استدار آصف خلفه ينظر له، بينما شعر رحيم بالتردد وقال: قصدى أستاذ آصف. تبسم له آصف وهو يسير نحو مكان وقوفه بمدخل البناية قائلًا: رحيم.
لم يستغرب آصف معرفته له رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات ونصف على انفصاله عن سهيلة. كذالك هو رآه أكثر من مرة بعد ذلك. وقف مكانه ليس فقط مترددًا، كذالك يشعر ببعض الخزي. هو لم يطلب أي مساعدة سابقًا من أحد، لكن الظروف هي من اضطرته لذلك. كذالك حلمه الذي عاش عليه منذ أن دخل الدراسة، هدفه أن يصبح شرطيًا. بينه وبين حلم حياته عقبة هينة، لكن ليس هينًا عليه أن يطلب مساعدة أحد، وبالأخص "آصف". لديه تآنيب ضمير يشعر أنه يطعن سهيلة بظهرها. حدثه عقله أن يغادر، ربما ليس من نصيبه أن يصبح ضابطًا كما أراد. هنالك فرص أخرى، ربما هذا أفضل. حسم عقله القرار وكان سيغادر لولا وضع آصف يده على كتفه وتبسم له بترحيب قائلًا:
أهلًا يا رحيم. بقالي فترة مشوفتكش. نظر له رحيم وتحير عقله. آصف منذ أن عرفه وهو صغير كان لطيفًا معه، لكن كان عكس ذلك مع سهيلة. لا يعلم السبب لذلك. ارتبك عقله وصمت، حتى أتى أحد سكان البناية. تجنب هو وآصف له كي يمر. عاد آصف يبتسم له وجذبه معه للسير قائلًا: بلاش نوقف في مدخل العمارة. تعال نطلع مكتب ندردش سوا.
كاد رحيم أن يرفض ويتركه ويغادر، لكن هنالك أمنية في قلبه يتمنى أن يحصل عليها. كأنه بلا إرادة سار مع آصف حتى دخلا إلى مكتبه. جلسا سويًا. ظل الصمت قليلًا حتى قطعه آصف سائلًا: إنت خلصت الثانوية العامة؟ جبت مجموع كويس؟ أومأ رحيم رأسه وأجابه: الحمد لله جبت مجموع كويس. رغم الكلية اللي نفسي أدخلها مش بتحتاج لمجموع كبير، بتحتاج لحاجات تانية. تبسم آصف سائلًا: وكلية إيه دي بقى اللي مش بتحتاج لمجموع كبير؟ أجابه: كلية الشرطة.
تبسم آصف بتوافق قائلًا: فعلًا مش بتحتاج لمجموع كبير، بس بتحتاج لمهارات بدنية. واللي أعرفه إنك بطل جمهورية في الكاراتيه... يعني مؤهل ليها كويس. تهكم رحيم بآسف: لأ طبعًا في الأهم من المؤهلات البدنية. تساءل آصف: زي إيه المؤهلات دي؟ صمت رحيم يشعر بكبرياء، ثم نهض قائلًا: أنا لازم أمشي عشان ألحق أرجع كفر الشيخ قبل الدنيا ما تضلم. نهض آصف هو الآخر وأمسك يده قائلًا:
رحيم، أي شخص من ناحية سهيلة له قيمة غالية عندي وقلبي حاسس إن في أمر مهم. قولي إيه هو؟ مازال التردد والكبرياء يمنع رحيم. لكن استنتج آصف من حديث رحيم عن كلية الشرطة ومؤهلات القبول فيها، تذكر أنها تحتاج لما هو أهم من تلك المؤهلات الذي يمتلكها رحيم. هنالك مؤهل خاص وهو "الوساطة". تحدث مباشرةً: إنت قدمت في كلية الشرطة. أخفض رحيم رأسه يشعر بآسف. استشف منه آصف الحقيقة، قائلًا:
أنا ليا صديق والده عميد في كلية الشرطة. لو تحب أوصيه عليك... كمان ليا تعاملات خاصة بشخصيات مهمة في كلية الشرطة من أيام ما كنت قاضي. رسم رحيم بسمة. فهمها آصف قائلًا: تمام، تعالى أقعد فهمني إيه اللي حصل، عشان نتفق.
بسبب نبرة صوت آصف الودودة، قبل رحيم عرض آصف وسرد له ما حدث، وأنه كان يستطيع تدبير المال لكن يخشى النصب عليه. تبسم آصف وقام بجذب هاتفه وقام باتصال لشخص معين، وسرد له عن مؤهلاته المناسبة للالتحاق بكلية الشرطة. تلقى آصف ترحيب الآخر بتنفيذ رغبته. أغلق آصف الهاتف ونظر إلى وجه رحيم قائلًا:
لما حكيت له عن مؤهلاتك البدنية وكمان إنك جايب مجموع كويس في الثانوية، قال البطل ده مرحب بيه في كلية الشرطة. كمان أخدت معاه ميعاد في كلية الشرطة وقالي هات البطل ده معاك. انشرح قلب رحيم وتبسم له بامتنان. نهض واقفًا يقول له: متشكر أوي يا آصف بس ليا عندك رجاء. نهض آصف مبتسمًا يقول: مفيش بينا شكر بس إيه هو الرجاء ده؟ شعر رحيم بكسوف قائلًا: لو ربنا أراد واتقبلت في كلية الشرطة مش عاوز حد يعرف إن إنت اللي اتوسطت لي.
شعر آصف بغصة، يعلم سبب ذلك. بالتأكيد سهيلة. هو لا يريد أن تعرف أنه تقابل مع آصف. تبسم آصف رغم عنه قائلًا: اطمن، محدش هيعرف، لأني معملتش حاجة تستاهل. إنت اللي اتوسطت لك مؤهلاتك. تبسم رحيم بحنق. هو يعلم أي مؤهلات هي من فازت "الوساطة" لا المهارة البدنية الذي يمتلكها. عاد رحيم يبتسم على قول سهيلة: هو ده السبب اللي بيخليك زي المكسوف منه. رد رحيم بآسف:
أيوا. كان نفسي أدخل كلية الشرطة بدون وسايط، لأني أستحق ده. بس طبعًا في بعض الامتيازات لازم تكون عند أي طالب. بس أهو قدرت عليها ودخلت كلية الشرطة بمساعدة آصف اللي فضل معايا لحد ما اتأكد إنهم قبلوني. كمان كان من فترة للتانية بيتصل عليا ويسألني إن كنت محتاج أي حاجة، بس أنا كنت بشكره بذوق. شعرت سهيلة براحة غريبة في قلبها وتبسمت لرحيم. سأله: وآصف كان قالك إنه رجعني تاني لذمته؟ أومأ رحيم رأسه بـ لا قائلًا:
لأ. حتى ملمحش بسؤال عنك. يمكن كان مش عاوز يحسسني إنه بيعمل خدمة مقابل غرض في دماغه. تبسمت سهيلة تشعر بشعور غريب يدق بقلبها، لكن سألت رحيم: يعني محدش يعرف إن آصف ساعدك غيري. رد رحيم بنفي: لأ. في طاهر يعرف. هو كمان ولما حكيت له اتضايق مني وقالي ليه تطلب منه مساعدة إنت مش محتاجها. كان سهل أحولك أي مبلغ تحتاجه. كنا في غنى عن جمايله. تبسمت سهيلة تشعر بفخر قائلة: طاهر أكتر شخص مش بيحب آصف زي تيتا آسميه.
تبسم رحيم وهو يضع يده على كتف سهيلة يضمها له قائلًا: إحنا أخواتك الرِجالة يا سهيلة وإنت غالية علينا جدًا. كفاية إنك أختنا الكبيرة. إحنا التلاتة ملناش غير بعض. رفعت سهيلة رأسها ونظرت لـ رحيم وصفعته بخفة على صدره قائلة: أختنا الكبيرة هي هويدا. وإحنا أربعة مش تلاتة. بطل سخافتك دي ولا عشان مش بترتاح معاها تقوم تلغي وجودها... ادعي لها ربنا يهديها وتعقل وتعرف قيمة ابنها. تنهد رحيم ببسمة قائلًا بفتور: آمين. ***
بشقة خاصة قريبة من شقة آصف. تبسمت شكران وهي تضم روميساء أسفل كتفها قائلة: نورتم مصر. تبسمت لها روميساء التي شعرت معها بألفة غريبة. رغم أنها تراها للمرة الأولى، لكن شعرت معها بدفء خاص ومودة. تبسم لها مدحت قائلًا: مصر منورة بأهلها. تبسمت شكران له قائلة:
وإنتوا بقيتوا من أهلها خلاص. والله لما آيسر كلمني عالموبايل وقالي إنه كتب كتابه على بنت في ألمانيا قلبي انشرح معرفش ليه. رغم إن كان جوايا خوف بسبب سفره الكتير. يجي في يوم ويقولي أنا اتجوزت أجنبية. بس لما قالي إنك عربية ولبنانية قولت أكيد عارفة أخلاقنا كويس. ولما كلمتك عالموبايل عشان أباركلك دخلتي قلبي من مجرد صوتك ومكنتش أعرف إنك حلوة أوي كده. كنت بقول يمكن آيسر بيبالغ زي عادته في أي شيء، بس أول مرة يطلع صادق بنسبة مية في المية.
شعرت روميساء بألفة من حديث شكران الواضح وشعرت بغرابة كيف لامرأة بتلك المودة والتآلف يتزوج زوجها بـأخرى وهي قابلة بذلك. شعرت بفضول أن ترى هذا "أسعد" كي تكتمل الصورة لديها. بينما تبسمت شكران قائلة: معزتك في قلبي زي سهيلة مرات آصف. هي كان نفسها تيجي وتستقبلك معايا بس هي دكتورة وملهاش مواعيد ثابتة. وللأسف هي دلوقتي زمانها في المستشفى اللي بتشتغل فيها، بس ملحوقة. بكرة تتعرفوا على بعض وقلبي حاسس إنكم هتبقوا أصحاب وأخوات.
تبسم آيسر مازحًا: آه طبعًا ومش بعيد يتفقوا عليا أنا وآصف اللي طردتني من شقته عشان راحة مراته. تبسمت شكران قائلة: مش عشان راحة مراته عشان ده الذوق. مهما كان كل واحدة بتبقى عاوزة تاخد راحتها في المكان اللي عايشة فيه، وأنا وصفوانة ستات زيها يعني مش هتحس بحرج مننا. تبسمت روميساء ووافقت شكران قائلة: فعلًا يا طنط. بس هو في نوعية كده بتبقى بجحة وعندها ثقالة ومعدوم عندها إحساس الإحراج وبتفكر كل الناس زيها معندهاش ذوق.
ضحك مدحت كذالك شكران التي فهمت تلميح روميساء، بينما تبسم آيسر يعلم أنها تقصده بذلك. تذكر أول قبلة اختطفها من شفاه روميساء. **[بالعودة ليوم عقد قرانهم]** بإحدى غرف قنصلية مصر بألمانيا. مُرغمة وقعت روميساء على تلك الوثيقة المدنية التي تثبت زواجها من آيسر، لكن تفاجأت برجل ذو هيبة واضحة يبدو من ملامحه أنه رجل دين. نهض آيسر واستقبله مبتسمًا ثم نظر إلى روميساء قائلًا:
جبت لك مبعوث "الأزهر الشريف" هنا في ألمانيا عشان يكمل كتب كتابنا. أكيد وكيلك هو عم مدحت. يلا يا سيدنا الشيخ خلينا نعقد القران. للحظة لمعت عين روميساء ببسمة انشراح في صدرها، لكن عادت إلى جمودها مرة أخرى تدعي الضيق منه. بعد قليل أتم الشيخ عقد القران وقال جملة الزواج المعهودة "بارك الله لهم وبارك عليهما وجمع بينهما في خير". ترك آيسر يد مدحت ثم نظر إلى روميساء بظفر قائلًا: كده بقيت رسمي حرم الطيار / آيسر أسعد شعيب.
أخفت بسمتها خلف غيظها منه، بينما تقبل آيسر التهاني من بعض الحضور، الذين انصرفوا بعد قليل تاركين الغرفة فقط للعروسين. أعلق آيسر خلفهم باب الغرفة ثم عاد ينظر إلى روميساء غامزًا بوقاحة قائلًا: كده الرومس بقت زوجة رسمية ليا، يعني براحتي بقى.
للحظة شعرت روميساء بخجل من نظرة عينيه التي تراها لأول مرة بهذه الوقاحة. ارتبكت وتوترت أكثر حين جذبها من خصرها على غفلة منها، وقبلها فجأة. أربكت المفاجأة عقلها الذي تنحى للحظات قبل أن تستوعب ذلك ورفعت يديها تقوم بدفعه عنها، لكن هو أحكم حصار يديه عليها، وظل يقبلها إلى أن شعر بانخفاض نفسيهما. ترك شفاها وظل محتضنها للحظات قبل أن تفيق روميساء من غفوة عقلها وقامت بدفعه عنها قائلة باستنهاج:
اظهر عـ حقيقتك يا وقح، بس لا تفكر إني راح تمم هديك الزواج، و.... قاطعها آيسر مبتسمًا يقول: الزواج تم خلاص يا رومسي العنيفة، هو الزفاف بس اللي ناقص. وأوعدك أعملك فرح ولا ألف ليلة وليلة، بس مش هنا في مصر. كمان هعرفك عالحجة شكران ومتاكد أول ما هتشوفيها هتحبيها من قلبك... خلينا نطلع للضيوف لا عقلهم يروح لبعيد ويفكروا إنك واقعة ومستعجلة على إتمام جوازنا. تعصبت روميساء ورفعت يدها وصفعت كتفه بخفة قائلة:
كنت عم تمثل إنك مؤدب، وهلأ ظهرت حقيقتك يا..... قاطعها آيسر حين جذبها مرة أخرى وقام بإسكاتها بألذ طريقة له، قبلة خاطفة ثم تركها قبل أن تتهجم عليه. فتح باب الغرفة يبتسم، بينما هي لجمت غضبها بصعوبة. **[عودة]** عاد آيسر يبتسم حين نهضت شكران واقفة تقول بمودة:
إنتم جايين من سفر ولازمكم راحة. هستأذن أنا وصفوانة وبكرة إن شاء الله هاجي مع سهيلة أعرفكم على بعض. متأكدة إنكم هتحبوا بعض لأنكم متفرقوش عن بعض قلوبكم صافية. بس للأسف حظكم وقعكم في ولادي اللي ناقصين تربية ودي مهمتكم بقى تطوعهم على إيديكم حسب شطارتكم.
نهضت روميساء مبتسمة توافق شكران في ذلك، لكن شعورها معها جعلها تتمنى بقاء جلوسها وقت أكثر معها، لكن خجلت أن تطلب ذلك. فإن كان هذا الأحمق صدق بشيء هو حين أخبرها أنها ستحب "الحجة شكران" وربما مستقبلاً تملأ قلبها بشعور الأمومة المفقود. *** بشقة عادل.
كان عادل يجلس على تلك الأريكة بردهة الشقة، ينظر إلى تلك الدلاية السوداء التي سقطت من شهيرة. تبدو كقطعة ألماس حقيقية. تذكر حين وجدها على الأرض بعد أن صعدت شهيرة إلى سيارتها. ربما سقطت منها سهوًا دون أن تراها. لمعت عيناه مثل بريق تلك الدلاية، وفكر في الاتصال على شهيرة وإخبارها. ربما هذا فرصة عليه انتهازها. لكن قبل أن يفتح هاتفه صدح جرس باب الشقة. نهض متوجهًا نحو باب الشقة. قام بفتحه وتفاجأ بـ هويدا أمامه. سأمت ملامحه، بينما هويدا
رسمت بسمة داهية قائلة: هقف كتير عالباب مش هتقولي اتفضلي. متنساش إحنا لسه متجوزين. صحيح اتفقنا عالانفصال بهدوء بس لسه الإجراءات مخلصتش، وده اللي جايه عشان نتكلم فيه. تنحى عادل على جنب الباب. دلفت هويدا إلى الشقة. أغلق عادل خلفها الباب. بينما أثناء استدارته سقطت تلك الدلاية من يده على الأرض سهوًا. انحنى سريعًا وجذبها بيده واستقام يضعها بجيب بنطاله. لكن كانت هويدا لمحت تلك الدلاية بوضوح. لم تهتم بها،
ونظرت إلى عادل قائلة: هدخل في الموضوع مباشرةً... أنا عارفة إن اللي مخليك مآجل طلاقنا هو حقوقي الشرعية، اللي مش هتقدر تدفعها سواء القايمة أو المؤخر. أنا بسهلها عليك المؤخر متنازلة عنه، وقيمة القايمة كمان بس هاخد التجهيزات اللي أهلي كانوا جايبنها. يعني تعتبر طلعت من الجوازة بدون خسائر، لا ليك ولا ليا. نظر لها عادل بآسف قائلًا: متأكدة إن مفيش حد فينا خسران. وابننا اللي ظلمناه... بـ أب وأم ميستحقوش يبقي عندهم طفل.
نظرت له قائلة: ابني أنا عارفة قيمته كويس وعشان كده سايباه عند أهلي لأني متأكدة إنهم هيهتموا بيه. مش زي والدتك اللي طول الوقت بتدعي المرض وإنها مش قد مسؤولية الاهتمام بطفل. أعتقد كده انتهينا. كلم أي محامي يكتب تنازل عن حقوقي وأنا همضيلك عليه. كانت نظراتهم لبعض مثل الأعداء اللي يتفقون على هدنة، أو بالاصح كل منهم يتنازل عن سلاحه ظنًا أنه وصل لغايته من الآخر. *** بعد منتصف الليل. بمحطة قطار القاهرة.
ترجل آصف من القطار وسار إلى أن خرج خارج المحطة. تبسم لذاك الذي ترجل من السيارة واقترب منه قائلًا: حمد الله عالسلامة يا باشا. مبروك الفوز في القضية. تبسم له آصف قائلًا: متشكر. فين السيديهات اللي وصلت ليها. تبسم له قائلًا: السيديهات في شنطة في العربية يا باشا. تبسم له آصف قائلًا: تمام. عمولتك محفوظة. روح إنت لولادك تصبح على خير. تبسم له الآخر قائلًا: خيرك سابق يا باشا. تصبح على خير.
غادر الآخر، وصعد آصف إلى السيارة. رأى تلك الحقيبة الموضوعة على المقعد المجاور لعجلة القيادة. أشعل السيارة وبدأ في قيادتها، لكن آتى إلى عقله ذكرى قديمة، حين قرر الزواج من سهيلة قبل مقتل سامر. كان عائدًا أيضًا بهذا الوقت من "أسيوط". كان بداخله أمنيات جميلة يتمنى أن يصل لها لكن القدر وقتها حطم كل تلك الأمنيات. بهذه الأقراص، هل يوجد حقيقة هوية قاتل سامر الذي مازال ينعم بلا قصاص؟
زفر نفسه بعقل تائه. لا يوجد طرف خيط يدل على هوية القاتل. يتمنى أن يجد بين تلك الأقراص ذاك الطرف. بعد قليل، وصل إلى الشقة ودخل إليها. سار بالممر بين الغرف. كانت غرفة سهيلة بابها مفتوح. تنهد هو يعلم أنها لم تعد من المشفى بسبب موعد عملها. نظر إلى ساعة يده لم يتبقى أمامه وقت كثير للعودة. ربما هي بالطريق الآن. رغم شعوره بالإجهاد، لكن فضل انتظارها ورؤيتها. لكن رغم دفء الشقة يشعر بالبرد فقال:
أما أروح المطبخ أشرب أي حاجة دافية. بالفعل فتح الثلاجة وأخذ منها عبوة حليب وسكب القليل في إناء صغير ثم وضعه على الموقد وأشعله. ثم انتظر قليلًا حتى اقترب من الغليان. أطفأ الموقد وحمل الإناء، سكب ما به في كوب زجاجي، ثم توجه إلى باب المطبخ. بنفس الوقت دخلت سهيلة إلى الشقة تشعر بالإرهاق هي الأخرى، لكن لاحظت نور قادم من المطبخ. استغربت
ذلك لكن أخبرت نفسها: يمكن طنط شكران ولا الخالة صفوانة. أما أروح أشوف مين فيهم وأسألها إيه اللي مسهرها لحد دلوقتي. بالفعل توجهت نحو المطبخ بنفس اللحظة التي وصلت فيها إلى أمام المطبخ. كان آصف يضع يده على زر الإنارة وأطفأه وخرج من باب المطبخ يصطدم بجسد سهيلة التي أصبحت بين يديه. بينما انخضت سهيلة حين تفاجأت بـ آصف. للحظة لم تنتبه أنها بين يديه وقالت بتلقائية واستغراب: آصف! إمتي رجعت؟
رغم تلك الحرارة الذي يشعر بها في كفه يده بسبب انسكاب جزء من اللبن الساخن عليه، لكن هنالك حرارة أقوى في قلبه وهو يشعر بأنفاس سهيلة قريبة منه، كذلك جسدها. كأنها تحتضنه بالفعل. هو احتضنها بيده الخالية. للحظة غفى عقل سهيلة ولكن سرعان ما انتبهت وعادت للخلف. رغم أنها لم تشعر بالرهبة في هذا الوقت، لكن عادت تسأله: إمتي رجعت؟ مش كنت بتقول هتبات ليلتين في أسيوط. نظر لها قائلًا عن قصد: مكنتش أعرف إن رجوعي قبل ميعادي هيضايقك.
استغربت سهيلة وكادت تزلف قائلة: وأيه اللي هيضايقني في رجوعك، بالعكس... قصدي بس اتفاجئت. نظر آصف إلى ملامح وجهها سائلًا: ويا ترى مفاجأة حلوة ولا... نظرت له سهيلة وصمتت للحظات تشعر بشعور غريب، قبل أن تقاومه قائلة بتوهان: أكيد جاي من أسيوط مرهق وأنا كمان مرهقة. هروح أنام. تصبح على خير. تبسم آصف رغم غصة قلبه ومد يده بكوب اللبن لها قائلًا: خدي إشربي كوباية اللبن دي هتخليكي تسترخي وتنامي بهدوء. رفضت سهيلة قائلة: لأ مش....
قاطعها آصف وارتشف منها بعض قطرات ثم قال: على فكرة ده لبن مش محطوط فيه أي حاجة غير معلقة سكر واحدة. فهمت سهيلة قصد آصف أنها تشك أن يكون واضع أي شيء ضار بكوب اللبن. شعرت بوخز في قلبها. هو فهمها خطأ. لم يصل تفكيرها إلى ذلك، هي فقط لم تريد أن تأخذ شيئًا أعده لنفسه. مدت يدها وأخذت كوب اللبن منه قائلة: تصبح على خير يا آصف.
تبسم لها آصف وتنهد باشتياق بعد أن دخلت إلى غرفتها. عاد للمطبخ سكب كوب آخر من اللبن وأخذه وذهب إلى غرفته. لكن باب غرفة سهيلة كان مغلقًا. بالتأكيد هي أغلقته حتى تقوم بتبديل ملابسها. ذهب نحو غرفته وضع كوب اللبن على طاولة جوار الفراش وترك جسده يتمدد على الفراش بتنهد بسعادة يشعر بأمل. سهيلة لم ترتجف وهي بين يديه قبل قليل. يكفيه ذاك العناق بعد إرهاق اليوم.
بينما سهيلة دخلت إلى غرفتها أغلقت الباب عمدًا حتى تهدأ تلك المشاعر التي تسيطر عليها. كأنها نسيت أن الذي أمامها آصف، بل هنالك شعور آخر تشعر به الآن عكس ليلة أمس. كان هنالك رهبة في قلبها. الليلة زالت تلك الرهبة. أيعقل أن آصف أصبح مصدر أمان لها. *** بعد مرور عشر أيام. بشقة آصف.
استيقظ من نومه على صوت رنين هاتفه. فتح عينيه بضجر وجذب هاتفه ونظر إلى الشاشة. قرر عدم الرد والعودة إلى النوم مرة أخرى، لكن استمر رنين الهاتف بإلحاح. غصبًا قام بالرد ليسمع اندفاع آيسر قائلًا: إنت نايم وناسي إن فرح أخوك النهارده ولازم تكون جانبه وتساعده. تثاءب آصف وقال باستهزاء: وهساعدك في إيه، هحلقلك دقنك، ولا ألبسك البدلة. تبسم آيسر قائلًا: لأ تبقى جانبي تديني نصايح وتحفيز وتشجيع كده، بصفتك راجل متجوز.
تهكم آصف بسخرية قائلًا: أنا واحد ينفعك في المواضيع دي. كنت نفعت نفسي. أقولك اتصل بـ "أسعد شعيب". هو عاش التجربة دي تلات مرات أكيد عنده خبرة مضمونة في التعامل مع الزوجة في أول ليلة. بس أعتقد ده كان مع الاثنين الأولانيين كان هو الخبير مكنش عندهم خبرة. إنما الليدي شهيرة أعتقد هي اللي كانت خبيرة. يلا طالما صحيت هقوم أفطر وبعدها هاجيلك الأوتيل اللي إنت مطرود ليه مؤقتًا. تبسم آيسر قائلًا:
مش لوحدي مطرود. كمان عم مدحت هنا معايا في الأوتيل. بعد ما ماما هي وصفوانة باتوا مع رومس في الشقة عشان تجهيزاتها للفرح. رومس ليها حظ عني لقت اللي يساعدوها. تبسم آصف قائلًا: تصدق صعبت عليا وحسيت إنك لقيط. يلا بطل رغي هقوم أفطر وبعدها هاجيلك. تبسم آيسر بمرح قائلًا بمغزى: أوعي تنتهز الفرصة إنك مع سهيلة لوحدكم في الشقة وتنساني هنا لوحدي... الشيطان شاطر. ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما. ضحك آصف قائلًا:
طب ياريت الشيطان يبقى تالتنا. يلا كفاية رغي عالصبح. أغلق آصف الهاتف وضعه جواره على الفراش. ظل قليلًا ثم نهض من فوق الفراش وعن قصد منه بدل ثيابه إلى بنطال منزلي وفوقه كنزة تشبه. لكن ترك سحابها مفتوحًا إلى منتصف بطنه، وذهب إلى المطبخ.
بينما بغرفة سهيلة استيقظت من النوم هي الأخرى على صوت تنبيه هاتفها التي قامت بضبطه ليلة أمس بعد أن جفاها النوم لأوقات طويلة. خشيت أن يسحبها بغفوة وتنام دون أن تدري ويسرقها الوقت حين تستيقظ. لابد أن تذهب إلى شقة آيسر كي تساعد روميساء في التجهيزات الأخيرة لعُرسها اليوم. كانت تود المبيت معهن بتلك الشقة ليلة أمس، لكن شكران أخجلتها حين طلبت منها العودة لشقة آصف من أجل أن تجلب لها بعض الأغراض الخاصة بها. وكان قد تأخر الوقت لعودتها إليها بنفس الليلة. طلبت أن تأتي لها معها صباحًا.
نهضت من فوق الفراش وارتدت مئزر ثقيل فوق منامتها وذهبت نحو المطبخ، لكن توقفت على باب المطبخ حين رأت آصف يقف خلف الموقد يعطيها ظهره. ظلت صامتة للحظات حتى قال آصف: صباح الخير يا سهيلة. استجمعت شجاعتها ودلفت خطوات إلى المطبخ. لكن فجأة تيبس جسدها حين استدار آصف لها ورأت صدره العاري أسفل منامته المفتوح سحابها إلى منتصف بطنه. شعرت بتوتر كذالك رجفة. لكن تعمد آصف الاقتراب منها قائلًا:
أنا جهزت الفطور لينا خلينا نقعد نفطر هنا في المطبخ. اقترب آصف أكثر عن عمد منه حتى أصبح الفرق خطوة واحدة. عادت سهيلة للخلف بتلقائية قائلة بتهرب: أنا مش جعانة. هروح أجهز الأغراض اللي طنط شكران طلبتها مني. قبل أن تخطو سهيلة خطوة أخرى جذبها آصف من ساعد يدها وضمها لصدره ونظر إلى عينيها قائلًا: الفطور هيبرد. خلينا نفطر الأول وبعدها الأغراض مش هتاخد وقت.
نبرة آصف الناعمة زادت الرجفة بجسد سهيلة، لكن استغربت تلك الرجفة ليست رهبة أو خوف منه كما كان سابقًا. لكن نظرت إلى يده التي تقبض على ساعدها تذكرت تلك الأصفاد. أغمضت عينيها للحظة وحين فتحتها تفاجأت بـ آصف كاد يقبلها. لكن هي عادت برأسها للخلف وسحبت يدها من يده قائلة: تمام خلينا نفطر. سأم قلب آصف بغصة بعد أن فشل في نيل تلك القبلة، لكن تبسم لـ سهيلة التي جلست خلف تلك الطاولة تقول بمدح:
لأ شكل السفرة كتير حلو يفتح النفس. هفطر بسرعة وأجيب أغراض طنط شكران، وبعدها أبقى وصلني لعندها. تبسم آصف وهو يجلس جوارها يتناولان الطعام بحديث هادئ بينهم. كل منهم لا يعلم كيف مرت عليه الليلة الماضية وهما وحدهما بالشقة. آصف قاوم كي لا يذهب لها مشتاقًا. سهيلة قاومت تلك الرهبة في قلبها. ......... مساءً. بقاعة العُرس.
أثناء الرقصة الأولى للعروسين، كان آيسر يضم روميساء بين يديه، كذالك آصف الذي يشاركه هو الآخر بالرقص مع سهيلة المتوترة.
وضعت شكران يديها أسفل ذقنها تبتسم بإنشراح في قلبها وهي تنظر إلى آصف وآيسر اللذان يضمان زوجاتهن بين أيديهن. كل منهم بهذه اللحظة يشعر أنه امتلك سعادة الكون بوجود من امتلكن خفقات قلبيهن. رغم أنها على يقين أنهن عنيدات، لكن يكفي بسمة ولديها الآن. غامت دمعة بعينيها على الثالث المفقود لكن موجود بقلبها. تنهدت بألم لكن أخفت ذلك خلف بسمتها التي خرجت من قلبها أيضًا. الحياة ليست وردية، هنالك أيضًا خطوط سوداء تترك آثارها واضحة في القلب.
كذالك بعض الانحناءات لتواكب الوقت. هي انحنت لـ أسعد حين أخبرها بزواجه من شهيرة. ربما لم يكن انحناءً، كان احتياجًا من أجل راحة أبنائها، لكن هي من وضعت آلامها بصدرها الذي لم يتحمل كثيرًا ومرضت، لكن ربما شعرت ببعض التعافي حين ابتعدت عن سبب ذاك الألم "أسعد شعيب".
بينما عين أسعد رافقتها طوال الوقت بحركتها بخفة بين ضيوف العُرس. لأول مرة يلاحظ أنها مجاملة ولبقة، عكس تلك الانطوائية الذي كان يظنها. هي لم تكن انطوائية، بل كانت شخصية تفضل منزلها عن تلك المظاهر المنافقة. عيناهُ رأتها الليلة بنظرة مختلفة. امرأة يتمناها أي رجل. وإن كان هنالك عروس الليلة فهي..... شكران.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!