تبسم آصف وترك لها جسده حتى سألته: كده حاسس براحه ولا أحطلك مخده كمان ترفع ظهرك شويه. أومأ لها بموافقه. نهضت من فوق الفراش وسارت نحو باب الغرفه، تسأل آصف بإستغراب: رايحه فين! ردت ببساطه: هجيب مخدات من الأوضه التانيه وأرجع. تنهد آصف ببسمه وهو ينتظر لحظات حتى عادت سهيله تحمل أكثر من وساده. تبسم لها وهى تقترب من الفراش قائله: جبت مخدات عشان احطهم ورا ضهرك، هتحس براحه أكثر.
تبسم وهو يرفع جسده قليلًا عن الفراش. عدلت سهيله الوسائد خلف ظهره، إتكئ عليها. تبسمت له قائله: كده هترتاح أكتر. أومأ موافقًا يقول: فعلًا كده إرتاحت، بس هرتاح أكتر لما تنامي جنبي هنا. السرير واسع وياخدنا إحنا الإتنين، مش زي سرير المستشفى. إزدردت سهيله ريقها بحياء وكادت تعترض، لكن نظرة عين آصف جعلتها تستسلم قائله: تمام.
ذهبت نحو الناحيه الأخرى للفراش وتسطحت عليه، تشعر بإرتباك من نظرات آصف نحوها وتبسمه. بادلته البسمه، لكن جذب آصف يدها وقام بتقبيلها. شعر برعشة يدها، غص قلبه بتلقائيه، ضغط عليه. لكن سهيله شعرت برجفه في جسدها، ليس رهبًا بل من المفاجأة. وحين ضغط على يدها سحبتها من يده وأغمضت عينيها، علها تهرب من هذا الإرتباك. نظر لها آصف مُبتسمًا يقول: تصبحِ على خير يا سهيله.
ردت وهى مازالت تُغمض عينيها هربًا من ذلك الشعور الغريب عليها. ليس أول مره تنام جوار آصف، المره السابقه كان بلا وعي لم يشعر بها. لكن بعد دقائق قليله بلا وعي منها غفت. بينما تبسم آصف على إنزواء سهيله بطرف الفراش، بعيد عنه قليلًا. أغمض عينيه، سُرعان ما غفى هو الآخر.
لم ينتبها إلى شُكران التى شعرت بالقلق على آصف وذهبت إلى غرفته كي تطمئن عليه، لكن لم تجده بالغرفه. إستغربت ذلك، وبتلقائيه ذهبت نحو غرفة سهيله. كان باب الغرفه كالعاده مواربًا. نظرت إلى داخل الغرفه، تبسمت في البداية حين رأت اهتمام سهيله بـ آصف. لكن غص قلبها حين شعرت أن آصف مازال يحاول نيل عشق سهيله الواضح. لكن هي الأخرى مازالت تائهه بمشاعر تخشى من أن تنساق نحوها. ولديها الحق، ما حدث بالماضي كان قاسيًا عليهما الإثنان، سقطا بفخ سوء القدر.
إنتهت الليله مع إشراقة جديده. فتح آصف عينيه حين شعر ببوادر ألم طفيف. نظر نحو سهيله التى مازالت نائمه تنزوي بطرف الفراش. كان أفضل صباح أو أمنية تحققت أن يفتح عينيه صباحًا وأول شيء يقع عليه بصره هو وجه سهيله، وتكون قريبه منه للغايه. هكذا أمنية أخيرًا نالها. ظل ينظر لوجهها للحظات قبل أن يمد يدهُ وينحي تلك الخصله عن جبينها. تلامست أنامله مع جبينها، شعرت بها سهيله. فتحت عينيها لوهله، تبسمت ثم عاودت النوم مره أخرى.
إلى أن سمعت آصف يقول: صباح الخير. عاودت سهيله فتح عينيه مُبتسمه وتمطئت بيديها تقول: صباح النور. بالخطأ يدها إقتربت من صدر آصف. رغم أنها فقط لامست صدره، لكن إدعى التآوه بألم عمدًا. نهضت سهيله بآسف قائله: آسفه مكنش قصدي. رغم شعور آصف بألم، لكن هنالك شعور آخر مُنشرح في قلبه. إزداد حين إقتربت سهيله منه قائله: لو حاسس بألم قوي أديك حقنة مسكن. أومأ برأسه قائلًا: لاء بالعكس، حاسس بألم بسيط جدًا. تبسمت سهيله براحه وقالت:
تمام، زمان خالتِ صفوانه نايمه، هقوم أحضرلك فطور وتاخد بعده العلاج، هيختفي الألم البسيط. قبل أن تُعطى سهيله له ظهرها، جذبها من كتفها وقربها منه. وبلا إنتظار رفع جسده قليلًا عن الفراش وقبلها. رغم مفاجأتها، لكن لم تُمانع قبلتهُ أو تصدهُ. استقبلت القُبله فقط، عقلها يتنحى وقلبها يشعر بخفقان مُتشتت. ترك شفاها، لكن مازال وجهها قريب منه. نظرت إلى عينيه ترا بهما صفاءً قديمًا كانت تهيم به وقتها. الآن...
العقل عاود يتحكم للحظات، يوبخ غفلة قلبها بعد تلك القُبله: هل نسيتِ ذبح الماضي... أفيقي من تلك السكره. لكن آصف لم يمهل لعقلها فرصه وجذبها مره أخرى مُقبلًا بظمأ عاشق. ترك شفاها مُرغمًا حين سمعا صوت شُكران وصفوانه. كاد يُخبرها أنه كان واعيًا تلك الليله بمنزل البحيرة وأنه لن يغيب عن الوعي إلا حين إبتعدت عنه. لكن صوت شكران وصفوانه وهما تتحدثان أصبح قريبًا للغايه من باب الغرفه.
كذلك سهيله فاقت من تلك الغفلة. عادت تشعر بحياء وربما تذم نفسها على لحظة ضعف. إبتعدت وهبطت من فوق الفراش، تُحايد بصرها عنه. تبسم آصف وهو يشعر بسعادة. إلى أن دخلن صفوانه وشُكران، التى تبسمت قائله: صباح الخير... شكلك نمت كويس إمبارح. تبسمت صفوانه بمكر واجابتها: أكيد إرتاح هنا أكتر من المستشفى. نظرت شُكران نحو سهيله التى تشعر بخجل وغمزت لـ صفوانه. فهمت صفوانه غمزها وسايرتها: الواحد مش بيرتاح غير في فرشته جنب حبايبه.
شعرت سهيله بالكسوف وتهربت قائله: في علاج آصف لازم ياخده عالريق، هروح أجيبه من الأوضه التانيه. هربت سهيله من أمامهن. بينما نظرت شُكران بحنان لـ آصف وتبسمت تشعر بسعاده بسبب ذاك الصفاء الواضح على وجهه.
رغم أن تلك الليله لم تتكرر وعاد كل منهم إلى النوم بغرفته، بسبب زيارة آسميه التى جاءت في زيارة خاصه من أجل الإطمئنان عليه. وتعاملت معه بود لأول مره. لكن أعطت له أملًا. عاد من ذكرى تلك الليله حين سمع رنين هاتف سهيله. التى أخرجته من حقيبة يدها وتبسمت، وقامت بالرد فورًا. سمعت مُزاح طاهر: أنا نزلت من الطياره أهو، لو مكنتيش في المطار تستقبليني هزعل منك. تبسمت قائله:
لاء أنا أساسًا وصلت قدام المطار وكنت هتصل على بابا، أكيد هو وصل قبلي. على ما تخلص إجراءات الخروج هتلاقيني أنا وبابا ومعانا رحيم وحسام ابن هويدا. بابا قالي إنه شِبط فيه وجابه معاه غصب. تبسم طاهر قائلًا: كويس والله، أهو حسام ده الحسنه الوحيده اللي عملتها هويدا في حياتها. يلا أشوف بعد دقايق. أغلقت سهيله الهاتف ونظرت إلى آصف الجالس جوارها بالمقعد الخلفي للسياره. إستغربت وجوم وجهه، وسألته: آصف مالك... شكلك مضايق...
كِتفك رجع يوجعك تاني. هز رأسه قائلًا: بيوجعني حاجه بسيطه. ردت ببساطه: هيفضل فترة يوجعك، والمفروض متجهدش جسمك بالرياضة زي قبل كده، كمان التدخين. ضحك آصف قائلًا: التدخين أهو بحاول أتأقلم مع الإقلاع عنه، حتى الرياضة بقت تمارين بسيطة تكاد تكون معدومه. تبسمت له قائله: الرياضة مجرد فتره بس يلتئم كتفك وترجع تاني، لكن التدخين سبق وقولتلك ده إرادة منك. أومأ لها ببسمه. نظرت سهيله خارج السيارة وتبسمت قائله:
وصلنا المطار، هتصل على بابا عشان نوصل لبعض بسهوله. بعد قليل، بصالة الوصول حملت سهيله حسام الذي ألقى بنفسه عليها، كانت تُداعبه بمحبة وهو يُقبلها. لفت ذلك نظر آصف، دخل إلى قلبه شعورًا وأمنية أن يحمل يومًا طفلًا يجمع بينه وبين سهيله. ربما أمنية ليست بعيده، بعد هدوء الحياة بينهم.
بعد دقائق طل طاهر عليهم. تبسموا وأشار له حسام مرحًا. استقبل أيمن طاهر يحضنه بإشتياق أبوي. كذالك سهيله الذي إحتضنها مُبتسمًا وهي تحمل حسام الذي سرعان ما ود الضيف القادم وذهب إليه. حمله طاهر بود ومحبة. كذالك صافح آصف. دقائق وقفوها بصالة الوصول قبل أن يغادروا، دون إنتباه إلى تلك التي مازال قلبها مشغولًا بالحب الأول وأثره في قلبها الذي لم يمنحني. دمعة سالت من عينيها تلوم قلبها ليتها ما علمت موعد وصول طاهر صدفه من سهيله. لا تعلم سببًا لمجيئها اليوم، هل أتت كي تُكمل جلد قلبها برؤية طاهر تزيد من حِدية ذاك النصل الذي يهدر بقلبها.
*** مساءً بمنزل أيمن. كانت الفرحة تعم بمناسبتين، عودة طاهر وعيد ميلاد أصغر أبنائه. حقًا أصبح شابًا يافعًا، لكن يظل هو الصغير المشاغب الذي يتأتي متأخرًا والجميع ينتظره. قرع جرس المنزل، نهضت سهيله قائله: أكيد ده رحيم، خليكِ ياماما وانا هفتح له الباب. ذهبت سهيله وفتحت باب المنزل، وقفت تبتسم قائله: قولت هتقابلنا في المطار، بس حضرة الظابط دايمًا متأخر. ضحك قائلًا: حضرة الظابط على آخر لحظه كان هيتعاقب ومش هينزل أجازة.
ضحكت سهيله قائله: كويس إنك لميت نفسك، يلا تعالى تيتا آسميه عملت لك قالب كيكه مخصوص. تبسم قائلًا: تيتا دي حبيبتي، بس أسلم على طاهر الأول أحلل الهدايا. ضحكت سهيله. دلف الإثنان إلى غرفة المعيشه، نهض طاهر مُبتسمًا يقول بمرح: أنا لما إتأخرت كده قولت القائد عمل معروف ولغى الاجازة بتاعتك وهستمتع بالكيكه بتاع تيتا لوحدي. ضحك رحيم قائلًا: حظك على آخر لحظه كنت هتعاقب، بس القائد عِرف إن النهارده عيد ميلادي قال بلاش أنكد عليه.
ضحك رحيم وهو يُعانق طاهر بأخويه، سائلًا بمرح: قولي جبت لي الهدايا اللي طلبتها منك، الهدايا المفروض تبقى الدبل، رجوعك مصر وكمان عيد ميلادي. ضحك طاهر، بينما ضمهتم آسميه بين يديها. تبتسم بمودة قائله: كفاية سلامات يا ولاد، يلا يا سحر خدي البنات وهاتي العشا عشان نحلى بعده بالكيكه اللي أنا عملاها مخصوص لاستقبال حبايب قلبي. نظرت لها هويدا شعرت بغيرة من ألفتها معهم قائلة:
وسهيله كمان، أول واحدة حبيبة قلبك، بس ليه معزمتيش آصف كمان... ماهو من العيلة جوز حفيدتك الغالية، دي سابت جوزها اللي يادوب خف. شعرت سهيله بتهكم هويدا ونواياها بإفساد الرحه. حاولت تلطيف الحديث قائله: آصف فعلًا لسه مخفش تمامًا، بس بقى يقدر يستغني عن اهتمامي بيه. كمان طنط شُكران نفسها بتهتم بيه أكتر مني، والحكاية كلها يوم واحد. نظر رحيم إلى هويدا شعر أنها تود وضع منغصات هذه الليلة. تدخل قائلًا:
آصف بقى بخير، وبعدين ده احتفال عائلي صغير، وخلونا نحتفل. عاوز افتح الشنط بتاع طاهر، أشوف الهدايا. أنا أجازتي يوم واحد بس يعني اعمل حسابك مفيش نوم لحد الصبح. ضحك طاهر وتجاهل الجميع رد فعل هويدا، التي تشعر بسخافة. بعد قليل جلس رحيم على يسار آسميه يتذوق ذاك الكيك بتلذذ قائلًا: تسلم إيدك يا تيتا. تبسم طاهر الجالس على يمينها قائلًا: أحلى كيكه تدوقها من إيد تيتا آسميه. وافقت سهيله حديثهم قائله: فعلًا...
رغم إني حاولت أتعلمها منها، بس على راي بابا السر في الصنعة. تبسم طاهر وهو ينظر لـ سهيله يشعر أنها تغيرت، عادت لمعة عينيها، كذالك عادت تشعر بثقة واضحة فيمن حولها. كان يشعر أنها أحيانًا ترهب منه. لاحظ زوال ذلك هذه الإجازة. انشرح قلبهُ من أجلها. لكن غص قلبه حين قالت سهيله:
لاء إنت مشوفتش شيرويت أخت آصف الصغيرة، مرة تيتا كانت عاملة كيكة فراولة وكان طعمها رهيب بصراحة وكانت مزوقاها بصوص فراولة وكراميل، وشيرويت يا عيني مقدرتش تقاوم، تقريبًا أكلت نص الصنية لوحدها وهوب افتكرت الدايت قعدت تعيط وعرفت من يارا إنها فضلت شبه صايمة لمدة أسبوع آخرها تاكل تفاحة واحدة أو علبة زبادي في اليوم. ضحك رحيم قائلًا:
البت دي هايفة أساسًا على رأي تيتا آسميه، شعرها شبه ريش البغبغانات، كل كم خصلة بلون والله لما بشوفها ببقى عاوز أضحك وبمسك نفسي بالعافية، عكس أختها يارا شوفتها مرتين كانت رقيقة كده وتحسيها عندها ود وألفة. وافقت آسميه رحيم قائله: فعلًا سبحان الله مش عارفه إزاي البنت الطيبة دي بنت شهيرة وأسعد. هي المفروض كانت تبقى بنت شُكران، بس عرفت إنها عاشت مع شُكران لفترة واكيد ده اللي آثر فيها.
للحظات غص قلب طاهر وشعر بوخزات قوية تضرب قلبه، كأن وجه يارا أمامه الآن يشعر بها. لكن أخطأت آسميه دون قصد: بس أحسن حاجة الفترة اللي عشت فيها مع سهيله المخفي أسعد مشوفتش وشه. بصراحة كمان حسيت شُكران بقت صحتها أحسن، أكيد هو اللي كان منغص حياتها واجع قلبها ولما بعد عنها قلبها راق منه.
اخترق حديث آسميه أذني هويدا شعرت بانشراح. كما توقعت، هنالك جفاء بين أسعد وشُكران وآصف. لكن ما سببه، لا يهم ولا يفرق معها سوى أن تصل إلى هدفها وهو "أسعد شعيب". *** باليوم التالي ظهرًا، "فيينا" النمسا.
ببهو أحد الفنادق وقف آيسر يبتسم لـ روميساء التي تقترب منه. تبسمت هي الأخرى، لكن سرعان ما خفتت بسمتها وتحولت إلى غضب مستعر حين رأت إحدى الفتيات تقترب من آيسر. ليس هذا فقط، بل قامت بعناقه بحميمية زائدة. اشتعلت عينيها غضبًا، وسارعت خطواتها وبلحظة أصبحت أمام آيسر الذي ابتعد عن تلك الفتاة وازدرد ريقه الذي جف. وادعى أنه لا يعرف تلك الفتاة التي عانقته، لكن الفتاة تحدثت معه كأنها تعرفه سابقًا. ادعى عدم التذكر وهو ينظر إلى روميساء التي تقدح نارًا بسبب إصرار الفتاة أنها تعرف آيسر وما برهن على ذلك معرفتها لاسمه. اعتذر آيسر منها وأصر على عدم معرفتها واعتذر منها وجذب يد روميساء وغادر وهو يستشهد بالشهادتين أنه قد نجا، أو هكذا ظن.
رغم سؤال روميساء له عنها: بس إصرارها إنها بتعرفك كمان من وين عرفت اسمك. توه بالرد بثقة: عادي أنا طيار وممكن تكون ركبت معايا الطيارة قبل كده وجاملتها بذوق وهي فكرت إن بكده نبقى معرفة أو أصحاب. أنسيها وخلينا نفكر في أسبوعين العسل اللي هنقضيهم هنا في "فيينا" هنا في الجنة يا جميلتي. أظهرت روميساء تصديق آيسر، أو ربما أرادت قضاء وقت هادئ بعد ما مروا به بالفتره الأخيرة بعد زواجهم. ليلًا. بغرفة الفندق.
دلف الاثنان إلى الغرفة. أظهرت روميساء الإرهاق قائله: رجليا عم يوجعوني من السير، راح آخد شاور وأبدل تيابي وأنام. وضع آيسر يديه حول خصرها قائلًا: تنامي إيه إحنا في الجنة يا جميلتي. أنهى قوله بخطف قُبله من شفاها ثم قال بوقاحة: خلينا ناخد شاور مع بعض وهعملك مساج تحلفي بيه بعد كده. نظرت بضيق من وقاحته قائله: ما بدي مساج، بدي نام، راح آخد شاور بعدها أنعس. غمز بعينيه بوقاحة قائلًا:
تمام خلينا ناخد شاور في الجاكوزي سوا وفقاقيع الماية تعمل لينا المساج سوا. شعرت بغضب من وقاحته قائله بإنهاء: أنا راح آخد شاور لا محتاجة لا مساج، ولا جاكوزي، شاور عادي وبعدها بنام، وهلأ بيكفي رغي.
ضحك آيسر، وتركها تذهب إلى الحمام، وقام بإجراء مكالمة هاتفية مع شُكران يطمئن عليها. إلى أن خرجت روميساء من الحمام، نظر لها بإفتتان من ملامحها الخلابة التي تأثره حتى وإن كانت ترتدي معطف حمام وردي اللون يشبه صفحات وجهها، كأنها زهرة جوري تتفتح مع قطرات الندى. خجلت روميساء حين اقترب منها يُدندن: يا أميرتي يا جميلتي يا سيدة كل النساء.
وضع يديه على خصلات شعرها الرطبة يتلمسها، واقترب بوجهه يستنشق عطر جسدها. أزاح طوق المعطف قليلًا وقبل كتفها وصولًا إلى عنقها. شعرت روميساء بإنصهار، لكن سرعان ما ابتعدت للخلف خطوة قائله: راح أمشط شعري حتى ما يتقصف. تبسم آيسر قائلًا: دا أنا اللي قلبي هيقصف، بس هاخد شاور عالسريع وأرجع لك يا جميلتي تكوني صفصفتِ شعراتك عشان أسمعك أنا أشعاري.
بالفعل ذهب آيسر إلى الحمام. بدلت ثيابها بمنامة ثقيلة، وسرعان ما سمعت طرقًا على باب الغرفة. ذهبت نحوها وفتحت باب الغرفة، تفاجئت بأحد العاملين بالفندق وتحدث لها بالإنجليزية: مساء الخير سيدتي، تلك هدية من إحدى النزيلات بالفندق بعثتها من أجل السيد آيسر، وتتمني لكم السعادة والهناء، وهذه الورقة الصغيرة إهداء منها لكِ.
نظرت روميساء إلى تلك العربة الصغيرة الموضوع عليها إناء به ثلج ومعه زجاجتان من بعض المشروبات، من منظرها تبدو مشروبات كحولية. كذالك هنالك باقة من الورد معهم. شعرت بغضب وفكرت برفض تلك الهدية، لكن فكرت وأخفت غضبها أمام النادل وأفسحت له الطريق. دخل بتلك العربة إلى الغرفة، ثم نظر لها وتمنى لهم ليلة سعيدة وغادر. أومأت له. وقفت للحظات تفكر. اهتدى عقلها، لا مانع من بعض التشويق والإثارة.
بدلت منامتها الثقيلة إلى منامة شبه عارية. وقفت أمام المرآة صففت شعرها وقامت برفع خصلاته بـ عكة وأحكمتها بأحد دبابيس الشعر، وانتظرت. بينما بداخل الحمام كان آيسر منسجمًا، يُمني نفسه بليلة مميزة على نغمات: "ليالي الأنس في فيينا نسيمها من هوا الجنة نغم في الجو له رنة سمعها الطير بكى وغنى ما بين رنين الكاس ورنة الألحان أدي القوام مياس يعاطف الأغصنان تم النعيم للروح والعين ما تخلي قلبك، قلبك، قلبك يتهنى".
كان يُدندن كلمات تلك الأغنية وهو أسفل المياه المنهمرة على جسده يتشوق إلى قضاء ليلة مميزة بنعومة روميساء. هنا في تلك المدينة التي تغنت بها أسمهان. أوصد المياه وجذب منشفة وضعها حول خصرهُ وخرج من الحمام. حين وقعت عيناه على روميساء التي تقف تُعطيه ظهرها سلب فؤاده زيها الشبه عاري للظهر كله فقط حبلين رفيعين. اقترب يُدندن في رأسه، كذالك يمدح في اختياره: الحمد لله اختياري لـ "فيينا" كان ممتاز، ما تعرفت على حد هنا قبل كده.
وقف خلف روميساء ورفع يديه ضم جسدها من الخلف وقبل عنقها يتنسم بعبقها الذي آثر كل حواسه. كذالك بدأ يقبل بقية عنقها. كادت روميساء أن تذوب من حرارة أنفاسه، لكن تلك الزجاجتان اللتان بيديها جعلتها تبتعد لخطوة وتستدير تنظر له. عينيها غاضبة، لم تهتم أنه شبه عارٍ، ورفعت هاتان الزجاجتان أمام عينيه ونظرت لهم بإستهجان: فودكا... ومارتيني... لاء شكلها عارفه مزاجك كويس وبعتت لك أنواع فاخرة عشان تبسطك.
نظر آيسر إلى الزجاجتان وقبل أن يستفهم كان يشعر بصوت تكسير الزجاجتان وبعدها شعر بدوار قبل أن يسقط أرضًا فاصل الوعي... أو هكذا تمثل. اقتربت منه روميساء بشراسة وقامت برفسه بساقيها قائله: لا تكذب وتدعي إنك مغمي عليك ما بصدقك الضربة اجت على الفوطة اللي وضعتها على راسك. ياريت كانوا فتحوا دماغي، شو ما اتكيف بدك إطلب هديك الوقحة تبعت لك زجاجتين وتجي معهم مشان تتكيف. لا داعي للكذب إذن. وقف آيسر يدعي شعور الدوخان قائلًا:
إيه اللي حصل أنا مش فاهم حاجة، وإيه سبب عصبيتك. نظرت له بغضب ومدت يدها بتلك الورقة قائله: هديك الوقحة اللي بعتت لك إهداء خاص، شو هتكذب إنك ما بتعرفها. اقترب آيسر منها وكاد يمسك يدها، لكن روميساء قالت له: لا تلمسني مشان ما أقتلك الليلة يا كذاب.
تنهد آيسر ولعن تلك الفتاة أو بالاصح لعن حظه بعد أن ظن أنه لم يكن مخطئًا بالماضي حين كان يتصاحب على الفتيات بغرض تضييع الوقت لا أكثر، لكن يبدو أن الحظ العاثر أرسل له تلك الحمقاء كي تضيع عليه صفو هذه الليلة. لا، ليس الليلة بل الرحلة بأكملها حين قالت روميساء بحسم: أنا ما بدي شهر عسل ولا بدي أبقى هون بـ فيينا، خلينا نرجع مصر. مصر! قالها بتعجب قائلًا: بس إحنا لسه واصلين امبارح، دا حتى جسمنا لسه عليه عرق السفر.
نظرت له بغضب قائله بحسم: بدك تضل هون ضل وحدك واستمتع مع هديك الحقيرة، بس أنا هرجع مصر. غصبًا وغضبًا وافقها آيسر كي يحتوي غضبها وهو يلعن تلك الغبية التي بسببها ضاعت الرحلة. *** بعد مرور أكثر من شهر. بشقة آصف. صباحًا أثناء تناول سهيله الفطور مع شُكران شعرت بغثيان. نهضت مُتحججة ببعض التوعك. استغربت شُكران ذلك قائله: غريبه مع إن الطقس بدأ يتحسن.
لم تستطيع سهيله التحكم أكثر وتركتها مُسرعه وتوجهت نحو غرفتها، منها إلى الحمام مباشرةً. خرجت بعد دقائق، وجدت شُكران بالغرفه. نظرت لها سائلة: بقيتِ أحسن. أومأت سهيله برأسها قائله: آه الحمد لله. تبسمت شُكران قائله: الحمد لله، ربنا يشفيكِ. كويس إن آصف مش معانا، كان قلق عليكِ. مش أول مرة يحصلك كده، بقالك كم يوم كده وشك أصفر ومتغيرة، ومش بتاكلي كويس وبتقولي عندك مغص. ردت سهيله:
يمكن واخدة برد في معدتي، بيسبب مغص. هجيب علاج وأخده واكيد هرتاح بعدها. لا تعلم شُكران لما قالت ذلك بتلقائية: لاء بلاش تاخدي علاج كده من نفسك، إعملي تحليل في المعمل يمكن يكون في سبب تاني للمغص ده. تسألت سهيله بتلقائية: يعني هيكون إيه السبب التاني؟ ردت شُكران ولديها شك: أنا كنت بحس بنفس الأعراض دي لما كنت ببقى حامل. حامل! نطقتها سهيله بذهول. لكن قالت شُكران بشك:
ممكن تكون أعراض لمغص، أعملي تحليل في المعمل أضمن، مش هتخسري حاجة أهو تطمني أكتر وتاخدي علاج مناسب. ظلت سهيله مذهولة، لكن تبسمت شُكران قائله: هروح أعملك كوباية نعناع، لو صفوانه هنا كان زمانها عملتها لك، بس صفوانه فرح بنت أختها وسافرت البلد تحضره وهترجع بعد يومين. تركت شُكران سهيله يضرب عقلها الذهول. أيُعقل ذلك وتكون "حامل"... تذكرت تلك الليلة كيف لم تنتبه من ذلك. هي شعرت بدفء من جسد آصف وقتها، لكن...
لكن ماذا لو حقًا حامل، عليها التأكد بأسرع وقت. *** بمكتب آصف. نظر إلى شاشة ذاك الهاتف وتلك الصورة لم يشعر بذهول. وضع الهاتف على الطاولة أمامه، شعر بضيق وهو يفكر لو يتأكد يقينًا أن هذا الشخص حقًا هو قاتل "سامر". لكن يكاد يشت عقله، الدلائل مازالت بها حلقة ناقصة. لو جازف وأخطأ الآن قد لا يصل إلى أدلة كافية. فكر للحظات، ثم جذب هاتفه الخاص وقام باتصال قائلًا بأمر:
عاوزك تجيب لي الموظف اللي سبق وقولتلك تسأل عنه، عاوز أتكلم معاه مباشرةً. وافقه الآخر. أغلق آصف الهاتف وضعه أمامه جوار الهاتف الآخر. لكن صدح هاتف المكتب الأرضي، قام بالرد عليه، وقال: تمام دخليه. ظل آصف جالسًا ينظر نحو باب المكتب الذي انفتح ودلف عليه مازحًا: وأنا اللي قولت بعد اللي جالك ألقاك خاسس النص، لسه ضخم زي ما أنت، لاء واضح اللي اهتم بحالتك دكتور... أو بالأصح دكتورة شاطرة... بصراحة أشهد لها كانت تلميذتك.
نظر لها بغضب قائلًا: بيجاد بلاش تعصبني عشان تخرج من المكتب سليم، إيه اللي حدفك عليا النهارده. ضحك بيجاد قائلًا: أنا قولت إنك ندل ومش بتكلمني غير في المصلحة وبتاخد مني استشارات مجانية وأنا كنت هنا في مؤتمر وانتهى، قولت أجي أغلس عليك وأغرمك في عزومة في مطعم شيك كده من بتوع الزباين الراقية، وأهو بالمرة أعرف آخر أحوالك، شكلك كده مبسوط. رمقه آصف بتهكم قائلًا: وإنبساطي يضايقك. ضحك بيجاد قائلًا:
طبعًا لاء، بس عندي فضول أعرف آخر أخبارك مش كمريض محتاج علاج، كصديق محتاج نصيحة مني. تبسم آصف قائلًا: تمام، جيت في وقتك، خلينا نطلع نتغدى بره ونتكلم سوا، يا دكتور المجانين. *** بنفس الوقت بشقة آصف. خرجت سهيله من الحمام تنظر إلى ذاك الاختبار المنزلي الخاص بالحمل، تنتظر النتيجة. تود أن تظهر في الحال وتكون النتيجة عكس ما قالته شُكران، لكن للأسف انصدمت حين ظهرت نتيجة الاختبار -حامل!
همستها بصعوبة وذهول. لكن سريعًا وضعت سهيله الاختبار بأحد الأدرج بعد أن دخلت عليها شُكران الغرفة تقول: سهيله أنا حضرت الغدا وآصف قال هيتغدا بره، تعالي نتغدا سوا. أومأت سهيله برأسها بموافقة وحاولت نسيان تلك المفاجأة. *** مساءً بأحد معامل التحاليل الطبية.
بعد أجرت سهيله ذلك الاختبار الخاص بالحمل بمعمل متخصص. جلست تنتظر النتيجة، ربما يكون أخطأ ذاك الاختبار المنزلي. لم تنتظر كثيرًا حين آتت إحدى العاملات بالمعمل وأعطتها مغلفًا، أخذته منها بيد مرتعشة وغادرت. بعد قليل دلفت إلى الشقة مباشرةً إلى غرفتها. جلست على الفراش وأخرجت ذاك المغلف بيد مرتعشة وبدأت بقراءة محتواه. تفاجئت، لكن بتمعن أعادت قراءة ذاك التقرير مرة أخرى علها تكون مخطئة، لكن نفس النتيجة مرة أخرى. هذا التقرير المخبري يؤكد أنها "حامل". نفس نتيجة اختبار الحمل المنزلي الذي أجرته سابقًا. رغم ذلك أرادت التأكد مخبريًا، وها هو يؤكد نفس النتيجة
-حامل. نطقتها بحيرة مشاعر. وضعت إحدى يديها على بطنها علها تستشعر إحساسًا. ولا تعلم أي شعور يضغط عليها. تشعر بسعادة، هنالك جنين ينمو بأحشائها. لكن هذه الجنين كان نتاج تلك الليلة. لديها يقين أن آصف لم يكن بوعيه، بالتالي لم يشعر بما حدث تلك الليلة. وحيرة تضرب عقلها. ماذا لو أخبرته وكذبها؟ ستكون صدمة أخرى لن تتحملها. بسبب شرودها وذهولها لم تنتبه إلى دخول آصف إلى الغرفة إلا حين قال: مساء الخير يا سهيله.
نهضت واقفة وإرتبكت وقامت بوضع ذاك المغلف بأحد أدراج طاولة جوار الفراش ولم تستطيع الرد. لاحظ آصف ذلك، لكن سألها: مالك مخضوضه كده ليه؟ ردت سهيله بإرتباك: مش مخضوضه، بس محسيتش بيك وإنت داخل الأوضة... إنت إمتي رجعت. تبسم آصف قائلًا: يادوب لسه راجع، وسمعت ماما بتكلم روميساء عالموبايل. بنفس الوقت دخلت شُكران إلى الغرفة بلهفة قائله:
سهيله تعالي معايا نروح شقة آيسر، بكلم روميساء قالت لي إنها تعبانه وحاسة بهبوط. مش عارفة إيه فجأة اللي حصلكم انتم الإتنين. وافقتها سهيله قائله: إهدي يا طنط، أكيد حاجة بسيطة. على ما تغيري هدومك أكون أنا كمان غيرت هدومي وجبت شنطتي الطبية. بعد قليل ببهو الشقة قال آصف: خليني أوصلكم. ردت شُكران: لاء مفيش داعي، السواق هيوصلنا. لو احتجناك هتصل عليك.
وافق آصف. بمجرد أن خرجن من الشقة بفضول منه توجه إلى غرفة سهيله وفتح ذاك الدرج وأخرج ذاك المغلف. رأى شعار أحد معامل التحاليل، وأسفل المغلف كان هناك ورقة وأيضًا جوارها ذاك الترموميتر وعلبة ورقية تبدو له. قرأ تلك الورقة أولًا. فقط فهم القليل منها. قرأ علبة الدواء وأسباب استعماله. للحظة شعر بإندهاش، سرعان ما تحول لفرحة عارمة وهو يقول: سهيله حامل... سُرعان ما خفتت بسمته وعقله يتساءل: لكن لماذا تخفي ذلك؟
جاوبه عقله أيضًا بالتأكيد سهيله لا تثق بك وكيف تثق بك وسابقًا خذلتها وخدعتها أنك تصدقها وبقلبك كنت تضمر لها الانتقام. الانتقام الذي دفعت ثمنه معها بل مثلها وأكثر دفعت الثمن مضاعفًا، وأضاعت زهوة تلك المفاجأة السعيدة التي تخفيها سهيله عنك بالتأكيد عمدًا. *** كل سنه وانتم طيبين وبخير وصحة وسعادة، افتكروني في دعائكم وادعولي بالستر، ولكم بألف مثل. الفصل الجاي يوم الخميس للحكاية بقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!