدون قصد منه. اعتدل جالساً هو الآخر يسألها: "أنا عملت حاجة أزعجتك." أومأت رأسها بـ "لأ". تنهد براحة قائلًا باستفهام: "طب ليه بعدتي عن حضني." تبسمت بحياء قائلة:
"قبل كده قلت لي إن كل حقيقة ليها وجهين، يعني إيه؟ تبسم قائلًا بتوضيح ونبرة ندم: "يعني أنا عمري ما دافعت عن شخص ظالم، بغض النظر عن عيوبهم، بس أنا في حياتي مظلمتش حد غيرك يا سهيلة." لمعت عينيها ببسمة قائلة: "طب ليه معتذرتش وطلبت السماح مني؟ للحظة أخفض وجهه بخزي وندم ثم رفع رأسه ونظر لها قائلًا بندم: "عشان أنا مستحقش السماح." تبسمت سهيلة قائلة: "ده كبر وغرور آصف شعيب."
تركزت عينيه بعيني سهيلة. اقترب منها جذب يديها بين يديه وأحنأ رأسه وقبل كف يديها قائلًا: "معاكِ بنسى إني آصف شعيب. إنتِ عارفة إنك الوحيدة اللي مش بقدر أتكبر أو أتغر عليها... بالعكس، لو مستعدة تسامحيني، أنا هطلب السماح ألف مرة." تبسمت بدلال قائلة بغنج: "ألف مرة بس؟ اقترب منها وضمها بين يديه وقبل إحدى وجنتيها قائلًا: "قد ما تطلبي. أنا بحبك يا سهيلة وهفضل طول عمري ندمان ومش هسامح نفسي أبداً إني في لحظة كنت جلاد غاضب."
ضمته هي الأخرى بيديها. عاد برأسه للخلف ونظر لعينيها ولبسمة شفتيها. اقترب من شفتيها مقبلاً بلا انتظار. تزداد قبلاته شوقاً وشغفاً حين لم يجد منها رهبة أو تمنع، حتى أنها عادت تتسطح على الأريكة وهو يقبلها، حتى ترك شفتيها ينظر لعينيها اللتان عاد بريقهما. رفع يديه يملس على وجنتيها بأنامله قائلًا بندم: "أنا عارف إنك كرهتيني." وضعت يديها على كتفيه وأومأت رأسها بـ "لأ" ثم قالت:
"حاولت كتير أغصب قلبي يكرهك، بس للأسف قلبي خذلني، مقدرش يكمل ويكرهك يا آصف، بس ده مش معناه إني سامحتك."
شعر بإنشراح في قلبه ثم سأم وجهه للحظة. لكن عاود يقبلها، يكفيه أنها تقبلت قبلاته. يشعر بلمسات يديها على كتفه وظهره. هذا ما أراده دائماً أن يشعر بلمساتها على جسده. أخطأ حين قيد يديها تلك الليلة، ربما لو كان شعر بلمسات يديها على جسده كان تهاون وما وصل إلى تلك الدرجة من الغضب الذي أعماه، واغتصبها بحقارة. بالتأكيد ما كان عاش وسيظل يعيش بمرارة الندم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!