خرجت تلك الرصاصة القاتلة، وردت في صدر مها لتنهي حياتها. كانت دائماً إنسانة ظالمة، لم يعرف الحق لها طريقاً. مها كانت عبارة عن درس قاسٍ لكل سيدة تكره أي أنثى، وتتعامل معها باشمئزاز وتقلل من قيمتها فقط من أجل جمالها.
أما عن ياسين، لم يطرف له جفن. ينظر إلى الذي يجلس بجانبها، يقسم أنه كاد أن يفعلها على نفسه. وخرج رصاص أيضاً ليغسل عار عمه والعائلة. قبل أن يخرج من الغرفة، رأى هؤلاء الرجال الذين جلبهم معه من الصعيد، وهم يمسكون ذلك الشوال الذي يوجد فيه تامر. ياسين بقوة: "اخرجوه من الشوال وضعوا يده على المسدس، لأتصل بالبوليس لكي نخبرهم على الحادث."
نظر الرجال إلى الجثتين بقرف، وبصقوا عليهما وفعلوا كما قال ياسين. أما عن ياسين، كان ينظر إليهما بقرف. لم يتمنى يوماً أن يرفع مسدسه أمام وجه سيدة، لكن هي من فعلت هذا بنفسها. هي من جلبت العار إلى العائلة بسبب قرفها. أين كان عقلها عندما فعلت ذلك بنفسها؟ خرج من الغرفة وقلبه ينقسم إلى نصفين، لا يصدق أنه فعل هذا مع ابن عمه، ولكن هي من أجبرته على ذلك.
أما في غرفة فهد، كان يجلس أمام شروق الشمس ينظر له بسخرية على حاله. يمكن بعد عتمة الليل، أن يأتي الشمس إلى حياته هو الآخر. ولكن أخرجه من ذلك صوت جوري الهادئ: "أكيد الشمس تطلع في يوم، مش معنى الدنيا ظالمة إن هي هتفضل كده على طول. لا هتنور وهتبقى أحسن من الأول." تحدث دون أن ينظر لها: "إنتي بتقولي كده وخلاص، إنتي مش عارفة حاجة." جوري بجدية: "أنا كلمت الدكتور امبارح بعد ما جئت وقعدت بعدها على نفسك، وقالي إيه اللي حصل."
فهد: "قالك إيه؟ قالك إني مبقتش نافع وبقيت بايظ خالص ومنفعش أكون راجل أصلاً؟ جوري بهدوء: "مين اللي قال كده؟ مش معنى إنك مخفتش من أول شهرين كده خلاص، ممكن تخف. بس أهم حاجة يكون عندك صبر وإيمان بربنا. أصل الحياة مش بتقف على أول امتحان صعب بيجي، لأ الواحد بيدخل امتحان والتاني والثالث لحد ما يكسب، واللي بيكسب هو اللي بيكون قوي وقادر إنه يكسب فعلاً."
فهد بصراخ: "بس أنا خسرت جامد جداً وامتحاني صعب ومش أي حد يقدر يعرف اللي أنا بحس بيه. أنا راجل عايش زي أي حد، بس الفرق إني مش كامل زيهم. حاجة وحشة ومهينة، مش كده؟ فاهمة يعني إيه؟ بحاول أظهر إني عادي وأنا أصلاً نفسيتي تحت الأرض، بس بحاول أكذب على نفسي." جوري بتساؤل: "طب ولو كانت رجلك اتقطعت في الحادثة أو إيدك، أكيد كنت زعلت أو اتضايقت أو ممكن تموت نفسك؟
خليك واثق في ربنا ومؤمن بالقضاء والقدر. عيب لما تكون بتصلي ومش عارف إن ده قضاء وقدر. الحياة اختبارات يا فهد، وأنت لازم تعدي الاختبار بالطريقة اللي بتحبها، وكمان بالطريقة اللي ترضي ربنا بيها. لكن طول ما إنت نفسيتك مكسورة وما عندكش ثقة في ربنا، عمره ما هتخف." قالت ذلك وخرجت من الغرفة، ولكن عادت مرة أخرى. قالت بهدوء: "اقعد فكر مع نفسك، وأنا هاروح مع فارس. بس عاوزة لما أرجع تكون أحسن من كده وثقتك في ربنا أكتر من كده."
خرجت جوري من الغرفة وتركت فهد ينظر إلى السماء وهو يفكر في القادم. ولكن أخذ قرار أن يبدأ حياته من جديد بحلوها ومرها. وسوف تعود ثقته في نفسه قبل أي أحد. قام فهد من مكانه واتجه إلى خزانته وأخرج ذلك الترنج الذي يستخدمه في الرياضة، وأخذ يرتديه على عجلة لكي يعود مرة أخرى يمارس النشاط الطبيعي له من الركض. عند جوري، كانت تركب السيارة مع فارس دون أن تتكلم. فانظر لها فارس باستغراب: "مالك؟ واكلة سد الحنك ولا إيه؟
ولا يمكن فهد قالك ما تتكلميش مع حد؟ ردت جوري بهدوء: "لأ، أبداً مفيش." فارس بحب: "على فكرة أنا عايزة أشكرك." جوري باستغراب: "تشكريني على إيه؟ فارس بابتسامة: "على إنك بتحاولي دايماً تخرجي فهد القديم وترجعي فهد أخويا القديم بدل البارد اللي في البيت."
ثم أكمل بهدوء: "على فكرة فهد شخصيته مكنتش كده خالص. فهد كان شخصيته قوية بطريقة غريبة، حتى كان بيمشي كلامه على بابا. بس من ساعة ما قعد من الجيش هو شخصيته اتغيرت، بقى بارد ومش بيقولي اللي هو عايزه، بيسكت كأنه خايف من حاجة." جوري بابتسامة: "لأ، ممكن يكون هادي بس عن الأول." فارس بضحك: "قصدك تقولي إنه عقل؟
لأ، متخافش. فهد زي ما هو، بس الفرق إن فيه حاجة اتكسرت جواه. أنا لما أبص في عينيه وأركز بحس بالمكسور، بحس إن فيه حاجة غلط، مش هو ده فهد القديم، مش هو ده فهد الحقيقي بتاع زمان اللي كان جواه جبروت، لأ واحد مكسور وحزين." جوري بهدوء: "لأ والله، هو كويس. والله إنت بس بطل تشوفه بنظرة دي، صدقني هتشوفه زي ما هو." أوقف فارس السيارة أمام المدرسة وقال: "أتمنى." ثم أكمل بمرح: "خدتي المصروف من بابا ولا لأ؟
أصل لو مخدتوش أنا ممكن أديكي عادي." هنا قذفته جوري بالشنطة وقالت: "رذل." قالت ذلك ونزلت من السيارة ودخلت إلى مدرستها. أما عند فارس، كان يركض في الجنينة بكل قوة ونشاط وهو يضع الهيدفون داخل أذنه، تحت نظرات زهره الفرحة بعودة ابنها إلى طبيعته. حتى ذلك الترنج الذي لم يلبسه منذ أن صنع ذلك الحادث الأليم الذي شعر فيه أنها فقدت ابنها الغالي. ولكن قطع كل ذلك صوت محمدي الآتي
من خلفها وهو يتحدث بفرحة: "مالك عمالة تبصي كأن حاجة غريبة بتحصل قدامك؟ هنا ظهرت ابتسامة على وجه زهره وقالت بحب: "ما فعلاً حاجة غريبة، ابن اللي كنت قربت أنساه إنه موجود، بدأ يرجع خطوة خطوة." نظر شعيب هو الآخر بحب، ولكن قال بغضب: "بس لو يسمع كلامي ويقدم موضوع الخلفه ده، وما يخليش مراته تروح المدرسة. الأحسن بقى، شكلنا بقى وسط الناس وحش. مرات العمدة بتروح المدرسة؟
هزت زهره رأسها بملل وقالت: "فظيع، إنت فظيع، إنت مش بتزهق." محمدي بهدوء: "هو حد بيزهق من حقه؟ زهره بهدوء: "بس ده مش حقك تدخل فيه، وارجوك يا محمدي ما تدخلش في الموضوع ده." قالت ذلك وتركت محمدي وحده. عندما رأت أن ابنها يدخل إلى القصر، اتجهت إليه بابتسامة: "صباح النور يا فهد." فهد بهدوء وهو يجفف عرقه: "صباح الورد يا أمي." زهره على نفس ابتسامتها: "شكلك النهاردة أحسن بكثير من امبارح. ممكن أعرف إيه السبب لو مش هيضايقك؟
فهد على نفس ابتسامتها: "لأ مش هيضايقني، بس اكتشفت إن الحياة مش مستاهلة، وهأعيش الحياة بالطريقة اللي بتعجبني." هنا ابتسمت زهره وتيقنت أن جوري قد قالت ما في قلبها وجعلته يفيق من تلك الغفوة التي ينام فيها. أما عند نوارة، كانت خرجت هي وحسام لكي تنطق فستان الفرح. نوارة بهدوء: "مش عاجبني ولا فستان." حسام بهدوء: "طب إيه الحاجة اللي إنتي عايزها وأنا ممكن أكلم أي حد يعملهالك؟
نوارة: "مش عارفة، بس عايزة أكيد حاجة مختلفة. يعني تصميم بسيط ويكون هادي، ما يكونش أوفر، تكون حاجة رقيقة." هنا أخرج حسام صورة لفستان كان يريدها أن ترتديه له منذ أن رآها، وقال لها بهدوء: "إيه رأيك في ده؟ نظرت له نوارة باستغراب، كيف علم أنها تريد فستان مثل هذا؟ تتحدث بهدوء: "آه، عايزة زي ده بالظبط." حسام بهدوء: "سهلة، تديني اليومين وأجيبلك أخوه." نوارة بسخرية: "مش هتقدر، الفساتين دي مش بتتعمل هنا."
حسام بحب: "اديني يومين وهجيبلك أخوه." نوارة بهدوء: "المهم دلوقتي، خدني بقى روحني البيت عشان تعبت." حسام بحب: "من عيني." في الظهيرة، كان يجهز فهد نفسه لكي يذهب إلى المدرسة لكي يجلب جوري من المدرسة. فدخلت عليه والدته وابتسامتها لم تفارق وجهه: "رايح فين؟ فهد بهدوء: "هاجيب جوري من المدرسة." والدته بجدية: "لأ، ملوش لازمة. أنا قولت لخوك يجيبها هو." فهد بجدية: "لأ، أنا اللي هروح أجيبها." قال ذلك وهو يخرج من الغرفة.
أما في المدرسة، كانت تجلس في الحديقة الخاصة بالمدرسة وهي تفكر في فهد في كل دقيقة. ولكن أتاها صوت ساخر من خلفها: "بصوا يا عيال، دي مرات العمدة." ردت عليها فتاة أخرى: "ياختي، حلوة مرات العمدة بتدرس معانا يا عيال." فتاة بسخرية أكبر: "يا بنات، متقوليش مراته، دي بنته. ده أنا أبويا بيقول إنها اتجوزت العمدة عشان الفلوس." هنا تحركت إليهم
والدموع تترقرق في عينيها: "على فكرة إنتوا مش محترمين، لأنكم بتتكلموا بكل قلة ذوق على أساس إنكم كويسين. طب حتى احترموا وجودي." قالت ذلك وخرجت من المدرسة. كانت تظن أن فهد لن يأتي إليها، ولكن كذبت نفسها. وعندما وجدته يجلس في السيارة بالبدلة الرسمية التي يرتديها، فنظرت إليه باستغراب: "إنت رايح مشوار ولا إيه؟ فهد بجدية: "لأ، أنا جاي آخدك عشان هنخرج مع بعض شوية." ثم نظر إلى الدموع التي
في عيونها وقال باستغراب: "مالك بتعيطي ليه؟ جوري بكذب: "لأ، مش بعيط ولا حاجة، ده أكيد في حاجة دخلت في عيني." فهد بسخرية: "هو إنتي مش عارفة إن الكذب حرام؟ هنا قالت جوري بدموع: "عايز إيه يا فهد؟ فهد على نفس بروده: "قولي إيه اللي حصل وبطلي كذب." قصت على فهد كل ما حدث دون أن تكذب في شيء.
هنا تحدث بغضب: "لو كان المفروض حد يتحاسب على فرق السن، فهو أنا مش إنتي. وما تخافيش، أنا هرجعلك كرامتك قصاد الناس كلها، وأنا آسف إني حطيتك في الموقف ده." جوري بسخرية: "ما تعتذرش على حاجة إنت ملكش ذنب. العيب مش فيك، العيب في الناس اللي دماغها مقفلة ومش بتشوفه غير من وجهة نظرها هي." ثم أكملت بابتسامة: "هتاخدني ونروح على فين؟ فهد بضحك: "هخطفك، تقبلي؟ جوري على نفس ابتسامتها: "طبعاً."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!