الفصل 18 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
18
كلمة
5,090
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

في عيادة سهيل نظرتها له كانت مثل سهام مُسممة تخترق قلبه، تسري بالسم بين كل شريان بجسده. شعر أنه يموت بالبطء. ازدرد ريقه يحاول التماسك أمامها، يحاول كبت رغبته في الاقتراب منها، لكن هذا الرهاب الواضح على ملامحها كأنه لجم ساقيه بوثاق حديدي. حوّل نظره عنها ولفت انتباهه قليلًا يقول بهدوء: "لو سمحتِ ممكن تسيبيني مع سهيلة... قاطعته بتسرع ورُهاب: "اسمي الدكتورة سهيلة، بأي صفة بتنطق اسمي بدون لقب دكتورة؟

وأكيد أنت غلطان في العنوان." نظر إليها مرة أخرى قائلاً: "لأ مش غلطان في العنوان، وأنا مريض وجاي لعيادة دكتورة، وأعتقد إن فيه أسرار للمرضى ممنوع يعرفها غير المريض والدكتور المعالج له." توترت المساعدة وهي تشعر بذهول من رد فعل سهيلة المبالغ فيه بنظرها، يبدو أن هذا الوسيم لديه معرفة خاصة بها. تنحنحت قائلة: "همشـ... لم تكمل بقية حديثها حين تسرعت سهيلة: "قلت لكِ ما تمشيش... قاطعها آصف قائلاً برجاء:

"أعتقد إنكِ تدي خمس دقايق من وقتك لمريض مش كتير." شعرت المساعدة بالحرج وقالت: "أنا بره في الاستقبال." كادت سهيلة أن تعترض لكن غادرت المساعدة دون إغلاق باب الغرفة. حاولت السيطرة على رهابها منه. تنهدت بضجر بعد لحظات صمت كانت عينا آصف تراقبان ملامحها. زفرت نفسها قائلة: "إيه اللي فكرك بيا بعد السنين دي كلها يا.... صمتت سهيلة للحظات تفكر فيما ستلقبه الليلة. لم يعد مثلما كان بالماضي حين كان قاضيًا. لكن تنفست قائلة:

"يا سيد آصف." شعر بوخزات قوية في قلبه، ربما اشتاق أن يسمع اسمه يخرج من بين شفتيها مثل الماضي حين كانت تسبق اسمه "بـ سيادة المستشار". لكن هو ترك القضاء. رد بهدوء: "أنا مريض وجاي أتعالج؟ تهكمت عليه بسخرية قائلة: "مريض! مريض إيه؟ واضح إنك مقريتش اليافطة اللي على باب العيادة، أنا دكتورة أطفال. سبق وقولت لك غلطان في العنوان، الأفضل تروح لدكتور متخصص يناسب حالتك." رد عليها ببرود:

"إنتِ أكتر دكتورة متخصصة تفهم حالتي بالظبط. أنا قريت اليافطة اللي على جنب باب العيادة، وإنك دكتورة علاج نفسي، وأنا جاي أتعالج نفسيًا." تهكمت سهيلة: "نفسيًا... وماله بس معتقدش إني هفيدك في الأمر ده. فيه دكاترة كتير مشهورين في العلاج النفسي وكمان عندهم خبرة أفضل مني. أنا تخصصي دكتورة أطفال في الأساس. كده يبقى الوقت انتهى." شعر آصف بنبرة رفض من سهيلة لكن لن يستسلم، وقال:

"بالعكس، أنا شايف إنك أفضل دكتورة مناسبة لحالتي، لأنكِ عارفة تشخيص المرض من البداية." تهكمت بحنق، سألته: "وأيه هو المرض ده؟ رد آصف: "سادي... مش ده اللي سبق وقولتيه ليا." هنا رفعت سهيلة عينيها ونظرت له. شعرت بمقت وقالت باستهزاء: "قولت 'سبق'، وأنا دلوقتي بقولك علاجك مش عندي، وكده كفاية، الوقت انتهى ولازم أقفل العيادة." قالت هذا وتوجهت نحو باب الغرفة قائلة:

"اتفضل. علاجك مش عندي. آصف باشا شعيب أكيد أشهر الدكاترة النفسيين يتمنوا منه إشارة وهيروحوا لحد عنده مش محتاج يقطع مسافات عشان يتعالج عند دكتورة بنت موظف كحيان." نظرة أسف في عينيه لها، هي تذكره بما قاله عنها سابقًا، لكن ليس تقليلًا من شأنها بل افتقارًا لأي مشاعر نحوه.

كاد يتحدث لكن وصول بيجاد في هذا الوقت يدخل مباشرة إلى الغرفة. يقترب من مكان وقوف سهيلة. جعله يشعر بنصال باردة تكز في قلبه. نظرت سهيلة إلى بيجاد، لم يزل عنها الرهبة لكن حاولت أن تخفي ذلك، واستقوت بتحدي لنفسها ونادت على المساعدة حتى جاءت إلى الغرفة. قالت لها وهي تنظر إلى آصف بحجود: "وصلي الأستاذ لباب العيادة." ماذا لو جذبها بالقوة وأخذها عنوة معه؟

يجثو على ساقيه أمامها يخبِرها كم أمضى ليالي بلا نور النظر إلى عينيها. يتمنى تلك النظرة التي كانت تنظر له بها قبل تلك الليلة اللعينة، وأنه يكره تلك العينان اللتان يشع منهما البغض. لا ليس فقط بغض بل خوف من اقترابه منها. كاد أن يتحدث لكن أصمه نظر سهيلة إلى بيجاد ورسمت بسمة قائلة عن عمد: "اتأخرت ليه؟ أنا خلصت آخر كشف من بدري وكنت هقفل العيادة وأمشي أنا والمساعدة."

رغم استغراب بيجاد من حديثها غير المتوقع منها، لكن تجاوب معها وهو ينظر إلى آصف الواضح على ملامحه التجهم. ضبط نفسه غصبًا، رد ببساطة: "تمام طالما خلصتي خلينا نمشي والمساعدة تقفل العيادة." وافقته وقامت بخلع معطفها الأبيض وعلقته على علاقة خاصة. ثم جذبت حقيبة يدها، كذلك هاتفها الذي كان فوق المكتب. لكن ألقت نظرة أخيرة على آصف الواقف قائلة: "اتفضل عشان المساعدة هتقفل العيادة." ما مكانة هذا الآخر لديها؟

ماذا لو صفعته وأخذها عنوة وما اهتم برد فعلها لاحقًا؟ هكذا فكر آصف ونظرات عينيه تنضح بغضب. لو أطلق صراحته الآن لن يهدأ إلا حين يقتل أحدهم الآخر. لو قتله الآن لن يكون أكثر ألمًا من هذا الصمت الذي يلتزم به. مرغمًا انسحب من المكان قبل أن يطلق لجام غضبه. بينما أطلقت سهيلة تنهيدة راحة قليلًا ونظرت إلى بيجاد الذي يشعر أن هنالك أمرًا غريبًا، لكن امتثل لقول سهيلة التي تحاول التماسك. لكن هو لاحظ حركة يديها اللتان ترتعشان.

"فكرتك بتهزر لما قولتلي إنك قريب من العيادة." تذكر قبل قليل أثناء حديثه معها على الهاتف أخبرها أنه قريب من مكان العيادة، وأنه مجرد دقائق سيكون أمامها بالعيادة. هي ظنت أنه يمزح، وأغلقت الهاتف بوجهه. بينما رد ببساطة: "لأ مكنتش بهزر، أنا كنت جاي أتكلم معاكِ في موضوع مهم، بس واضح إنك مرهقة من الشغل." ردت عليه بكذب: "فعلاً أنا حاسة بشوية إرهاق، ومحتاجة أرجع البيت أستريح."

من ملامح وجهها ويديها اللتان ترتعشان تيقن أنها تدعي. هنالك أمر آخر، لكن قال بهدوء: "تمام... خليني أوصلك للبيت بعربيتي." للحظات كادت ترفض لكن فكرت بوجود آصف، أومأت رأسها بموافقة. رفع يده لها لتتقدم أمامه.

بعد لحظات كما توقعت، آصف مازال يقف أمام سيارته. ازدردت ريقها وتوجهت نحو سيارة بيجاد. انتظرت لحظات حتى فتح بيجاد أمان السيارة كذالك الباب. فكرت للحظات قبل أن تتخذ القرار وتصعد إلى السيارة. أغلق بيجاد باب السيارة ثم توجه للباب الآخر وقام بفتحه. لكن خطف نظرة ناحية آصف قبل أن يصعد إلى السيارة. لم ينتظر سوى لحظات وانطلق بالسيارة.

أثناء ذلك نظر إلى سهيلة التي تجلس صامتة ملامحها باهتة. كذالك مازالت رعشة يديها. ترك يده من فوق المقود وتجرأ ووضعها فوق يدها التي تضعها جوارها فوق المقعد. سريعًا سحبت يدها ونظرت له. قبل أن تتحدث برر ذالك بكذب قائلاً: "آسف، كنت بنقل فتيس العربية وإيدي اتزحلقت." بنية طيبة صدقت كذبته وتغاضت عن ذلك، لكن هو بداخله فضول معرفة من ذلك الشخص. سأل: "غريبة المفروض إنك دكتورة أطفال!

مين الشخص اللي كان في العيادة ده، مكنش معاه أي طفل؟ اتكأت سهيلة برأسها على مسند المقعد. أغمضت عينيها بقسوة للحظات ثم قالت: "من فضلك زود سرعة العربية، حاسة بصداع جامد." تيقن بيجاد أن لهذا الشخص أثر كبير بحياتها. لكن لو ضغط بالسؤال عنه مرة أخرى، قد تتضايق منه، لكن سألها: "وأيه سبب الصداع ده؟ ردت بضجر: "قولت لك قبل كده حاسة بإرهاق عادي الصداع، ومن فضلك ياريت تسوق بسرعة بدون أسئلة." امتثل بيجاد لرغبتها وصمت إلى أن قالت:

"وقف هنا، البيت قريب هكمل الخطوتين دول مشي، وشكرًا لك." لم يعترض بيجاد وتوقف بالسيارة. سرعان ما ترجلت من السيارة حتى دون أن تشكره. توجهت نحو منزلها بخطوات سريعة، لكن للحظة تصنمت مكانها حين رأت سيارة آصف. نظرت خلفها لسيارة بيجاد مازال واقفًا. تجاهلت الاثنين وذهبت نحو باب المنزل فتحته ودخلت. تفاجئت حين فتحت الباب الآخر المنزل بـ سحر التي اقتربت منها بلهفة قائلة: "سهيلة مالك بتنهجي ليه؟ هدأت أنفاس سهيلة وشعرت

بالأمان وقالت بتبرير كاذب: "مفيش يا ماما مش بنهج ولا حاجة، أنا بس سقعانة الجو بره برد أوي الشتا شكله هيبدأ بدري السنة دي." وضعت سحر يدها على جبهة سهيلة ثم أمسكت يديها وقالت: "جبينك ساقع وإيديكِ كمان، ادخلِ غيري هدومك وأنا هعملك عشا خفيف ودافئ وكمان كوباية لبن دافئة، هيدفوكِ." تبسمت لها بخفوت قائلة: "لأ يا ماما أنا مش جعانة كفاية كوباية اللبن أشربها وأنام، حاسة بإرهاق من الشغل." تبسمت سحر بشفقة قائلة:

"ربنا يعينك، على ما تغيري هدومك أكون سخنت اللبن." دخلت سهيلة إلى الغرفة وأغلقت باب الغرفة واستندت بجسدها عليه. سمحت لساقيها بالانهيار وجلست خلف الباب تشعر بضياع. لكن سرعان ما انتبهت ونهضت بتكاسل. ذهبت نحو دولاب ملابسها أخرجت لها منامة ثقيلة وضعتها فوق الفراش وقامت بخلع ثيابها وقامت بارتدائها. أجبرت شفتيها على الابتسام حين سمعت صوت مقبض الباب من ثم دخول سحر تحمل كوبًا من الحليب قائلة ببسمة:

"اللبن أهو دافئ مش سخن أوي عشان تشربيه علطول وبعدها نامي هتصحي كويسة، وحاولي متجهديش نفسك كتير في الشغل بعد كده، صحتك أهم، مفيهاش حاجة لو قللتِ وقت العيادة ساعتين في اليوم حتى على ما برد الشتا يخلص." أومأت سهيلة برأسها لكن سألتها: "أمال إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتي يا ماما، أنا عارفة إنك بتصلي العشا وبعدها تتعشي إنتِ وبابا وتناموا." تنهدت سحر:

"حسام كان جسمه دافئ شوية وإديته خافض حرارة والحمد لله نزلت الحرارة ونام من شوية." تبسمت سهيلة قائلة: "هي سهيلة سابته هنا، كنت مفكرة أنها هتاخده معاها." ردت سحر: "هي كانت هتاخده بس أنا قولت لها تسيبه بلاش يطلع في البرد لا يتعب، وهي وافقت." تهكمت سهيلة لنفسها: "طبعًا دي مصدقت مش عارفة دي أم إزاي وقادرة ابنها يبقى معظم الوقت بعيد عنها." وضعت سحر يدها فوق كتف سهيلة قائلة: "يلا إشربِ اللبن وبعدها نامي وإتغطي كويس."

تبسمت سهيلة وقامت باحتساء كوب اللبن. أخذت سحر منها الكوب، وتوجهت نحو باب الغرفة. أطفأت الضوء إلا من ضوء خافت قائلة: "اتغطي كويس.صبحِ على خير." "وإنتِ من أهله يا ماما.." قالتها سهيلة وهي تترك لجسدها الانهيار فوق الفراش. دمعة شقت عينيها وقلب يئن. لامت هذا الشعور، كيف مازال لديها هذا الرهاب من آصف؟

لقد مرت سنوات ظنت أن تلك الحالة انتهت. ربما عدم ظهوره سابقًا جعلها تظن أنها شفيت من هذا الإحساس. لكن طن برأسها سؤال آخر بل أسئلة. لما عاد آصف إلى حياتها الآن؟ ما الهدف الذي برأسه؟ هل ظن أنها نسيت ما مرت به معه من خداع كاد يقتلها؟ هل يظنها مازالت تلك الحمقاء التي صدقت معسول كلامه وألقت بنفسها بين سيلان بركانه الذي أزهق قلبها بليلة عاتمة؟ هل، وهل، وأسئلة تعلم إجابتها... آصف كما قال لها سابقًا "أنا لعنة حياتك".

نهضت من فوق الفراش. ذهبت نحو ضوء الغرفة وأشعلت الضوء الواضح. ذهبت نحو تلك الضلفة الخاصة بها في الدولاب. جثت على ساقيها وجذبت بعض الملابس الخاصة بها. ثم جذبت من خلفهم ذلك المجلد القديم. نهضت ذاهبة نحو الفراش مرة أخرى. فتحت ذلك المجلد القديم.

بين صفحاته كانت تلك الرسائل المطوية. جذبتها بيد مرتعشة. تبسمت بسخرية من حالها. لما مازالت تحتفظ بتلك الرسائل القليلة التي لا تتخطى خمس رسائل. فتحت إحداها. قرأت محتواها بشعور آخر عكس قراءتها له سابقًا. قرأتها بشعور صبية تقع في غرام فتى أحلامها، الذي يبدو أنه يبادلها نفس الشعور. شعور خفي أخفته خوفًا من الخذلان. فهي الأمير وهي السندريلا. حقًا لم تكن المعفّرة بالتراب مثلها، لكن كان هو الأمير وهي ليست سوى فتاة عادية ليست

صاحبة جمال ملفت كاللائي يراهن. تهكمت من تلك المشاعر المراهقة. وقتها الآن أصبحت أخرى غير تلك الصبية التي هز قلبها مجرد كلمات مكتوبة في عصر اختفت فيه تلك الظاهرة. فهي قديمة للغاية. لكن لم يكن هنالك وسيلة غيرها في البداية. دموع مع بسمات وخفقان قلب يستهزأ بمشاعر أودت بها إلى الموت وخذلان أصابها كان قاتلاً لها.

قرأت أول رسالة أعطاها لها آصف. كل كلمة معناه اختلف.

"سهيلة أنا عارف ممكن تتريقي عليا وتقولي إني ملقتش طريقة أكلمك بيها غير إني أكتبلك رسالة في جواب، زي الأفلام القديمة. عارف إننا في عصر التكنولوجيا فيه كل لحظة اختراع جديد، بس أنا ملقتش فعلًا طريقة غير دي. سهيلة أنا بعترف إن من أول لقاء شوفتك فيه حسيت بشيء اخترق كياني. شعور أبقى كداب لو قولتلك عارف مغزاه. كل اللي عارفه إني بحس بقلبي بيدق لما بشوفك قدامي. أنا مش عارف حقيقة مشاعري، لكن اللي عارفه إني بتمنى دايمًا تكوني قدامي. لو عندك تجاوب لمشاعري دي أنا هنتظرك بكرة في 'جزيرة البُرلس' لو جيتِ هبقى سعيد جدًا."

أغلقت الرسالة وتهكمت بندم. ليتها كانت طوت تلك الرسالة وما سارت خلف مشاعرها. ليتها كانت مزقت تلك الرسالة قبل أن تقرأها. ليت، وليت، والندم فات أوانه... هي وقعت بشَرَك عاشق قاسٍ استحل نزيف قلبها. ٠٠٠٠٠٠ أمام سرايا شعيب توقف آصف ينظر إليها للحظات قبل أن يقرع زامور السيارة، حتى جاء حارس السرايا. اقترب من السيارة. فتح آصف زجاج شباك السيارة. رحب به الحارس بحفاوة. "آصف بيه أنا آسف كنت غفلان." أومأ له آصف قائلاً:

"افتح البوابة." سريعًا فتح الحارس البوابة. دلف آصف بالسيارة إلى داخل السيارة. ترجل منها. اقترب منه الحارس يسأله باحترام عن إن كان يحتاج لخدمة معينة. أومأ له آصف قائلاً: "لأ متشكر روح كمل نوم، تصبح على خير." رد عليه الحارس وتوجه إلى غرفة الحراسة. لكن استغرب عدم دخول آصف إلى مبنى السرايا، وذهابه نحو تلك الغرفة المزودة بحديقة السرايا. فتح بابها ودلف إليها وأغلق خلفه الباب.

في البداية شعر باختناق وهو يتذكر جيدًا ما حدث بتلك الغرفة. هنا سفك ليس قلب سهيلة فقط، سفك قلبه قبلها. هنا بين جدران هذه الغرفة الباردة أهدر ما تبقى من إنسانية قاضٍ حوله لجلاد فقط ينفذ عقاب دون علم بخفايا الحقيقة. طن برأسه صرختها الخافتة تلك الليلة وهو ينتهك جسدها بقسوة. صمتها بعد ذلك الذي جعله مفترسًا يهذي بوعيد بالجحيم لنفسه قبلها. ها هو وحده يعيش بهذا الجحيم وهي بعيد. حين يقترب منها يرى أخرى تبغضه. هنا كانت النهاية الدموية.

شعر كأن جدران الغرفة تضيق. صوت صرختها يختلط مع صوت الباب الذي تضربه الرياح الخريفية من الخارج. ألقى بجسده فوق أرضية الغرفة يشعر بتهتك في قلبه. يسأل من هذا الذي احتمت به منه؟ كان لابد أن يحدث العكس ويكون هو من تحتمي به بل وترتمي بحضنه بهذه الليلة يستمد منها الدفء. هل تأخر في عودة الظهور بحياتها؟ لا... لن يستطيع أن يراها قريبة من غيره. أرضية باردة قاسية ليست أقسى من ضنين قلبه الذي ينزف، وذكريات تتسرب من قلبه.

وذكرى كانت أول اعتراف له بأنه عاشق... "سهيلة." قالها قبل أن تخرج من بوابة السرايا. توقفت ثم استدارت تنظر له، تشعر بارتباك. هو يشعر بغبطة في قلبه. مد يده لها بتلك الرسالة الورقية التي بيده، قائلاً: "كنت أتمنى أقولك الكلام اللي في الرسالة دي مباشرةً، بس مش عارف رد فعلك هيبقى إيه. عالعموم هنتظر ردك عالرسالة."

تلفتت حولها بترقب قبل أن ترتجف يدها بتلقائية أو ربما بأمنية حين أخذت منه الرسالة ثم غادرت السرايا فورًا. بينما انشرح قلب آصف وهو مازالت عيناه تتبع سيرها. لم ينتبه إلى صفوان وشكران اللتان لاحظا ذلك الموقف ونظرن لبعضهن ببسمة. بينما غابت سهيلة عن عينيه شعر بسأم وهو يسأل نفسه عن ردها على تلك الرسالة. هل ستقرأها أم ستلقيها وتتجاهلها... لكن خاب يأسه في اليوم التالي. على بحيرة البُرلس

شعر بالضجر من طول الانتظار. كاد يغادر فاقدًا الأمل، هي لن تأتي وحدث ما توقعه. لكن فجأة هبت نسمة ربيعية محملة بغبار الشاطئ الناعم. أغلق عينيه احتماءً منه لكن فتحهما بعد ثوانٍ. كانت تترجل من ذلك القارب الصغير قريب من الشط. لم يكن خيالًا، بسمتها وهي تتقدم نحوه بخطوات خجولة. لا يوجد وصف لما يشعر به من مشاعر. كان يود أن يجذبها ويعانقها قويًا بين يديه يضمها، بل يقبلها. تخيل أنه فعل ذلك فعلاً، لكن هي مشاعرها كانت مضطربة تتلفت حولها، تشعر أنها مثل المراقبة.

خطوات كان الاثنان يسيران بها يقتربان من بعضهم. مسافة كانت بكل خطوة مشاعر كل منهم تتضح أنه أصبح "مُغرم بالآخر". توقفا الاثنان. عين آصف تراقب كل حركة من ملامح وجهها. بينما هي حادت بعينيها ونظرت إلى مياه البحيرة، قبل أن تشعر بيد آصف تمسك إحدى يديها. جذبتها سريعًا، لكن هو تبسم قائلاً: "في كافتيريا قريبة من هنا خلينا نقعد شوية... ردت بتسرع: "كافتيريا لأ، المكان هنا واسع." تبسم لها قائلاً: "زي ما تحبي، خلينا نتمشي."

أومأت برأسها وهي تسير، كذالك هو. صمت حل بينهم لثوانٍ، صوت الأمواج وحفيف الأشجار، إلى أن توقف آصف قائلاً: "سهيلة أنا خلاص الحمد لله أنهيت الدراسة كمان أخدت إعفاء من التجنيد لأني درست من البداية في مدارس عسكرية. كمان اتعينت في القضاء، وأكيد هنتدب في أماكن بعيدة عن هنا. بصراحة زي ما قولتلك في الجواب، مش عارف مغزى مشاعري. كل اللي أعرفه إنك امتلكتِ مكانة كبيرة في قلبي وحياتي، بحس إن ناقصني شيء مهم وإنتِ بعيدة عني."

انصهر وجهها بحياء وحادت النظر له تنظر نحو الشط، لكن هو أراد أن ينظر لعينيها، ويعرف ردها على ما قاله. بتلقائية منه رفع يده نحو ذقنها وأدارها له. سرعان ما عادت خطوة للخلف. تبسم آصف قائلاً: "مسمعتش ردك؟ ارتبكت قائلة بمراوغة: "ردي على إيه؟ ابتسم يعلم أنها تراوغه قائلاً: "سهيلة أنا مستعد يكون بينا ارتباط رسمي." توترت سهيلة دخل لقلبها خوف أن يكون كاذبًا ويتسلى بها، قالت:

"أنا لسه بدرس في كلية الطب وقدامي خمس سنين بحالهم أكيد مش هعرف أوازن بين الدراسة وأي شيء تاني." شعر آصف بغصة سائلًا: "قصدك إيه؟ أنا اتسرعت لما بوحت بمشاعري ليكِ، لو... قاطعته سهيلة: "لأ، بس أنا بصراحة عندي دراستي أولاً قبل أي شيء تاني، حتى مشاعري الخاصة كنت مؤجلاها بس... توقفت سهيلة تشعر بخجل تكز على شفتيها بحياء. تبسم آصف قائلاً: "بس إيه؟ "بس أحب أعرفك أنا 'لعنة حياتك' اللي هتلازمك طول الوقت. هنتظر منك إشارة بدء."

تبسمت له دون رد. دموع تسيل من عينيه وتلك الذكرى تسفح قلبه. كثيراً سمع عن عاشق يبكي كان يعتقد أنه ضعيف. ها هو يبكي على عشق أهدره بغرور انتقام. لم يغفل طوال الليل ذكريات كل لحظة هنا أدمت قلبه بفراق جائر لقلبه، حتى سطع نور جديد. غفى لوقت لا يعلم كم ظل غافيًا، لكن فتح عينيه حين سمع رنين هاتفه. اعتدل جالسًا يسند ظهره على الحائط خلفه، ونظر إلى الشاشة. جلى صوته وقام فتح الاتصال وسمع صوت شكران المتلهف يسأله:

"آصف إنت فين، ليه مرجعتش ليلة امبارح؟ رد آصف بهدوء: "أنا بخير يا ماما اطمئني كل الحكاية عندي قضية واضطررت أسافر عشانها، ونسيت أتصل عليكِ أقولك." تنهدت شكران براحة قائلة: "طيب يا حبيبي ربنا يوفقك، بس بلاش تجهد نفسك كتير في الرياضة زي عادتك." تبسم آصف قائلاً: "حاضر يا ماما، إنتِ اطمني وانتبهي لصحتك ومتقلقيش عليا."

أغلق الهاتف ونظر حوله إلى الغرفة. هنا كانت النهاية، لكن اهتدى عقله وقلبه معًا بأن بالخارج بالتأكيد توجد بداية أخرى، حتى لو كان الطريق غير ممهدًا، لكن بقانونه الخاص مباح كل الطرق، حتى لو بالتحايل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بـ فيلا شهيرة بغرفة السفرة دلف شهيرة إلى الغرفة عكس عادتها. ألقت الصباح على كل من أسعد ويارا اللذان يتناولان الفطور. استغرب أسعد ذلك سألًا:

"غريبة معظم الوقت نادر جدًا لما بتفطري، عشان رشاقتك كمان صاحية بدري على عكس عادتك بتنامي للضهر." ردت شهيرة: "مش غريبة، بس أنا حاسة بشوية توتر الفترة دي، يمكن بسبب الديفليه بتاع خط الأزياء، ده عرض لمصمم له اسم في الوطن العربي كله، كمان له باع كبير باريس." تبسم أسعد قائلاً: "ولو، هي أول مرة تنظمي ديفليه... قطع حديث أسعد رنين هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر للشاشة. استغرب قائلاً: "ده حارس السرايا."

قام بالرد عليه وتعجب مما أخبره به الحارس عن مبيت آصف بتلك الغرفة المزودة بحديقة السرايا. سأله بتأكيد: "يعني آصف مدخلش للسرايا وفصل في الأوضة دي لحد الصبح مشي، تمام أنا جاي النهارده آخر النهار." أغلق أسعد الهاتف، بينما سألت شهيرة: "إنت مسافر البلد النهارده؟ وضع أسعد قطعة من شطيرة الطعام بفمه قائلاً: "أيوه، خلاص الفترة الجاية هتبدأ الجولة الانتخابية ولازم أبقى متواجد هناك بصفة مستمرة." نهضت يارا قائلة:

"أنا شبعت وعندي اجتماع ولازم ألحقه." تبسم لها أسعد، بينما قالت شهيرة باستهزاء: "هتتأخري عالجنة إياك، مش عارفة إيه الوظيفة دي اللي مشغولة بيها مرتبها ملاليم، عالعموم فكرتي في اللي قولته ليكِ أول امبارح." ردت يارا بقطع: "سبق وقولتلك قراري ومتغيرش. أنا كل مش بفكر في الجواز دلوقتي." كادت شهيرة أن تتهكم لكن غادرت يارا. نظر أسعد إلى شهيرة سألًا: "مش فاهم قصد يارا." زفرت شهيرة نفسها بضجر قائلة:

"صديقة ليا شافت يارا معايا وكان معاها ابنها وأُعجب بيارا وهي طلبتها مني، وأهو إنت شايف ردها." تبسم أسعد قائلاً: "ومين صديقتك دي وابنها؟ وبعدين يارا حرة، ولسه دوبها مخلصة دراستها ولازم تكون صاحبة القرار في حياتها." تهكمت شهيرة تشعر بضجر من مجرد الحديث مع أسعد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساءً بـ سرايا شعيب.

دلف أسعد إلى غرفة مكتبه. فتح أحد الأدراج أخرج منها خزنة خاصة، قام بوضعها فوق المكتب، قام بفتحها، وأخرج منها بعض الأوراق وصورة قديمة. نظر إلى تلك الصورةتمعن شديد. تلك الصورة التي قابل منها نسخة أخرى. جذب صورة أخرى من فوق مكتبه، ووضع الاثنين جوار بعضهما تأملهما جيدًا. هاتان متشابهتان للغاية فروق طفيفة لمن يدقق فقط.

وضع الصورتان، ثم جذب ملف خاص وقام بفتحه. نظر إلى تلك الورقتان الموجودتان بالملف. إحداهما ورقة زواج عرفي، وأخرى اعتراف ببنوة تلك الطفلة إلى "زهير شعيب" ابنه عمه الوحيد الذي توفي قبل سنوات. ــــــــــــــــــــــــــــــ مكتب آصف. تحدث إلى ذلك الجالس معه قائلاً بأمر: "القضية دي لازم يتحكم فيها بأسرع وقت، مش عاوز مماطلات يا 'إبراهيم'." تبسم له قائلاً: "اطمن هناخد الحكم من أول جلسة." تنهد آصف قائلاً: "ياريت."

تبسم إبراهيم قائلاً: "لما اتصلت عليا الفجر أنا فكرت إنها قضية خطيرة، في الآخر تطلع قضية 'بيت طاعة'. عالعموم اطمن قضايا الشرعي دي لعبتي." تبسم آصف له قائلاً: "بلاش الثقة الزايدة دي." تحدث إبراهيم بمغرور مرح: "شكلك مشوفتش مكتبي القديم قبل ما نتشارك سوا، أنا كنت مشهور بقضايا الطلاق والخلع، هي دي القضايا اللي شغالة في مصر دلوقتي. كنت بقابل موزز إيه لووووز." تبسم آصف قائلاً: "دي بالذات اخلع عينك لو بصيت لصورتها في الملف."

تبسم إبراهيم: "عيب دي مرات أخويا ورفيق الدراسة." قبل أن يتحدث آصف صدح الهاتف الأرضي الخاص بالسكرتيرة. رفع السماعة يرد عليها، سألها باستغراب: "بتقولي مين.... سمع الرد لكن ليس عبر سماعة الهاتف بل بمن فتحت باب المكتب دون استئذان وقالت بغرور: "مي المنصوري." نهض إبراهيم واقفًا يظهر إعجابه الشديد بتلك الفاتنة، بينما وضع آصف سماعة الهاتف، وظل جالسًا إلى أن اقتربت مي من مكتبه. نهض بمجاملة.

بينما رفعت مي يدها بأناقة له ظنًا منها أنه سيفعل مثل غيره من الرجال يحني رأسه ويقبل يدها، لكن خذلها حين وضع يده بيدها وصافحها فقط. مما أثار ذلك غضبها وإعجابها بنفس الوقت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...