الفصل 32 | من 47 فصل

رواية عشق مهدور الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
17
كلمة
5,247
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

بذاك المطعم، نظرت شُكران حولها، استغربت من أن المطعم خالٍ إلا من بعض العاملين الذين يقفون بعيدًا عن طاولتهما. عادت بنظرها نحو أسعد سائلة: -غريبة المطعم فاضي كده ليه؟ مع إننا في وقت غدا. وضع يديه على الطاولة وابتسم لها قائلاً: -مش غريبة ولا حاجة، أنا حجزت المطعم لينا وبس. توسعت عيناها بإندهاش قائلة: -حجزت المطعم لينا! -أيوه، مالك مستغربة كده ليه؟ نظرت حولها ثم نظرت له وأجابته:

-مش بس مستغربة، لأ، مش مصدقة. بس أكيد في سبب مهم. تبسم أسعد وعيناه تتمعن ملامح شُكران، الهادئة والبسيطة والعفوية، كأنه يكتشف هدوء ورونق ملامحها لأول مرة. كان غيابها عن عينيه لسنوات قد زادها بهاءً. ثم أجابها: -أعتقد مفيش سبب أقوى من إننا نتقابل ونتكلم مع بعض بعد السنين دي كلها. نظرت له ببساطة: -عادي، ما إحنا اتقابلنا إمبارح في فرح آيسر، بس معرفش كلام إيه اللي عايز تقوله.

نهض أسعد من مقعده وجلس على المقعد المجاور لها مباشرة، ومد يديه أمسك يديها ونظر إلى عينيها قائلاً: -شُكران، إنتِ لازم ترجعي لي ولبيتك من تاني. لم تندهش شُكران من طلب أسعد، لكن اندهشت وهي تنظر ليديه اللتين تحتضنان يديها، وكذلك نبرته الهادئة وربما الواثقة. لم يخيب توقعه حول سبب طلب أسعد للقائها. رغم ذلك، شعرت باستخفاف أخفته عن عمد. سألته: -أرجعلك؟ أرجع لبيتنا؟ فين بيتِ ده يا أسعد؟ ضم يديها أقوى قليلاً وأجابها ببساطة:

-بيتك، السرايا اللي في البلد. كما توقعت رده، التي استهزأت به قائلة: -السرايا اللي جبت لي فيها ضُرة قبل كده؟ ولا السرايا اللي حضنت فيها آلمي ووجعي على ولادي اللي كنت بتتعمد تبعدهم عني؟

ولا السرايا اللي حضنت فيها ضنا قلبي على فُراق "سامر". سامر اللي ضاع لما بعد عن حضني وقرب منك. انبهرت عينيه زهوة مجتمع غير اللي كان عايش فيه، مجتمع فيه إغراء للشخص الضعيف، كل المتع متاحة. إنت كنت عارف بحقيقة سامر، ومحاولتش تساعده وترشده أنه يرجع للطريق القويم. ذُهل أسعد من رد شُكران. حاول مقاطعتها يدافع عن نفسه: -أنا معرفتش بحقيقة سامر غير في الشهور الأخيرة وحاولت معاه وقولت له يروح لدكتور نفساني. تهكمت شُكران ببسمة

وجع قلب قائلة باستخفاف: -نصحته بدكتور نفساني؟

لأ، فعلًا كنت بتساعده. وآيسر وآصف كمان لما حرمتني منهم بحجة إن المدرسة العسكرية هتطلع منهم رجالة شداد، على اعتبار إني كنت بدلع فيهم. آصف اللي دمرت قلبه وإنت عارف إن سهيلة كانت بريئة، كل اللي عملته أنها كانت بتدافع عن براءتها. كتر خيرها حافظت على سر سامر. كنت زي البارود بتشعلل عقل آصف لحد ما بقى عنده رغبة في الانتقام منها. كنت بتأججها في قلبه. إنت كنت عارف إن آصف بيحب سهيلة. أكيد الصور اللي الخدامة اللي كانت موجودة في

السرايا، كانت مزروعة ولاءها لـ شهيرة تنقل لها أخبار السرايا واللي فيها، وعلى رأسهم آصف اللي كان شاغل دماغها طبعًا ابنك الكبير وخايفة يحِل محلك وياخد مكانك في كل شيء. آصف اللي بسببك عايش قلبه موجوع بسبب تحريضك له. متأكدة لو كان قبل اتهام سهيلة في قتل سامر عمرك ما كنت هتوافق إنه يتجوزها. كان في دماغك له جوازة بشكل تاني طبعاً بنت شخصية معروفة وراقية. بس آصف بالنسبة لك في الفترة دي وسيلة انتقام من سهيلة، كنت عايزها تخرس

عشان حقيقة سامر متنكشفش وتهتز صورتك وتخسر مكانتك العالية والأخلاق الفضيلة قدام المجتمع. همك الناس ورأيهم فيك حتى لو على حساب ولادك. آصف اللي عايش هو ومراته تحت سقف واحد وبيتقرب منها خِلسة، عشان خايف يشوف خوفها ونفورها منه في عينيها. حتى آيسر كمان يمكن كان أقل واحد اختار الطيران بيتنقل من بلد للتانية بيقابل ناس مختلفة لحد ربنا ما بعت له روميساء حبها وحب يكمل معاها بقية حياته. فاكرة لما آيسر قالك إنه غاوي يدخل كلية

الطيران؟

كنت عايزة يدخل طيران حربي، طبعاً عشان يبقى له مكانة في الجيش، بس هو قالك هو غاوي طيران مدني مش حابب يبقى مقاتل. بصعوبة وافقت، قولت أما يبقى طيار، أهو هيبقى وجاهة برضوا، مش زي آصف اللي لما قدم استقالته من القضاء، بدل ما كنت تستوعب حالته النفسية وقتها خارج من جواز حكمت عليه بالفشل من قبل ما يبتدي، مجرد انتقام وأما ينتهي مش خسران حاجة بالعكس خد مزاجه منها وكمان هدم كيانها عادي عندك. مش جديدة عليك. زمان لما أهلي وافقوا

إني اتجوزك على ضرة كنت صغيرة، قالولي لا بتهش ولا بتنش مش هيبقى غيرك له أهمية عنده. بس كان جوايا خوف دايمًا إني زي ما جرحت قلب غيري مش بعيد يتكرر معايا نفس الشيء وربنا مخيبش ظني، بل أسوأ. أنا كنت بشفق على مراتك في رقدتها ومرضها، إنت اتسببت لي في المرض لما مقدرتش قيمتي. كان كل اللي بيميزني عندك هو إني أم الولاد "الصبيان" وبس. حياتك كنت مكيفة مع شهيرة وهج لامع مش زيي. ست بيت وبس. آخرها أول الليل تنكفئ على سريرها محسورة

في قلبها. زمان فكرت بعد ما قولت لي هتجوز شهيرة، فكرت أنفصل وأجمع ولادي في حضني وأعيش بيهم، بس اتراجعت عشان مصلحتهم وقتها، مش عايزهم يحسوا بنقص وهما كان ممكن يعيشوا في رفاهية أفضل. قولت أستحمل وعشت معاك عشانهم. عارف يا أسعد أسوأ شعور إنك تحس إنك مجرد حتة ديكور بتكمل الصورة العامة، وأنا كنت في حياتك ديكور "أم الصبيان". بس تعرف يا أسعد لو الزمن رجع بيا تاني، كنت أختار الإنفصال وخدت ولادي وعشت بيهم في عشة وكملوا عشاهم

نوم. يمكن مكنتش خسرت سامر ولا مشي في طريق نهايته الدمار. وكمان آصف مكنش اتعذب قدامي وأنا مش عارفة أعمل إيه عشان أرجع أشوف لمعة الفرحة في عينيه وهو شايف الوحيدة اللي بينبض بيها، ويكون بينهم وفاق وحب حقيقي. بس يا خسارة خدت القرار متأخر. لما خيرتني قدام آصف يمكن وقتها مش هقول كان اختياري له عشان عارفة إنه محتاج لي. كمان كان في سبب تاني، إني زهقت من إني أكون مجرد زوجة بتتعطف عليها لما بتزورها. أنا قلبي ارتاح لما نفيتك من

حياتي. عارفة هتقول لي إني لسه على ذمتك، بس هقولك مش فارق معايا ما أنا قبل كده برضوا كنت على ذمتك وماليش وجود في حياتك. حتى النهارده إنت مش عايزني أرجع لك عشانِ، إنت عايز آصف نجاحه زايف في عينيك. بس للأسف النجاح ده إنت مالكش فضل فيه. آصف حلف لي على المصحف إنه عمره ما هيدافع عن شخص عنده ذرة شك في براءته.

رغم شعورها ببوادر ألم جسدي، استقوى قلبها ونهضت واقفة. نظرت إلى أسعد، تستغرب صمته وعدم رده عليها، لكن ربما كان هذا أفضل لهما الاثنين أن يحافظا على نقطة آخر السطر. تفوهت بآخر كلماتها: -أعتقد كده مالوش لازمة المطعم يبقى محجوز عالفاضي.

تركته تسير بوهن إلى أن وصلت إلى تلك السيارة التي كانت تنتظرها أمام المطعم. هنا انطلقت دموع عينيها التي كانت حبيسة مقلتيها قبل قليل. دموع ليست ندم على ما تحملته من أجل راحة أبنائها التي كانت تظنها بالعيش في رفاهية ودلال، لم يصنعا منهما سعداء. جففت دموعها بمحرمة ورقية ونظرت إلى سائق السيارة قائلة: -رجعنا الشقة بتاعة آصف وزي ما نبهت عليك، لو آصف سألك انت وصلتني فين قوله لمستشفى كنت بزور واحدة معرفة.

أومأ لها السائق بفهم. بينما أسعد ما زال جالسًا خلف الطاولة مذهولًا من رفض شُكران له، بل وبمواجهتها له بأنها نادمة أنها تحملت سابقًا من أجل أبنائها فقط. هل ظن أن خضوعها كان من أجله؟ كان مخطئًا، فهي قالتها. لا شيء أسوأ أن تشعر بأن لك شريكًا بقلب زوجك لكِ مجرد قطعة، مجرد ليالٍ يحاول فيها أن يظهر مظهر الزوج العادل. هو كان فعلًا كذلك معها. زفر نفسه بحرارة تلهب قلبه. ما الذي تغير بشكران ليلة أمس عن سابقًا؟

ما سبب ذاك الوهج الذي كان ينير وجهها؟ والإجابة بسيطة... الرضا بقلبها ظهر على وجهها، لكن أين مكانه من هذا الرضا؟ لا مكان له، هي كما اختارت قبل سنوات "آصف". حتى آيسر الذي حاول سابقًا مد جسر التواصل بينهم فشل بسبب تعنت آصف. حتى بزفاف آيسر كان مثل أي مدعو، ربما هذا كان بناءً على رغبة آصف أيضًا. لم ير زوجة آيسر إلا ليلة الزفاف، هل أصبح ملغيًا من حياة ولديه؟ والإجابة "نعم". فهما مع من ضحت وتحملت من أجلهم...

والخاسر هو الذي سار خلف مظاهر مجتمع خالي من المشاعر، له كل ما يلمع فقط. بشقة آصف، خرجت سهيلة من الحمام إلى الغرفة مسرعة نحو دولاب ملابسها، فتحته وجذبت بعض الثياب الداخلية كذلك منامة منزلية، وذهبت نحو باب الغرفة. لفت انتباهها باب غرفة آصف المغلق، لابد أنه عاد للشقة. أغلقت باب غرفتها بإحكام حتى ترتدي ملابسها.

خلعت ذاك المئزر ثم بدأت في ارتداء تلك الثياب، قطعة خلف أخرى. لكن قبل أن ترتدي الجزء العلوي من منامتها، تراءى إلى مسمعها صوت إشعارات قادمة لهاتفها. توجهت نحو تلك الطاولة وجذبت الهاتف وقامت بفتحه ترى فحوى تلك الإشعارات، لكن فجأة اتسعت عيناها، وتعمقت النظر إلى تلك الصور على الهاتف. شعرت بغضب عارم لم تستطع السيطرة في رد فعلها الغاضب. خرجت من غرفتها وتوجهت إلى غرفة آصف، بكل خطوة تزداد غضبًا.

فتحت باب الغرفة باندفاع. جالت عيناها بالغرفة حتى توقفت حين وقع بصرها على آصف المنحني قليلاً يضع يده على ذقنه ينظر لانعكاسه بالمرآة. بسبب غضبها لم تنتبه أنه شبه عارٍ يستر فقط خصره بمنشفة صغيرة. توجهت ووقفت خلفه قائلة بتعسف: -قولي أمتى هتحس بالمظلوم؟ فشلت تكون قاضي عادل بقيت محامي ناجح، مفيش قضية فساد إلا واسمه على رأس قائمة المدافعين. أنا إزاي في يوم وقعت في فخك وظنيت إن جواك قلب زي بقية البشر؟

بس هقول إيه، البذرة من البداية مزروعة في أرض حرام هتطرح إيه غير "هلاك". طبعًا النجاح الساحق اللي حققه المحامي الشاب "آصف شعيب" اللي بقى اسمه أشهر من الفنانين ولاعيبة الكورة، بقى من صفوة المجتمع. الزهو بقى يغويك وينسيك العدل اللي في يوم أقسمت على تحقيقه. بس حاذر يا سيادة القاضي سابقًا والمحامي الفاسد حاليًا، حاذر من دعاء قلب المظلوم، مفيش بينه وبين ربنا وسيط. يمكن النجاح غرك، بس صدقني هيجي يوم والدعاء ده يستجيب فيك، وهتحس بنفس الظلم.

توقفت قليلاً وأخذت نفس عميق تنظر له بغضب مستعر للحظات قبل أن ترمقه بنظرة اشمئزاز وكادت تبتعد عنه.

بينما هو كان يشعر أن الشرايين بجسده تجمدت، كذلك قلبه يشعر به كأنه كتلة من الثلج لا حياة فيها، قطعة صلبة لكن معها سهلة التفتيت. وها هي تفتت بل وذابت أمامها الوحيدة التي لا يشعر بخفقان قلبه إلا وهي أمامه فقط. لكن للحظة تحجرت عيناه وهو ينظر لها بقلب منفطر. يعلم أنه يستحق كل هذا الكره الذي يراه بعينيها. تملك منه الجمود، وقبل أن تبتعد عنه، جذبها بقوة من عضد يدها، ليخبط جسدها بصدره. نظر لعينيها التي تحولت نظرتها لهلع. شعر بقسوة تلك النظرات كأنها تغرس نصال باردة بصدره تقتله بالبطيء بعذاب قاسي بكل لحظة. لكن هتف بصوت

حاد مصحوب بصدق وضنين قلب: -مين اللي قالك إن دعاء المظلوم مش جايز فيا؟ ليه بُعدك عني؟ خوفك مني؟ كرهك ليا اللي بشوفه في عينيكِ لما بقرب منك ده إيه؟ مش جزاء مضاعف بدفعه عن كل دعوة مظلوم أنا ساهمت في ظلمه؟

فاكرة زمان قولتهالك، "إن كان فيا نقطة بيضا فهي عشقي ليكِ". حاولت كتير أتراجع وأرجع لإنسانيتي، حتى جيتلك قولتلك عالجيني، إنت الوحيدة اللي عارفة دائي، ومع ذلك قولتلي دواك مش عندي. بتتهميني إني ظالم، إنت كمان ظالمة يا دكتورة. إنتِ كمان أقسمتِ تدي العلاج حتى لعدوك، ومع إن في إيدك علاج مريض، لكن رغم ذلك رفضتِ تعطيه العلاج المناسب لحالته. وكمان فضلتِ إنك تشوفي قدامك بيتعذب وبيموت في كل لحظة.

ظلت النظرات الحادة بينهم للحظات، قبل أن تنفض سهيلة يد آصف عنها بقوة قائلة: -بتقول إني رفضت علاجك، بس ده مش صحيح. لو كنت عرفت أعالج نفسي يمكن وقتها كنت عرفت أعالجك. قالت هذا وخرجت من الغرفة مسرعة. كادت تتصادم مع صفوانة التي نظرت لها وتبسمت قائلة: -أنا جهزت الغدا. للحظة شعرت سهيلة بخجل حين نظرت لها صفوانة، واخفت بسمتها، حين رأتها ترتدي كنزة بلا أكمام، كذلك جزء من صدرها عارٍ. أومأت لها وقالت بحشرجة صوت:

-تمام، ثواني وجاية. بينما آصف زفر نفسه بضيق وغضب. لكن أعاد جملتها الأخيرة برأسه "كنت عرفت أعالج نفسي". ماذا تقصد بتلك الجملة؟ زفر نفسه بحيرة. وهناك إجابتان: الأولى أنها مازالت ترهب منه وتبغضه، والثانية... هل مازالت تكن له جزءًا من مشاعرها القديمة؟ بالتأكيد الإجابة الثانية خطأ، بل مستحيل. أخرجه من تلك الحيرة، صوت طرق على باب الغرفة ومن خلفه صوت صفوانة تخبره أن الطعام أصبح جاهزًا.

خرج بعد قليل وتوجه إلى غرفة السفرة. نظر إلى صفوانة سائلًا: -ماما لسه مرجعتش. أومات برأسها. تفاجأ آصف بجلوس سهيلة خلف طاولة الطعام. تبسم لصفوانة التي تبسمت له وانصرفت. ذهب نحو طاولة الطعام، وجلس خلفها. شرع الاثنان في تناول الطعام بصمت، إلى أن انتهيا. جاءت صفوانة كي تضب باقي الطعام. نظرت لهم قائلة: -أنا عاملة كيكة زي اللي الحجة اسمية كانت بتعملها، بها اتعلمت منها الطريقة. أجيبلكم منها. هزت سهيلة رأسها وهي تنهض قائلة:

-لأ، خليها لبعدين. أنا دلوقتي مرهقة هروح أنام ساعتين ولما أصحى أبقى آكل منها... تسلم إيدك. تبسمت لها صفوانة وهي تراها تحاول محايدة نظرة عينيها خجلاً منها. بينما نهض آصف هو الآخر سائلًا: -ماما اتأخرت. ردت صفوانة، الذي ينتابها بعض القلق: -لأ، هي دوب كانت خارجة قبل ما ترجع. وقالت مش هتغيب دلوقتي توصيلي. أومأ لها آصف بفهم قائلاً: -تمام، أنا رايح المكتب دلوقتي وهرجع المسا عشان نروح نصبح على آيسر.

تبسمت له. ربما هذا أفضل أن لا يكون آصف موجودًا وقت عودتها. بعد حوالي ساعة ونصف، بشقة آصف. فتحت صفوانة باب الشقة، انخضت حين رأت الوهن واضحًا على وجه شُكران. سندتها قائلة: -مالك؟ جرالك إيه؟ كنتِ بخير قبل ما تنزلي. اتكأت شُكران عليها قائلة: -حاسة إني تعبانة، خديني لأوضتي وبعدها ابقي اسألي مالي. سندتها صفوانة إلى أن ذهبت إلى غرفتها وجلست على الفراش. سائلة: -جرالك إيه فجأة كده.

قبل أن تجيب شُكران، رأت سهيلة تدلف إلى الغرفة خلفهن بعد أن رأتنهن. حين خرجت من غرفتها ذاهبة نحو المطبخ كي تأخذ كوب لبن دافئ ربما يساعدها على الاسترخاء بعد أن شعرت بالضجر من النوم بعد مواجهتها مع آصف. انخضت وتركت ذلك وذهبت خلفهن إلى الغرفة وسألت بلهفة: -مالها طنط شُكران؟ نظرن شُكران وصفوانة لبعضهن، ثم أجابت صفوانة: -خرجت تزور واحدة جارتنا عيانة في المستشفى. رجعت تعبانة. انتبهت سهيلة إلى ملامحهن،

لكن لم تنشغل بها وقالت: -طيب هروح أجيب شنطتي الطبية وأجي أقيس لها الضغط، يمكن ده إرهاق. تبسمت لها صفوانة، التي جذبت ذاك المعطف الثقيل من على كتفي شُكران قائلة بلوم: -كنا ارتحنا من وجع القلب ده. خليني أساعدك تنامي عالسرير عشان ترتاحي. غلبت فيكِ وقولتلك بلاش تروحي تقابلي أسعد، أهو اللي حسبته لقيته. قابلتيه ورجعت عيانة. ارتاحي دلوقتي وبعدها ابقي احكي لي إيه اللي حصل معاكِ.

سمعت سهيلة الجزء الأخير من ذم صفوانة لشُكران، شعرت بفضول لمعرفة من الذي تقابلت معه وبسببه عادت للشقة مريضة، لكن نحت ذلك ودخلت إلى الغرفة، قائلة عن قصد منها: -خليني أقيس لك الضغط والسكر، يمكن ده هبوط بسبب إرهاق اليومين بتوع فرح آيسر. تبسمت شُكران لها بوهن قائلة بتأكيد كاذب: -يمكن هو ده السبب. ضمت صفوانة شفتيها بضيق. هي تعلم حقيقة مرض شُكران، لكن صمتت، وانتظرت إلى أن انتهت سهيلة من الكشف عليها. تبسمت سهيلة قائلة:

-الضغط مش مظبوط شوية صغيرين، بالعلاج والراحة هيتظبط. كمان طنط صفوانة عاملة كيكة حلوة زيها، ناكل منها سوا، وأكيد بعدها هتتحسني. بس بلاش مشوار المسا عشان نصبح على آيسر، أجليه لبكرة تكوني استرديتِ صحتك. أومأت لها شُكران بموافقة ونظرت لها نظرة امتنان. مساءً، في شقة آيسر. أغلق الهاتف الخاص به ونظر إلى روميساء قائلاً: -ماما اعتذرت مش هتجي الليلة. قالت هتيجي بكرة. نظرت له روميساء باستغراب قائلة: -وشو السبب؟

الصبح مكلماني وقالت لي هتكون هون المسا. غمز آيسر لها بعينيه قائلاً: -أكيد مفكرة إننا زي أي عروسين مبسوطين مع بعض، قالت أسيبهم يتهنوا شوية ببعض. فهمت روميساء تلميح آيسر الوقح وتعلثمت قائلة: -بابا كمان اعتذر وقالي إنه حاسس بشوية إرهاق من العرس. شو بدنا نعمل دلوقتي. نهض آيسر واقفًا وجذب روميساء إلى حضنه ووضع يديه حول خصرها قائلاً بإيحاء: -هما مرهقين من العرس وأنا بقول إحنا نبدأ نشاط من بعد العرس.

قال هذا واقتنص شِفاهها بقبلة كادت تفقدها صوابها وتترك له نفسها يكتشف أنها كاذبة، لكن شعرت بيديه على جسدها وأنفاسه فوق وجنتيها. عادت للوعي ودفعته عنها قائلة بتحذير: -آيسر... قاطعها آيسر بقبلة جامحة ثم همس لها: -أنا بقول فرصة من زمان مسمعتش أفلام، خلينا نسمع فيلم سوا، يمكن الضلمة والهدوء يعملوا معانا جو شاعري. بخفوت تشعر بنوبة ضياع قائلة بهروب: -إيه نسمع فيلم؟ أنا هروح المطبخ أسوي لينا بشار ومعاه شوية تسالي.

هربت روميساء من آيسر المثابر. بعد قليل، كان هناك صوت صرخة قوية. انتفضت روميساء بسببها ووقع ذاك الطبق الذي كان به بعض التسالي على الأرض. تبسم آيسر واقترب من مكان جلوسها وضمها بيده. ضمته روميساء أيضاً تشعر بخوف. بينما ضحك آيسر، فقد كان اختياره موفقًا حين اختار فيلم رعب، ها هي روميساء تنتفض بين يديه حين يأتي مشهد مخيف. وفي النهاية فصلت ونامت بين يديه ولم تكمل بقية الفيلم.

نظر آيسر لهدوئها تفاجأ أنها نامت. حاول عدم إزعاجها ونهض واقفًا يحملها إلى أن وضعها فوق الفراش. تبسم وهو يراها تتشبث به قائلة برجاء: -متسبنيش. تبسم وهو يتسطح جوارها قائلاً: -أنا جنبك يا جميلتي. ضمها بين يديه، وظل مستيقظًا لوقت تذكر قول مدحت لـ

روميساء: لسه وفاة مامتها قدامها، عايشة في قلبها بتخاف تفقد الناس اللي بتحبهم عشان كده بتحاول دائمًا تسيطر على مشاعرها وتظهر إنها قوية وهي هشة جدًا. هذا ما رأوه الليلة، مجرد أحداث فيلم خيالية جعلتها تنتفض وفضلت النوم. تنهد آيسر، لديه يقين أن روميساء ليس لديها أي عذر يمنعه عنها، بل العذر بعقلها، ربما تود بعض الوقت كي تستوعب أن هناك شخص اقتحم حياتها، وليس أي شخص، بل عاشق وأصبح زوجها.

بشقة آصف قبل قليل. استغرب حين دخل إلى الشقة وجد صفوانة تخرج من غرفة والدته. سألها: -بقينا المسا لسه مجهزتوش عشان نروح نصبح على آيسر. هزت رأسها بنفي: -الحجة شُكران لسه قافلة مع آيسر وقالت له هتروح بكرة مش الليلة. استغرب آصف سائلًا: -وليه التأجيل؟ هي ماما رجعت إمتى؟ ردت صفوانة: -رجعت بعد ما انت خرجت على طول. سهيلة معاها في الأوضة.

اندهش آصف وشعر بسوء. دلف إلى الغرفة. تبسم حين رأى سهيلة تجلس جوار والدته على الفراش، لكن انخض حين رأى ملامح شُكران الواهنة. اقترب منها بلهفة سائلًا: -ماما انت بخير؟ تبسمت له شُكران بحنان قائلة: -أنا بخير، بس هما شوية إرهاق من اليومين اللي فاتوا كمان الضغط مكنش متظبط، بس سهيلة كتر خيرها فضلت جنبي لحد ما اتظبط وكمان أكلنا الكيكة اللي عملتها صفوانة. للأسف الغايب ملوش نايب. نظر آصف نحو سهيلة بامتنان.

بعد قليل، جلس آصف على فراشه ووضع رأسه بين يديه، يشعر بحيرة، يشعر بتذبذب في علاقته مع سهيلة. تارة يشعر أنها بدأ يزول رهابها منه، وتارة العكس. تذكر ذاك الوقت الذي كانا به بالشقة وحدهما وتلك القبلة التي لم تعقب عليها سهيلة. أتى إلى فكره لما لا يذهب في رحلة معها، ربما تكون بداية لعودة المشاعر بينهم.

بعد ظهيرة اليوم التالي، اتصل آصف على صفوانة وطلب منها تحضير حقيبة ملابس صغيرة بها بعض الملابس له ولسهيلة. وأخبرها أنهما سوف يذهبان إلى عطلة قصيرة. ثم ذهب إلى أمام المشفى التي تعمل بها سهيلة وانتظر قليلاً حتى رآها تخرج من المشفى. شعرت بخفقان في قلبها حين رأت آصف وتوجهت نحو سيارته وصعدت إليها قائلة: -هنروح دلوقتي نصبح على آيسر ومراته، بس أنا المفروض أرجع للشقة عشان أبدل هدومي. نظر لها آصف قائلاً بنفي: -لأ...

ماما هي اللي هتروح هي وصفوانة، إحنا نبقى نصبح عليهم لما نرجع. نظرت له سهيلة باستغراب سائلة باستفسار: -نرجع منين؟ نظر لها آصف قائلاً: -هناخد يومين أجازة، أو بمعنى أصح هُدنة. تسألت سهيلة بعدم فهم: -هدنة من إيه؟ إحنا في حرب. تبسم آصف قائلاً: -خلاص اعتبريها يومين استجمام. اضطجعت سهيلة على مقعد السيارة بظهرها قائلة بتوافق:

-أنا فعلًا محتاجة فترة استجمام، الأيام اللي فاتت كنت مشغولة مع طنط شُكران وروميساء. بس المفروض أصبح عليها، دي طقوسنا بعد الفرح، لازم أهالي العريس والعروسة يصبحوا عليهم. فجأة صمتت سهيلة وتذكرت أنها لم تعيش تلك الأشياء البسيطة التي لها مكانة خاصة بالقلب. انتهى زواجهما قبل أن يبدأ بطريقة بشعة. تنهدت قائلة:

-خلينا نرجع للشقة يا آصف أغير هدومي ونروح نصبح على روميساء وآيسر ومالوش لازمة الاستجمام، أنا اتعودت خلاص على الإرهاق مش جديد عليا. هنام ساعتين وهصحى كويسة. شعر آصف بغصة في قلبه. سهيلة مبذوذة، كذلك وخزات في قلبه على ما فقده حين استسلم لغفوة عقله وأضاع بعض اللحظات السعيدة مع سهيلة. أنهى سعادتها كعروس واقتص منها ببشاعة. لكن لن يستسلم الآن. لم يعط اهتمام لرغبة سهيلة وقاد السيارة. لاحظت سهيلة أن الطريق مختلف، سألته:

-ده مش طريق الشقة ولا طريق شقة آيسر. أجابها آصف وهو ما زال يقود السيارة: -فعلًا ده مش الطريق. تسألت سهيلة: -طب ليه ماشي في الطريق ده؟ رد آصف بتصميم: -زي ما قولت قبل دقائق هنروح يومين استجمام، ومش عاوز اعتراض لو سمحتِ. تعصبت سهيلة قائلة: -قولتلك مالوش لازمة، أنا محتاجة أنام ساعتين مش أكتر. قاطعها آصف بإصرار: -لأ لهم لازمة، وتقدر تنامي لحد ما نوصل وأنا هصحيكِ. تعصبت سهيلة قائلة: -آصف بلاش عِند.

صمت آصف وهو يضغط على زر بالسيارة انبسَط المقعد الذي تجلس عليه سهيلة وأصبح مريحًا. زفرت سهيلة نفسها بغضب واضطجعت بظهرها على المقعد وأغمضت عينيها لا تود الجدال مع آصف الذي تبسم.

بعد وقت توقف آصف بالسيارة، ونظر جوارهُ كانت سهيلة نائمة. تأمل ملامحها مبتسمًا، ثم وضع يده على وجنة سهيلة برفق حتى يوقظها. لكن فجأة فتحت سهيلة عينيها وانتفضت، وشعرت برهبة بسيطة حين رأت اقتراب وجه آصف من وجهها. اعتدلت جالسة تنظر خارج السيارة، كان الظلام قد حل، أو ربما سوء الطقس هو ما يسبب ذاك الظلام. بسهولة تعرفت على المكان وسألت آصف: -إيه اللي جابنا هنا. تنهد آصف قائلاً:

-سبق وقولت هنقضي يومين استجمام، وأعتقد مفيش أحسن من البحيرة. ياريت تنزلي من العربية. فتح آصف باب السيارة وترجل منها، وانتظر سهيلة التي ترجلت هي الأخرى، لكن شعرت بنسمة هواء باردة لسوء الطقس، وسارت نحو آصف قائلة: -إزاي هنروح البحيرة دلوقتي؟ مفيش أي مركب هنلاقيه. كويس أبات الليلة عند بابا، أهو يبقى استجمام وكمان وحشوني. أشار آصف لها بيده قائلاً: -مش هنحتاج مركب، اليخت واقف هناك أهو. ومتخافيش أنا بعرف أسوق اليخت كويس.

بغصبانية ذهبت سهيلة خلفه وصعدت إلى القارب الذي سار بهم في المياه رغم تلك النسمات القوية، إلى أن وصلا إلى تلك البحيرة. نزلا من على القارب وتوجها إلى أحد المنازل الموجودة بها. دلف آصف وخلفه سهيلة التي تسألت بفضول: -ليه جبتنا هنا في البحيرة؟ مش ملاحظ إن الطقس سيء جدًا وممكن تقوم عاصفة وننحبس هنا ومنعرفش نرجع للشط. بداخله تنهد يتمنى ذلك حتى يظل معها بمفردهما أطول وقت، لكن تبسم لها قائلاً:

-معانا اليخت يعني أي وقت سهل نرجع للشط. نظرت له باندهاش قائلة بسخط على استهوانته: -بالبساطة مفكر نفسك قبطان أعالي البحار وهتعرف تقاوم الموج الهايج! ربما ما كان عليها ذكر الموج الهايج، فما هي إلا ساعات وازدادت سرعة الرياح وسوء الطقس، وليس هذا فقط بل انقطع التيار الكهربائي عن المنزل، وهناك صوت آخر كأن أحدًا للتو تسحب وتسلل إلى المنزل. «بتبع»

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...