جلست فوق المقعد الذي يوجد بشرفة منزلها، تحتسي كوب القهوة بصمت دفين، وهي تراقب تلك الأفواج من الطيور وهي تحلق فوق السماء، وتصنع كل مجموعة شكلاً رائعاً مختلفاً عن الأخرى. وما إن ترى مثل تلك الطيور، تسبح الله، فهي معتادة على فعل ذلك في يوم إجازتها، وخاصة أن هذا اليوم ليس بيوم راحة لها، بل اليوم يكون حفل زفاف أعز رفاقها.
لم تنسَ ما حدث طيلة الأيام السابقة، وعندما أخذت تتحدث إلى رفيقتها أنورين، وهي تعاتبها على أنها لم تستطع التواصل معهم، قصت لها أنورين عما حدث بالأيام السابقة، وعندما استمعت إلى ذلك، أخرت توجيه الاعتذار لوعد، أنها لم تكن تعلم شيئاً، وأنها انشغلت في دوامة حياتها. فقدت معها الفترة الأخيرة كلها، وهي مشغولة بالذهاب برفقة وعد حتى تنتهي من كل ما يلزمها، ولم تذهب إلى الشركة، وحتى لم تذهب إلى رفيقتها لكي تواسيها.
ولكن هل هي قادرة على الوقوف أمامها بعد أن تخلت عنها هكذا؟ هي تلوم نفسها مراراً وتكراراً على ما فعلته معها. كم كانت غبية عندما شاركتها مع أخيها في تلك الخيانة. فهي بالتأكيد لم تخبرها حتى لا تجرحها، ولكنها انجرحت وجرحتها معها. وعليها فقط إصلاح كل هذا، ولكن كيف؟ هذا هو السؤال. عليها أن تتحلى بالدهاء لإصلاح ما أفسدته بغبائها المعتاد.
أخذت تستمع إلى ذلك الصوت، والتي باتت تنتظره حتى يأتي ذلك الطبيب النفسي، الذي يريحها من كل ما تعمله من حزن بقلبها. فُتحت شرفة الشقة التي تكون بجوارها، حتى يطل منها زياد، وهو يتقدم من الجزء القريب من شرفتها، وهو يقول بابتسامته المعهودة: "صباح الخير.. رايقين انهارده تقريبا ولا أنا متهيقلي؟ ابتسمت سلمى بابتسامة خفيفة: "وأنا من إمتى مكنتش رايقة؟ زياد: "يا شيخة أنا مش بيتنكد عليا غير منك." سلمى: "ليه كنت الاكس بتاع سيادتك؟
زياد بمرح: "طب بذمتك هي لايقة أصلاً؟ سلمى: "هي إيه اللي لايقة؟ زياد: "كلمة الاكس عليا أنا وانت." سلمى: "مش فاهمة." زياد بحنق كاذب: "بت هاتي فنجان القهوة بتاعي واخرسي.. عليكِ غباء على صباحية ربنا يقفلوا الواحد." سلمى بحنق طفولي، قبل أن تستدير حتى تسكب له قهوة في إحدى الفناجين التي أمامها وتعطيه إياه: "رخـم صحيح." زياد بضحك وهو يستمع إلى ما قالته تلك الفتاة: "بتقولي حاجة يا سلمى؟ سلمى: "آه يا رخم بقول إنك رخم." زياد:
"دا تأكيد بسم الله ما شاء الله.. قوليلي كنتِ سرحانة في إيه؟ سلمى: "أبدًا بس انت عارف إن النهاردة فرح وعد ففرحانة ليها وكده." زياد: "يا بنتي بلاش كدب بقى.. دا أنا بقيت أعرفك أكتر من نفسي.. اخلصي وقولي." سلمى: "على فكرة أنا مش بكذب، أنا فعلاً كنت بفكر فيها." زياد: "طب دا حاجة.. الحاجة التانية." سلمى وهي تطلق تنهيدة تعبر عن تعبها النفسي: "كنت بفكر في مروة." زياد باستغراب وهو يرتشف من الفنجان: "مالها؟ سلمى:
"حاسة بتأنيب ضمير من ناحيتها." لم تلتقِ رداً من زياد. أخذت تنتظر أن يتحدث، ولكن لا رد. حتى صرخت بصوت مرتفع بعض الشيء: "ما ترد عليا بدل ما أنت واقف كده." زياد وهو ينظر إلى نقطة ما بالأسفل: "عايزاني أعمل إيه ولا أقولك إيه." سلمى: "تقولي على حل بدل ما أنا عاملة زي اللي بيكلم حيطة." زياد:
"أقولك إيه.. ما دا طبيعي إنك تحسي بتأنيب الضمير عشان سبتيها وحملتيها ذنب مش ذنبها أصلاً. سبتي صاحبتك وهي في عز حزنها. أساساً أنتِ اللي غلطانة. هي لو سكتت فكيد عشان خايفة عليكي. ومتنسيش إنك قولتيلي إنها كانت بتحاول تخليكي تبعدي عنه. ف طبيعي تحسي بدا دلوقتي." سلمى: "طب والعمل دلوقتي." زياد: "في إيه؟ سلمى: "عايزة أقف معاها." زياد: "ما تقفي، حد ماسكك." سلمى:
"ما تساعدني يا عم بدل ما أنت باصص في الشارع كده، والشارع فاضي أصلاً." قالت جملتها الأخيرة وهي تلقي نظرة فوق الشارع. أما عن زياد، فظل يسلط نظره على تلك البقعة وهو يقول: "العمل دا عندك أنت.. مش عندي أنا. وهي أساساً من كلامك بيقول إنها طيبة ومن النوع اللي بيسامح بسرعة. بس خلي بالك، هي هتسامحك بس مش هتنسى. فخلي بالك." سلمى باستغراب: "يعني إيه؟ زياد:
"يعني هتفضل فاكرة إنك ممكن تتخلي عنها بسهولة، فما أعتقدش إن علاقتكم هترجع بنسبة 100% زي الأول. ممكن ترجع بنسبة 80%." سلمى: "ليه بقا؟! هي عارفة إني كنت موجوعة من أخوها." زياد: "بس مش هي اللي قالتلك ابعدي عنها وحمايتها ذنب مش ذنبها، ولا إيه؟ كادت أن تجيبه، ولكن قاطعها صوت طرق فوق باب شقتها، ويتبعه ذلك الصوت الذي يعلن عن زائر آتٍ لها. نظرت إلى زياد، والذي مازال يرتشف بتمهل وتلذذ بالفنجان، وهي تقول بتساؤل:
"إيه دا مين اللي يجي دلوقتي؟ زياد: "روحي شوفي مين، بس اهدي وابقي عاقلة. يلا روحي ولا هتطرديه؟ سلمى بتوجس: "بس أنا خايفة يكون حرامي." زياد بضحكة سخرية من حديثها: "حرامي الساعة 6 الصبح يا مفترية. روحي ولو حصل حاجة أنا هنا، فهسمعك، يلا." أومأت له، ومن ثم ذهبت حتى ترى من الذي يطرق بابها. ولكن ما إن أخذت تفتح الباب، شاهدت آخر شخص ممكن أن يأتي إلى هنا!! الشخص بابتسامة:
"السلام عليكم.. آسفة إني جايه في وقت زي دا، بس ضروري أجي." لم ترد سلمى على ذلك الشخص، فأكمل حديثه وهو/هي قائل/ة: "إيه مش هتدخليني ولا هتفضلي كده على الباب؟ أفاقت سلمى من شرودها، وهي تجيبه بابتسامة اصطنعتها، وهي تقول: "أكيد طبعاً.. لا آسفة على قلة ذوقي، اتفضلي مدام بسمة!! ابتسمت لها بسمة بمجاملة، وهي تتقدم نحو الداخل. وما إن أغلقت سلمى باب الشقة، حتى رافقتها حتى تجلس على إحدى الأرائك التي توجد بالصالون.
وما إن جلسوا، حتى قالت سلمى لها باستغراب: "معلش على فضولي، بس إيه الحاجة الضرورية اللي تخليكِ تيجي دلوقتي وما تتأجل ليوم الحد؟ بسمة: "الموضوع وما فيه عنكِ انتِ وأمير." سلمى: "حضرتكِ فاهمة بتقولي إيه؟ انتِ جاية تكلميني أنا على حاجة تخصني أنا وجوزك؟ معنى كده إنكِ عارفة إني الاكس بتاعته، مش بردو بيسموها الاكس؟ قالت جملتها الأخيرة بسخرية. أما عن الأخرى، فأخذت نفساً عميقاً حتى تستطيع أن تفهمها ما حدث. بسمة:
"أولاً أمير لو جوزي، فـ هو على الورق مش حقيقي، عشان أنا وأمير عمرنا ما كنا نفكر حتى في خيالنا إننا نتجوز. طول عمرنا بنحب بعض كـ أخوات. وطبعاً الأخوات ما يتجوزوا. وعلى ما أعتقد إنكِ عارفة كمان إني كنت على علاقة بمستر زياد." قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر إلى الشرفة، والتي كانت تقف بها. سلمى وقد أدركت ما تقصده: "بـ التأكيد هي رأتهم سوياً.. مدام كده ليه اتجوزتوا؟
ومدام أنتِ كنتِ على علاقة بـ زياد ليه سبتيه وروحتِ اتجوزتي أخوكي أو اللي زي أخوكي؟ بسمة وقد لاحت بأعينها نظرة ألم: "ماهو دا اللي جايه عشانُه... كادت أن تكمل حديثها، ولكن قاطعها صوت طرق فوق باب الشقة. استأذنت سلمى من بسمة، وهي تعلم تمام العلم من الطارق. وما إن قامت بفتح الباب ودلف زياد، حتى نظرت له نظرة بها عتاب بعض الشيء، وهي تقول له: "اتفضل." زياد وهو يتقدم من بسمة: "ممكن أفهم حضرتكِ هنا ليه؟ بسمة بابتسامة سخرية:
"وهو أنا كنت جايه عندك ولا عند آنسة سلمى؟ زياد ببعض الغضب: "بلاش شغل الاستهزاء دا، وقولي في إيه." بسمة: "لو حابب تعرف اتفضل اقعد.. كده كده الموضوع يخصنا إحنا الأربعة." وبالفعل، هو لم يكن بحاجة لجملتها، فهو لا يعلم لماذا جاء إلى هنا وفعل ذلك الفعل الأحمق، فهذه ليست من صفاته. ولكن أيكذب على نفسه؟ فهو مشتاق لها حد النخاع، يشتاق لنظرة منها حتى يستطيع ذلك الفؤاد الاطمئنان على أسيره ومالكه. وما إن جلست سلمى هي الأخرى، حتى
بدأت بسمة بالحديث بسلاسة: "الموضوع كله من أول ما جدو الله يرحمه طلب مننا إننا نسافر أنا وأمير إيطاليا.. كنا مفكرين إن بيفكر يفتح فرع هناك ولا حاجة، بس اتفاجئنا في مرة جه خدنا وجمعنا في بيت غريب، تقريباً كان مزرعة قديمة.. وجه وقعدنا على كراسي، وللأسف الحرس اللي كانوا معاه كتفونا بعد ما قعدنا، وفجأة لقينا الحيطة ليظهر عليها فيديو، وللأسف دا كان بث مباشر من بيت سلمى لينا." سلمى باستغراب: "بيتي أنا إزاي؟
بسمة وهي تكمل سردها بحزن على ما اقترفه جدها: "كان فيه اتنين دخلوا عندكِ هنا، بس من غير لا صوت ولا أي حاجة، وأنتِ نومك تقيل، فـ للأسف دا كان من صالحه، ودخلوا عنكِ أوضة نومك، وكل دا وإحنا مش مصدقين اللي بنشوفه. وساعتها جدو هدد أمير لو ما كتب عليا ساعتها...
لم تستطع تكملة جملتها من فحاشة ما فعله جدها. أما سلمى، فكانت في عالم آخر، تتذكر عندما استيقظت ورأت أن باب شقتها لم يكن مقفول بالمفتاح كما تفعل كل مرة، ولكن لم تكترث. ولكن حقاً، كان جدهم سوف يقدم على... لم تنطقها بذهنها، بل نطقتها علناً، وهي تقول: "كانوا هيغتصبوني." نظرت بسمة إليها بحزن، وهي ترى الدموع بدأت تتسابق على تحريرها. بسمة وهي تكمل: "ساعتها عشان أمير يحميكي منه، وافق." زياد وهو ينظر لها باستغراب:
"وأنتِ إيه اللي خلاكي توافقي؟ بسمة وهي تنظر له بألم، حبيبها يقف أمام معشوقها: "ساعتها هددني إنه هيرفدك من الشركة، وساعتها مش هتشتغلي ولا هتحققي حلمك اللي طول عمرك بتسعي ليه، وطبعاً مع نفوذه، هو يقدر يمنعك إنكِ تشتغلِ في أي شركة، وكلنا عارفين كده. ساعتها تخيلت كل مرة كنا بنحلم سوا باليوم اللي هنعمل لنا كيان واحد، وبمجهودك ومجهودي هنعمل الشركة اللي على طول بنحلم بيها. كل دا جه في بالي، فـ وافقت."
على أمل إنكِ تكمل بس.. مع واحدة غيري. قالت الجملة الأخيرة مع تلك لا حدود لها، استشعر الآخر. فهو يعلم أن جدها لا يرحم. كان يتوقع مثل هذا الرد على حبهما، فهو لن يستطيع أن يجعله يقترب من حفيدته هكذا. ولهذا، كان لديه شعور، ولكن الشعور الذي كان يسيطر عليه أن حبيبته لم تتركه بمحض إرادتها، بل كانت مجبرة على هذا.
أطلق تنهيدة خفية لم يراها أحد، عندما ارتاح قلبه. فحبيبته ينطلق من أعينها مزيج من الحب والحزن، ولكن هو كفيل على أن يمحو هذا الحزن من عينيها.
أما عن شعور بسمة، فكانت تتألم من مجرد سردها عما حدث، وأن صورة جدها أصبحت بشعة، ولكن عليها أن تفعل ذلك فقط من أجل من كان في مقام أخيها ومازال هكذا. فهي تراه كل يوم يذهب إلى مكانهم المعتاد ويتأمل به، حتى يستشعر وجود سلمى إلى جانبه. هي تتألم على حبيبها، وتتألم على أمير. فكان عليها هي من تبدأ بذلك.
نظرت عينيها بـ تلقائية على سلمى، والتي كانت تنظر إلى اللا شيء. كانت تنظر إلى رقعة ما لا تعلمها، ولكن تشرد فيما حدث. وتنتظر فقط أن تعلم ما هي هوية شعورها الآن بعدما عرفت. لا تستطيع أن تعلم ماذا تشعر، فقد هاجمتها كثير من الأفكار وكثير من المشاعر. ولكن ما يتوجع فوق تلك المشاعر هي السعادة بأن حبيبها مازال لها. لم يتخذ أحدًا آخر ملكاً على مملكة الفؤاد غيرها. ولكن عليها الآن أن تذهب إليه. نعم، عليها. نظرت
إلى بسمة وهي تقول لها: "أنا عايزة أعرف هو فين." بسمة بابتسامة: "هو في مكانكم.. المكان اللي بتحبوه." لم تنتظر الكثير حتى تعلم ما مقصدها، حتى هبت من مقعدها، وأخذت حقيبتها الصغيرة، ودلفت خارج المنزل بأكمله، وهي تستقل سيارة أجرة حتى تذهب إلى.. أسير الفؤاد. ***
كان يجلس فوق الرمال، وهو يشاهد الأمواج تتصارع حتى وصلت إلى الشاطئ. والطيور تتجمع فوق السماء، وتتخذ كل مجموعة شكلاً مختلفاً عن الأخريات. ابتسم بألم، فهذا المنظر لا يذكره إلا بها. ولكن قبل أن يعود بنظره إلى البحر، استشعر شخصاً يجلس على مقربة منه، وهو يقول بصوت يملؤه الحنين: "لسه فاكر المكان دا." تعرف على صاحب الصوت بسهولة، فهي من بسببها فارقت النوم، وصاحبة الحزن. "لما أنساه، أبقى افتكره يا سلمى." سلمى بحزن وعتاب حبيب:
"ليه ما قولتيش على اللي جدك عمله معاك." أمير وهو يستدير حتى يصبح بمواجهتها: "مين اللي قالك.. بسمة مش كده؟ سلمى: "ليه ما كنتش عايزني أعرف؟ أمير: "كنت عايز الأول أتأكد إذا كان فيه شوية مشاعر بينكم ولا لا." سلمى بعتاب ولوم: "وأنت تفتكر حبنا كان هين أوي لدرجة إني أنساه بسهولة؟ أمير: "لا، بس اللي عملته ممكن يخليكِ تفكري في حاجة غلط، وساعتها هتكريهي حبك ليا وتحبي تبدأي حياة تانية مع واحد تاني." سلمى
وهي تشير على موضع قلبها: "عمر ما دا حب، ولا عرف يعني إيه حب غير معاك، وأنت عارف دا كويس." أمير وهو ينظر لها نظرة عتاب هو الآخر: "أمل، ليه قعدتي تعنديني؟ سلمى بحزن: "كنت موجوعة.. موجوعة لدرجة إني عايزة أوجعك معايا، يمكن تحس باللي حاسة بيه، واللي عملته... قاطعها أمير وهو يقول مصححاً لها معلوماتها:
"لو كنتِ بتتوجعي قيراط، أنا بتوجع أربعة وعشرين. أنا كنت بحس بنار، وأنتِ مش معايا ولا قدام عيوني، ولا عارف إيه اللي بيحصل معاكِ. ولما رجعت، وحب ربنا إنه يجمعنا، لقيتك اتعرفتي على زياد، واللي هو حبيب بنت عمي. وأنا عارف شخصية زياد، ما فيش ولا بنت ممكن تقول لا عليه، لأنه راجل محترم ويستحق الحب." سلمى:
"بس أنا ما حبيته، ولا هو حبني. إحنا طول عمرنا كنا كـ شركاء في الوجه، من غير ما نعرف حتى إن سبب الوجع مشترك في الشخصيات، مش الأحداث كمان." أمير: "وبعد ما عرفتي، ناوية على إيه يا سلمى؟ سلمى: "المفروض إني أسألك، بما إن السبب اللي خلاك تبعد عني، توفّي، هتفضل بعيد؟ أمير:
"بقولك بحس بنار وأنتِ مش قدامي، وأكيد مفيش حد بيحب يحس بنار. زي ما كنت بقول وهفضل أقول، أنتِ الراحة والأمان. أنتِ الأمنية اللي عمري ما هرفض قربها أبداً. ولو أطول أخلي عمري وعمرك واحد، هعملها، بس دي أمنيتي الوحيدة، إن ربنا يجعل أيامنا مع بعض." سلمى وهي تشعر بالسعادة، وعيونها تزرف بالدموع. ما إن رأى دموعها، حتى كاد أن يمسحها بيده، ولكن منعته، وهي تقول:
"مش هتلمس أي حاجة فيا غير لما تكون مراتي، عشان كل حاجة تكون حلال. مش عايزة ربنا يغضب علينا. موافق." أمير وهو يشعر بالفخر من حبيبته: "أكيد طبعاً.. طب يلا نروح نفطر." أومأت سلمى بسعادة، وهي تقول له: "طب اعمل حسابك إن النهاردة أنت مهزوم على فرح وعد." أمير: "بس كده، من عيوني." سلمى بحزن: "ومروة؟! أمير: "هجيبها معايا عشان تتصلحوا مع بعض." سلمى بحب: "بحبك." أمير: "وأنا مغرم بك." ***
تقف أمام تلك المرأة الكبيرة، تتطلع على هيئتها وهي ترتدي ذلك الفستان الأبيض الناصع، الذي يلمع ويجعل الأعين تلمع إن وقعت عليه. تنظر إلى نفسها بانبهار وفخر، فكم كانت زينتها خفيفة جداً، فقط تبرز معالم وجهها الجميل. ولم تضع العدسات اللاصقة الملونة مثل بقية العرائس. وما زاد من فخرها أنها احتفظت بحجابها. تتذكر عندما عرضت عليها الفتاة بأن ترفع الحجاب بعض الشيء، فيبرز شعرها من أسفل الحجاب، رفضت رفضاً قاطعاً، وقالت:
"لو هقلعه، يبقى لبسته ليه من الأول." وما إن حولت الفتاة رأسها إلى العروس الأخرى، حتى قالت لها نفس الشيء. نظروا إلى بعض بإعجاب، أن كل منهم لديها نفس القيم والمبادئ، ولن يتخلوا عنها. أفاقت من تأملها وشرودها على صوت سلمى، والتي كانت برفقتهما منذ الصبح. وهي تقول: "طنط سناء وطنت منى برا، وبيقولولكم العرسان على الطريق." وما إن أنهت جملتها، حتى استمعت إلى صوت منى، وهي تقول لها بحنق كاذب: "طنط مين يا حيوانة؟
أنتِ وحشك الشتيمة يا بت." سلمى وهي تنظر إلى منى بصدمة، وتقول بمزاح: "مش هنا يا منمن يا حبيبتي، الشتايم مش هنا." منى وهي تشدها من أذنها التي تغطيها خلف حجابها: "يبقى تحترمي نفسك." سلمى وهي تتألم بعض الشيء: "خلاص يا منمن، أنا غلطانة إني قولت أقول طنط عشان المكان والناس.. ولا إيه رأيك أنتِ يا طنط؟ سناء بضحك: "بلاش أنا عشان همسك ودانك التانية، وشغل الاحترام دا مش بينا، لا هنا ولا في أي حتة، فاهمة؟
إحنا عيلة مش بتحب الألقاب، فاهمة." سلمى: "لا حول ولا قوة إلا بالله، يا ستي سيبي ودانك." أخذوا يضحكون عليها الجميع، وكانت الأجواء بأكملها تتلخص بالسعادة. كلمة طال انتظارها من الجميع. أخذوا يضحكون سوياً، حتى استمعوا إلى صوت طرق فوق باب الغرفة. فذهبت منى حتى ترى من القادم. وما هي إلا ثوانٍ، حتى طلت منى مرة أخرى، ولكن برفقة زوجها عبد الله. ما إن رآهم عبد الله، حتى اقترب منهم وهو يقول بمرح:
"هي السما نزلت تالت عرايس ولا إيه؟ نظر الجميع إليه باستغراب، حتى سألته سلمى بمزاح: "تلاتة إيه يا عبده؟ هما اتنين. إحنا عجزنا ولا إيه؟ عبد الله وهو ينظر لها باستنكار زائف: "مين البت دي؟ حد يعرفها." قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى الفتيات. أما عن وعد وأنورين، فأخذوا يحركوا رؤوسهم بمعنى لا. فاغتظت منهم سلمى، وهي تقول لهم: "اندال صحيح." كفتت وعد عن الضحك، وهمت بسؤال والدها: "فعلاً يا بابا قصدك مين التالت؟
هو حد تاني هيتجوز؟ عبد الله: "يا بنتي أنتِ مش عروسة، واللي جنبك عروسة. واللي القمر اللي جنبي دي مش الحلويات كلها." قال جملته الأخيرة وهو يحتضن منى، والتي ما إن أتم جملته، حتى خجلت من ذلك الغزل الصريح منه أمام الفتيات، وهي تقول له: "بس يا عبده." ما إن استمعت الفتيات إلى ما قالته، حتى قال الثلاثة بصوت واحد: "سيبوا، سيبوا يا حامد." اغتظت منهم، حتى قالت بحنق: "عجبك كده حركاتك دي؟ عبد الله: "أنا عملت إيه؟
هما اللي جزم. اسكتي يا جزمة، جوازاتكم برا عايزين يدخلوا." وعد: "طب ما يدخلوا." تدخلت سلمى قائلة: "يدخلوا إيه؟ استني بس يا عمو، دخل عدي الأول، وبعد كده وليد واحدة واحدة." عبد الله باستغراب: "ليه يعني؟ سلمى: "عشان أصورلهم الـ first look." وعد: "يا بنتي ماهو كده كده عارف شكلي، يعني مش ندخل؟ وعد هتطلع جورجينا يعني." سلمى:
"يا بنتي اسكتي، جوزك أصلاً مش سايبك في حالك من ساعة ما جينا، وهو بيرن عليكي يطمن، فـ عايزين نتعبوا شوية، ولا إيه رأيك يا أنورين؟ أنورين بضحك: "بس هنا ولاد حلال ويستاهلوا، فـ نطلع عنيهم دلوقتي." وعد باستغراب: "على فكرة إللي بتتكلمي عليهم دول أخويا وجوزي." أنورين: "طب ماهما بردو أخويا وجوزي، بس يستاهلوا. اخلصي بدل ما أطلع عينك أنتِ كمان." سلمى: "تمام كده، يالا لفوا."
فعلوا مثلما قالت، وبالفعل دلف عدي، فنظر لأنورين باستغراب عما تفعله. ولكن ما باليد حيلة، عليه أن يفعل ذلك إذا كان هذا ما تريده. فأخذ يتقدم منها حتى يصبح أمامها، فكانت تذهب إلى الناحية الأخرى. وكلما يقترب، تفعل كأول مرة، حتى ضجر منها. وقال: "لا، ما بقولكِ إيه، اتهدي كده، بدل ما الواحد يشيلك ويروح."
أخذ الجميع يضحكون عليه، حتى اقتربت منها هذه المرة، ولكن لم تتحرك الأخرى. وما إن نظر لها، حتى قبل جبينها. ومن ثم انتظر صديقه، والذي كان يدلف هو الآخر، وينظر لهم باستغراب، وهو يقول: "مراتي فين؟ ضحك عدي عليه، وهو يقول: "عارف الفارشة المرفوعة دي؟ مراتك مستخبية جواها." لم يرد عليه وليد، بل أتى الرد من وعد، وهي تقول له: "تعرف يالا، أنت تستاهل اللي حصل فيك من شوية." عدي:
"يا شيخة اتنيلي، اخلصي، عايزين نخلص من أم الليلة، عايز أروح." أخذوا يضحكون مرة أخرى عليه. فأخذ وليد يتقدم منها، وهي ثابتة لا تتحرك، فهي لا تريد له العذاب مثلما فعلوا مع شقيقها الأبله. ولكن صوت سلمى هو من جعلها تتحرك وتستدير كيفما تقول. حتى ضجر وليد منها، وهو يقول: "أنتِ هتسمعي كلام صاحبتك وجوزك؟ لا يا هانم." وعد: "ما أنت يا حبيبي مش هيهون عليك إن مراتك يتعمل عليها حفلة في الخروجات الجاية." وليد:
"وحياة أمك. يعني خايفة من تخفيف صحابك تعملي فيا كده." وعد: "ما تقولهم هما، الله. برستيجي بردو يا عمر الله." وليد: "عمر مين يا هانم؟ وعد: "يا عم دا مصر كلها بقت عمر، هي جت عليا." أخذوا يضحكون عليهم، ولكن هذه المرة كانت تصاحبهم دموع من هستيرية الضحك هذه. ولكن لم يتقدم منها حتى يرى وجهها هذه المرة. بل تقدم منها واحتضنها من الخلف، ومن ثم طبع قبلة فوق وجنتها، وهو يقول بصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد:
"مبروك عليا أحلى عروسة في الدنيا." خجلت وعد من حديثه، حتى ردت له بخجل يكفي فوق وجهها، وهي تستدير له: "مبروك عليا أنا أحن راجل في الدنيا." سلمى: "احم احم، في فرح تحت حضرتكم." وليد بضجر: "ماهو للأسف فعلاً. يلا بسرعة عشان نخلص من أم اليوم دا."
ومن ثم أخذ كل منهم عروسه، ودلف خارج الغرفة بذلك الفندق، وهموا بالدلوف، كل من العروسين من جهة مختلفة من قاعة الزفاف، وهم يتقدمون نحو أزواجهم الذين يقفون في منتصف القاعة، إلى الطريق نحو أماكنهم المخصصة لهم. وما إن وصلوا، حتى أخذ كل من عدي ووليد عروسه، وجلسوا بأماكنهم، وأخذ الأقارب والأصدقاء بالهطول عليهم بالمباركات والتهنئة. حتى رأت وعد مروة، وهي تتقدم هي وأخوها، وتحتضن وعد وتقول لها: "مبروك يا روحي." وعد
بفرحة وهي تبادلها ضمها: "وحشتيني أوي.. آسفة إني مكنتش... قاطعتها مروة وهي تقول لها: "مش هنتكلم دلوقتي، النهارده ليلتكم يا عروسة، ولا إيه؟ إحنا جايين نفرح." أومأت لها وعد، ومن ثم ذهبت إلى أنورين حتى تبارك لها. وما إن انتهت، حتى استدارت وشاهدت سلمى، والتي كانت دموعها تهدد بالنزول، حتى احتضنتها مروة وهي تقول لها: "بلاش عياط يا هبلة." سلمى بحزن: "آسفة... قاطعتها مروة وهي تقول لها:
"هقولك زي ما قولت لـ وعد، مش هنتكلم دلوقتي، إحنا جايين نفرح. ولا إيه؟ سلمى: "عندك حق." وما إن انتهى الجميع من المباركة للعروسين، حتى بدأت أولى رقصتهم. فكانت كل عروس تتحرك ببطء بين ذراع زوجها، وكل منهم يتحدثون سوياً بصوت لا يسمعه غيرهم. وعد: "وليد." وليد بحب: "قلب وليد." وعد: "أنا جعانة." وليد: "نعم ياختي." وعد: "إيه يا وليد بقولك جعانة." وليد: "يا بنتي هو أنا مش اتصلت بيكي من ساعتين، قولتلي إنك أكلتي." وعد:
"أيوا دا من ساعتين، الأكل اتهضم." وليد: "الصبر يا رب. طيب يا وعد، حاجة تانية؟ وعد: "آه عايزة حمص شام بصراحة." وليد: "دا اللي هو إمتى؟ وعد: "دلوقتي." وليد: "أنتِ جاية تحققي أحلامك هنا يا بنتي." وعد بضحك: "بهزر معاك يا ليدو." ضحك عليها الآخر. ومن ثم غمز لشخص ما. ومن ثم نظر لها وهو يقول: "الأغنية دي ليكي أنتِ.. باللي بحسه بيه ناحيتك."
لم يترك لها فرصة للحديث، حتى انطلق صوت والكلمات "الأغنية" تتركز داخل قلبها. فكان يردد الكلمات بصوته بأذنها، حتى تستشعر مشاعره مع تلك الكلام، حتى لا تكون مجرد كلمة توضع مع ألحان موسيقى، بل تخرج من القلب مع ألحانها الخاصة. "هقولك كلمة صدقني مفيش قبليك ولا بعديك ولا الدنيا دي تلزمني ولا تتعاش في يوم غير ليك ولو يخلص في يوم عمري مايغلاش عمري كله عليك بحبك لو هقولهالك بقيت أيامي متكفيش سنين بحلم تكون جنبي
قصاد عيني ومتسبنيش ياريت ينفع أعيش عمرين في حضنك عمر ما يقضيش لقيت فيك اللي بحلم بيه وطول الوقت مستنيه أنا شايفك معايا خلاص حبيبي يبقى ناقص إيه يا أول حب طمني وخدني من الحياة والناس بقربك تحلى أيامي بحس معاك بـ 100 إحساس ولو جه حد يسألني هقوله أنا قلبي حب خلاص عرفت الحب بيك ومعاك بعيش الجنة وأنا وياك دانا أنسى الدنيا دي عادي ومش ممكن حبيبي أنساك ومين يقدر بقى يلومني أنا شايفك قصادي ملاك أنا شايفك قصادي ملاك
لقيت فيك اللي بحلم بيه وطول الوقت مستنيه أنا شايفك معايا خلاص حبيبي يبقى ناقص إيه." وما إن انتهت كلمات الأغنية بصوته، حتى نظرت له بعشق يلمع داخل عينيها: "بتعمل كل حاجة عشان تسعدني.. قول حاجة أعملها عشان تسعدك." وليد: "خليكِ جنبي، ودائماً أشوف اللمعة دي بعيونك. مش عايز حاجة من الدنيا دي غيرك أنتِ وبس." وعد: "بحبك." وليد وهو يسند جبهته فوق خاصتها: "وأنا بعشقك يا بنت الفؤاد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!