الفصل 10 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل العاشر 10 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
21
كلمة
3,144
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

وصلت "صبا" إلى بيت عمتها الذى لا يقل مساحته عن قصر جدها بكثير، لكن رغم هذا كان جميلًا ذو أثاث رفيع يطل على شاطئ كبير ورقعة خضراء كبيرة. ورغم روعة المنظر إلا أنها قد اعتادت على صخب المدينة، وكلما زاد الهدوء تشعر بالغربة والاختناق والملل. التفتت حولها لتجد "بثينة" تسحب حجابها لتلقيه بإهمال على أقرب أريكة لتقول بابتسامة انتصار: ـ نورتي البيت يا بنت أخويا. ثم أردفت وهي تتحرك أمامها: ـ تعالي أوريلك أوضتك.

تبعتها "صبا" متجنبة أي حديث معها، كل ما كان برأسها أن ينقذها والدها الذي لم يجبها ولم يتصل عليها حتى مرة واحدة. انتبهت عندما توقفت "عمتها" أمام إحدى الغرف وأشارت مرحبة: ـ اتفضلي يا صبا.

تقدمت نحو إشارتها بقلق، فهي لم تأمن أي شخص هنا، كانت تحذر منهم جميعًا وتستعد دائمًا وكأن هناك وحشًا سيهجم عليها وتنظر للأسوأ. وضعت يدها داخل حقيبة يدها لتمسك بشيء تحتفظ به دائمًا للدفاع عن نفسها، "صاعق كهربائي". لم يفارق حقيبتها أبدًا، لكن الآن لم تحتاج له حيث أن إشارتها كانت نحو غرفة مرتبة ذات إضاءة جيدة. عاينتها بدقة، وخاصة بالزوايا، ما إن اطمئنت حتى تركت حقيبتها وعاودت النظر لـ "عمتها" لتمنحها ابتسامة متماسكة حتى تخفي رهبتها التي من الممكن قد تكون لاحظتها.

هتفت "بثينة" بشيء من الغموض: _ارتاحي يا صبا لحد ما الغداء يجهز. أغلقت الباب من خلفها، فـ "ارتمت" "صبا" فورًا على الفراش بشكل عكسي لتحلق بسقف الغرفة متمنية أن تسقط فوقها وترتاح من كل هذا العناء. كانت أكثر فتاة محبة للحياة وتكرهها في نفس الوقت. في قصر فايز، ابتسامة ساخرة علت وجه "فايز" وهو يدحرج "عماد" بنظرات فاترة قائلًا باستهزاء:

_لا يا شيخ، بقى عايز تجوز ابنك الحيلة لبنت عمه عشان تصلح الغلط ولا عشان ترجعه البيت تاني. تلون وجه "عماد" فقد اعتقد أنه قد يخدع والده بهذه الحيلة، لكن والده كان من الصعب خداعه. وضع "فايز" يده على ذقنه وحركها فوق شعرها القصير واستأف: _الشعر ده ما شابش من فراغ يا عماد، العب غيرها. حاول تفادي الأمر واقترب منه "عماد" قائلًا بإصرار: _وغلاوتك عندي يا حاج، أنا غرضي المصلحة ولو عايزني أروح أطلبها من حسين هروح. تدخلت "ونيسة"

لتهدر بإنفعال: _والله لو فيها طلاقي ما هجوز ابني لبت بشرى لو عملتوا اللي ما يتعملش. ابتسم "فايز" ونظر إلى ابنه ليضعه أمام مشكلة أخرى وكأنه وضع في مصيدة هاتفا بتلذذ: _حل بقى يا فتك. زاغ ببصره بينه وبين زوجته، "ونيسة" متصلبة الرأي ولن توافق أبدًا على هذه الزيجة ولن يقدر أحد أن يغصبها على هذا. لم يطاوعه عقله في اقتراح أي حيلة لإقناعها لذا لجأ للعنف، فصاح بها بحده: _وإنتي مالك إنتي يا ونيسة الوالد عايزها.

لم تخف من حدته ولم تتراجع عن رأيها أمام حجته الواهية، فصاحت هي الأخرى به: _مالي ونص، ولا نسيت إنه ابني. اتسعت عينها لتخبره بتحدي: _طلاقي قصاد الجوازة دي. قاطعهم "فايز" شامتا في تخطيط وابنه الفاشل: _هتخرب بيتك عشان تجوز ابنك ولا هتعمل إيه يا سيادة النائب.

أصبح بين السندان والمطرقة، لن يستطيع ترك ونيسة ولن يستطيع إبقاء ابنه، فتردد في إجابته وازداد شعوره بالخجل أمام ابنه الذي كان ينظر إليه باستجداء حتى لا يتركه يعود إلى المكان الموحش الذي قضى أسوأ أيام حياته. صوت مفعم بالسعادة واللهفة قطع حوارهم بـ: _بـــلال. هكذا أنقذه ابنه الآخر من الخجل عندما هتف "يحيى" بسعادة لرؤية أخيه الذي اعتقد أنه ذهب بلا عودة. هرول تجاهه وضمه إلى صدره قائلًا بسعادة: _وحشتني يا أخويا.

أمام هذا المشهد رق قلب "فايز"، لم يقو على حرمان أخ من أخيه خاصة إن كان نقيًا مثل "يحيى"، وأيضًا هذا يتنافى مع رغبته بجمع عائلته إلى جواره. دار على عقبيه وخرج تمامًا من الغرفة غير مصرحًا بأي قرار حيال "بلال"، لكنه لن يمرر الأمر هكذا. في جانب آخر، في شقة "مها" زوجة حسين الواصل.

امرأة في بداية العقد الرابع من عمرها، متوسطة الجمال، مادية لأبعد الحدود، تعشق النفوذ وتحب المال. قلبها لم يعرف الحب سوى لابنها الوحيد "وليد" والذي فعلت لأجله المستحيل ومازالت تفعل. ها هي تتحدث عبر الهاتف بعصبية لأخيها "رشدي" الذي يتطابق معها في بعض الصفات ويزيد على ذلك أنانيته المفرطة وحبه للتملك: ـ أعملك إيه يعني يا رشدي "حسين" اللي طلب من أبوه يجوزها أنا مالي. على صوته هو الآخر بضيق وهو يرد عليها بانفعال:

ـ انتي مالك مش انتي اللي قعدتي تحاربي لحد ما طفشتيها يا مها. لم يعجبها انفعاله عليها وردت "مها" بعنف: ـ وانت يهمك في إيه يا رشدي تقعد ولا تمشي، كدا كدا هي رفضتك تفضل قاعدة في اربيزي أنا ليه؟ هدأ من انفعاله وهو يروضها بقوله: ـ يعني "مها" بجلالة قدرها اللي عرفت توقع "حسين الواصل" مش عارفة تلف عقل عيلة زي دي وتخليها توافق. أجابته وهي تزفر بصوت واضح:

ـ دماغها ناشفة حجر ما بتلينش، وبعدين الدنيا ما وقفتش عليها، روح شوف غيرها. فاض به من تصنع أخته عدم قدرتها وهو يعرف جيدًا أنها إن أرادت نفذت، وأيضًا معاملتها بجفاء، ليصيح بها من جديد: ـ الصبر يا ربي، أنا قولتك إن مافيش غيرها، فيه يا "مها" فيه كتير بس أنا عايز دي هتسلى شوية وابقى خديها احرقيها بعد كدا. ردت عليه "مها" بإذعان: ـ مافيش في إيدي حاجة، رفضت وأبوها قال سبيها على راحتها. قاطعها "رشدي" مغتظًا:

ـ ماهو انتي لسه قايلة إن أبوها طلب من جدها يجوزها، يعني الجوازة دي هتكون بمزاجها، ماهي أكيد غصب عنها، وغصب بغصب أنا أولى. ضغطت "مها" على رأسها من فرط الألم الذي سببه لها أخوها الذي يحاكيها منذ ساعة تقريبًا، وهتفت لمجاراته: ـ عمومًا مافيش حاجة هتم غير بموافقة حسين ودي عليا أنا، وأكيد كل حاجة هتتأجل لما يرجع من السفر، ساعتها أرجع أزن عليها تاني. تهلل هاتفا:

ـ الله ينور عليكي، أيوا كدا شغلي مخك معايا، مع إني مش صابر بس هستنى، ولحد ما جوزك يرجع من السفر أنا هلغيها كدا كل شوية عشان أساعدك. هدرت "مها" دون اهتمام: ـ اشبع بيها يا رشدي، ما تصدعنيش. أنهت محادثتها معه، وقفز ابنها "وليد" إلى أحضانها يحاكيها بحماس: ـ ماما هننزل نشتري أوضة النوم الجديدة امتى؟ ابتسمت له وضمته بين أحضانها لتخبره بحنان:

ـ بكرة أو بعده، بس دي لازمها خطة عشان بابا يوافق يفتح أوضة صبا على أوضتك ونلغي أوضتها خالص. قال "وليد" متحفزًا: ـ أنا هساعدك وهعمل كل اللي تقول لي عليه. زادت من ابتسامتها واحتضنته بحب وهتفت مؤكدة: ـ كدا يبقى طلباتك أوامر يا وليد باشا. اعتلى وجهه ابتسامة رضا بعدما اطمأن أن والدته ستستجيب لرغبته في تكبير غرفته وإضافة أشياء جديدة في مساحة أكبر، متناهزين فرصة غياب "صبا" عن المنزل ومتجاهلين حقوقها ومكانتها تمامًا.

في بيت "بثينة"، اجتمعت "صبا" مع زوجها "حكيم" وكذلك ابنها "عامر". لم يكن يملك من اللباقة أو المظهر الحسن أي شيء، أسلوبه فظ بشكل مروع، ملابسه غير منسقة، صوته عالٍ ومنفر وكأنه آخر ذكر على وجه الأرض. لم تخفِ "صبا" امتعاض وجهها واشمئزازها من طريقته وأسلوبه فور التعرف عليه، لم تتقبله أبدًا كما لم تتقبل الطعام أيضًا، لقد اعتادت الطعام السريع وتفضله عن طعام المنزل، فما بال بطعام ثقيل على معدتها ككل هذه الأنواع التي أمامها.

ـ ما تاكلي يا صبا. هكذا هتف "حكيم" الذي بدا مرحبًا للغاية بحضورها على عكس ابنه الذي انشغل بتناول الطعام بشراهة وكأنها آخر وجبات حياته. أجابت بتهذيب وهدوء: ـ شكرًا يا عمو، أنا حاسة إني شبعت. لم تبعد "بثينة" نظراتها عنها ولم تفارقها البته، تتطلع إليها بشرود وهي تتناول طعامها وكأنها تمضغها هي عوضًا عن طعامها. هتف "حكيم" معترضًا: ـ إزاي دا بقى، انتي ما أكلتيش حاجة خالص، دا حتى نايبك سايباه.

تجشأ "عامر" بصوت عالٍ مما جعل "صبا" تنتفض، وعندما أدركت فعلته المقززة امتعض وجهها بشدة ووضعت يدها أعلى فمها لرغبتها الملحة في التقيؤ الآن. لاحظ "حكيم" هذا ونظر باتجاه ابنه ليرمقه بنظرات محذرة ومحاكيه للاكتفاء، لكن "عامر" لم يعتد على قيد من أحد أو حتى مراعاة شعور أحد، صاح معترضًا: ـ في إيه يعني أفطس يعني، هي يعني غريبة دي بت خالتي.

جرأته في الحديث والتبرير جعلتها تشمئز أكثر وثبتت من مكانها دون إذن أو سابقة إنذار. واستمر "عامر" بالحديث بصوت مرتفع ومعترض: ـ هي مالها دي كمان محسساني إنها بلاستيك وقرفانة أوي. عنفه والده وقاطعه بضيق: ـ انت إيه ياض انت لطخ. قذف "عامر" قطعة اللحم التي بيده وهدر بغضب: ـ جرى إيه يا بابا إيه الكلام اللي يسد النفس ده. تركت "بثينة" ما بيدها هي الأخرى وانتظرت إجابة "حكيم" الذي هتف موضحًا وهو يزجره:

ـ انت مش شايف البت عاملة زي البسكوت النواعم إزاي؟ وانت من ساعة ما دخلت مش عارف تمسك نفسك وتعمل بني آدم شوية صغيرين. وضعت "بثينة" يدها على وجنتها واستندت إلى الطاولة لترى ما سبب كل هذا الحنان الذي اجتاح زوجها على غفلة. سأله "عامر" دون فهم: ـ هو أنا مش بني آدم ولا إيه، وبعدين أنا في بيتي أعمل اللي عايزة، هي عشان جايه تقعد يومين تقرفني أنا. كاد "حكيم" أن يقتلع شعر رأسه من فرط غباء ابنه، فصاح به وهو يجز على أسنانه:

ـ غبي والله إنك غبي، إحنا لو كنا بنخطط لمستقبل جاموسة كانت فهمت. نهض "عامر" من مكانه معلنًا غضبه: ـ انتوا هتضايقوني عشان حتة بت زي دي ولا إيه. أمسك "حكيم" بذراعه قائلًا بهجة أمر: ـ اقعد يا حيلة أبوك وأمك اقعد. انصاع "عامر" لكنه زفر بنفاذ صبر، فمال إليه والده بعدما التفت خلفه ليتأكد أن ليس هناك من يسمعه: ـ بت خالك دي جدك راح يكتب لها أراضي وعقارات باسمها، البت دي هتبقى صاحبة أرض البوابة عارفها.

فرغ فم "عامر" بذهول مندهشًا من تصرف "جده" الغريب، فهذه الأرض التي يشير إليها والده حلم كل شخص في المدينة، فهي في وجه المدينة في موقع متميز وذات شهرة واسعة تصلح للاستثمار وتعتبر ثروة هائلة. عندما لاحظ "حكيم" اندهاش ابنه وذهوله استرسل محفزًا إياه: ـ تبقى البت دي تستاهل ولا ما تستاهلش. صوب نظراته نحو والده وكأنه شارد أو مسحور، استنجد به قائلًا: ـ أعمل إيه يا بابا دلني أنا ابنك حبيبك.

لم يخفِ "عامر" رغبته في ربط علاقته بصبا وقال سريعًا وكأنه يقتنص الأمر: ـ تتجوزها. ـ أنا مش موافق. نطقت "بثينة" ببرود بعدما شاهدت هذا العرض السخيف، مما جعل ابنها وزوجها يلتفان نحوها ويهتفون معًا: ـ لـــيـــه؟ لكمت الطاولة بباطن يدها لتجيب بعصبية مفرطة: ـ ليه إيه؟ انتوا عايزني أجوز ابني بت بشرى دي؟ لا عشت ولا كنت باقية على وش الدنيا دي أمها قتلت أمي أجيبها بيتي تقتلني هي.

مسح "حكيم" وجهه بضيق من سطحية تفكيرها، ثم هدر غاضبًا: ـ ما تبقيش عندية، دي مصلحة ابنك. كررتها بإصرار: ـ قلت لأ يعني لأ. تدخل "عامر" متسائلًا: ـ يعني احنا لو قولنالها تتجوزني هترضي؟ دحرجته "بثينة" بنظرات محذرة وهي تهتف باسمه بنبرة محذرة: ـ عامر. هتف "حكيم" ليهدئها كي تتعاون معهم:

ـ اسمعي بس يا بثينة، البت شكلها غير بشرى خالص ومتربية تربية تانية ومفتاح الشاطر ما يفتحش بقها، وابنك هيتهنى، دا لو طلعه جني من المصباح مش هيحققه الحاجات دي كلها. هدرت بتشنج وغل: ـ والله لو طلب يطلع يخنقها بإيديه فوق أنا مش هقف في وشه وأعارضه، لكن أجوزهالوا لأ. ضم "حكيم" أطراف أصابعه إلى فمه وهو يصيح متشنجًا: ـ واحنا هنعمل إيه بموتها. سكت قليلًا ليرتب حيلة جديدة في إقناعها، ثم عاد يتحدث بهدوء:

ـ خلاص إيه رأيك يتجوزها ويمضيها على الأرض ويطلقها. تضامن "عامر" مع فكرة والده: ـ ماشي حلوة دي، اتجوزها كام شهر كدا عشان جدي ما يزعلش وبعدين أقوله ما اتفقناش. ظلت نظرات "بثينة" غاضبة غير موافقة بالمرة على هذا القرار، لكن إجماع زوجها وابنها على نفس الرأي جعلها في الكفة الخاسرة، إن أراد "حكيم" سيفعل، وإن أيده "عامر" فلن ينفع قبولها من رفضه. بالأعلى،

جلست "صبا" حبيسة غرفة أخرى لا تشعر بالانتماء لها. تجدد بداخلها ألم الخذلان الذي ذاقته على يد والدها واستمراره في تجاهل مكالمتها. أمسكت هاتفها لتعيث به دون تركيز وتقرض أظافرها بشرود. ثوانٍ حتى قفز أمامها إشعار برسالة من "رشدي": -إزيك يا صبا. امتعض وجهها وتجاهلتها لتسحب العلامة وترميها بالسلة حتى لا ترى صورته أمامها ولا تفتحها. قفزت الرسالة من جديد: ـ زعلان منك بجد.

عضت على طرف إصبعها بغيظ، ما أصعب أن تكون بحاجة للحديث وآخر شخص في العالم تريده هو المتاح. كررت نفس فعلتها السابقة وتجاهلت الرسالة دون فتحها ليعود برسالة أخرى، فهو معتاد على تجاهلها المستمر: ـ عايزك ضروري ما تهربيش زي كل مرة. ترددت هذه المرة من تجاهله لثوانٍ، ثم قررت فتح الرسالة لتعلمه بالوصول ولم ترد، وكأنها تبعث له إشارة هامة أنها تتجاهله متعمدة وليرحل بهدوء وكرامة.

من جانبه، اشتعل غضبًا، دومًا تتجاهل رسائله ولا تترك مساحة لمحادثتها حتى ينفذ خطة الاستمالة التي ينويها. أسرع بإرسال إليها فيديو قصير وسألها من بعده: ـ إنتي الوحيدة اللي هتساعديني وتفهمني، ممكن تشوفي الفيديو وتقولي رأيك.

ضغطت على التشغيل وبدأت المشاهدة مع أغنية "قولت مليون مرة أحبك، لما أشوفك بنسى أعاتبك". وتناول المقطع لقطات سريعة من ارتداء "رشدي" لملابسه واستعراض أناقته بشكل واضح بتسلسل منظم ولطيف دون ظهور وجه، وبالنهاية اختتم بظهوره الكامل ليبتسم إلى الكاميرا ويقبل أطرافه وينتهي، فيديو عبثي مما يصنع للعرض على مواقع معينة.

كان جيدًا أمام ما رأته اليوم، لكن لم يكن بالنسبة لها أفضل شيء، تكره وتكره كل شيء من رائحة زوجة أبيها. تركت ملصقًا معبرًا بالإعجاب وأغلقت الرسائل، ليرد هو متصنعًا الحزن: ـ أنا عايز رأيك بالتفصيل عشان أرفعه، وانتي اكتفيتي بكدا، قد إيه إنتي ظالمة. حدقت مليًا بالرسالة لكنها لم يحضر ببالها أي إجابة لتضيفها. طرقات الباب المتواصلة قطعت حيرتها وتساءلت: ـ ومين دا كمان؟

أطفأت شاشة هاتفها وتوجهت نحو الباب لاكتشاف الطارق. لاحظت ابتسامة بشوشة لعمها "حكيم" بيده طبق كبير من الفاكهة ويقول: ـ ما عرفتيش تتغدى، أنا عارف جبتلك طبق الفاكهة ده وجيت أقعد معاكي أسليك. لم تجد مانعًا من حضوره، فأزاحت الباب لتستقبله قائلة: ـ شكرًا ليك، تحب نقعد فين؟ أخبرها "حكيم" متحمسًا: ـ في الفرندة، القاعدة هناك قدام المياه وشوية الهوا يردوا الروح.

أشار لها لتتحرك معه، فاستجابت لإشارته، على الأقل هو الوحيد الذي يبدي اهتمامًا بين الحاضرين. تركت هاتفها في الغرفة يصدر إشعارات متواصلة من "رشدي" دون أن تبالي بغضبه أو حزنه أو حتى شكواه لوالدها المعتادة. في قصر فايز الواصل،

عاد "زيد" من عمله بعد يوم طويل قضاه بعيدًا عن ابنته. اتجه إلى غرفته مباشرة لرؤيتها. كانت الليلة صامتة، لا تلعب ولا تتحرك، ثابتة في أحضان "نجلاء". ترسم على وجهها علامات الحزن دون بكاء، لكنها كانت في أبهى صورة قد تكون عليها من وقت وفاة والدتها. فتح "زيد" ذراعيه على مصرعيهما مناديًا إياها بـ: ـ حبيبتي مريم القمر.

ركضت نحوه وكأنها وجدت طوق النجاة، فحملها بين يديه وأطال النظر إليها بتعمق، فكان شعرها يلمع ومرتب، رائحتها أيضًا ذكية وترتدي فستانًا صيفيًا دون أكمام ممتلئ بالألوان الزاهية بطريقة عشوائية. سألها مبتسمًا برضاء عن تأنقها: ـ إيه الشياكة دي بس؟ مين اللي زوقك كدا؟ لم يتوقع منها إجابة، فهي دومًا صامتة. زفر متألمًا لحالتها المعقدة والتف إلى نجلاء يسألها عوضًا عنها: ـ إنتي يا نجلاء اللي عملتي دا؟ أجابت "نجلاء" مسرعة:

ـ لأ مش أنا يا بيه، دي الست صبا هي اللي سرحتها وقالت لي إنها هتعمل لها حاجة اسمها روتين عشان شعرها ما يتخبلش في بعضه ويوجعها في التسريح. لم يبدِ أي اندهاش من تصرف "صبا"، لقد كان واضحًا اهتمامها بها أثناء جولتها وعدم نسيانها أبدًا، لكنه كان معجبًا بالنتيجة التي وصلت إليها. لكنه قبض حاجبيه متعجبًا من حزن "مريم" وتساءل: ـ أومال هي زعلانة ليه ومش بتلعب؟ هتفت "نجلاء" وهي ترفع كتفيها معبرة عن عدم معرفتها:

ـ ما اعرفش يا بيه، يمكن عشان الست صبا مشيت. هذا ما جعله يزداد هشاشة ويسأل بسرعة: ـ مشيت فين؟ أجابت "نجلاء": ـ راحت مع ست بثينة هتقعد هناك. قبل أن يسأل من جديد، اقتحمت "ونيسة" غرفته دون إذن لتقول بلهجة غاضبة: ـ جدك تحت عايزك. تعجب من غضب والدته ودخولها المفاجئ وغير المعتاد، ونظر في عينيها مستفهمًا لكنها لم تعطيه إجابة واضحة.

لم يطلبه جده ولم يحاكيه من وقت آخر مقابلة، وظن في قراره نفسه أن هجره سيطول لأنه تجاوز حدوده بشكل غير مقبول. ترك ابنته إلى نجلاء ليأمرها بهدوء: ـ نيميها على ما أرجع. في منزل حكيم، كان صادقًا معها بالفعل، الجو والهواء منعش ولطيف، أحسن ضيافتها وقطع الفاكهة وقدمها لها بحنان وأصر على تناولها بكرم وحفاوة. بدأت ترتاح قليلًا لجلسته وتسعد بحديثه لفقدها ركن وحنان الأبوة. استمر الحديث لوقت طويل حتى التفت إليها ليقول برفق وحنان:

ـ والله إنتي نورتي البيت، يا ريت كان عندي بنت زيك. ابتسمت له لشعورها باللطف تجاهه وأضاف حديثهما بعضًا من الثقة. ردت بسعادة: ـ وأنا كمان مبسوطة إني اتعرفت عليك، حضرتك ذوق جدًا. صاح فرحًا: ـ الله يجبر بخاطرك يارب. سألها وهو يقترب منها: ـ بما إننا إحنا الاتنين يعتبر بقينا أصحاب، ممكن تبقي صريحة معايا. رفعت كتفيها بعفوية وهي ترد: ـ أنا معنديش حاجة أخبيها. تشجع ليسألها وكأنه مهتم للغاية براحتها وسعادتها:

ـ طالما كدا هسمح لنفسي أسألك، إنتي مرتاحة في بيت جدك؟ نفضت رأسها دون اهتمام وتطلعت أمامها على المياه الممتدة أمام عينها لترد دون مبالاة: ـ أنا ما مش مرتاحة في أي مكان. ضيق عينيه متعجبًا من إجابتها الواضحة وسألها دون فهم: ـ يعني إيه؟ تواردت صور ذكرياتها القاسية وطفولتها المعذبة أمام عينيها بشكل سريع مما جعل عينيها تدمع ورأسها يدق بعنف. مسحت على جبهتها بقوة وأجابته بإرهاق:

ـ يعني كل مكان بروحه بحس إنه مش مكاني، بحس إني ماليش مكان، لا في بيت بابا ولا عند جدو ولا حتى هنا. كان يحاول قراءتها جيدًا، الجلسة كلها غرضها التعرف عن قرب على المرأة التي يخافها الجميع، لكن ما وجده وآمن به عقله أنها بالفعل خطرة، من لا يخشى كل هذا الجمال وكل هذا الاختلاف؟ تبدو كتحفة فنية لامعة وسط خراب هائل، بالطبع ستجذب الأنظار. بعد ثوانٍ من الصمت والتدقيق، التفتت إليه لتغير حديثها بـ:

ـ يعني كله بيتعامل على إني بنت بشرى وما حدش شايفني أنا. مَطَّ شفتيه ولوح ليعيد النظر أمامه قائلًا: ـ لاااا، خدي من دا كتير، أمك كله كان كله بيشتكي منها، لكن ماحدش مسك عليها حاجة. استدارت إليه بكامل جسدها وقد تحفزت لسؤاله باهتمام بالغ: ـ إنت كنت تعرفها؟ لم يتعجب من حماسها الزائد لكنه شعر بالقلق في فتح ملف "بشرى" والحديث عنها: ـ عادي زي ما كل الناس تعرفها.

زاغ بصرها بيأس وشعرت بألم مضاعف في رأسها، كانت تتمنى أن تسمع قولًا واحدًا عن والدتها من طرف حيادي ليطمئن قلبها أنها أفضل أم كما كانت بالنسبة لها، لكن الجميع هنا يكرهونها وهذا واضح في تعاملهم معها. تساءلت عندما ظهر الإحباط على وجهها: ـ هو في حاجة معينة عايزة تعرفيه؟ همت بالنهوض من مكانها وهي تعتذر عن عدم قدرتها على مواصلة هذه الجلسة: ـ أنا آسفة حاسة إني مصدعة وعايزة ارتاح إن شاء...

قاطع كلماتها صوت "بثينة" القريب وكلماتها المشحونة بـ: ـ هو إذا حضرت الملائكة ذهبت الشياطين ولا إيه؟ انتبهت "صبا" لوجودها الذي لم تلاحظه سوى الآن فردت متعجبة من مهاجمتها غير المنطقية: ـ شياطين إيه وملايكة إيه؟ هو أنا كنت شوفتك؟ رفعت "بثينة" حاجبيها بدهشة وهي تقول: ـ لا يا شيخة، يعني إنتي عينك في عيني وأنا جايه من أول الطرقة وما شوفتنيش؟ شوفي إزاي لازم نكشف عليكي نظر بقى يا ضنايا.

احتقن وجه "صبا" وهي توزع نظراتها بين "حكيم وبثينة" بدهشة من اتهامها غير الصحيح. بالفعل لم تراها، كانت شاردة وكم من شارد لم يرَ أمامه. هتفت بانزعاج: ـ في إيه هو أنا كنت هقوم ليه يعني لو كنت شوفتك. لطمت "بثينة" ظهر يدها بالأخرى وهي تجيب بغيظ: ـ أنا عارفة، اسألي نفسك. لم يعجب "صبا" اتهامها الباطل وعزمت على نهرها: ـ إنتي م.... قاطعها "حكيم" فيما تنوي عندما رأى شرارة النار تقفز من عينيها، ناب عنها مهدئًا الأمر:

ـ خلاص يا بثينة، هي كانت بتقول مصدعة وعايزة تطلع ترتاح وأنا اللي عطلتها. سألته "بثينة" بحنق: ـ وأنت كنت المحامي بتاعها؟ تركتهم "صبا" وعزمت على المغادرة دون التفات، ليبقى "حكيم" وبثينة التي ترمقه بنظرات شك وغضب. وما إن ضمنت ابتعادها حتى هدرت بغضب: ـ في إيه يا حكيم سايب اللي وراك واللي قدامك وقاعد مع حتة العيلة دي ليه؟ اتسعت عين "حكيم" وهو يستمع إليها، لاعنًا عقلها الذي لم يحسن التفكير، فهتف بزنقة:

ـ إنتي اتهبلتي يا بثينة ولا إيه؟ دي أصغر من ابنك، هكون قاعد معاها ليه؟ البت دي بقت هي مصلحتنا ومصلحة ابننا. جلست "بثينة" في مقابله ومازالت متعصبة من رؤيته معها بالأصل، هي تريد خنقها وزادت رغبتها فور رؤيته زوجها يعاملها بهذا اللطف، لتهتف بحدة: ـ وانت مالك برضوا يا حكيم، سيب ابنك اللي يتعامل معاها مش انت. ازداد غضبًا من تفكيرها المحدود الذي تغلب عليه العاطفة ولا يتخلله أي شيء من العقل، لذا صاح مستنكرًا:

ـ ياديني على دماغك، ابن مين اللي يقعد معاها؟ ابنك لو قعد مع البت البسكوته دي هتنط في المياه ولا ترضى تتجوزه. صاحت هي الأخرى باستنكار مماثل: ـ ياسلام وهترضى تجوزه عشان إنت أبوه؟ أوضح رغم ضيقه: ـ لأ يا فالحة، لما أقعد معاها وأشوف بتحب إيه بتكره إيه وإيه دخلتها، وبعدين أقعد مع عامر وأحطه على أول الطريق عشان نختصر الوقت، فهمتي. كل كلام العالم ومهما استمعت لمبررات لن يقنعها بأن تترك ابنة الشيطانه تجلس مع زوجها دون وجودها.

هتفت باعتراض قاطع: ـ مهما كان يا حكيم، ما تقعدش معاها لوحديكم، وإن شاء الله عن ابنك ما اتجوزها أصلًا.

فضل "حكيم" الصمت عن الرد على حديثها الذي يغضبه ويهلك تفكيره دون فائدة. شرد بعيدًا عن وجهها بعدما فشل في إقناعها، فهو لا يفهم سبب كل هذا الكره الذي تكنه لها، لكنه يفهم جيدًا سبب الغيرة التي قد تصيب قلبها إن اختلى بها ثانيًا. هو نفسه يخشي من فتنها ويجاهد رغبته بها، خاصة رائحة عطرها النفاذة التي لم تغادر المكان رغم مغادرتها، رائحة مغرية خطرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...