الفصل 13 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
18
كلمة
6,398
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

منذ أن عادت سهيله بعد منتصف ليلة أمس من المشفى وهي تُلاحظ أن هنالك خطب ما تحاول إخفاؤه. كذالك ملامحها وشرودها منذ عادت مساءً يؤكد حدسها. أدعت النوم، رغم ضجرها من صوت ضجيج الفراش بسبب تقلبات سهيله عليه. شعرت بها حين نهضت من فوق فراشها وخرجت بهدوء من الغرفه. ظلت لحظات قبل أن تنهض كي تعلم إلى أين ستذهب. بعد لحظات وقفت خلف باب الغرفه تنتظر حتى سمعت صوت وقوع شيء على الأرض، كذالك سمعت صوت طرق سهيله على باب غرفة والدايهم.

ظلت لحظات قبل أن تخرج من الغرفه وتسحبت تنظر ناحية غرفة أخويها. تنهدت براحه وهي تقف خلف باب غرفة والدايها تتسمع على ما تُخبرهم به سهيله بهذا الوقت والتي لم تعد تستطيع إخفاؤه للصباح. للحظه تهكمت بإستهزاء حين سمعت بوضوح إخبار سهيله لهما أن هنالك من يريد الزواج بها. لكن سرعان ما ذُهلت حين أجابتهم بهوية ذلك الشخص. أعادت لفظ اسمه بعدم تصديق: "آصف شعيب"!

"مش معقول." تهكمت بحقد وهي تفكر وتذكرت تلك الرسائل الغراميه التي قرأتها سابقًا على هاتف سهيله. ثم همست: "حتى لو المحكمه برأته، معقول يكون مغرم بها للدرجه الكبيره اللي تخليه ينسى إدعائها بالكذب على أخوه عشان تطلع من القضيه." تحير عقلها لكن توقفت عن الهمس لنفسها تسترق السمع كي تسمع رد والداها. "لاء، مستحيل." قالت سحر تلقائيًا.

عبس وجه سهيله. لاحظ أيمن تبدل ملامح سهيله من البدايه من مترقبه وهي تخبرهم إلى عابسه بألم بعد رفض سحر السريع. فكر للحظات ثم قال بهدوء: "تمام، إديني يومين أفكر يا سهيله." رغم أنها كانت تود أخذ الرد في الحال، لكن امتثلت لقرار والداها ونهضت من فوق الفراش قائلة: "تمام يا بابا، تصبحوا على خير." تبسم لها أيمن قائلاً بأبوة: "وإنتِ من أهلهُ." خرجت سهيله من الغرفه وأغلقت خلفها الباب. بينما تتبعت سحر خروجها حتى أغلقت الباب

ونظرت لأيمن باعتراض قائلة: "ليه ما رفضتش ونهيت الموضوع من أساسه؟ أشار لها أيمن بيده أن تذهب بجواره على الفراش. بالفعل امتثلت لذلك وجلست بجواره وعاودت سؤالها: "ليه ما رفضتش وخلصنا، إنت عارف مين آصف شعيب... يبقى أخو... قاطعها أيمن قائلاً: "عارف إنه أخو سامر اللي هي اتهمت في قتله، ويمكن ده السبب اللي خلاني أنتظر قبل ما أقول قراري أيًا كان... سواء قبول، أو رفض." تسرعت سحر: "ترفض طبعًا."

تنهد أيمن قائلاً: "بلاش تسرع يا سحر." نظرت له سحر باستغراب سائلة: "أوعي تقولي إنك هتوافق."

رد أيمن بتردد: "والله حيران، وقبل الحيرة كمان خايف على سهيله. سهيله عندها تخبط وكمان حاسة بقهر في قلبها من نظرات الناس وزملائها في المستشفى، اللي في منهم رغم إن المحكمة ظهرت براءتها بس هما مش متقبلين ده. سهيله ضعيفة وخايف آخد قرار وأرفض آصف وهي شكلها موافقة عليه، والا ما كانتش جت وقالت لنا في وقت زي ده كان بسهولة تقدر تستنى للصبح... بحاول أفكر بدماغ سهيله...

سهيله ممكن في دماغها إن موافقتها عالجواز من آصف شعيب فرصة تظهر براءتها للناس واللي مش مصدقها أو مش متقبل براءتها لما تتجوز من آصف هيتقبلها غصب، ما هو مش معقول واحد هيقبل يتربط بجواز من واحدة قتلت أخوه إلا لو كان مصدق فعلًا إنها بريئة." فهمت سحر تبرير أيمن. شعرت بوخز

قوي في قلبها وقالت بألم: "فعلاً بحس سهيله رغم إنها خرجت من السجن وكمان خدت براءة بس بتخاف تبص في عيون اللي حواليها، بس ممكن يكون تفكيرها غلط. وموافقتنا على جوازها من آصف تخلي الناس تفكر إن ممكن يكون فعلًا المرحوم سامر غصبها وإن جوازها من أخوه تصحيح غلط. رأيي بلاش نفكر كتير. سهيله لسه صغيرة وكده كده الناس كلامهم مش هيخلص وهيجي وقت ويتنسى اللي حصل." نظر لها أيمن وأومأ رأسه مازال يشعر بحيرة ممزوجة بخوف.

بينما عادت سهيله إلى غرفتها تشعر بخيبة. كانت تظن أن والدايها سوف يفهمانها ويوافقان. كذالك شعور آخر بالترقب من ناحية آصف. هي ليس لديها قرار تقوله له الآن. حسمت أمرها وتنهدت تشعر بتوهان. حاولت النوم، لكن جفاها. حتى بعد وقت قليل سمعت صوت رسالة آتيه لهاتفها. دون أن تمسك الهاتف تعرف أن تلك الرسالة آتيه من آصف. فكرت في عدم الرد فبماذا سوف تخبره؟

حاولت التغاضي عن تلك الرسائل، التي توالت خلف بعضها، لكن غصبًا سحبت الهاتف من فوق تلك الطاولة مرغمة بعد تكرار الرسائل. كذالك ضجر هويدا التي سمعت كل حديثها مع والدايهم وقبل خروج سهيله من الغرفة أسرعت بالعودة لفراشها. نهضت بتأفف أشعلت ضوء أباچورة بجوارها، ونظرت إلى سهيله بإدعاء الإزعاج قائلة: "إيه الرسايل الكتير اللي جايه لموبايلك في وقت زي ده. اعمليه صامت، صوت الرسايل عمل دوشة وصحاني من النوم...

وبعدين مين اللي بيبعتلك رسايل في وقت زي ده، إيه ده كمان بيرن." إرتعشت يد سهيله حين أمسكت الهاتف الذي لسوء حظها تعالى صوت رنينه. بسبب رجفة يدها بالخطأ أغلقت الاتصال. تهكمت هويدا قائلة: "مين المزعج اللي بيبعت رسايل وكمان بيتصل عليكِ وليه قفلتِ في وشه." ردت سهيله بارتباك: "مفيش. الرسايل من شركة الاتصالات واللي بيتصل رقم معرفوش وأهو قفلت صوت الرسايل عشان تعرفي تنامي. تصبحي على خير."

تهكمت هويدا ساخرة بحركة شفاها وأطفأت الإنارة. ثم عاودت التسطح فوق الفراش تشعر بانشراح غريب عليها. بينما سهيله مازال الهاتف بيدها. رغم عودة ظلام الغرفه وكتم صوت الرسائل، لكن كان الهاتف يضوي بيدها. بسبب تلك الرسائل، إرتجف قلبها، لا تعرف ماذا تفعل. هل ترد عليه وتقول له أن والدها طلب مهلة يومين للتفكير؟ تحير عقلها. ماذا لو ظن آصف أن هذا رفض مبدئي؟

لكن ليس أمامها شأن آخر. قامت بإرسال رسالة له بقرار والدها برغبتهم أخذ مهلة يومين قبل الرد. وللغرابة سريعًا أرسل لها آصف رسالة بتقبل الأمر ببساطه. لكن هناك إيحاء بالآخر كلمتين بالرسالة: "ياريت بلاش يكون ده تمهيد للرفض." ماذا ترد عليه... هي بحيرة، لكن أرسلت له رسالة، مفادها أن يتفائل بالخير. أغلقت الهاتف بعد تلك الرسالة الهادئة من آصف: "أنا متفائل يا حبيبتي وهنتظر اتصالك بقرار والدك."

"حبيبتي" تلك الكلمة التي أصابت قلبها مباشرة، أشعلته وبنفس الوقت هدأت ارتجافه. تبسمت وهي تُغمض عينيها تحتضن الهاتف كالمراهقات. سرعان ما غاصت بالنوم. ***

بينما بسرايا شعيب. مازال ساهداً للنوم كان ينتظر رد سهيله بقرار موافقة والداها. أخفق فيما كان يتوقع، كان يتوقع موافقة مباشرة. في البدايه شعر بعصبية، لكن سرعان ما أوحى له عقله أن هذا بالتأكيد تعزيز لها من والداها، ومجرد وقت والموافقة مضمونة. تلاعب بذكر كلمة "حبيبتي" رغم أنه قصد بها التلاعب على مشاعر سهيله، لكن خرجت فعلًا من قلبهُ، الذي بصراع. كل شيء يظهر أمام عقلهُ بصورة عكسية يعتقد أنها صحيحة. *** بعد مرور يومين.

ظهراً. بالقاهرة. آتيليه شهيرة. بغرفة خاصة للتمهيد وتدريب العارضات للسير عبر مسرح العرض بطريقة المحترفين. كان رامز هو من يتولى ذلك الشأن، مع هؤلاء الفتيات التي كن يستوعبن ما يدربهن عليه بقبول منهن لبعض التحرشات منه بمفاتنهن، يتغاضين عن ذلك من أجل أن يأخذن فرصة القبول في العرض النهائي. إلى أن دلفت تلك الفتاة، تلهث وهي تعتذر: "آسفة، بس كان عندي محاضرة في الجامعة واتأخرت."

نظر لتلك الساعة الأنيقة بساعد يدهُ، ثم لها قائلاً بنبرة حادة بعض الشيء: "المفروض ده أول ميعاد ليكِ عشان تبدأي التدريب على ماشية العارضات عالبيست وقت العرض وجاية متأخرة نص ساعة. أنا مش بقبل أي أعذار." تحدثت الفتاة برجاء: "متآسفة وأوعد حضرتك تكون آخر مرة أتأخر." تهكم على قولها: "حضرتك دي تقوليها للدكتور بتاع الجامعة، هنا تقولي لي 'مستر أو مسيو' رامز...

" توقف للحظات ينظر لجسدها بتمعن ثم بإعجاب بجسدها المثالي لعارضة الأزياء، هذا ما غفر لها عنده قائلاً: "أول وآخر مرة هتنازل بس عشان فعلًا، مقاسات جسمك كعارضة مظبوطة، مش زي بعض اللي هنا بتفطر بحلة المحشي وإحنا نكلف جيم عشان تخس الكام كيلو اللي زادتهم قبل العرض. اتفضلي ادخلي غيري البنطلون الجينز والجاكيت اللي عليكي وإلبسي اليونيفورم المناسب للتدريب، بسرعة قدامك تلات دقايق مش أكتر، تأخير ثانية زيادة يبقى...

ردت بتسرع: "قبل التلات دقايق هكون جاهزة." بالفعل بعد أقل من ذلك عاودت إلى الغرفة بعد أن بدلت ثيابها بذلك الزي الضيق الذي يُبرز جسدها الشبه نحيل شبه خالي من الأنوثه لكن ممتاز لعارضة أزياء. اقتربت من رامز الذي مدحها: "كويس رجعتِ قبل التلات دقايق، اتفضلي خلينا نبدأ التمرين على ماشية البيست." بدأت بالسير أمامه بطريقة قريبة من تلك الماشية الخاصة بالعارضات المحترفات، زاد إعجابه بها لكن لابد من إبراز خبرته. قال

بمدح مصحوب ببعض التعديل: "براڤوا، إنتِ أفضل بنت في المجموعة بس محتاجة شوية تمرينات. هنبدأ فيهم دلوقتي، أتمني بقية البنات تنتبه للتمرينات دي لأن خلاص قربنا على ميعاد الديفليه والبروڤات وقتها هتبقى على فساتين الديفليه. قربي مني." اقتربت منه وبدأ ببعض التوجيهات الخاصة مثلما كان يفعل مع الأخريات، بل أحيانًا كان يزداد العبث بجسدها قصدًا وهي لا تبالي.

بعد قليل وقف يُصفق لها قائلاً: "كده بريفيكت، أعتقد إنك هتبقي الموديل الرئيسي للعرض الجاي." بنفس الوقت دلفت شهيرة إلى الغرفة. تبسمت وهي تراهن بدأن في الوصول إلى صورة العارضات. رغم رؤيتها لتحرشات رامز لم تبالي هي الأخرى طالما لم تشتكي إحداهن. مدحتهن، وقفن ينظرن لها برغبة وأمل أن يصبحن مثلها يومًا. هي كانت مثلهن إلى أن آتت لها فرصة. لكن تحدثت إحداهن بحزن وذكرت اسم شهير لمصمم

أزياء وأتبعت قولها بآسف: "الخبر بيقول إن الشرطة لقت جثته في الفيلا بتاعته وبقاله يومين تقريبًا ميت." انصدمت شهيرة وشعرت بخفقان في قلبها. استأذنت وغادرت الغرفة. ذهبت إلى مكتبها، دلفت جلست على مقعد الإدارة أخفضت رأسها ووضعتها بين يديها، تشعر بوخزات قوية في قلبها، حتى أن دمعة سالت من عينيها. لكن سرعان ما جففتها بعد أن سمعت صوت فتح مقبض باب الغرفة. رفعت رأسها وأنزلت يديها فوق المكتب. نظرت لـ رامز حاولت إجلاء صوتها

كذالك إخفاء مشاعرها قائلة: "خلصت تمرين البنات." نظر لها متهكمًا بسؤال يستهزئ بملامح وجهها الواضح عليها التأثر: "إيه كان لسه عندك مشاعر له، رغم إنه زمان خذلك ورفض يتجوزك بعقد رسمي ويديكِ الشهرة والسطوة اللي كنتِ بتتمنيها. ولو ما كانش أسعد ظهر لك في الوقت المناسب، يمكن كان زمان زهوة اسم 'شهيرة صفوت' اختفت زي أي عارضة أزياء بتاخد شهرة مجرد وقت بس تظهر غيرها تاخد مكانها بسهولة وتبقى اللي قبلها مجرد عارضة عادية."

نظرت له بغيظ وقالت بغضب: "أعتقد أنت كنت من ضمن استفاد من جوازي بـ أسعد، كان زمانك صايع أو حتى يمكن انتحرت بعد إفلاس بابا، بسبب جوازي من أسعد بقيت مدير آتيليه أزياء له اسم وشهرة كبيرة، غير البنات اللي بتتحرش بيهم وهما ساكتين، كان زمانك بائس." جلس على مقعد أمامها وقام بوضع ساق فوق أخرى قائلاً

بهدوء: "أنا بعترف بفضلك عليا، بس حبيت أسليكِ الحزن على المرحوم اللي زمان غدر بيك، بعد ما اتجوزك عرفي لشهرين ولما بقيتي حامل رفض ده وأجبرك على عملية إجهاض وانتِ حامل في الشهر الرابع. مصعبتيش عليه لا انتِ ولا ابنه، ابنه اللي يمكن لو كان مكتوب له الحياة كان ورث اسمه وكمان ثروته، يا حرااام هتروح للجمعيات الخيرية، يمكن يستنفع بها اللي يستحق أكتر، يبعتوا له رحمة تغفر له جزء من ذنوبه. أنا بقول بلاه الحزن ميستاهلش، وخلينا نركز في الديفليه الجاي، ويمكن موته في الوقت ده ينفعنا. هو تقريبًا كان المنافس الأكبر لينا ودي فرصتنا إننا نحول الأتيليه لـ دار أزياء وخط موضة خاص بينا ونبقى توب وان في مصر."

تبدلت بلحظة ملامحها الحزينة إلى أخرى متطلعة ومتأملة ومتمنية بشدة. *** بالجامعة. قبل قليل. أثناء سير يارا بأحد ممرات الجامعة رأت طاهر يسير مع أحد زملائه ومعهم فتاتان أيضًا. سرعان ما رسمت بسمة واضحة على وجهها، رغم أن طاهر يراها لكن تجاهل بسمتها له عمدًا وأكمل سير دون النظر لها.

شعرت يارا بغصة في قلبها. حاولت كبت تلك الدمعة بين أهدابها، وتركت صديقتها التي كانت تسير معها، وأخذت قرار تنازلت عن غرورها. ذهبت خلف طاهر وقامت بالنداء عليه. نطقها لاسمه كأن صداها يدلف لقلبه مباشرة. في البداية تجاهل ندائها، لكن ندائها مرة أخرى وكذالك ملاحظة زملائه جعله يقف بينما أكمل زملائه سيرهم. بصعوبة استدار بجسده ينظر له

وهي تقف أمامه قائلة بعتاب: "مالك في إيه بقالك كم يوم مش بترد على رسايلي كمان شفتني كذا مرة في الجامعة وفي الكافتيريا وبتتجاهلني، كمان دلوقتي، فوتت في الممر من جانبي." حاول عدم النظر لها وقال بنبرة جمود: "وأنا ليه هتجاهلك، كل الحكاية إني ما أخدتش بالي منك، وعامل كل رسايل الموبايل صامت عشان مشغول الفترة دي." لا تعلم كيف تنازلت وسألته: "ويا ترى كل إشعارات الرسايل عندك صامتة ولا رسايلي أنا بس."

استغرب قولها سألًا: "مش فاهم قصدك، بس أكيد للرسايل كلها، محتاج أركز كمان مشغول بين الدراسة وشغلي في مركز الصيانة، عارفة إني في آخر سنة وبيطلب مننا مشاريع تخرج كتير... عن إذنك عندي سكشن عملي دلوقتي ومش لازم أتأخر عليه." تركها وذهب يشعر بوجع كأن هنالك سكين انغرس بجزء من قلبه.

بينما يارا لم تستطيع كبت دمعة عينيها من تلك الطريقة الجافة التي تحدث بها معها، كأنها لا تعني له أي شيء. لأول مرة تشعر أنها لا شيء. هربت سريعًا وخرجت من الجامعة تسير بلا هوادة إلى أن وجدت نفسها تجلس بحديقة عامة. تنظر إلى هؤلاء الأطفال الذين برفقة أبويهم يلهون ببعض الألعاب البسيطة لكن كانت أصوات ضحكاتهم تُجلجل بسعادة. لما لم تحظى بلحظات مثل تلك. تنهدت تشعر ليتها كان والداها مثل هذين الأبوين البسيطين لكن بينهم دفء عائلي. هي ولدت لأب لديه زوجة وأبناء من أخرى يقتسم بينهم الوقت.

تبسمت لتلك الصغيرة التي اقتربت منها وأعطتها جزءً من شطيرة طعامها قائلة: "إنتِ قاعدة هنا زعلانة عشان جعانة." تبسمت بدفء لتلك الصغيرة وأخرجت من حقيبتها قطعة من الشيكولاتة المغلفة، لكن الصغيرة أبت أخذها. تبسمت لها وقامت بقطع التغليف وقضمت منها قطعة ومضغتها. تبسمت لها الصغيرة وجلست لجوارها يتشاركان الشطيرة وقطعة الشيكولاتة، وبدأن بالثرثرة معًا كأنهن الاثنتين بعمر واحد. شعرت بهدوء.

بينما تبسم ذلك الذي غص قلبه بعد حديثه الجاف معها وذهب خلفها. شعر بندم لما يتعامل هكذا. يارا رغم أنها ابنة ذلك المتغطرس الذي هدد أخته مرات مستقويًا بسلطته البرلمانية، شفق قلبه عليها. لابد أنها تعاني من زواج والدها ب أخرى غير والدتها. *** ليلًا. منزل أيمن.

وضعت سحر طعام العشاء على تلك الطاولة الأرضية، ثم قامت بالنداء على الجميع إلى أن أتوا جميعًا وإلتفوا حول تلك الطاولة. شرعوا في تناول الطعام. لاحظ أيمن عبث سهيله بالملعقة بطبق الطعام الذي أمامها دون أن تأكل. كذالك لاحظت هويدا ذلك. تبسمت وقالت بقصد: "بابا عادل قال لي إنه حجز قاعة الفرح بعد شهرين ونص." استغربت سحر ذلك وقالت باستفسار: "وليه التأخير ده كل شيء جاهز."

ردت هويدا: "هو ده الميعاد اللي عرف ياخده بسبب زحمة الأفراح الفترة الجاية في القاعة دي." ردت سحر: "وهو مفيش قاعات غير دي، كان شاف غيرها كل القاعات زي بعض." ردت هويدا: "فعلاً، قولت كده بس هو اختار القاعة دي وشهرين ونص مش كتير حتى يكون الشتا قرب ينتهي." مازالت عين أيمن على سهيله التي تبدو شاردة. شعر بغصة. بينما قصدت هويدا القول: "كمان تأخير الفرح يكون مر وقت طويل والناس نسوا موضوع سهيله." نظرت لها سهيله بعتب ولم تتحدث.

بينما قال طاهر بدفاع: "وأيه دخل موضوع سهيله في تأخير فرحك، وبعدين سهيله خلاص خدت براءة واللي يصدق براءتها أو ميصدقش فهو حر شئ يرجعله المهم إنها أخدت البراءة اللي تستحقها من البداية." تبسمت سحر لـ طاهر ونظرت لـ هويدا بآسف. كادت هويدا أن تبرر قولها لكن ألجمتها سحر قائلة: "بلاش كلام عالأكل خلونا نتعشى في هدوء."

بعد قليل، انفض الطعام ونهض الجميع. دخل أيمن إلى غرفة سهيله وهيويدا. تبسم لـ سهيله قائلاً: "سهيله اعملي لي كوباية شاي وهاتيها لي في أوضة الجلوس." أومأت سهيله برأسها ونهضت قائلة: "حاضر يا بابا." تهكمت هويدا بداخلها أن والدها له غرض آخر من ذلك الطلب وإلا لطلب من والدتهم. بالفعل بعد قليل دلفت سهيله إلى غرفة الجلوس وجدت أيمن يجلس يقرأ إحدى الجرائد الورقية. تنحنحت قائلة: "الشاي يا بابا." طوى أيمن الجريدة ووضعها على الأريكة

بجواره وتبسم وهو يقول لها: "حطي الصنية عالترابيزة وتعالي اقعدي هنا جنبي عالكنبة." وضعت سهيله الصنية وذهبت نحوه جلست بجوارهُ. وضع يدهُ على كتفها قائلاً دون مقدمات: "سهيله أنا فكرت في طلب آصف وموافق أقابله، بس مش معنى كده إني موافق على طلب الجواز، لازم أقعد معاها الأول قبل ما أقول قراري الأخير، وكمان يجي ومعاه أبوه."

في البدايه انشرح قلب سهيله لكن خفت قلبها مرة أخرى بعد استرسال حديثه. كانت تتمنى أن يعطيها قرارًا نهائيًا حتى لو كان بالرفض، أفضل ربما ينتهي هاجس الخوف التي تشعر به. تقع بحيرة بين قلبها أن تفقد آصف وعقلها الخائف من أن يظل شأن ما حدث مع "سامر" عائق بينهم. لكن آصف لا يعطي لها فرصة لإخباره بما حدث، وكذالك عاود يلاحقها ويشغل قلبها وعقلها برسائله واتصالاته عليها بإلحاح كما كان في السابق. تقبلت

حديث والدها بتردد قائلة: "تمام يا بابا." تبسم لها قائلاً: "اللي فيه الخير ربنا يقدمه." بعد قليل. عبر رسالة هاتفية أرسلت سهيله رد والدها على طلب آصف بإيجاز. وانتظرت رده الذي كان مفاجئًا حين تقبل الأمر ببساطة وأخبرها أنه غدًا سيأتي لمقابلة والدها ومعه والدهُ. تنهدت براحة ووضعت الهاتف فوق الطاولة وأضجعت بجسدها على الفراش تُغمض عينيها تود أن ترسو على قرار يبدل تلك الحيرة وأيضًا تنهي تلك الهواجس التي تخيف قلبها. ***

بالجيزة. رغم ضيق آصف من رسالة سهيله فهي ليست موافقة نهائية، لكن راوغ في الرد حتى لا يثير لديها أنه يضغط عليها لقبول الزواج. تنهد بضجر ثم فتح هاتفه وقام بالاتصال على والده الذي سرعان ما رد عليه وأخبره بضرورة الذهاب معه غدًا إلى منزل والد سهيله. وافق على مضض منه. *** بـ ڤيلا شهيرة. كانت نائمة فوق الفراش تنظر إلى سقف الغرفة شارده قليلاً إلى أن شعرت بـ أسعد الذي أضجع بجوارها على الفراش. رسمت بسمة برياء،

وسألته: "آصف كان بيتصل عاوز إيه؟ تبسم أسعد قائلاً: "عاوزني أروح معاه بكرة البلد عشان خلاص هيتجوز." ضيقت شهيرة بين حاجبيها وسألته: "ومين بقى اللي هيتجوزها من البلد؟ رد أسعد ببساطة: "سهيله." استغربت شهيرة سائلة: "سهيله بنت مين هناك؟ رد أسعد: "سهيله اللي قتلت سامر." ذهلت شهيرة وغرت

فاها بعدم تصديق قائلة: "مستحيل، إزاي تقبل بكده، دي قتلت المرحوم سامر ومش بس كده، لاء كمان شوهت صورته إنه مغتصب، إزاي آصف يقبل على نفسه يتجوز اللي قتلت أخوه معقول نسي بالسرعة دي، وإنت إزاي توافق طب هقول هو متحكم فيه قلبه، إنما إنت... قاطعها أسعد باستغراب سألًا: "قصدك إيه بـ أنه متحكم فيه قلبه وبيحبها." ارتبكت

شهيرة وتوهت بالحديث: "وأنا هعرف منين إن آصف بيحب المجرمة دي، بس مفيش تفسير تاني غير كده يخليه يقبل يتجوز اللي قتلت، كمان شكران هترضى بكده." تفهم أسعد تفسير شهيرة الخاطئ، وتقبله ببساطة، ثم قال لها: "شكران فعلًا مش موافقة، بس أنا وآصف وموافقين وده الأهم، والموضوع منتهي وكفاية نقاش فيه، أنا ملاحظ كده إنك مزاجك متعكر." بررت شهيرة ذلك بكذب قائلة: "أنا فعلًا مش في المود، بسبب الديفليه اللي ميعاده قرب حاسة إني متوترة."

تهكم أسعد قائلاً باستخفاف: "هو ده أول مرة تعملي ديفليه، عادي جدًا، عالعموم خلينا هنا وإنسي أي شيء برة الأوضة دي الليلة." أنهى حديثه بقُبلات يحثها على الاستماع معه تتخيل آخر عاشت معه نفس المشاعر وجنت الخذلان بالنهاية، لكن عوضت خسارتها لاحقًا. *** بعد مرور أكثر من شهر ونصف.

ما بين شد وجذب صد وردها هو اليوم يحصل على ما خطط له وتحمل الكثير وتنازل عن بعض الغرور من أجل أن يصل إلى هذه اللحظة. ها هو يقف أمام مرآة غرفته يُهندم ثيابه كـ عريس من أجل أن يذهب إلى أخذ عروسه من منزل أبيها. قام باستنشاق رذاذ ذلك العطر الخاص به والذي سبق وقالت له أنها لا تهواه تشعر بالغثيان منه سابقًا. تخلى عنه بعطر آخر لكن الليلة يفعل عكس ما هي تريد. بعد قليل. أمام منزل أيمن الدسوقي.

صف آصف سيارته وترجل منها لبضع خطوات ثم توقف قليلاً حتى رأى اقتراب أيمن وسهيله التي تتشبث بعضد يدهُ يُخفي وجهها وشاح أبيض.

خفق قلبه بشدة كم تمنى هذه اللحظة وحلم بها كثيرًا، وها قد أتت. لكن ذمه عقله على تلك المشاعر الضعيفة، وأخبره أن هناك عقاب لكذبها لابد من أخذه أولًا. رسم بسمة هادئة وهو يستقبل يد سهيله من والدها. رغم وجود قفاز بيدها لكن شعر ببرودة يدها. تغاضى عن ذلك ظنًا أنه ربما بسبب الطقس البارد. سريعًا رفع ذلك الوشاح عن وجهها. استهزأ من نظرة عينيها اللتان كانتا تنظران إلى أيمن، الذي تبسم لها بدعم.

عاودت النظر ناحية آصف كان لا يرتدي تلك النظارة المعتمة التي كان يضعها حول عينيه طوال الفترة الماضية. لأول مرة تنظر لعينيه منذ وقت طويل، لأول مرة تراهن نظرة لا تستطيع تفسيرها، لأول مرة تشعر بالبرودة في قلبها من نظرات عينيه لها. لاحظ آصف نظر سهيله لعينيه. أحاد بنظرة عنها وجذب يدها كي تسير معه نحو سيارتهُ.

سارت معه تشعر بزيادة خفقان في قلبها. فتح لها باب السيارة. نظرت نحو وقوف والدها الذي انضمت له سحر وبرفقتها آثمة. تبسمت لهم ورفعت يدها لهم تشير بوداع. ابتسمت حين أشاروا لها نفس الإشارة.

صعدت إلى السيارة، لم ينتظر السائق قاد السيارة سريعًا نحو سرايا شعيب. كان هناك حديث مقتضب بين آصف وسهيله بالسيارة كما أنها لفتت نظره إلى أنها تبغض هذا العطر. تغاضى عن ذلك إلى أن دلفت السيارة إلى فناء السيارة. أمر آصف السائق أن يتوقف بالقرب من تلك الغرفة الموجودة بالحديقة. توقف السائق، ترجل آصف من السيارة وانحنى يمد يدهُ لها كي تترجل هي الأخرى. بالفعل ابتسمت وهي تضع يدها بكف يده التي شعرت به شبه ساخن عكس برودة يدها كذالك الطقس.

ترجلت من السيارة وقفت مستغربة للحظات. توقعت أن تجد والدي آصف يقفان بإنتظارها للترحيب بها كأي عروس لكن تعجبت عدم وجودهم. كذالك وقوفهم بالقرب من تلك الغرفة الموجودة بالحديقة منعزلة عن السرايا. رأت إشارة آصف للسائق أن يذهب بالسيارة بينما جذبها آصف للسير معه رغم عدم إرادتها إلى أن وصلا أمام تلك الغرفة. توقف عن السير، وترك يدها وأخرج من جيب معطفه سلسلة مفاتيح وضع إحدى المفاتيح بمقبض باب الغرفة وقام بفتح بابها.

استغربت من فتحه لباب تلك الغرفة المزويه بأحد أركان حديقة السرايا، ودخوله إلى داخلها وأشارة يدهُ لها قائلاً بإستهزاء: "واقفة قدام الباب ليه. ادخلي برجلك الشمال يا عروسة." شعرت برعشة قوية بجسدها كله، وكأن ساقيها تيبسن ولم تستطيع الحركة، وظلت واقفة مكانها.

زفر نفسه بغضب وخرج من باب الغرفة وقبض بيده على معصم يدها وسحبها عنوة خلفه إلى أن دخلا إلى الغرفة وصفع بساقه باب الغرفة بقوة، ارتج صداها بالغرفة، الشبه خالية، كذالك دب الرعب بقلبها وهي تتجول بعينيها بالغرفة التي تشبه غرف "العزل الطبي القديمة" التي كانوا يستخدمونها لعزل المرضى النفسيين الذين يخشون خطورتهم.

فقط يوجد بالغرفة بعض المقاعد الخشبية وفراش حديدي يشبه فراش المشافي متوسط الحجم عليه مرتبة وبعض الوسائد الصغيرة، يحتلون جزء صغير من الغرفة التي تشبه "البدروم"، وباقي الغرفة خالي، كذالك أرضية الغرفة رغم أنها نظيفة، لكن أرضيتها تشبه خرسانة الأسقف. ازدردت ريقها الذي جف قبل أن تتحدث، سبقها بالحديث متهكمًا بجمود وتلذذ وهو ينظر إلى ملامح

وجهها الظاهر عليها الرعب: "إيه يا عروسة، أوعي تكون الأوضة مش عاجباكِ دي متشطبة ومفروشة وساية عشانك."

شعرت بهلع في قلبها، بلحظة حسمت أمرها عليها الخروج من هذه الغرفة لو ظلت لدقيقة واحدة ستختنق. رغم شعورها بتبس جسدها بالكامل لكن إرادة البقاء بداخلها تحكمت وأعطتها قوة واهية. رفعت ذيل فستانها بيديها، وحاولت السير نحو باب الغرفة بخطى بطيئة مثل الطفل الذي يسير لأول مرة. وكادت تصل إلى باب الغرفة، متجاهلة نظرهُ إلى ضعفها أمامه بتلذذ وهو يراقب خطواتها البطيئة.

وكان هو الأسرع حين أصبحت خلف باب الغرفة وكادت ترفع يدها وتضعها على مقبض الباب جذبها من يدها خلفه بقسوة حتى توقفا أمام الفراش ينظر لها وللفراش بتسلية. بصعوبة رفعت وجهها ونظرت لوجهه، ملامحه أصبحت حادة كذالك نظرات عيناه لها تحولت لقاتمة. ارتعشت شفاها حاولت الحديث لكن كأن صوتها ضاع.

بينما هو للحظة شعر بنغزة في قلبه وهو ينظر إلى ملامح وجهها الذي فقدت رونقها لكن بنفس اللحظة جاء إلى خياله صورة أخيه الأخيرة وذلك الضماد الدامي موضوع حول عنقه. نفض تلك النغزة بقلبه وحولها إلى تجبر ونظر لها قائلاً بإستقلال: "إيه كنتِ مفكرة إني هتجوزك وتدخلي 'دار شعيب' عروسة؟ إنتِ مقامك هنا البدروم ده، أنا جهزته مخصوص على قد مقامك عندي. ولا عشان بقيتي دكتورة هتنسي إنك بنت موظف كحيان."

رفعت رأسها ببطء وعادت تنظر له بخيبة وندم، وحاولت الحديث لكن خرج صوتها متحشرًا بكلمات غير مفهومة. ابتسم بزهو قائلاً بإستهزاء: "أكيد مش هنقضي الليلة في نظرات ملهاش معنى ولا لازمة." قبل أن تستفهم عن سبب كل هذا شعرت بيديه حول عنق فستانها وسمعت صوت تمزيقه للفستان قائلاً

بعنف: "قولتي في تحقيقات النيابة إن أخويا حاول الاعتداء عليكِ، عندي يقين إنك كذابة وكان افتراء منك. بس إن كانت المحكمة بتاخد بشوية أدلة وسهل خداعها أنا من الليلة هعيشك في سجن تتمني الإعدام يخلصك منه."

لم تشعر بدفعه جسدها لتهوي على الفراش إلا حين أمسك إحدى يديها وألقى تلك الوسائد الصغيرة من فوق الفراش على الأرض، وصوت زمجرة شيء معدني. علمت ما هو حين أدخل إحدى يديها وأغلقهُ على معصمه ثم أمسك اليد الأخرى وفعل نفس الشيء. تيقن عقلها إنها تلك "الأصفاد الحديدية" مثل التي توضع بأيدي السجناء، والتي وضعت بيديها سابقًا. كانت تود الصراح علها تجعله يستفيق من غلظة غليله الواضح، لكن حتى هذا غير قادرة عليه. انحشر صوتها. وهي تشعر به يكمل تمزيق ثيابها يهذي بوعيد لها قائلاً: "أنا بقيد إيديكِ عشان مش هطيق لمسة إيديكِ على جسمي."

كان يتوعد بالقسوة ثم يعود يتحكم قلبه ثواني يهذي بقوة عشقها في قلبه. لكن هي كل ما تشعر به وهو ينتهك جسدها بعنف مبالغ، ودمعة تفر من عينيها ساخنة تسقط على عنقها وهو يهذي بعتاب قاسٍ قائلاً: "اليوم ده حلمت بيه كتير، كنت بستني الوقت اللي يجمعنا فيه مكان واحد وباب مقفول علينا، كنت بتخيلك أحلى عروسة بالفستان الأبيض. إزاي جالك قلب وقدرتي تدبحي أخويا، وياريت فعلًا دبحتيه، إنتِ دبحتيه بعد موته شوهتي صورته عشان تنفدي من عقاب السجن أو الإعدام، لكن مش هتقدري تنفدي من عقابي."

قال هذا ورفع رأسه عن عنقها بوعيد ونظر لشفاها اللتان ترتعشان مبتسمًا بسخرية. ثم قبض على وجنتيها بقبضة يده وضغط على شفاها بقوة قائلاً: "شفايفك دول اللي كنت بحلم بطعمهم هما اللي نطقوا بكذب." قال هذا وانقض على شفاها بقبلات قوية تترك أثر مدمي. هذيان... لوم... اعتداء عنيف... انتقام قاسٍ.

لم تشعر به وهو ينهض عنها كل ما تشعر به فضاء معتم وألم يشبه خروج الروح من الجسد. هي فعلًا كذلك تموت بالبطئ. داخل عقلها تظن أن ما تشعر به ليس سوى كابوس لو فتحت عينيها سينتهي كل هذا الألم. بالفعل حاولت فتح عينيها لكن عينيها لا تستجيب لها. هناك هاتف آخر برأسها يقول لها يكفي مقاومة "استسلمي وارحلي".

بينما هو نهض عنها واتكأ بظهره على العمود الآخر للفراش وبصق طعم تلك الدماء التي يشعر بها في فمه. يشعر بالتقزز من نفسه ومن ما فعله. نظر نحو وجهها ورأى ذالك العرق الغزير الذي يتصبب منها يُخفي ملامح وجهها، حتى عينيها أهدابها فقط ترمش كأنها تحاول فتحها، وشفاها المتورمة ترتعش. نظر نحو يديها الموضوعة بالأصفاد تنزف دماء. اقترب من تلك الأصفاد وقام بفتحها. ارتخت يديها الباردة مثل الموتى.

فجأة شعر بانخلاع في قلبهُ حين سقطت عيناه على الفراش الذي تحول لونه إلى دموي. رأى دمائها تنزف وهي تشاحب الموتى. شعر كأن صاعقة بارود تضرب جسده بالكامل. لكن لم يكن القرار صعبًا عليه. أيتركه تنزف حتى تتصفى آخر قطرة من دمائها قصاصًا لما فعلته وشوهت صورة أخيه المغدور... أم ينقذها. لا هو لم يكن يتمنى أن يراها بهذه الصورة أبدًا، فقط أراد القصاص.

اتخاذ القرار كان سهلاً سينقذها. ربما انتهى الآن القصاص. القصاص الذي وضعهم الإثنين بين حجري رحا. سحقت قلبيهما ولم يتبقى منهما سوى فتات عشق سفكهُ بحماقة قسوة انتقام بلا وعي وغياب ضمير قاضي برتبة عاشق أحمق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...