رمقها بنظرة احتِداد مُعقبًا: أمور تافهة، اهتمامك ببناتك أمور تافهة، ويا ترى بقى إيه هي الأمور المهمة في حياتك؟ الموبايل ولا عروض الأزياء بتاعتك؟ أنا منستش إني حذرتك إنك تعرضي أزياء مرة تانية. نهضت شهيرة بتأفف دون رد، لكن قبل أن تخرج من الغرفة، نهض أسعد وجذبها من عضدها وبغضب قال لها بتحذير:
شهيرة، بلاش طريقتك دي معايا، أنا في لحظة أقدر أرجعك للصفر تاني زي قبل ما أتزوجك. إن كان رامز بيقوي قلبك، ده مدمن وآخره مصحة نفسية يتعالج فيها، مش عاوز أحطك زي المرحومة أمك في آخر أيامها لما دخلت مصحة نفسية. نفضت يده عن معصمها بغضب. بنفس اللحظة سقطت منها سلسلة المفاتيح الخاصة بها. لم تهتم بها وقالت بحِدة:
واضح إنك أنت اللي أعصابك تعبانة الفترة دي، من يوم زفاف آيسر. يظهر شُكران حلّت في عينيك، ولا يمكن قلبك وجعك على إصابة آصف؟ أنا مليت من نظام التهديد بتاعك يا أسعد، وكنت اتحملت قبل كده، دلوقتي مبقتش قادرة أضغط على نفسي. اعمل اللي انت عاوزه، مستحيل أرجع للصفر مرة تانية. وافتكر كويس لما قبلت زمان أتزوجك كنت نجمة الكل يحلم بالنظر ليها، وأنا لسه نفس النجمة يا أسعد. أنا بقول تسافر لك كم يوم مكان هادي تريح أعصابك فيه.
ترك أسعد معصم شهيرة التي لم تنتظر وغادرت تزفر نفسها بضيق وغضب جم فاض بها. كذالك أسعد يتملكه الغضب. ربما من الأفضل لهما أنها غادرت. زفر أسعد نفسه يجذب خصلات شعره الذي غزاها اللون الرمادي، لكن لفت نظره تلك السلسلة الملقاة على الأرض. ذهب نحو مكانها وانحنى يلتقطها. نظر إلى تلك القطعة الماسية السوداء. طن برأسه ذكرى ما
قالته له هويدا قبل أيام: "دلاية سوداء ماسية". وضع الدلاية بجيبه وغادر هو الآخر، غير منتبه إلى يارا التي تسيل دموع عينيها حسرةً على والديها اللذان يسيران نحو منعطف هدام. *** المشفى وقف آصف يزفر نفسه بتأفف متألم. كبتت سهيلة بسمتها وبدأت بتضميد مكان تلك الجروح، إلى أن لاحظت يد آصف الذي أخفضها جواره، غير مبالٍ. وضعت لاصق طبي فوق أحد الجروح قائلة:
آصف، لو سمحت ارفع إيدك اليمين لفوق، أنا خلاص قربت أنتهي من تضميد أماكن الجروح. زفر آصف نفسه بألم مصحوب بضجر. زادت بسمة سهيلة من تلك الزفرة. بينما آصف رمق تلك البسمة على شفاها. تجرأ وتعمد وضع يده الأخرى فوق خصرها. شعرت سهيلة بيده على خصرها، لم تعد تشعر برهبة من اقترابه منها. بتلقائية رفعت وجهها تنظر إليه. تلاقت عيناهما في حديث صامت، فقط سادت لغة العيون.
نظرة عين آصف ما زالت تلمع ببريق عشق وشغف ما زال متغلغلًا بقلبه. بينما لمعت عين سهيلة بنظرة أمل. انشرح قلب آصف وترك النظر لـ عينيها. سلط نظره على شِفاها للحظات، ثم عاود لقاء عينيها مرة أخرى. بقلبه شعر بشوق لـ قُبلة. قلبه سقيم وشِفاها الدواء. أحنى رأسه حين أغمضت سهيلة عينيها تشعر بأنفاسه قريبة من صفحة وجهها تنتظر تلك القُبلة. لكن قبل أن يُقبلها، فجأة فُتح باب الغرفة.
عادت رأس سهيلة بتلقائية للخلف تنظر ناحية باب الغرفة. شعرت بخجل. بينما زفر آصف نفسه بضيق ونظر خلفه. للحظة شعر بازدياد غضب حين رأى تلك السخيفة. عاد ينظر لـ سهيلة. بينما تلك شعرت بضيق وغضب مصحوبان بكره لـ سهيلة. يقارن عقلها بين رفضه لها سابقًا، تراه قريبًا من تلك التي لا تقارن بها بهذا الحد الحميمي. لكن حاولت كبت ذلك برياء قائلة بتعمد لإثارة غضب سهيلة:
آسفة، كنت مسافرة رحلة استجمام خارج مصر وكنت قافلة موبايلي عشان أرتاح من الإزعاج، ومعرفتش غير امبارح بالليل. قطعت الرحلة ورجعت مصر على أول طيارة. تنهد آصف هامسًا بكلل وتمني: وياريتك ما رجعتِ. بعد أن كانت شعرت سهيلة بغضب من حديث تلك السمجة الوقحة، تبسمت حين سمعت همسه بضجر ونظرت لعينه وابتسمت قائلة: خلصت، هجيب لك القميص تلبسه.
أومأ لها ببسمة. بينما شعرت تلك السخيفة بغضب وغيره. رغم أنها لم تسمع همس آصف، لكن هو ما زال يعطيها ظهره. حتى حين ابتعدت سهيلة عنه، رافقتها عيناه إلى أن عادت، وضعت القميص على جسده من الخلف وساعدته في ارتدائه. شعر آصف برعشة يدها فوق تلك الأزرار، ليست رهبة لكن توتر وخجل بوجود تلك المتطفلة.
انتهت سهيلة وقامت. وضع يده بذاك المشد الطبي. تبسم آصف لها. سرعان تحولت البسمة إلى ضجر حين استدار بوجهه ونظر إلى تلك السخيفة المتطفلة قائلًا بدبلوماسية مبطنة بعدم ترحيب: أهلًا يا مدام "مي"، ما كان له لازمة تقطعي رحلة استجمامك. شعرت مي بغضب من طريقة حديثه الجافة، لكن تقبلت ذلك قائلة بتعمد وهي تنظر نحو سهيلة: إزاي بقى، إنت عارف إنك غالي أوي عندي.
ساعدت سهيلة آصف إلى أن تمدد على الفراش. تعمد آصف أن يتكئ بجسده على سهيلة، التي جذبت جهاز التحكم الإلكتروني للفراش وعدلته من أجل راحة آصف. كما أنه شبه احتضنها وتعمد أن يتكئ بجسده عليها وهو يتمدد على الفراش. كذالك وسهيلة تقوم بتعديل الوسائد أسفل ظهره.
رفعت وجهها تبتسم له برحابة. بينما ازدادت غيرة تلك المتطفلة. تنفست بغيظ، ونظرت إلى سهيلة التي استقامت واقفة للحظات لا تشعر نحوها بأي شعور، ربما استهزاء وهي تراها تظهر أنها ليست سوى امرأة رخيصة تفرض نفسها على رجل لا يراها. ربما ما مر بينها وبين آصف لم يكن سهلًا، لكن لديها ثقة فيه أنه لا يرى امرأة غيرها، وهذا ما برهنت عليه لسنوات كانت بعيدة عنه وأمامه النساء أمثال تلك المتطفلة الوقحة يفرضن أنفسهن عليه، ولم ينجذب لإحداهن.
بينما مي تغاضت عن نبرة آصف وسألت: لما كلمت كريم، قال لي إنه اتصل عليك مردتش عليه. قولت له يكلم شريكك في المكتب ولما سأله عنك قال إنك في المستشفى. مستحملتش وقطعت رحلتي. بنبرة استهزاء وصد مباشر: مكنش له لازمة فعلًا تقطعي رحلتك، أعتقد العلاقة بينا مش أكتر من شغل وإبراهيم مكاني سهل يخلص لك أي مشكلة. كمان أنا من قبل الحادثة كنت حاولت أحول أي شغل خاص بحضرتك لإبراهيم، هو بيفهم في النوعيات دي أكتر مني.
أنهى قوله وهو ينظر لـ سهيلة طالبًا: سهيلة، ممكن تعدلي السرير والمخدة؟ حاسس إني محتاج أنام، واضح إن مفعول المسكن اللي أخدته بدأ يشتغل. تبسمت له سهيلة رغم اندهاشها عن أي مسكن يتحدث، فهو بدأ بالتحسن وتم تخفيف المسكنات. لكن جذبت جهاز التحكم في الفراش وبسطته، ثم انحنت عليه تعدل الوسائد خلف رأسه إلى أن تستلقي على الفراش وأغمض عينيه. بينما مي نفخت النيران من عينيها، وشعرت بالحقد. حاولت حفظ ماء وجهها قائلة:
زيارة المريض بتبقى خفيفة. أنا اطمنت عليك، هستأذن أنا وهبقى أتصل أطمن عليك. آصف وهو ما زال يغمض عينيه: للأسف موبايلي اتكسر ولسه مجبتش موبايل جديد. ابتلعت مي حلقها وشعرت بالدونية قائلة: تمام، مرة ثانية حمد الله على سلامتك. عن إذنكم. غادرت مي، لكن قبلها رمقت سهيلة بنظرة استقلال وحقد يملأ قلبها. بينما بمجرد سماعه لصوت وصف مي الباب خلفها، فتح آصف وتنهد بقوة كأنه أزاح ثقلاً عن قلبه. لاحظته سهيلة وتبسمت قائلة بإيحاء:
بتتنهد كده ليه؟ مكنتش عاوزها تمشي؟ الست كتر خيرها قطعت رحلة استجمامها مخصوص عشان تطمن عليك... المفروض تشكرها على اهتمامها بأمرك، واضح إنك غالي عندها. نظر آصف لـ سهيلة قائلًا بمراوغة: سهيلة، اقعدي لي السرير والمخدة، مش عاوز أنام. فهمت سهيلة أن آصف يراوغ، لا يود بقاء تلك المتطفلة ولا حتى الحديث عنها. تساءلت بمكر: ومفعول المسكن؟ مُسكن إيه. ضحكت سهيلة على رد آصف قائلة بصبر: تمام.
عدلت الفراش مرة أخرى بجهاز التحكم، ثم انحنت حتى تعدل الوسائد، لكن جذبها آصف بيده السليمة. اختل توازنها من المفاجأة وسقطت على صدره. تأوه بألم طفيف، لكن شعر بخفقان قلب سهيلة. لوهلة غص قلبه أن يكون ذاك الخفقان هو رهاب منه، لكن سرعان ما رفعت جسدها حتى لا يتألم. كذالك وجهها ونظرت لوجهه. رسمت بسمة وكادت تنهض بعيدًا عنه، لكن رفع آصف يده وضعها على عنقها وقرب رأسها من وجهها وكاد يُقبلها وسهيلة تشعر كأنها بمتاهة. عقلها لم
يبتعد عنه، كأنها تنتظر تلك القُبلة. لكن قبل أن تتلامس شفاهم، فُتح باب الغرفة. برد فعل تلقائي فاقت سهيلة من تلك الغفلة. ونخى آصف يده عن عنقها. استقامت سهيلة واقفة ونظرت نحو باب الغرفة. شعرت بخجل حين دلف آيسر. لكن هو الآخر شعر بخجل، ليته طرق على باب الغرفة منبهًا. لكن زفر آصف نفسه بغضب ونظر إلى آيسر قائلًا:
مخبطتش الباب ليه قبل ما تدخل. نظر آيسر إلى سهيلة وتجاهل سؤال آصف قائلًا: صباح الخير يا سهيلة. تبسمت له سهيلة قائلة: صباح النور. أول مرة تيجي للمستشفى قبل طنط شكران. تبسم آيسر قائلًا بإيحاء: هي ماما لسه موصلتش، تلاقيها اتأخرت في السكة من زحمة الطريق. تبسمت سهيلة قائلة:
طنط بتتعب نفسها فعلًا كل يوم لازم تيجي لهنا. أنا بفكر أتكلم مع الدكتور ويكتب لـ آصف خروج من المستشفى، حالته اتحسنت كتير وبقية العلاج يقدر يكمله في الشقة جنب طنط شكران. وافقها آيسر قائلًا: وده رأيي أنا كمان. نظر له آصف بضيق. بنفس الوقت صدح رنين هاتف سهيلة. ذهبت نحو إحدى الطاولات بالغرفة وجذبت هاتفها. تبسمت قائلة: اتصال كل يوم "تيتا اسميه". هطلع أكلمها في الجنينة، الشبكة أفضل.
أومأ لها آيسر، وانتظر إلى أن غادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها، ثم نظر إلى آصف قائلًا: إنت مزهقتش من تكتيفة المستشفى. رد عليه بغيظ: لأ. تبسم آيسر قائلًا: طبعًا إزاي تزهق وسهيلة جنبك معظم الوقت. إنت وهي في الأوضة وتالتكم الشيطان. تهكم آصف عليه قائلًا: قصدك تالتنا الإزعاج. ضحك آيسر، وأخرج هاتفًا من جيبه قائلًا: الموبايل أهو، شحنه لك.
قبل أن يمد آصف يده ويأخذ الهاتف، سمعا صوت طرق على باب الغرفة. ثم فُتح الباب وطلت شكران مبتسمة تنظر نحو آصف الذي يتحسن يومًا بعد آخر. ثم نظرت إلى آيسر الذي أعاد الهاتف بجيبه. ثم تبسم وهو يقترب منها وأخذ تلك الحقيبة الصغيرة قائلًا: بتتعبي نفسك ياماما. وافقه آصف قائلًا: كان كفاية تبعتي الشنطة مع السواق. كذالك عاود آيسر الحديث وهو يمسك يد شكران إلى أن جلست على أحد المقاعد:
والله إحنا خايفين على صحتك ياماما، من المشوار لهنا كل يوم، ودي مستشفى وأنتِ مناعتك ضعيفة ممكن تلقطي أي عدوى بسهولة. آصف الحمد لله الدكتور قال حالته بقت كويسة جدًا. تبسمت شكران وشعرت بانشراح من محبتهم لها قائلة: لأ أنا الحمد لله بخير، حتى شوفت سهيلة وأنا جايه، كانت واقفة في الممر مع الدكتور اللي بيتابع حالة آصف.
شعر آصف بغيرة وظل ينظر نحو باب الغرفة بترقب إلى أن دلفت سهيلة تبتسم. ورحبت بـ شكران وجلست بجوارها غير منتبهة إلى غضب آصف، إلى أن تآفف. تبسم كل من آيسر وشكران. نظرت له سهيلة قائلة: مالك يا آصف، إنت موجوع. رد بتأفف: لأ. تبسمت سهيلة قائلة: أنا طلبت من الدكتور يكتب لك خروج، وهو وافق بعد ما شاف تحسن حالتك في فترة قصيرة... ومبقتش محتاج تبقى هنا. بكرة هنعمل أشعة كاملة على جسمك، وبعدها نخرج من المستشفى.
زفر آصف نفسه ما زال يشعر بالغيرة. يعلم أن سهيلة تتحدث مع الطبيب كطبيبة، لكن لا ينكر شعوره بالغيرة إذا تحدثت معه أو حتى مع غيره. *** بـ أتيليه شهيرة زفرت نفسها بغضب حين جلس رامز أمامها وبدأت بتوبيخه: مش هتبطل العادة اللي زي الزفت دي، خاف على سمعة الأتيليه، أنا تعبت على ما بقى له اسم وكيان كبير. بلاش أفعالك القذرة وتحرشك بالعارضات ده وعلاقاتك معاهم. المفروض تتجوز، هتفضل عازب لحد إمتي. نظر لوجهها استشف منه الغضب قائلًا:
ما أنا اتجوزت قبل كده مرة وطلقتها. كانت غبية وطماعة، يلا أهي خدت جزاء طمعها في مبلغ المؤخر الكبير. وقتها ربنا انتقم منها وسواق عربية طايش صدمها وبقت بتمشي على عكاز زي المشاليل. أنا كده حر. وليه حاسس إن مش الموضوع ده اللي معصبك، عصبيتك لها دخل بـ أسعد، إيه اتخانقتوا تاني. زفرت نفسها بغضب جم: حياتنا أصلًا مبقاش فيها غير الخناق. زي ما يكون بُعد شُكران عنه بيجننه أكتر مع الوقت. تهكم رامز قائلًا:
زاغت في عينه دلوقتي، ولا هو الممنوع مرغوب، والبعيد عن العين قريب للقلب. ردت شهيرة: كل ده بسبب آصف، اللي مش عارفة ليه متقصّفش عمره وارتحنا منه. شكل إصابته كانت خطيرة، ومراته كمان قاعدة جنبه في المستشفى تمرضه. أمّال كانت اتطلقت منه ليه بعد كام يوم؟ ولا نسيت إنه وصلها للموت. تهكم رامز قائلًا: الحب...
الحب بينسي الهبل والأغبياء وبيسامحوا اللي أذوهم. إنتِ عارفة إن أنا وآصف مش بنرتاح لبعض أساسًا، بس طبعًا عملت الواجب، بعت بوكيه ورد ومعاه رسالة صغيرة بتمنى فيها له الشفاء العاجل. سخرت شهيرة بغضب: إن شاء ما يطلع من المستشفى. آمن رامز على دعائها: إن شاء الله. وليه تعصبي نفسك؟
إنتِ خلاص الأتيليه له اسم وكيان في مجال عروض الأزياء، أشهر المصممين في مصر والوطن العربي بيتمنوا إننا ننظم لهم ديڤليهات لعروضهم. كمان ليكِ حساب في البنك فيه مبلغ خيالي، غير طبعًا نصيبك في الماس. نظرت نحو باب الغرفة ثم نظرت له قائلة بهمس وتحذير:
بس وطي صوتك، حاذر حد يسمعنا. أنا مش هكرر عملية الماس دي تاني، كفاية كده. أنا كنت مرعوبة لا في المطار يشكوا إن بين الخامات اللي كنا مستوردينها عشان عروض الأزياء متهرب ماس. وعدت الحمد لله، مش هكررها تاني، وإنت كمان ممنوع، واقطع علاقتك مع الناس دول، إحنا مش محتاجين. اضطجع بظهره على المقعد ثم وضع ساق فوق أخرى بلا مبالاة قائلًا:
لأ محتاجين عشان تقدري تستغني عن أسعد اللي حياتك معاه بقت لا تطاق. بس طالما إنتِ مش حابة تكرري العملية مرة تانية، تمام، هقولهم بعد كده إنك بره. نظرت له قائلة: عالعموم، إنت حر. اللي يهمني نفسي. خلاص مش هعيش في تعب الأعصاب ده تاني، وكمان هنفصل عن أسعد في أقرب وقت. هحاول يكون انفصالنا بالتراضي وأقل الخساير. *** مساءً، بـ ملهى ليلي
وضع ذاك الكأس الذي كان بيده فوق الطاولة ثم نظر إلى تلك التي جلست بجواره، ملامحها واضح عليها الوجوم والعصبية. تأكد من ذلك حين سحبت ذاك الكأس وتجرعت محتواه على دفعة واحدة. ضحك ساخرًا يقول: يظهر رحلة الاستجمام مجابتش فايدة، أعصابك لسه تعبانة، ولا يمكن... توقف للحظة ثم زاد بسخريته: يمكن قلبك هو اللي تاعبك. نظرت له بغيظ مصحوب بغضب: ليه كنت عاوز تموت آصف؟ ضحك بسخرية قائلًا: أنا...
أنا ماليش في القتل يا عزيزتي، أنا كائن مسالم، آخري أبعت له موزة ناعمة. بس للأسف فشلت، وبدل ما تغويه يوقع في شباكها، هي اللي اتعلقت في شباك الهوا الدايبة. آصف شكله مش شايف غير مراته. أول مرة أغلط مع شخص ويخيب توقعاتي. مفيش راجل قبل كده قدر يوقف قدام "مي المنصوري" وكاريزمتها الخاصة، بس يظهر الحب له سطوة. ليه عاوز تقتل آصف؟ كان سؤالها مرة أخرى بغضب واستخبار. نظر إلى عينيها قائلًا: ومين قالك إني عاوز أقتل آصف؟
مش يمكن ليا هدف تاني... مراتُه مثلًا... واضح إنها مغرمة بيه. تارك مراتُه وهي اللي أنا عاوز أحرق قلبها على الحبيب الغالي "آصف شعيب". بس أنا خلاص قررت أبَدّل انتقامي. وبدل ما أحرق قلبها، هحرقهم الاتنين.
قال هذا وانعكست لمعة عينيه بذاك الكأس الذي بيده وتذكر أن بسبب تلك الحقيرة تخلى عنه سامر خوفًا أن تخبر سهيلة آصف أنه "شاذ". وبسبب الاثنين نفر "سامر" وقرر الابتعاد عن تلك الممارسات الآثمة. فقد أكثر شخص أحبه بالحياة "سامر". قتل وليفه بعد أن رفضه أكثر من مرة وحاول العودة إلى الطريق الطبيعي لخلق الله "ذكر وأنثى". وأن عليه التوبة من ذاك الإثم الجسيم. *** باليوم التالي مساءً
تنهد آيسر بارتياح بعد أن سمع من ذاك الطبيب عن تحسن حالة آصف واستغنائه عن البقاء بالمشفى مع اهتمام خاص لفترة حتى يستعيد جسده عافيته. تبسم آصف وهو ينظر إلى آيسر الذي يقف أمامه يقوم بغلق أزرار قميصه. آصف الذي عيناه ترافق سهيلة التي تضب تلك الأدوية وبعض المتعلقات الأخرى، إلى أن انتهت. اقتربت منهما قائلة: أنا خلصت. تبسم لها آيسر قائلًا:
وأنا كمان خلصت قفل زراير قميص آصف. يا دوب أساعده يلبس الجاكيت، بس قبل ما نخرج من الأوضة لو مش هتقدر تمشي قول لي أجيب لك كرسي متحرك. نظر له آصف بسخط قائلًا: شايفني مشلول؟ لأ اطمن، لسه قوي زي ما أنا. ضحك آيسر قائلًا: مفتري يعني، على رأي المثل "لكل جواد كبوة". يمكن تتهد شوية وتقل عن حرق السجاير والسيجار الكوبي ده. تبسمت سهيلة قائلة:
لو واحد غيره سهل يقلع عنها. بقاله كم يوم أهو عايش من غيرها، عشان يعرف إن مش صعب الإقلاع عنها. هو بس مجرد تعود. لو عنده إرادة يقدر يستمر ويقلع عن التدخين بسهولة، وإنه مش أكتر من "كيف" لحظات بيضر به نفسه وغيره كمان. تبسم لها آيسر وأومأ موافقًا، بينما نظر آصف لـ آيسر بغيظ. ضحكت سهيلة قائلة: تمام كده، خلونا نرجع للشقة. طنط شكران ممكن لو اتأخرنا نلاقيها جايه المستشفى. وافق آيسر قائلًا:
تمام، يلا يا آصف اسند عليا، بس على خفيف مش ترمي تقِل جسمك عليا، لاحظ إني عريس حديد ومحتاج قوتي قدام مراتي، هتقول صحته راحت من أولها. زغر آصف لـ آيسر، بينما شعرت سهيلة بالخجل وأخفضت وجهها. تبسم آيسر. بعد قليل، بشقة آصف تبسمت شكران بانشراح قلب وهي تستقبل عودة آصف إلى الشقة مرة أخرى. حقًا ما زال هناك آثار واضحة عليه، مع الوقت ستزول. تدمعت عينيها. تبسم آيسر مازحًا: طب والدموع اللي في عينيكِ يا ماما دي ليه بقى؟
أكيد حاسة بيا وهو ساند بتقِل جسمه عليا... هحتاج ظبط زوايا بعد كده. تبسمت شكران قائلة: كل حاجة بتقلبها هزار. دي دموع فرح إن ربنا رجع آصف لبيته من تاني. ربنا يكمل شفاه ويقوم يرمح من تاني. تبسم آصف، بينما عاودت شكران القول: بلاش الوقفة دي، خد آصف لـ أوضته يرتاح.
سند آيسر آصف إلى غرفته ثم دخل من خلفه شكران وسهيلة ومعهن يارا، كذالك روميساء التي تشعر بمشاعر تتغلغل لقلبها مثل طوفان يهدر بقلبها عشقًا لذاك الأحمق المازح بأصعب الأمور. *** ليلاً، بشقة آيسر تبسم وهو جالس فوق الفراش بعد أن رمق روميساء تخرج من باب الحمام تتوجه نحو الفراش. نزعت عنه ذاك المئزر ووضعته على جنب ثم صعدت إلى الفراش. جذبها آيسر إلى حضنه وقبل جانب عنقها، ثم تنهد يتنفس بعمق. لاحظت روميساء ذلك وسألته:
كل دي تنهيدة. تنهد مرة أخرى قائلًا:
أخيرًا آصف خرج من المستشفى. أنا لما شفت منظره في بيت البحيرة، كان جوايا رعب. أول مرة أحس بالخوف في قلبي، كنت خايف أتأخر وينفد الوقت، خوفت أفقده هو كمان. بس آصف مش زي "سامر" بالنسبة لي. صحيح الإتنين أخواتي وكان نفسي يعيش سامر ونبقى تلاتة زي ما كنا وإحنا صغيرين. آصف بالنسبة لي هو ضهري اللي بتسند عليه من صغري. لما بابا دخلني المدرسة العسكرية كنت مشاغب بس لساني عالفاصل، كان سهل اللي قدامي يتغلب عليا بسهولة. كذا مرة وقعت
في مشكلة وآصف كان هو اللي يسندني ويداري عليا قدام بابا. حتى لما محبتش أكمل في دراسة الطيران الحربي هو اللي ساندني وقواني قدام بابا، وإن لازم أعمل الشيء اللي مقتنع بيه. أنا وآصف عشنا قريبين جدًا من بعض حتى بعد آصف ما ساب المدرسة العسكرية ودخل كلية الحقوق. كانوا زمايلي بيخافوا منه، كنت بشاغب على حِسه وأنا مطمن. آصف كان أخونا الكبير، حتى سامر نفسه كان بيحبه ويحترمه أكتر من بابا. آصف كمان كنا بنعتمد عليه دايمًا ونتحامى
فيه قدام بابا. أنا عذرت قلب آصف لما شاف سامر قدامه عقله شت منه بقى زي المجنون. وبعد سهيلة عنه هو اللي رجع له عقله. صعب تشوف أقرب شخص ليك قدامك بينازع، ما بالك ده شاف سامر مقتول، وكان المتهم الأول أقرب إنسانة لقلبه. لعبة القدر دخلتهم الإتنين في دايرة مغلقة واتحكمت بقسوة.
لأول مرة تنظر روميساء إلى آيسر وترآه بتلك المشاعر وهو يفيض لها ببعض الذكريات، منها ما هو سعيد ويظهر أنه كان مشاغبًا دائمًا، ومنها ما هو حزين يظهر ألم ما زال ساكن بقلبه. دمعة وبسمة... وذكرى قاسية مروا بها جميعًا بدلت مسار حياتهم بعد فقدان "سامر". حقًا احتفظ بسر قتله، لكن يآن قلبه عليه حسرة. شعرت روميساء أن ليس خلف ذلك المازح شخصًا هوائيًا فقط يمزح طوال الوقت. هو مثلها عاش جزء من قسوة الحياة. رفعت كفيها
تحتضن بهما وجه آيسر قائلة: القدر غريب متل ما بتقول طنط شكران. أنا قررت أنقل من ألمانيا وأعيش هون بدفا مصر، أو بالأصح دفا قلب طنط شُكران. وكمان قدمت عـ طلب نقل لفرع الشركة هون بمصر. حتى بابا عجبته الحياة هون بمصر وأصبح يميل للخروج طول الوقت عكس ما كنا بألمانيا كان يضل معظم وقته بالسكن. ولما سألته شو اللي اتغير، قال لي "صُحبة الناس" هون في ألفة أكتر. لمعت عينا آيسر وانشرح قلبه قائلًا:
أنا كنت بفكر بما إن الحمد لله ربنا خد بيد آصف وحالته اتحسنت، إحنا كمان بقى نشوف حالنا كعرسان ونتنهي. أنا قررت نسافر كام يوم نقضي شهر عسل. تبسمت روميساء وتدللت سائلة: المفروض إنه شهر عسل مو كام يوم، بس مو مهم المدة، المهم المكان وين بنروح. تبسم آيسر وفكر للحظات قائلًا: إيه رأيك نروح سويسرا؟ لأ النمسا... ثم استقر على "ڤينا". تساءلت روميساء: وليش ڤينا بالذات. تبسم وغمز آيسر بمكر قائلًا:
مش أسمهان بتقول "ڤينا روضة من هوا الجنة" وإنا يا جميلتي دخلت معاكِ أجمل جنة. أنهى قوله وهو يجذبها عليه ويتسطح على الفراش متنعمًا بعشق الجميلة التي لمسه منها يهز كيانه. *** بـ شقة آصف تمددت سهيلة على الفراش وأغمضت عينيها. لكن رغم إجهادها طوال الليالي الماضية بالمشفى جوار آصف لم تكن تشعر بذاك السُهاد والإرهاق وعدم شعور النوم كأنه جفاها عمدًا، لا تعلم سبب. أخبرها قلبها:
أكيد السبب هو نومك الأيام اللي فاتت في أوضة المستشفى مع آصف، حاسة إن السرير هنا غريب عليكِ. سُرعان ما تهكم عقلها قائلًا: وهي دي أول مرة تبقي بعيدة عن مكان وتتنقلي وكنتِ بتنامي عادي؟ اعترفي إن السبب هو إنك في أوضة وآصف في أوضة تانية.
وافق قلبها على ذاك الجواب، لكن عادت الحيرة تضرب عقلها بين مشاعر متخبطة. أخرجها من تلك الحيرة شعورها بانخفاض مرتبة الفراش كأن أحدًا جلس عليه. فتحت عينيها ونظرت. سُرعان ما شعرت بهلع. واستقامت جالسة على الفراش تقول بسؤال: آصف! إنت حاسس بأي وجع. أشار آصف إلى قلبه وأومأ لها قائلًا برجاء: أيوه حاسس بوجع هنا، خليكِ قريبة مني يا سهيلة. لم يُمهلها وقتًا للرد، جذبها يحتضنها وقبل جانب عنقها قائلًا:
خليني أنام هنا جنبك عالسرير... مش عاوز غير إني أحس إنك هتفضلي قريبة مني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!