الفصل 31 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
18
كلمة
3,680
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

فتحت عينها على فجأة لتنهض سريعًا من مخدعها. انتفض زيد من جوارها ليتساءل بلهفة وقلق في آن واحد: -صبا مالك يا حبيبتي فيكي إيه؟ نظرت باتجاهه ورأسها بالكامل مشوش، اعصرت عينيها بقوة كي تراه جيدا وردت سؤاله بآخر غريب: -أنا كنت فين؟ أدهشته بسؤالها ورغم ذلك أجاب: -إنتي وقعتي تحت وماما قالت إنك قطعتي النفس وجيت فورًا شيلتك وطلعتك هنا. هتفت وهي تضغط على رأسها بقوة: -لأ أنا كنت في مكان تاني كان ضلمة و...

قطعت الحديث فور سماع صوت صافرة عالية بداخل رأسها، قطعت كل شيء. مالت للأمام متأوهة، فهوي قلب زيد معها. سارع بإسنادها وحاول جاهداً مساعدتها، لكنها كانت تدفع يده عنها بشراسة وعدوانية كبيرة، ما جعله يتساءل: -مالك بس قولي إنتي حاسة بإيه؟ اعتدلت لتلتقط أنفاسها من جديد، ثم أجفلت قليلاً وكأنها تعيد ترتيب الأشياء بداخلها. فسارع زيد بضمها وتقبيل رأسها بلطف. استشعرت دفء حضنه وهدأت شيئًا فشيئًا. عندما تذكرت

كل ما حدث صاحت ببكاء ولوم: -إزاي هونت عليك تعمل فيا كدا؟ أنا اتهنت أوي النهارده. زاد من ضمها إلى صدره وضغط على رأسها ليدثرها بين ضلوعه قائلاً بحنان: -ما عاش اللي يقل منك وأنا عايش. وكأن الأمور السيئة تتزاحم فوق رأسها، فازدادت بكاء وتوعدت كالأطفال: -مش هتجوزها يا زيد، مش هتجوز غيري حتى لو حصلت صورقتيل في البيت دا. مسح على رأسها وظهرها باطمئنان. أخيرًا خرج صوتها وعنادها الذي خشي أن يفقدهما في الساعات الماضية.

وسألها بهدوء: -سيبك من الكلام ده دلوقتي، طمنيني عليكي. أنا بعت للدكتور وزمانه على وصول. نفضت رأسها وهتفت بضيق: -لأ أنا كويسة. لا يعرف كيف يرضيها بعد ما حدث لها، تبدو غاضبة وحالتها مخيفة. لذا قرر أن يهديها هدية، لعل ذلك يهدئها قليلاً. ابتعد عنها وهو يهتف بهدوء: -طيب أسيبك أنا عشان عندي مشوار. التفت هي الأخرى لتنظر من شرفة الغرفة، طاوية ذراعيها وتحدق بغموض للفراغ.

نزل لأسفل وتقابل مع والدته التي كان يعتريها قلق كبير مما حدث. هدرت بسرعة: -طمنيني يا زيد، عاملة إيه؟ أعجب بقلق والدته عليها وشعر ببصيص أمل لحياة هانئة. أجابها متحيرًا: -مش عارف، هي فاقت بس حالتها غريبة ومش فاهم مالها. وضعت يدها على صدرها وتنفست بتوتر لتقول: -ياساتر، أنا قلبي وقع في رجليا. نظر في عينيها وابتسم لرقة مشاعرها، وأمسك بمنكبيها وهتف: -سلامة قلبك يا أمي. أنا مبسوط إنك بقيتي طبيعية مع صبا والحياة ابتدت تمشي.

نفضت يده وكأنما لدغتها عقرب وهدرت بحدة: -طبيعية مع مين يا زيد؟ هو أنا هنسى هي مين وبنت مين؟ إنت مش واخد بالك إن المصايب نازلة ترف على دماغنا من ساعة ما دخلت بيتنا. انزعج من اتهام صبا والظلم الموجه لها دون أن يكون لها أي ذنب. هي أيضًا مظلومة. نظر لها مستغربًا وتحدث بضيق: -معقول إنتي ظالمة لدرجة دي؟ صبا مش بالبشاعة دي.

من يوم الفرح وما فيش حاجة ما اتأذتش فيها. ما فيش واحدة في الدنيا تقبل إن جوزها يبعتها تخطب له قبل ما تكمل شهر وتوافق عشان صورته ما تهتزش قدامكم. أشاحت بوجهها للأمام دون اكتراث وهتفت بدهشة: -والنبي اقعد ساكت، إنت مسحور منها ومش فاهم حاجة. ودفاعك ده أكبر دليل. إنت مش ملاحظ إنك اتغيرت؟ تعجب من حديثها وضم حاجبيه بانزعاج وتساءل: -إنتي إزاي اتحولتي كدا؟ إنتي اللي مش أمي اللي عارفها. اقتربت منه ووضعت يدها

على وجنتيه وسألته برجاء: -أنا أمك يا حبيبي، ما تصدقش البت دي وما يخيلش عليك الحبتين اللي عملتهم دول. زاد غضبه من ظلمها المتكرر، لكنه زم فمه بيأس، لن يغير شيئًا ما دام أصبح لديهم عقيدة. أحاد الحديث لعلها تفهم أن صبا مظلومة وتساءل: -ماشي، مش هيخيل عليا. ممكن أعرف مين قطعلها فستان فرحها وكان عايز يهد فرحتها؟

بسرعة استدارت من وجهه لتخفي تعبيرها الفزعة. لقد وقعت في ورطة وعليها الخروج منها. لن تخبره الفاعل حتى لا يحدث انقلاب في عائلة الواصل. ازددرت ريقها لتجيبه، لكن نبرتها خرجت متقطعة ومرتبكة: -ما... أعرفش... كلمح البصر كان واقفًا أمامها ويضع عينه بعينها، متأكدًا أنها تعرف لكنها تخفي عنه. قال بضيق: -بتخبي عليا؟ هو أنا مش ممكن أعرف بيكي أو من غيرك؟

دا قصر الواصل، لو حاجة تمت فيه أنا ما أعرفهاش يبقى أنا ما استاهلش أبقى الكبير. أجبرها بلهجته الغاضبة وإصراره على القول، لكن سبق حديثها التوسل وهي تقول: -هقولك بس سايق عليكي النبي محمد ما تعمل حاجة واعتبرها غيرة ستات وغلطة وخلاص. صاح بنفاذ صبر: -قولي وخلصيني. حركت فمها بتردد قبل أن تتفوه باسمها: -نهى. سلطت واحدة من اللي جم يخدموا في الفرح. -نهى.

كرر اسمها بتعجب من فعلتها. صر على أسنانه متوعدًا، لن يترك فعلتها تمر مرور الكرام. صوت صراخ "مريم" القادم من الأعلى جعله يتشتت. انطلق نحو الدرج ليقفز بسرعة كبيرة متجهًا نحو صوتها الصارخ. وصل إلى غرفتها فوجد صبا تقف بجوارها ممسكة بعصا الهاتف الخاصة بالصور، ومريم متمردة أرضًا وتصرخ بشدة وأنفها ينزف. نظر إلى ابنته وإلى صبا المتجمدة مكانها فور رؤيته، واتسعت عيناه غير مصدقًا أن صبا أذت ابنته بهذه القسوة والبشاعة.

"في جانب آخر"

"فايز" يسير بسيارته في شوارع المدينة. يجلس بالخلف إلى جوار ابنه "عماد" يستند على عكازه بشرود. أبي أن يتحدث مع ابنه الذي فتحه في عدة موضوعات، لكن صمته أخرسه. "فايز" يشعر بثقل كبير على صدره لا يعلم سببه. وفي الغالب كلما زاره هذا الشعور أحدث معه مصيبة. آخر مرة زاره توفي ابنه "نادر". المسؤولية تزداد وكتفه يوهن. ينظر بوجوه المارة ولا يعرفهم. في الماضي كان يعرف الكل، الآن بعدما توسعت المدينة صار الحصر صعبًا والحكم على عقول مختلفة بات مستحيلاً. على فجأة وقف رجل كبير بالسن في وجه السيارة يرفع يده وكأنه يستغيث. رغماً عن السائق توقف. فرفع "فايز" رأسه باهتمام محاولًا التعرف على الرجل. سرعان ما استغل هذا الغريب التوقف واتجه نحو جهة فايز ليتغيث به هادرًا:

-في عرضك يا حاج، أنا في عرضك. زعق "عماد" فيه وهو يسحب يد فايز لخارج السيارة: -إيه يا راجل، إنت اللي إنت بتعملوا دا؟ لوح "فايز" بيده الطليقة لعماد ليسكته هاتفا: -استنى يا عماد. عايز إيه يا جدع إنت؟ هتف الرجل والبؤس يقطر منه:

-حالي واقف من مدة وجاري في الأرض، حسبي الله ونعم الوكيل فيه. قاطع رزقي وميل حالي. وفي يوم لقيته بيرش ميه على عتبة داري، ضربته بالفأس فتحت رأسه. اشتكاني للمركز وأنا عندي عيال وبقالي شهر ما دخلتش بيتي. سأل "عماد" بانزعاج: -ولما إنت عندك مشكلة، ما جيتش على المكتب ليه؟ بدل ما توقفنا في نص الشارع كدا. قاطع فايز لومه بضيق وصاح ليسكته: -خلاص يا عماد. ملئ إسمك لعماد وإسم اللي شكيك وهنحلك حكايتك.

مال الرجل الغريب الذي لم تسعه السعادة لمساعدته وتشبث بيده: -إيدك أبوسها يا حاج. سحب فايز يده ونهاه بحنق: -استغفر الله. إنت إسمك إيه؟ أجاب الرجل بتلهف: -جمعة سيد المزيني يا حاج. سأل فايز من جديد وهو يدقق النظر به لعله يذكره: -واللي شاكيك إسمه إيه؟ أجاب الرجل بسرعة: -رمضان أحمد حفناوي. أشار له بالسماح وقال: -خلاص تعال بكرة الصبح المكتب ونشوف الحكاية دي. أشار للسائق لينطلق. فظل الرجل يدعي له:

-ربنا يعلي مقامك، يباركلك في عيالك، يسترها معاك. في غرفة زيد. جذب ابنته من الأرض ومسح أنفها من الدماء وضمها إلى أحضانه. ساد صمت عجيب من جانبه فأثار حفيظة "صبا" والتي تعلم أنه يظن بها سوءًا. حاولت مناولته القطن. لكنه دفع يدها بقوة ورفض مساعدتها، فهتفت هي: -إنت فاهم غلط يا زيد. إحنا كنا بنلعب سوا وعصاية السيلفي وقعت عليها. أنا ما عملتلهاش حاجة. وجهت سؤالها لمريم لتصدق على حديثها: -طبعًا. مش ده اللي حصل يا مريومة؟

نفضت "مريم" رأسها وهدرت ببكاء: -لأ. إنتي ضربتيني. اتسعت عين صبا وصاحت بها غير مصدقة: -أنا ضربتك؟ إنتي بتكذبي؟ استمع زيد لكيهما دون أن يرد، فقط عينه كانت تنتقل بينهم بصمت مريب. فمالت صبا باندفاع نحو "مريم" بغضب وهي تمسك بذراعها وتزجرها بحدة: -هو أنا علمتك الكلام عشان تكذبي؟ تشبثت "مريم" أكثر بوالدها وارتعشت بخوف منادية والدها بنبرة باكية: -بابا. كلماتها زادت من حنق "زيد" تجاهها وصاح بها محتدا وهو يدفع يدها عن ابنته:

-شيلي إيدك. إنتي اتجننتي يا صبا؟ ازداد حده وضيق من معاملة زيد لها وهتفت محتده هي الأخرى: -زيد دي بتكدب. أنا ما عملتلهاش حاجة. نهض زيد من مكانه وهو يحمل مريم على كتفه وقد زاد غضبه من حدة وصراخ صبا بوجهه. فهتفت بحزم: -صبا الموضوع انتهى. ما تتعامليش مع مريم تاني. نظرت له بدهشة وانفاسها تتلاحق. لم تصدق أنه أبعدها عن ابنته ولم يصدقها. كيف لا يثق بها؟ أيتكرر الخذلان من جانبه كما كان من والدها؟ فهتفت بضيق ودون تفكير:

-ماشي. يولع إنت وبنتك. اشتعلت عيناها بالنار وباتت نظرتها لها مخيفة. ألجمتها تمامًا. فتراجعت من أمامه رغماً عنها لتصدم بوالدته التي كانت واقفة منذ مدة. استدارت لها برعب لتهتف: -بعد الشر عليهم، إن شاء الله عدوينهم. لم تتحمل صبا الأمر وانطلقت للخارج تاركة الغرفة ومن فيها. وقفت ونيسة بوجه ابنها وهي تسأله: -يا رب يا ابني تكون شفت بعينك حقيقتها. دي محراك شر.

ربت على ظهر "مريم" بلطف وقبلت وجنتها. رغم اندهاشه من تصرف صبا، لكنه لن يكذب مريم أبداً، فهي دائماً قريبة من صبا وتحبها كثيراً وليس هناك ما يدعو لكذبها. لكن صبا أيضاً كالطفلة. ويبدو أن الاثنان في هذه الفترة ليسوا على وفاق. لذا هتف مبررًا لأمه: -صبا ما تقصدتش يا أمي. هي بس اتضايقت عشان قولتلها ما تقربش لمريم تاني، وإنتي عارفة مريم بالنسبالها إيه! اتسعت عيناها غير مصدقة أن والدها سُحِر تمامًا. فصرخت به:

-إنت لحد دلوقتي مش فاهم، إنت مسحور يا ابني. اللي مسحور مش هيشوف أغلاط اللي ساحرله. إنت مش هتفوق من السحر ده غير على مصيبة. اسمع مني أنا أمك وعارفة. زاد الضغط عليه فصاح بنفاذ صبر: -كفايا بقى بلاش دجل وقلة دين. البنت قاعدة ليل نهار في البيت تحت عنينا، لا راحت ولا جات. انفعلت ونيسة من مدافعته رغم رؤيته بأم عينه أخطائها وردت عليه بغضب:

-كفايا إنها بنت بشري. بت محراك الشر. إنتوا هتفضلوا طول عمركم عامين عنيكم عن أغلاطهم غير بالسحر. كل غلطة من غير حساب. لحد إمتى؟ دي أمها سقطتني وعاشت بينا عادي وجدك عدّالهَا. لم يتحمل كل هذا الضغط والظلم تجاه صبا وتحميلها أخطاء والدتها دون تبين. وقف بوجهها ليقول بتعب: -على فكرة ده وهم في خيالك إنتي بس. أنا سألت جدو وقال إنها كانت معدية من جنبك وبس، وإنتي اللي رجلك اتنت ووقعتي لوحدك. هي ما زقتكيش.

احمرت وجنتاها وصاحت بشر وكأن الواقعة كانت بالأمس: -كذابة. هي واللي يصدقها. زقتني وحطت زيت صابون قاصدة توقعني. هي من امتى كانت بتمد إيدها في حاجة دي؟ عملت السلم مخصوص عشان توقعني. هذه المرة لم يتحمل هو، فقد نفذ صبره فعلاً. فصاح غاضبًا: -خلاص كفايا بقى. أنا مش عارف ألاقيها منين ولا منين. ملعون بشري على صبا على البيت كله. أنا هاخد بنتي وأمشي.

بالفعل استدار عنها وترك لها الغرفة تمامًا بل والقصر بالكامل. رغم أن وقته لا يتسع حالياً لأخذ قسط من الراحة بسبب مضاعفته لساعات العمل. لكن الضغط يولد الانفجار، وهو في ضغط مستمر منذ مدة طويلة. حتى من بداية زواجه لم يرتاح. حمل ابنته وكأنها كل ما يهمه بهذا العالم. وإن كانت صبا ساكنة عقله، فمريم تتربع في قلبه. أخذها بأحضانه وهو يقود سيارته دون أن يعرف وجهة محددة. رأسه يضج وجسده منهك، لكن حمله النفسي كان أثقل. غاضبًا من صبا، غير مصدقًا تصرفاتها الهوجاء مع مريم ومعاملتها بقسوة. بحث عن أعذار كثيرة، لكنه لم ينكر أبداً أنها لم تفعل. ظهر على وجهه تشنجات عديدة وهو يحاول السيطرة على مشاعره وتفكيره المظلم.

وكأنه دخل من بوابة سوداء وضاع في غياباتها "الشك" قادر على اختلاق قصص لا أساس لها ويدعمها بمواقف كثيرة غير موجودة. انتبه أخيراً لصوت بوق سيارة في محاذاته، كلاهما في طريق معاكس. نظر من شباك سيارته ليجد جده بوجه يسأله وهو يحذر: -كنت فين؟ وبتك معاك ليه؟ لم يخفَ على جده تعابير وجه المكفهر وشروده أثناء القيادة لدرجة أنه لم يلاحظ مرورهم وهم بجواره. أجاب محاولًا ضبط انفعاله:

-كنت في البيت. أمي قالتلي صبا وقعت ورحت ألحقها. رجعت بمريم عشان هي كمان اتعورت. ظل يحدق به فايز دون رد، وكأنه يقرأ ما بداخله حرف حرف ليعود بسؤاله: -ولقيت صبا عاملة إيه؟ اسمها كان يضغط على أنفاسه لدرجة حبسها، لذا زفر وهو يرد: -بقت كويسة أوي. تأكد فايز من شكوكه. زيد في ورطة عاطفية كبيرة بين قلبه وعقله، لكن تفاصيلها تحتاج وقتًا أكبر لكشفها وجلسة طويلة غير هذه التي يجلس بها كل فرد بسيارته. سأله بروية وهدوء:

-وإنت هتروح ببنتك فين الساعة دي؟ نظر باتجاه مريم ليخفي وجهه عن جده الذي تفرسه وقرأه مئة مرة دون صعوبة وقال بحرج: -هاخدها معايا المعرض. أنا قولت تغير جو و..... صاح فايز مقاطعًا إياه بحدة: -تغير جو إيه وشغلك اللي واقف وبتك اللي هتلبخك هتبقى عينها في وسط راسك عليها ولا على شغلك؟ أنا ما جوزتكش عشان تتشتت كدا. المفروض تبقى أحسن من كدا يا زيد. زفر وهو يرد بضيق مستعدًا للمغادرة:

-هعمل المطلوب مني ما تقلقش. وافتتاح المعرض هيبقى في معاده. عن إذنك. كان عماد يكبح جماح نفسه من التدخل بينهم رغم عدم قدرته على تحمل زيد. طرف بنانه تحت فكه كي يجبر نفسه على الصمت حتى يرحل عدوه اللدود دون أن يخلف مشكلة معه، يظل والده يوبخه عليها طوال الطريق. فور ما استدار عنهم حتى هتف بسخرية: -هو دا هيتجوز اتنين؟ دا شايل بنته من أول واحدة.

نظر إليه "فايز" وسكت تمامًا. حالة زيد تسوء، وهذا ما لم ينتظره من صبا. كان يتوقع حياة أفضل بوجودها، لكن على ما يبدو أن هناك عواقب وخيمة ستأتي من وراء المشاكل بين ونيسة وصبا. تمنى أن تنطوي المسافة سريعًا ويصل إلى ونيسة ليفضي غضبه بها. لم يهتم بما قال عماد وانتظر أن يدفع جم غضبه بها لأنها تفشل في تعديل العلاقات بينها وبين صبا وإدارة البيت بشكل لائق والحفاظ على الهدوء والاستقرار.

أخيراً وصل للمنزل وترجل من سيارته مشى نحو المدخل. وفور ما وصل إلى ساحة القصر الداخلية زعق بشدة مناديًا على "ونيسة": -ونيسة. وقفت أمامه سريعًا فقد بدا في نبرته الغضب وهي أدري به، لقد عاشت هنا طويلاً لتعرف بسهولة ما وراء النداء. سألته بقلق: -أيوا يا حاج. أعطاها ظهره وقال: -تعالي ورايا. تحركت من خلفه وقد ازدادت قلق. وجهه لا يبشر بالخير. دخل إلى مكتبه فتبعته فازداد حده وهو يأمرها: -اقفلي الباب وراكي.

امتثلت لأمره وهي تشاهده يجلس خلف مكتبه ويعقد يديه أمامه بتأهب شديد لمحاسبتها. استدارت وهي تسأله: -خير يا حاج. لم ينتظر حتى تكمل مسيرها تجاه وتجلس قباله وزعق محتدا: -إنتي هتبطلي قلة عقل إمتي يا ونيسة؟ جلست أمامه وزاغ بصرها وهي تسأله بدهشة: -أنا عملت إيه يا حاج؟ أجاب وهو يلوح بيده بوجهها وقد ظهر على وجهه الانزعاج:

-لا هو ناقص إيه ما عملتهوش. البت ونكدتي عليها. والولد ماشي وبنته على كتفه وشايل هم الدنيا على الكتف التاني. هو البيت ده مش سكن وراحة ولا هم ونكد؟ ارتخت نظراتها دون اكتراث وهتفت ببرود: -والله مش أنا اللي زعلتوا. البت اللي اختارتهاله. أنا ماليش دخل. ضيق عينه وهو يحذر ما وراء ذلك لتغنبه هي عن السؤال وهي تستند برأسها على سطح المكتب قائلة: -ضربت مريم وعورتها. زيد بيقولها ليه كدا يا صبا؟ قالتله أولع إنت وبنتك و....

-بس اسكتي. بطلي حكي فاضي. قاطعها بزنقة واسترسل: -إطلعي منها وسبيهم يعيشوا حياتهم. سألته هي رافعة أحد كتفيها: -وأنا ما اللي أنا بحكيلك اللي حصل. لم تعجبه مراوغة ونيسة له وأجاب بانزعاج: -أوعك تكوني فاكرة إني مش واخد بالي. إنتي بتعمليها إزاي واللي عملتيه على الأكل عدي عليا كدا بالساهل. هنا أظهرت مخالبها. كما هو لا يريد التدخل في شؤونه، فهي لا تريد تدخله في شؤون المنزل. من أجل هذا هدرت:

-لااا يا حاج. دي حتتي أنا ست الدار هنا. أنا من حقي أعدل المايل بطريقتي واللي ما يعجبنيش أقول مش عاجبني واللي عاجبني أقول عاجبني. من إمتى وانت بتدخل في أمور زي كدا؟ ما غالية كانت عايشة وبتاخد ما يكفيها. إشمعنى بت بشري اللي مش طايقة عليها كلمة. صاح باكتفاء: -أيوا جينا لمربط الفرس. هي بت بشري. لو فضلت فاكرة إنها بت بشري مش هترتاحي ولا هتريحيها ولا هتريحي حد. سألته وقد كشرت عن أنيابها: -إشمعنى يعني؟

هي بشري كانت أحسن مني في إيه عشان تفضلها على الكل؟ بالفعل أزعجته من سنوات طويلة وهم عالقون في نفس القصة ولا يعرف كيف يخرج من رأسها كل هذه السموم. هتف بنفاذ صبر: -يوووا رجعنا تاني للكلام الماسخ. يابتي أنا ما ميزتش حد عن حد وهي عندي زيك بالظبط. إنتي بس اللي شايفة إنها أحسن منك. هدأت نبرته لعلها تفهم ليخبرها موضحًا:

-الإنسان يا ونيسة، لما بيكره بيتحط على عينه غشاوة يستحيل بها يشوف حقيقة الإنسان اللي قدامه. وإن قال صباح الخير تبقى منه تقيلة وغم. وإن حصل له مكروه يبقى ذنب. وإن فرح يبقى بيكيده. لو بس كل واحد يعامل التاني على إنه عبد زيه زيه عند ربنا وربنا ما بيظلمش كان الإنسان ارتاح. شعرت بمرارة الماضي تسري في حلقها وألم وأوجاع ماضية تلكم صدرها، فسألته: -أرتاح إزاي؟

أنا لما جيت هنا لاقيت البيت زي الجيش. كل حاجة زي الساعة. بقيت أعمل أقسى جهدي عشان أعجب وما أتوبخش. وإنت شاهد إني شيلتكم من على الأرض شيل. ووقت ما جات "بشري" كل شيء اتغير. بقى مسموح لها تغلط وتعترض وتشيلني فوق طاقتي وتتحجج بأي حاجة عشان تهرب من المسؤولية. وكل ما أجي أفتح بقى تقولولي ونيسة عيب. إنتي الكبيرة. مرات الكبير العاقلة ما يصحش تشتكي ولا تملي. عملت كل حاجة غلط وما حدش حاسبها. حتى لما وقعتني من على السلم وقصدت تسقطني ما حدش حاسبها.

رفع يده وهتف مكتفياً. فهو يعرف كل الحكايات الغامضة عن بشري ويعرف جيداً ألاعيبها في التهرب وذكائها في التبرير ونفي أي تهمة عنها دون تعقيد. تحدث بروية: -بشري سابت البلد كلها ومشيت وماتت بمرض لعينة ولسه فاكرة شوية حاجات عبيطة عملتها. إنها ما طبختش معاكي، ما غسلتش معاكي، وكانت بتنسب أي حاجة ليكي ليها. ولو حصل خناقة تطلع نفسها منها. فاكرة كل دا ومش واخدة بالك إنه انتهى. ماضي وولى. إنتي دلوقتي فين وهي فين؟

ضيقت عينها ولمعت بحزن شديد وصاحت مخبرة إياه بألم وصوت عالٍ: -أنا هنا لسه في قصر الواصل. لسه بنعيدوا الزمن وجابوا بنتها تركب على كتفي وتدلدل رجليها وتسحر ابني تخليه تحت طوعها زي ما الكل كان ماشي تحت طوع أمها. لم يتفاعل "فايز" مع غضبها ولا صوتها العالي. يتفهم جيدًا أنها لا تعرف التعبير عن ما يؤلمها وتنثر حقها في الهباء بطريقتها الجافة وأسلوبها الخشن. لذا رد بهدوء:

-بشري كانت أذكى منك. حتى لو غلطانة بتعرف تبرر لنفسها. وإنتي لو معاكي الحق بتضيعيه زي دلوقتي بالظبط. بتهاجمي الكل وبيتهيألك إنها أحسن منك. عشان كدا مش بترتزي على نقطة واحدة. دايماً تتهميها قبل ما تقولي اللي عندك. وده اللي كان بينهي أي مشكلة وإنتي غلطانة قبل ما تبدأ. مين يقدر يقول إنها بتسحر من غير دليل؟ إنتي بتشتكي لقاضي بلد يا ونيسة مش عيل في الشارع. هيصدق. وفوق كدا صوتك العالي اللي بيضيع حقك.

أنا عارف إن هي كانت بتحبطك قبل كل شكوى وتقولك محدش هيصدقك. لكن إنتي قلة ثقتك في نفسك كانت بتخليكي تصدقيها وتيجي تشتكي وإنتي متأكدة إنك مالكيش حق. بس دي مش قصتي أنا. دي بتاعتك إنتي.

أنا ما قدرش يتحط قدامي أدلة وما أخدتش بيها. وفيه حاجة جديدة إنتي ما تعرفيهاش. كل مرة كنت بديها الحق كنت بوبخها وبهددها بيني وبينها. لكنها كانت دايماً ترجع واثقة في نفسها. وإنتي زي ما إنتي. تيجي تبوخي كلمتين زي البور الولع وتزيدي فوق منها. ماحدش هياخدلي حقي. أنا عارفه ومع ذلك ما عمريش زعلتك أو حتى حكمت عليكي بغلط. لأني عارفك وعارفها. بس أعمل إيه بينكم. هي كانت بتكسب بذكائها وإنتي بتخسري بغبائك.

ظلت تحدق به بصمت وتسترجع ذكريات كل ما قاله وتتذكر كيف كانت بشري محط أنظار الجميع وفي علو دائم رغم أن هي من تستحق هذه المكانة لأنها زوجة الكبير والأولى بالمنزل. لكن بشري كان لها طريقتها الخاصة في الحصول على ما تريد والخروج من أي مشكلة بذكاء وقد سبب هذا غيرة كبيرة من جميع من يشبهوها. فدوماً أصحاب الشخصيات القوية يبدون في أعين الناس أشرار. الثقة بالنفس والذكاء دون تكافؤ يعتبر خطر بل وخطر مخيف. "في غرفة صبا"

جلست أمام هاتفها لتحادث مع أصدقائها لعل الضجر الذي امتلك قلبها يختفي. لكن فضحتها حديثها غير المنظم وشرودها الدائم وعدم تركيزها في شيء مما جعل الكل يسأل ما بها ويلح حتى ضاقت ذرعاً من هذا وأغلقت البث. دون وداع. عادت لتجول في الغرفة والتفكير بغضب فيما تفعله مريم معها والعداء الصريح من قبلها. لو أن أحد آخر فعلها لانتقمت منه أشد انتقام، لكنها مريم.

أخيراً اهتدت إلى النوم وتمددت إلى الفراش وأغلقت عيناها لتستسلم لنوم هانئ بعد يوم طويل ومرهق وشاق. بعد نصف الليل أتى زيد ما زال حاملاً ابنته على كتفه والتي أبت تركه. وبرغم من غضبه الشديد من تصرف صبا، إلا أنه لم يقرر هجر الغرفة وقرر أن يبيت هو ومريم معها. وضع مريم في منتصف الفراش وبدل ملابسه وتمدد إلى جوارها. استدار إلى جانبه لينظر إلى "صبا" الغاطة في نوم عميق واشتعلت أفكاره من جديد. ما الذي يجعلها تحاول أذية مريم؟

لما الكل يشتكي منها وهي بعينه ملاك؟ لم يرَ أبداً امرأة بتلك الجاذبية والخطورة. استيقظت في الصباح لتري مريم بينهم. في بادئ الأمر ابتسمت لعودته غرفتها ووجودها بين ذراعيها. لكن سرعان ما تبدل هذا عندما حضر الشيطان ليخبرها أن مريم كانت سبب خلاف كبير بينها وبين زيد وسبب لذهاب زيد لنهى. فتحت الابتسامة لعبوس واندفعت من الفراش لتبحث عنه بالغرفة. وما إن استمعت إلى صوت الماء المنهمر حتى عرفت أين هو.

رتبت خصلاتها ومسحت وجهها لتمحي آثار النوم وعدلت من ملابسها كي تبدو بمظهر جيد أمامه. وقفت أمام الباب وسألته بصوت عالٍ تعمدت به الضيق: -إنت صحيت؟ انتظرت إجابته التي تأخرت ثم استمعت إليه يرد بسخرية: -لأ لسه. عضت طرف شفتها لتقيد ضحكتها ثم عادت لجديتها وهي تسأله: -بتعمل إيه عندك؟ أجابها وقد زادت سخريته: -تعالي شوفي بنفسك. غطت فاها بكلتا يديها وردت مدعية الانزعاج: -أخاف تكون بتكسف.

أوقف الماء وساد صمت من جانبه. تعرف أنها أثارت ذكرى قديمة بينهم، لكنها كانت لطيفة. ومع تبديل الأدوار وتغير الزمان قد يحدث شيء لم تتوقعه هي. مالت أكثر على الباب لتسمع إجابته بتلهف، لكن سرعان ما انفتح الباب فجأة وسقطت هي في أحضانه. برودة جسده جعلتها تنفض. حاولت الابتعاد لكنه تشبث بها ونظر لها بقوة متسائلاً: -إنتي لسه ما عرفتيش أنا بتكسف ولا لأ.

حركت رأسها بالنفي بعدها بالقبول. الحقيقة أن مفاجأته لها وحرجها الشديد منه جعل عقلها يتشتت. ظلت عالقة بعينه وهو ممسك بذراعيها. أسبلت عينها وهي ترى خصلات شعره السوداء يقطر منها الماء. زادت من جاذبيته ووسامته. تعذر عليها معرفة ما في عينه بسبب الغموض المسيطر عليها. لم تدرك أنه قرر أن يحبها بصمت وأن لا يكشف عن مدى هيامه بها وتأثره الشديد بقربها منه. لكن كلما نوى أغرته بعينيها الساحرة التي تمتلئ بالحياة والمشاكسة.

لم تكن المسافة بينهم كبيرة، لكنها دائماً تنفذ إلى قلبه دون جهد. هتف وعينه معلقة بعينها: -عايزة إيه ع الصبح؟ ازدرت ريقها وأجابته ببراءة: -عايزة أطمن عليك. ضيق عينه وسألها بخبث: -عايزة تعرفي أنا مخاصمك ولا مصالحك صح؟ عادت هي لمكرها مادام سألها بخبث ستجيب بما يليق بها. جاهدت أن تخفي ابتسامتها وهي تقول: -أنا عارفة إن زيد حبيبي عمره ما يزعل مني أبداً.

لم تكن امرأة عادية أبداً. من يوم ما عرفها وهي يدرك مدى خطورتها على قلبه. إنها تنسيه كل شيء بكلمة واحدة وتزيد نيرانه بحلم رضاها. بالفعل هي الوحيدة التي سيطرت على مشاعره وملأت حواسه رغماً عنه. ابتسم دون مقاومة ورفع بنانه ليلمس طرف أنفها قائلاً بيأس: -عفريته.

ابتسامته طمأنتها فابتسمت هي الأخرى وعادت عيناها بالاختفاء لتزداد جمالاً وروعة وتسرق عقله. الخطيرة التي إن ابتسمت أربكته وجعلته مسلوب الإرادة. إن أرادت مقابل ابتسامتها حياته لأعطاه لها عن طيب خاطر. رفعت يدها وحاوطت عنقه لتقول بغنج: -عفريته عفريته بس بتحبني. لم يتوانى عن محاوطت خصرها ورفعها عن الأرض ليهتف مكذبًا إياها: -غــلــط. أنا مش بحبك أنا بعشقك بموت فيكي. عايزة إيه تاني يا خطيرة؟ وكأن الدنيا كلها ملك يدها وسعادة

كبيرة تغمرها لتسأله: -إنت اللي عايز إيه؟ مال مال برأسه على أذنها وهمس برقة: -عــايــز أســعــدك وبــس. نجحت بسهولة في استقطابه وأنسته الخطأ منها وحولت الدفة إلى اتجاهها. امرأة في هذا السن بهذه القدرة يهابها الجميع لأنها امرأة خطرة. "عشقت امرأة خطرة" _سنيوريتا ياسمينا أحمد"الكاتبة"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...