الفصل 9 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل التاسع 9 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
3,202
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

عادت "صبا" إلى القصر معها الكثير من الحقائب. لم تجد من "زيد" أي تسلية طوال الطريق، فهو على مدار الساعة ونصف التي قضتها في الطريق صامت وممل لأقصى درجة. لا تعرف كيف لشخص أن يصمت كل هذه المدة ولا يجن. فتحت باب السيارة لتتحرر منه. وقفت لتتنفس الهواء المنعش لثوانٍ. وجدته يقف بجوارها ويهتف دون أن ينظر باتجاهها: _ياريت ما نشوفش لبس المصايف بتاعك تاني.

لم تنظر تجاهه هي الأخرى. اكتفت بتحريك نظرها إلى جانبها وقررت تجاهل حديثه. يبدو أنه لم يلاحظ ركض "مريم" في الحديقة باتجاههم. فهرولت "صبا" من قبله لتقبلها بمحبة وحماس. حملتها عن الأرض ودارت بها في الهواء. باتت هذه الطفلة جزءًا من مسؤوليتها، خاصة بعد شكها في "زيد" ونيته في البقاء عاكفًا على تربيتها. هتفت بسعادة: _دا أنا جبتلك حاجات تحفة.

اصطدمت بـ "زيد" أثناء دورانها. فأجفل. يقاوم غضبه منها دوماً، متهورة لا تحسب أي تصرف قبل أن تفعله، فدوماً عواقبها كارثية. كاصطدامها الآن في وسط صدره واستمرارها بالثبات حتى الآن. أخيراً انتبهت، حتى ابتعدت لتعْتذر عندما لاحظت في عينيه وتهويله للأمر: _آسفة. مد يده ليخطف "مريم" من أحضانها قائلاً بزنقة: _هاتى مريم. فتراجعت لتمنعه من هذا هاتفة: _سيبها معايا، عايزة أوريها الحاجات اللي جبتها.

أصر على موقفه ومد يده يخطفها عنوة هادراً بعصبية: _بعدين أنا عايز أرتاح. أفسد مزاجها بحرمانها من "مريم" وانصرف. صعدت من ورائه نحو غرفتها أو سجنها الذي فُرض عليها مؤخراً. في الجانب الآخر. في طرف الحديقة كانت تجلس "ونيسة" و"بثينة" تتابعان الموقف بدقة. واستنكرت "بثينة" هدوء "ونيسة" وهي تتابع الموقف، وكذاك عدم اعتراضها على خروج الاثنين معاً. فخرجت عن صمتها موبخة إياها: _إنتي قاعدة كدا ولا على بالك؟

إزاي مش خايفة على زيد من أعيب المسخوطة دي؟ إنتي مش عارفة سحر بشرى؟ ظلت "ونيسة" هادئة وهي تضع أطراف أصابعها على وجنتها وتجيبها بهدوء: _مش على "زيد"، لو عملت إيه، "زيد" عمره ما هيبص لها. صاحت "بثينة" باعتراض: _يا شيخة، وهي بشرى كانت دخلت وسطينا إزاي؟ زفرت "ونيسة" وهي ترد عليها دون حفاوة:

_زيد ما عندوش قلب أصلاً وعمره ما هيفكر في أي حاجة من ناحيتها، وحتى لو فكر، مش هيقول عشان جده ما يحكمش عليه يتجوز نهى، ابني وأنا عارفاه. نهضت "بثينة" من جوارها وهي تقول بنفاذ صبر: _على راحتك، عموماً حطي عينك عليها كويس، وأنا بكرة هكلم أبويا آخدها عندي شوية. هتفت الأخرى بحماس: _تبقى عملتي معروف. بعد ما فعله "فايز" مع "صبا" وكتابة أملاك خاصة به لها، باتت تخاف وجودها بينهم أكثر من ذلك. "في المزرعة".

هذه مزرعة "المواشي الكبرى" الخاصة بجده، أرض واسعة نائية تبتعد عن المدينة بمسافة شاسعة. وجود أي شخص معتاد على العيش في المدينة يعتبر أكبر عقاب له. لا قيمة للهواتف لانعدام الشبكة تماماً. المياه المعتمة غير نظيفة، لا شيء سوى الحيوانات، لا يوجد سوى العمل الشاق كعقاب قاسٍ ومهين لشاب كان يعيش حياة كريمة ولديه كل سبل الراحة.

وصل "عماد" لوالده بعد قيادة ساعات. كان في حال يرثى لها. وفور سماعه لصوت محرك سيارته، ركض باتجاهه غير مصدق حضوره. تحرك والده هو الآخر نحوه. فتح ذراعيه المحملة بالأكياس. انزعج من رؤيته في هذه الحالة كالجرو الجرب، ليهتف محاولاً الابتسام: _وحشتني يا واد. احتضنه "بلال" ونهار في البكاء. عندها تملك والده أعصابه من الانجراف في البكاء معه وهتف مستنكرًا: _اجمد كدا يا بلال، في إيه؟ إنت راجل ياد، قدها وقدود. ابتعد عنه "بلال"

ليهدر ببكاء: _يرضيك؟ رميتني كدا يا بابا؟ انتوا ناوين تسيبوني كدا لحد امتى؟ زم "عماد" شفتيه بضجر، فهو لا يعرف موعداً ليعده به، لكنه كان يملك من الحيل الخبيثة التي قد تنجد ولده من كل هذا الضياع. هدأه قائلاً: _تعال بس نقعد ونشوف جبتلك إيه، ونولع نار عشان الناموس ونتكلم. انصاع "عماد" غير راضٍ أنه كان زاهدًا فيما يقدمه والده. جلس معه حول النار وبدأ "عماد" يسأله:

_قولي بقى بس إياك تخبي عني، إنت كنت قاصد اللي عملته مع بت عمك. أشاح "بلال" وجهه عنه واستعد للكذب قائلاً بلسان ثقيل: _لأ، أنا كنت عايز آخدها بس عشان تشم هوا و......... _قولتلك ما تكذبش. لو عايز تطلع من هنا، ما تكذبش عليا. هكذا قاطعه "عماد" محذرًا. فعاد إلى رشده يخبره بنبرة حزينة تشبه البكاء: _آه، كنت قاصد إن البلد تشوفني معاه. اشمعنا يعني زيد اللي الكل مهتم بيه؟ اشمعنا هو اللي الكل مركز معاه؟

عملت كدا وشوفت في عيون الناس اللي عايز أشوفه. شفت ندم إنهم ما عملوليش حساب قبل كدا. زفر "عماد" أنفاسه وتأكد أن والده لم يمر عليه فعلته دون عقاب، ولم يرمي به هنا دون سبب واضح. لقد رأى ما لم يتوقعه من ابنه. سكت قليلاً حتى أثار قلق "بلال"، فتساءل: _إيه يا بابا، مالهاش حل؟ نظر إليه "عماد" وقد اتضح على وجهه الغموض. حتى بدا لـ"بلال" أنه لا نجاة من هذا. فتساءل: _هفضل هنا كتير؟ نفث فم "عماد" بابتسامة خبيثة وهو يخبره:

_لأ، لو سمعت كلامي، صدقني هتخرج من هنا معايا الصبح. لمعت عين "بلال" ببريق وتلهف. كان على أتم الاستعداد لعمل أي شيء، حتى لو كانت جريمة، للخروج من هذا المكان الموحش. "مضت الليلة".

وأصرت "صبا" على عدم فتح أي شيء إلا بوجود "مريم". استيقظت في الصباح لتبدأ استعداداتها اليومية في التزين والتعطر واستخدام بعض أدوات التجميل الخاصة بها. لم تغفل عن استخدام بعض الزينة والعطور المناسبة لعباياتها. إن كان هذا مفروضًا عليها، فستفعله بطريقتها الخاصة وستبدع في الحفاظ على مظهرها الذي تهتم به بشدة. ارتدت عباءة سوداء وغطاء رأس من نفس اللون وتركته مفتوحًا قليلاً عن عنقها كي يبدو أنيقًا مع ما ترتديه. وزينت ذراعيها بالإكسسوار الذهبي، وكذلك عنقها بعقد قصير مزخرف. لعملة قديمة كان مبدأها

الأساسي الذي اعتمدت عليه: "أن تبدع فيما تُجبر عليه". وبما أنها تجد متعتها في إبراز جمالها وزيادة جاذبيتها، فلن يردعها السواد أو عباءة فضفاضة. فهي ستصبح جميلة في أي وقت وبأي شكل، فهي من تجمل الأشياء، الأشياء لا تضيف لها شيئًا، بل هي من تضيف. تطلعت إلى نفسها في المرآة. لم تألف شكلها الجديد، لكن كان عليها أن تتأقلم بما يرضيها.

خرجت من غرفتها للتوجه نحو غرفة "زيد" قاصدة "مريم". فهي متشوقة لرؤيتها وفتح ما اشترته معها، كما أنها تريد أن تجرب كل ما انتقته لها. وفي أثناء مرورها من الطرقة المؤدية إلى وجهتها، تقابلت مع "يحيى" الذي رمقها بحنق وسرعان ما أشاح وجهه عنها وتجاهلها تماماً. ضم حاجبيه وسأله عندما اقترب منها متخذاً وجهته المعاكسة: _في إيه يا يحيى؟ ماشي كدا ولا كأنك شفتني؟ نظر لها بحنق وقرر تجاهلها، لكنها وقفت بوجهه من جديد لتكرر سؤالها:

_إنت زعلان مني بجد بقى؟ مالك؟ استمرارها بالوقوف أمامه جعله يفجر غضبه الكامن منها من وقت غياب "بلال" عن المنزل، فصاح بها: _إنتي اللي مالك؟ عايزة إيه؟ إنتي جايه تنتقمي مننا واحد واحد ولا إيه؟ تعجبت من حديثه وهتفت منزعجة دون فهم: _إيه اللي بتقوله دا؟ هو.... _اللي بقوله دا هو الحقيقة. بعد ما "جدو" طرد "بلال" من البيت بسببك، أكيد جايه تعملي مشكلة معايا أنا كمان عشان يطردني. إنتي فعلاً شر زي ما قالت أمي.

هكذا قاطعها بانفعال وشراسة وعداوة لم تكن تلاحظها من قبل. همت لترد عليه بضيق من اتهامه غير الصحيح، لكنها غادرها ليزيد من حنقها مضيفاً وهو يتمتم في طريقه بصوت مسموع: _يلا بقى روحي إجري اشتكي لجدو حرباية بصحيح. كادت تدفعه من الدرج من فرط العصبية. لم تكن مسالمة بالقدر الذي يسمح لها بتجاهل أي إهانة لها. كانت تفتقر للهدوء والثبات وتحمل تقلبات مزاج الغير وتغيرهم المفاجئ. ركلت الأرض من تحتها وهي تقول:

_إلهي تتحرق إنت وأمك، ولا أقولك يحرق البيت باللي فيه. تحركت نحو وجهتها الرئيسية لتأخذ مريم وتبتعد عن هذا الدمار. وصلت إلى غرفته وطرقت الباب بهدوء خشية من وجود "زيد" بالداخل. سمعت صوته ينادي: _ادخل.

ضغطت على المقبض بسرعة لتفاجئ مريم، لكن وجدته وحده يجلس على كرسي قريب من المرآة ويميل بمنتصف جسده ليرتدي حذاءه. هو الآخر كان يهتم لمظهره. عطره المميز لفح أنفها كنسمات البحر الهادئة. بالبداية لم يلاحظ وجودها معه، لكن هو الآخر اشتم إلى عطر ثقيل وغريب لم يعرف له صاحب. رفع رأسه ليطالع من القادم، فرآها في أبهى صورتها الفاتنة. هي كما يجب أن تكون، حتى بعدما ارتدت الأسود والفضفاض، مغرية، مشبعة بالجمال والروعة، كأنها تحفة فنية ذات بهجة. ضيق عينه وهو

ينظر تجاهها وسأل بجفاء: _عايزة إيه؟ أجابته بضيق من معاملته الجافة: _عايزة مريم. باقتضاب شديد أجاب: _تحت. على الفور التفت وغادرت الغرفة دون أن ترد عليه. فقد تأكدت أنها غير مرغوبة من الجميع، أنها بنظرهم روح شريرة حطت على المكان يجب إزهاقها. باتت ترى الحقيقة بشكل واضح جداً. "بالأسفل".

عثرت أخيراً على ضالتها. أمسكت بـ"مريم" وجلست على أقرب أريكة تلاعبها وتضحك معها وسط ضيق ونظرات "ونيسة" التي تجلس بمقابلها تشرف على مائدة الإفطار. نظراتها تجاهها كانت حادة دون أن تنطق. في حين أن "صبا" لا تلاحظ أحد ولا تهتم لأحد سوى "مريم"، وكأنها في عالم منفصل عنها. أمسكت بيدها تغازلها بمرح: _يا جمال صوابعك المقطقطة دي. عايز يتحطلها مانيكير هتبقى قمر.

طاف برأس "ونيسة" ذكريات عن غالية والدة "مريم" وطباعها المتشددة، فهتفت ببرود رداً على ما قالته: _ما سمعتكش غالية، الله يرحمها. لا كانت بتاعت ألوان ولا مياصة من دي. استمعت "صبا" إلى حديثها لكنها تجاهلته وردت وهي تلاطف مريم قائلة بمزاح: _باين عليها كانت قفل أوووي. انفعلت "ونيسة" من إجابتها وحذرتها وهي تلاحظ "زيد" ينزل على الدرج من خلفها قائلة: _إياكي تغلطي في غالية.

وقبل أن ترد "صبا"، استمعت إلى صوت "زيد" من خلفها يزمجر بصوت عالٍ بعنف: _إوعى تتعدي حدودك تاني. نهضت من مكانها واستدارت لتواجه. كان بداخلها غضب عارم من استمرار تعنيفهم لها ونبذها. باتت لا تتحمل الأمر، خاصة بعد حديث "يحيى" لها الذي لم يمر عليه ساعة. فانفجرت به بحدة ملوحة بإصبعها في وجهه مبدية غضبها العارم من الجميع: _إنت اللي ما تتعداش حدودك وصوتك ما تعليهوش. ولما تحبوا تعملوا رجالة ما يبقاش على اللي منكم.

لم يفهم حديثها صوتها العالي وغضبها الجنوني وهي مخطئة. أعمى عيناه عن كل شيء. رمقها بأعين متسعة يموج بها غضب ثائر سيبتلعها إن لم تسكت لسانها فوراً وتختفي. لكنها كانت حمقاء غبية أو مجروحة ضعيفة تستخدم لسانها للعق جروحها النازفة، مدعية القوة والشجاعة أمام نظراته الشرسة. أردفت ملوحة بيدها في الهواء: _ولا هي أنا وأخويا على ابن عمي.

في جزء من الثانية كانت يده تقبض على معصمها. لم يضرب امرأة قط، لكن أمام عنادها كان مستعداً. في لحظة تبدلت قواها لذعر وتراجعت بباقي جسدها للخلف خشية من تطاوله. رغم رضا "ونيسة" لفعل "زيد" وتمنياتها الحارة بقسمها إلى نصفين، لكنها تعرف توابع الخطأ. هتفت لتردعه: _زيد ما تمدش إيدك عليها.

لكل شيء حد، إلا حدود الغضب. فور الخطأ في "غالية" زوجته وأم ابنته، خياله كان يصارعها وهو يقترب بخطوات بطيئة دون التخلي عن يدها الذي اعصرها بين أصابعه. تراجعت أمامه بفزع، ليس فقط من نظراته وبطء حركته المميت، بل من تطاوله. أكثر ما يخيف "صبا" الضرب والإهانة، الشيء الذي تهابه. وضعت يدها الطليقة على وجنتها ولمعت عينيها بالدموع. ظنت أن لا منقذ من براثنه. لكن صوت "مريم" الباكي والمتشبس بصبا: _بابا، بابا.

وكأنه فاق من غمرة غضبه على صوت صغيرته الباكي. أفلت يدها سريعاً وأشاح بوجهه ليمسح جبهته، وما إن أعاد النظر إلى فريسته التي أراد بشدة الانقضاض عليها، كانت غادرت. وما سمع سوى صوت قرع خطواتها الصاعدة أعلى الدرج بعدما اختطفت طفلته بين أحضانها وفرت من أمامه. _قولت البت دي مصيبة، ما حدش صدقني.

هكذا هدرت "ونيسة" بازدراء بكل ثقة أن "صبا" أخطر وأشرس امرأة في المدينة كلها، لدرايتها الكافية بوالدتها بشرى، والتي أذقتها الأمرين خلال فترة تواجدها معها بنفس المنزل. انطلق "زيد" نحو الباب الخارجي دون أن يرد عليها، كان منشغلاً بتأنيب نفسه في رغبته المنحرفة بضربها. لم يكن من قبل عدوانياً، لكن عندما تخطئ خطأ صغيراً تستفزه بشكل مضاعف. أثناء خروجه من الباب، كانت "بثينة" قادمة للداخل. رحبت به مهللة: _زيد إزيك يا حبيبي.

أيضاً غادرها دون إجابة أو حتى اهتمام. ولجت للداخل وهي تسأل "ونيسة" مستنكرة: _هو في إيه؟ زيد ماله؟ أجابتها "ونيسة" وهي تعدل من الأطباق على طاولة الطعام: _اتخانق مع المغدورة وكان هيضربها. ابتسمت "بثينة" وتساءلت بفرح: _وضربها؟ زعقت بها "ونيسة" باستهجان: _يضربها إزاي؟ دا كان جده، يطين عيشتنا. اتضحت علامات الخيبة على وجه "بثينة" وقالت بتضرر: _ياسلام، ما أمها عملت كتير، حد كان كلمها؟

شردت "ونيسة" مستحضرة بذكرتها ماضي قاتم عاشت به ظلم كبير، لازالت تذوق مرارته في حلقها. لقد خاضت حروباً كثيرة لم تنجو منها سوى بجسدها، بينما روحها تمزقت وتناثرت بالهواء. بقيت أم لثلاثة أبناء تجاهد أن لا تخسر أيًا منهم مع عائلة قاسية وزوج أناني لا يرحم. سألت "بثينة" من جديد، عندما طال صمتها وشرودها: _وهي فين دلوقتي الست؟ انتبهت لها وأجابت متعبة: _فوق، طلعت أوضتها. بالأعلى.

هدأت "صبا" من ذعر "مريم" بالاندماج في تفرقة مشترياتها المتعددة. رغم أنها كانت تلهث من فرط الحزن، تعض على أناملها لشعورها بالظلم ورغبتها الملحة بالانتقام. بما أن الجميع يراها كارثة، فلتصبح ما يخافونه، لعلهم يرحموها قليلاً من كل هذه المعاناة. تشعر أنها وحش بري هزيل لا يقوى على الطعام والكل يبرحه ضربًا لإثبات أنه هزم الوحش. الكل يؤلمها بلا رحمة، بينما هي لم تؤذِ أحدًا. الكل ينتقم منها بطريقته. صوت "مريم"

أخرجها من ضجيج فكرها: _دا.. دا. التفتت لها ومطت شفتيها بابتسامة قصيرة لم تصل إلى قلبها وسألتها مشيرة نحو أحد الحقائب الورقية الجانبية: _دا إيه؟ عايزة تفتحيه؟

أسرعت "مريم" بالإيماء بحماس. فتجاوبت معها "صبا" ومدت يدها لتفتح لها الحقيبة. تركتها تعبث بها، فعثرت على صندوق خشبي لم تراه من قبل. فتحته بفضول لترى "دمية" يدوية الصنع، مظهرها يخطف الأنظار، وكأنها لم تخلق للعب. عاينتها بدقة وهي تتلمس خصلاتها البنية، تجاهد لتتذكر إن كانت أضافتها إلى مشترياتها أو لا. لكنها كانت متأكدة أنها لم ترها من قبل، رغم إعجابها الشديد بها وتشابهها الكبير معها. إلا أنها أعادتها للصندوق الخشبي

الخاص بها وهي تتمتم: _خليها هنا لما أبقى أسأل زيد عليها إذا كانت بتاعته ولا السيلر حطها بالغلط. التفت إلى "مريم" والتي أمسكت بأحد منتجات تصفيف الشعر بين يديها وهتفت في حماس: _آها، تعالي بقى أجربه على شعرك، أكيد هيخليه تحفة. شعر "مريم" كان كثيفًا وملتويًا بالكامل، لكن بنعومة مهمل لجهل البعض بكيفية الاعتناء بنوعه. وقررت "صبا" هو الاعتناء به. بالأسفل.

جلس الجد "فايز" على أريكته المفضلة في منتصف المنزل. وسرعان ما جاورته "بثينة" لتبلغه رغبتها ومحاولة إقناعه بها: _بابا، أنا عايزة "بت أخويا" تيجي تقعد معايا يومين. اندهش "فايز" من طلبها وحدق بها مليًا حتى يتأكد من أنها طلبته بنفسها. يعرف صراعها الطويل مع والدتها وحقدها الدفين على "صبا". هي كانت أول من عارض حضورها ووجودها بينهم. التقطت دهشته هذه، فبررت قائلة بعد صمته الطويل: _بتبصلي كدا لي؟

بنت أخويا ونفسي تقعد عندي يومين، فيها حاجة دي؟ نفض رأسه كرد قصير على جملتها الأخيرة، بينما هو ما زال مندهشًا من طلبها. رد بصوت عميق: _ما فيهاش حاجة يا بثينة. عايزه تاخديها، خديها، بس لو,,,,,, _لو إيه يا بابا؟ هو انت خلاص مش مأمني؟ أنا عايزة أتبسط بيها، بدل ما كل يوم رايحة جاية على هنا عشان قعدة البيت طهقتني. قاطعته سريعاً قبل أن يبدي اعتراضاً أو يضع شروطاً قاسية قد لا تقوى على تنفيذها. أومأ بالقبول ونادى بصوت جهور:

_يا نجلاء. أتت على الفور "نجلاء" تهتف: _أيوا يا حاج. أشار لها وهو يأمرها: _نادى "صبا" من فوق. _حاضر. قالتها "نجلاء" واستدارت مهرولة لتبتسم "بثينة" بفرح. سوف تنفرد أخيراً بابنة عدوتها. ستشفي غليل سنوات من والدتها اللعينة التي قضت على أمها. بعد دقائق كانت "صبا" ماثلة أمامه تجيب بهدوء: _نعم يا جدو. ابتسم لها وقال: _عمتك عايزة تستضيفك عندها يومين، إيه رأيك؟

نظرت "صبا" تجاه عمتها التي لم ترتاح لها أبدًا ولم تشعر نحوها بأي أمان. وهمت لترفض رفضًا قاطعًا، لكن عمتها وكأنها علمت جوابها قبل نطقه، فاندفعت قائلة: _وهو معقول ترفضي عزومتي؟ دا أنا عمتها وكمان أنا عاملة حسابي، يعني مالهاش حق ترفض. أعادت النظر إلى جدها متوسلة له أن يعفيها من هذا الإحراج، لكنه أشار لها برأسه بالموافقة وعلل ذلك ب: _روحي معاها يا صبا، غيري جو. عمتك ما عندهاش حد ويمكن تحبي القاعدة هناك.

ومع الخلاف الناشب بينها وبين "زيد" وكذلك لو "يحيى" ومعاملة "ونيسة" الجافة لها، قررت القبول بهذا العرض فترتاح قليلاً من كل هذا اللوم عليها، خاصة أن الجميع يحملها المسؤولية الكاملة في نفي "بلال".

جمعت أغراضها وحملت حقيبتها ورحلت مع عمتها. كان انتصارا عظيما لها. أخذ "صبا" معها إلى عرينها. بالنسبة إلى "صبا"، لم تشعر بأي خطر هناك مثل هنا. كله سجن، إضافة إلى تجاهل والدها المستمر وعدم محادثته لها جعلها تتمنى لو تنتهي حياتها وترتاح من كل هذا العذاب والتشتت. "في السيارة". مسحت "بثينة" على ظهر "صبا" بفرح وكأنها امتلكت كنزًا ثمينًا وضمنته وقالت بسعادة: _هتبسطي عندي أوي يا بنت أخويا.

مطت "صبا" شفتيها رغماً عنها ونظرت أمامها بعدما انطلقت السيارة على الطريق واختفى القصر الشاهق بين الأشجار العالية، لتبقى حبيسة عمتها عوضًا عن سجن جدها وأوامر "زيد" وتحكماته وكره "ونيسة" ولوم "يحيى". كل ما كانت تحن إليه هناك هو "مريم". أما الباقي فليذهب للجحيم. "بالقصر". حضر "عماد" ومعه "بلال". أمسك بيده ودخل به إلى القصر بكل ثقة. فور رؤية من قبل "ونيسة"، هرولت إليه تنادي بدموع الفرح: _بلال ابني حبيبي.

أمسكت بكتفيه غير مصدقة وجوده. وزعت نظراتها الملهوفة على وجهه وتشبثت به لتقول بجنون: _أنا مش مصدقة. رد عليها "بلال" بحرارة وهو يتمسك هو الآخر بها: _وحشتيني يا أمي. تدخل "عماد" قائلاً وهو ينظر لها نظرة ذات مغزى: _عشان تعرفي بس قيمة جوزك.

نظرت باتجاه غير مصدقة ما فعل. أخيراً أعاد ابنها إلى أحضانها. كادت تميل إلى يديها لتقبلها، لكن ومض في رأسها على الفور "فايز". لو علم جده بحضوره دون إذنه، لنهره وشدد من عقابه. لذا التفت إلى "عماد" تسأله بقلق: _إزاي؟ رفع "عماد" ذقنه للأعلى وهو يخبرها بتكبر: _إزاي دي بتاعتي بقى. التف إلى ابنه يأمره بجدية: _اطلع انت يا بلال، غير وارتاح.

استجاب "بلال" لرغبته الشديدة في الاسترخاء والتنعم بالراحة في غرفته الواسعة النظيفة واستخدام هاتفه والتمتع بكل النعم التي حُرم منها. تابعه والده حتى ابتعد وعاد من جديد إلى "ونيسة". لم ينسَ ما حدث بينهما أمس. فضيق عينه وهو ينظر إليها بمكر مسترسلاً: _عشان تعرفي بس يا ونيسة إن أنا الوحيد اللي عارف مصلحتك عيالك، وإني أنا الوحيد اللي عارف أنجدك مش زيد.

ازدرقت ريقها وتلون وجهها من جديد. دائما "زيد" عقدة حياته، لا يعامله كأنه ابنها بل عشيقها. تعلم أن الحرب ستبدأ، ليست مجرد خناقة عابرة. كل ما يخص "زيد" هو إعلان حرب. وضعت يدها على رأسها وضغطت بشدة وهي تصرخ به: _كفاية بقى، إنت ما بتتعبش. صر على أسنانه قال بغضب: _أنا اللي ما بتعبش يا ونيسة، ولا إنتي اللي متعبة؟ زاد من الضغط لا يرحمها، يريدها أن تفرق بين أولادها، أن تقسم قلبها ولا تعطِ لزيد أي شيء. هتفت

مغتاظة من طريقة تفكيره: _شيل زيد من دماغك يا عماد، ركز في شغلك وولادك. حرك رأسه وهتف متوعداً: _هشيله حاضر يا ونيسة. كلمتان فقط كانتا كفيلة أن تضرب النار في قلبها. أمسكت بتلابيبه وهي تصيح محذرة: _أوعك تفكر تأذيه يا عماد، والله في سماء لاتبقى آخر اللي بيني وبينك. جحظت عيناه من تهديدها وكأنه يعيد شر الماضي وجنون الانتقام. أمسك مرفقيها ليبعد يدها عنه وزجر بغضب عارم:

_أنا أصلاً مافيش بيني وبينك غير العيال يا ونيسة، ولا نسيتي؟

ابتعدت عنه تماماً واتجهت إلى غرفة ولدها لتفرح بوجوده بعدما أوشكت أن تفقده للأبد. تركت "زوجها" بالأسفل يغلي من فرط تجاهلها طوال حياته معها. لامس منها الرفض أكثر من القبول وعاندته أكثر ما وافقته واستمرت بنبذه حتى جن جنونه وبقي متمسكاً بها، وكأن الإنسان يعشق ما يعذبه. مسح وجهه بعنف من وقت ما طلب منه والده الزواج منها، دخل في دوامة عميقة لا يستطيع الخروج منها. لا مس منها الرفض فازداد تمسكاً بها. كلما رأى "زيد" في أحضانها اشتعل أكثر. كان حاقدًا على "نادر"، ورث الحقد لأبنائه، يصر على التفرقة بينهم ويجن من ونيسة عندما تأخذ صف "زيد" ولا توافقه فيما يريد.

ثوانٍ وسمع صوت أبيه "فايز" يزأر بشدة. فلم يحتاج لتفسير، هرول تجاه الدرج حتى لا يقتل ولده قبل التوضيح. وصل إلى الغرفة يلهث ليرى "ونيسة" تقف بوجه والده وتخفي "بلال" خلف ظهرها، وفايز يلوح بعصاه الذهبية ويصرخ بها بعنف: _ابعدي من وشي بدل ما أكسر العصاية دي على دماغك قبل ابنك يا ونيسة. وفور حضور "عماد"، استصرخته: _إلحقنا يا عماد. لم يلاحظ "فايز" حضوره من عدمه وظل مصرًا على إزاحتها بعصبية: _جبت الفجر دا منين؟

تعصي أمري يا بلال وتدخل بيتي. تدخل "عماد" ووقف بوجهه ليخبره بقوة وشجاعة: _أنا اللي جبته يا حاج. ساد الصمت فورًا وهو يلتف إليه بنظرات شرسة تكاد تلتهمه فورًا. ازدرق "عماد" لعابه حتى يتماسك أمام شراسة نظرته التي توحي بخطر مقبل، خاصة بعدما طال الصمت من جانبه، وكأنه انتظر نفي كلماته. لكن "عماد" لم يفعل. هتف "فايز" بهدوء خطر: _وإنت نويت تكسر كلامي على كدا. تأهب "عماد" ليخبره بشجاعة عما يريد، لكنه سبق كلماته بخضوع تام:

_لا عشت ولا كنت يا أبويا، بس الولد عرف غلطه وعايز يصلحه. نظر إليه "فايز" وكأنه قرأ ما يدور في عقله. ظل مثبتًا نظره عليه ليستأنف مستدعيًا قوته، لعل تنجح حجته، وإلا سيطرد هو ووالده: _هيتجوز بنت عمه "صبا".

هذا كان المتوقع بالنسبة "لفايز" الذي مط جانب فمه مستخفًا بتفكيره. بينما الصدمة الكبرى كانت من نصيب "ونيسة" التي شعرت بكلماته المسمومة كَنصل بارد غُرس بقوة في منتصف قلبها. لقد اتفق الجميع على هلاكها، حتى ابنها. لم تكن تعلم خطته، لكن ما إن علمت الآن بنواياه حتى شعرت بالنار تحاوطها من كل جانب. فهي لن تقبل أبدًا بابنة "بشرى" زوجة لابنها، ولن تقبل بفقد ابنها مرة أخرى، ولن تزوجها امرأة خطرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...