اخيراً استطاعت أن تجد الراحة وتتمدد إلى الفراش بعد يوم طويل من العمل. لم تستطع حتى الاهتمام بنفسها كالعادة، واكتفت بالاستحمام دون وضع أي مرطبات أو روائح مما تستخدمها عادة. دخل "زيد"، والذي لا يقل عنها تعباً. خلع عنه سترته واندفع إلى الفراش ليرتمي فوقها، ومن ثم يختبئ في أحضانها. فابتسمت لهذا اللجوء السريع الذي لم يأخذ أكثر من دقيقة لفعله. هذا ما يوضح مكانتها لديه ومدى شعوره بالراحة في أحضانها. سألته وهي تعبث
بخصلات شعره المجعد الطويل: -تعبت النهاردة. أجابها وهو يحاوط خصرها بيده ورأسه مستكيناً أعلى صدرها: -تعبت وأنا أتخيل الحضن دا. وحشتيني. زادت من ابتساماتها ومالت برأسها لتطلعه، لكنه كان مختبئاً بالكامل كالطفل الصغير. فأجابت بسعادة: -وانت كمان وحشتني قوي. ربنا ما يحرمنيش منك. غمغم مجيباً: -يارب ولا يحرمني منك. حاوطت جسده بذراعيها فوجدته يقول دون مقدمات:
-نورتي حياتي بعد سنين عتمة. حولتي الخريف لربيع. وفتح الورد جوايا بشوفتك وبوجودك. وكنتي أحلى شيء حصلي حضرتك. خفق قلبها بقوة على إثر كلماته، فهتفت وقد ضاعت عذب كلماته حروف الهجاء: -مش عارفة أرد أقول إيه على الكلام الحلو دا. أجاب دون جهد: -اضحكي كفاية. عايز أشوفك بتضحكي على طول. نبض قلبها الذي يسمعه تحت رأسه الآن يحكي كل شيء. تحدثت بتأثر: -خليك جنبي. كفاية. خليني أنسى بيك كل همي.
هتف وهو لا يزال مغمض العينين، مكتفياً بصوتها ونبضها ورائحتها المنعشة التي تملأ صدره: -حفرتي اسمك على قلبي. نصي التاني وفرحة دنيتي. نورتي عتمتي. انتي بقيتي "نوري". هفضل أقولهالك على طول عشان أفكر نفسي إني ماينفعش أبعد عنك، وإن ما حدش غيرك ينفع يبقى نوري. وما حدش نور عتمتي غير نورك.
كانت جرعة كبيرة من الحب دفعها تجاهها برغبته التامة. ملأت حواسها بالراحة والسعادة والمحبة. فهتفت بعشق تام وقد بلغ تأثيره عليها مبلغاً عظيماً: -حتى لو كنت عتمة، أنا هختار عتمتك عن نور العالمين. انت أحلى قدر صدقني. انت روحي.
لم يجد كلمة واحدة تصف ما بداخله لها، فراح يضمها بقوة لعل يستطيع التعبير عن شوقه وسعادته الجارفة ولو بقدر ضئيل. سكت الكلام وتحدثت المشاعر، لينطلق نحو مدينة الحب، تلك المدينة المحصنة التي لا يدخلها سوى العشاق. في الصباح. -عمو حكيم.
قالتها بلهفة عند رؤيته يقبل من بوابة القصر الداخلية متجهاً نحو غرفة مكتب جدها. أوقفاته لتسلم عليه. لقد كان لطيفاً معها في فترة استضافتها، والوحيد الذي عاملها بإنسانية دوناً عن الجميع. لكن عكس المتوقع منه، سلم بفتور وكأنه لا يريد رؤيتها. -أهلاً يا صبا. تعمقت بالنظر إليه حتى تفهم سبب هذا الفتور. فلم تفهم شيئاً، فسألته: -مالك يا عمو؟ في حاجة مضايقاك؟ تردد في إخبارها وعيناه زائغة: -مافيش حاجة. أنا داخل للحاج، عن إذنك.
منعته قائلة بإصرار: -مش هتدخل إلا لما تقولي سبب التغير دا من ناحيتي. سكت قليلاً وكأنه يستدعي شجاعته للقول. رفع وجهه بوجهها وزاد ارتباكه. تشبه والدتها بكل شيء. وكأنها نسخة مصغرة، لكن السن أصغر. لذا الترويض من الممكن أن يكون أسهل. وإن روّضت "صبا" لصالح، سيكون من الحظ أن يعاد الزمان، لكن لصالح. تحدث ونبرته تملأ بالحزن: -كان نفسي تبقي في دارنا. لكن يلا، أهو نصيب.
شعرت بالحرج من رفضها لوالدها علانية وتفضيل زيد على عامر. زمّت شفتيها بأسف وهي تجيبه: -صدقني أنا ما رفضتش عامر عشان أسباب معينة. أنا بس كنت حاطة العقد... قطعت حديثها الذي لا معنى له بعدما سقطت عشقاً في حب زيد. واستعوضت كلامها بغيره مستأنفة: -يلا، أهو زي ما انت قولت نصيب. عموماً، إنت هتفضل عمو حكيم الطيب الحنين اللي ما شفتش منه غير كل خير. ياريت ننسى الموضوع دا ونفضل أصدقاء.
كانت تستمتع بالكلام مع هذا الرجل. لقد كان الأول والأوحد في استقبالها ومعاملتها بالحسنى، ولا تريد خساراته أو معاداته. ابتسم فوراً ليثبت لها أنه أمر عادي وأن كل ما قالته سينفذ: -طبعاً انتي تؤمري. وأي حاجة تضايقك وعايزة تتكلمي فيها، أنا موجود. وبعدين انتي ما روحتيش بعيد. زيد زي عامر بالظبط، والاتنين إخوات.
شعرت بالارتياح لقول هذا وابتسمت بسعادة جعلته يسخر في نفسه على سذاجتها. رغم الشبه الذي يصل لحد التطابق لأمها، إلا أنها لم تمتلك ربع قدرة ودهاء والدتها. لو كانت "بشري" التي تقف أمامه الآن، لما صدقته أبداً. فهي بحياتها لم تثق بأي شخص، حتى زوجها. فهتف بشرود وهو يتعمق بالنظر لها: -الله يرحم أمك.
انتبهت على قوله وحدقت له بصدمة، وكأنها ارتطمت بصخرة قوية أفقدتها النطق. امتلأت عينها بالدموع، فهي تخبطت في معرفة أقرب الناس إليها. تارة تشعر أنها كانت مظلومة، وتارة تشعر أنها وحش كاسر لا يقوى عليه أحد. التفريق صعب، ومن سيخبرها الحقيقة؟ أمر أصعب. هتفت بقلق: -ليه افتكرتها دلوقتي؟ أومأ بسرعة وهو يلوح بيده لينفي هذا بقول: -لااا، مافيش سبب. أصلك شبهها قوي.
أمسكت يده وظلت تحدق به برجاء. لا يمكن أن يفلت تعلقها هذا بحقيقتها. واحدة يبخل الكل بإخبارها إياها. من قبل تحدث بكلام جيد عن والدتها، والآن تريد أن تسمع منه. فهي تثق به: -قولي يا عمو، إنت أكيد مش هتكذب عليا. ماما كانت كويسة ولا زي كلهم بيقولوا؟ سحب يده سريعاً وكأنه يخشى شيئاً معيناً أو سحراً خاصاً يمسه من هذه الصغيرة. وتشتت نبرته وهو يجيب: -وأنا أعرف منين يا بنتي؟ أنا قولتلك قبل كده اللي أعرفه. سألته وقلبها يتمزق:
-على الأقل قولي ماما قتلت تيته زي ما عمتوا بثينة بتقول. ازدرد ريقه ورمشت عيناه. إنها تفتح مقبرة عتيقة وتنّبش في أسرارها، واللعنة بالتأكيد ستصيب الجميع، أولهم هو. فصاح وهو يغطّي على هذا الارتباك بضحكة قصيرة: -انتي بتقولي إيه؟ هي لو أمك كانت عملت كدا فعلاً، جدك كان هيسبها عايشة. سألت بملل: -اومال هي ليه قالت كدا؟ أجابها ليطمئنها حتى لا تفزع:
-بصي يا صبا، أمك ما كانتش ست عادية. لما دخلت القصر هنا، قلبتوا. يمكن القلبان دا ما عجبش كتير، عشان كدا هتلاقي لها أعداء كتير ليها. تعثر قليلاً ليجد تعبيراً مناسباً ليصف ما بداخله. جعلها تزداد تركيزاً معه، ثم أردف بتوضيح:
-لما يكون في ست حلوة وشايفة نفسها أوي، واثقة في نفسها، وذكية ومختلفة عن الكل، طبيعي هتكون كابوس الستات اللي مش واثقة في نفسها وهتغير منها. رغم إن الكل كرهها، لكن كل واحدة من جواها كان نفسها تكون هي. وأنا مش عايزك تشغلي دماغك بالماضي عشان تعرفي تعيشي المستقبل. الماضي كان فيه "بشري". المستقبل ما فيهوش غير "صبا". حديثه كان منطقي. الالتفات للوراء كثيراً سيؤدي للسقوط. ابتسمت له بامتنان وهتفت:
-شكراً ليك بجد. قد إيه كلامك ريحني. ابتسم هو الآخر مستمتعاً بإقناعها وقال: -أنا تحت أمرك يا صبا. لو عاوزة أي حاجة، أنا مش هتردد أعملهالك. "ربت على كتفها بحنو". -أسيبك أنا بقى عشان جدك زمانه مستنيني. ودعته بسعادة: -اتفضل يا عمو، بس خلينا نشوفك. كان سعيداً بثقتها وإقناعها، فقبل دعوتها بأن وعدها قائلاً: -ان شاء الله نيجي نبارك في ظروف أحسن من كدا. في غرفة مها.
كانت تتحدث عبر الهاتف مع أخيها رشدي ودار بينهما حوار طويل حتى وصل إلى هذه النقطة. أخبرته بما يسرها ويبهج قلبها: -مش قادرة أقولك فرحانة فيها قد إيه. بقت حرفياً خدامة زي ما كانت بتعايرني بالظبط. هيبقى آخر أسبوع في حياتها. خلصت كل ذنوبها قبل ما تموت. لا تعرف كيف سقط الكلام من فمها لأخيها الذي ردد بصدمة: -قبل ما تموت؟ إنتي قصدك إيه؟ ارتبكت وهي تجيبه محاولة إخفاء الأمر:
-ما قصدتش حاجة. أنا أقصد يعني إنها هتموت من الخدمة. البيت كبير وهي أ... قاطعها بعصبية: -مها! إنتي عملتي إيه؟ أجابته وهي تحرك قدميها بارتباك وظهر الارتباك في نبرتها: -ما عملتش حاجة. تأكدت شكوكه من أنها فعلت شيئاً دون علمه للتخلص منها. شدد من نبرته وهو يكرر بغضب: -قولي عملتي إيه أحسنلك. أنا عندي استعداد أجيلك وأجيب عليها وأوطيها. عملتي إيه؟ انطقي. لم يكن أمامها سوى الاعتراف، فصاحت بعد حصار منه: -عملتلها عمل.
في البداية لم يعط للأمر أهمية، وجاء صوته ساخراً: -انتي بتمشي ورا الهبل دا؟ أجابته برهبة وهي تلتفت يميناً ويساراً: -لا بقولك إيه، دا شيخ جامد دا. عرف إنك عايزها من غير ما أنطق. وقالي لو عايزها تروح لأخوكي برضاها، قادر يعمل دا. رد عليها ولا زالت نبرته تحمل السخرية: -وما عملش ليه؟ أجابته "مها" بشيء من الحنق: -يا سلام، هعمل كدا وعمتها معايا؟ حلو أوي. بالموت أسبوع. تعصب "رشدي" من تصديقها تلك الخرفات: -انتي برضوا مصدقة؟
فتحت يدها وهي تهتف بثقة: -أنا بصمة بالعشرة. الراجل دا اللي عمل سحر لأمها وكان سبب في مرضها وموتها. وعمتها هي اللي عملاه. ظل صامتاً وكأنه يستوعب ما قالته وبدأ يشعر بالسوء وشيء من الصدق في الأمر. أخيراً صاح بغضب عارم: -يخرب بيتك يا مها! الله يخرب بيتك! انتي ماعندكيش عقل؟ إزاي تشاركي في حاجة زي كدا؟
البت دي لو حصلها حاجة، أنا هقطع علاقتي بيكي ولا هطول لي مليم أحمر من فلوسك اللي معايا. انتي لحد دلوقتي ما استفدتيش مني بحاجة، وفي الآخر رايحة تخلصي عليها. زعقت هي الأخرى بضيق: -جري إيه يا رشدي؟ أنا كدا هصدق إنك حبتها؟ كل الهري دا كله وحرق الدم دا عشان العيلة اللي كنت بلعب بيها زي العروسة. كان محتدماً هو الآخر وهو يتحدث إليها:
-البت دي كبرت يوم بعد يوم تحت عيني. البت دي مش بتطلع من دماغي. مع إنها أسهل واحدة، دي في بيت أختي، وأختي دي بتخاف منها وتعملها ألف حساب. أختي اللي عشمتني بيها وقعدت كتير أستنى اليوم اللي تقولي فيه تعال. كل كلامه تفهمه. تعرف جيداً أن صبا كانت بالنسبة له السهل الممتنع. أقرب ما يكون ليده وأبعد ما تكون عن أحلامه. ولكي تنفي الذنب الذي يلقيه عليها، سألته: -ما أنا قولتلك يوم الفرح تعال. كانت لوحدها. ما جتش ليه؟
بنفس الانفعال الذي لم يزول، صاح مندفعاً: -كان عندي حاجة تانية. كان جوايا نار لازم أطفيها وأحرق بيها خصمي، "زيد ابن الواصل". بترقب شديد سألته: -نار إيه!! وبلحظة واحدة من التفكير عرفت ما فعل. فلا حاجة للسؤال، وبقي العجب والدهشة. شهقت: -رشدي! انت اتجننت؟ المخزن مش بتاع زيد لوحده. ثم إنت مين عرفك مكانه؟ غدت الغرفة ذهاباً وإياباً وهي تحاول تهدئة نفسها من فعلة أخيها. رد على سؤالها ببرود:
-اومال أنا كنت مصاحب الخروفين اللي عندك دول ليه؟ أنا عرفت كل اللي عايز أعرفه عن ابن الـ... اللي عندك. وأنا وراه والزمن طويل. وانتي قسماً عظماً لو عملتي حاجة من غير ما أعرف، لأكويكي بالنار اللي جوايا. نقطة انتهى عندها وتفرق بها ليغلق الخط بينهم، وتبقي هي في حيرة من غضب أخيها المجنون ونيرانه التي ستحرقهما معاً. في الأسفل.
اتجهت "صبا" نحو غرفة "جدها" الذي طلب منها كوب قهوة بعد رحيل "حكيم" بمدة قصيرة. تقدمت حاملة الصينية، وتهتز. لأول مرة تصنع قهوة، ولمن لجدها. لذا فهي مرعوبة من ردة فعله. نقرت الباب فأذن لها بالدخول. دخلت إليه وهي تحاول أن لا تسقط ما في يدها، وبنفس الوقت عينها عليه وهو يجلس خلف مكتبه منهمكاً في العمل، يرتب بعض أوراقه. وضعت أمامه الصينية ووقفت قباله بابتسامة غراء، متحدثة بمرح كي تدفع الخجل الذي سيقع عليها
إن لم تنل القهوة إعجابه: -قمر بيعمل قهوة قمر والله يا جدو. إنت محظوظ بيا. رفع وجهه عن الأوراق ونظر لها من خلف نظارته الشفافة متعجباً من جرأتها بالحديث بهذا الشكل المرح أمامه. حركت رأسها مستفسرة معاينة هذا التعجب وسألته: -إيه؟ هو أنا قولت حاجة غلط؟ تيقن جدها من أنها تمزح، ومن قلة عقلها المزاح في التوقيت غير المناسب. فمكتبه هذا محراب العمل، ولا يسمح به بالمزاح أو الدخول إليه دون إذن. أشاح بيده مشيراً للخارج وقال:
-روحي شوفي وراكي إيه. أجابته وهي تتمسك بالوقوف: -جدو، أنا عايزة أعرف رأيك في القهوة قبل ما أمشي. الصراحة كدا، أول مرة أعملها. ظل على نفس عبوسه وعدم تقبله أي حديث. فأثناء عمله لا يحب الجدال معه حتى لا ينسى ويشتت عما يفعل. فهتف موضحاً بضيق: -روحي شوفي وراكي إيه. أنا ما بحبش حد يتكلم معايا وأنا بشتغل. بعدين نشوف مشاكلك مع القهوة.
مطت فمها لأحد الجانبين بيأس واستدارت للخارج بخيبة من مساعدتها في النجاح في المطبخ حتى لا يشمت أحد بها. وقبل أن تصل للباب، سمعت صوت الفنجان يصدح بضيق داخل صحنه. فأغمضت عينها متأكدة أنها لم ترضيه ولم تعجبه. وأكد هو على ذلك منادياً: -تعالي خدي قهوتك وإنتي خارجة. التفت ببطء وحذر وعادت نحوه وعلامات الخيبة ترتسم على وجهها. قال "فايز" وهو يحدق إلى فنجان القهوة بشرود: -إشمعنى دي اللي ما طلعتيش فيها لأمك؟
انتبهت وهي تميل إلى مكتبه لتلتقط الفنجان إلى ذكر والدتها من جديد. كيف يريدون منها النسيان؟ ومع كل خطأ يذكرونها بأمها وينتظرون منها أن تشبهها بأي شيء، ويتهمونها بأنها تشبهها. تارة ليخلق بداخلها فضولاً لاستكشاف المرأة التي تثير الشكوك ولا ينساها التاريخ. سألته بتأثر: -أمي... ممكن حد يريحني ويقولي أمي دي كانت كويسة ولا وحشة؟ نظر لها بعمق ليردها عن الوقوف طويلاً والحديث في أمور أخرى قد تشتت تركيزه عما يفعل.
ثم تعطف وأعطاها إجابة: -ما حدش هيريحك لأن ما حدش يعرف حقيقة أمك. المهم ما تبقيش زيها. لم تكن إجابته غامضة بل مخيفة. هل كانت شبحاً لدرجة أن لا أحد يعرف حقيقتها؟ أم كانت سيئة لدرجة حصولها على كره الجميع؟ لم تشفِ بإجابته الغامضة وسألته من جديد بنبرة متحيرة: -قولي إزاي؟ إزاي تطلب مني ما بقاش حد أنا ما أعرفوش؟ ابتسم نصف ابتسامة خفيفة وهو يرد: -دي حاجة في الجينات الوراثية زي ما بيقولوا.
لا زالت مائلة أمامه على المكتب. اعتدلت في وقفتها لتهتف بثبات رغم خوفها منه: -مش عايزة أعرف. إنتوا بجد كلكم متعبين. وإن هي حتى كانت وحشة معاكم، فأنا من عشرتي ليكم بقولكم تستاهلوا. اتسعت عينه مستنكراً جرأتها وصاح بها بعدما دمرت جلسته: -ما تزيديش فيها. قلبتي رأسي. مش عارف أنا وصلت لفين. الله يكون في عون زيد منك.
على ذكر "زيد" انتبهت. الشيء الوحيد الذي يعطيها طاقة لتحمل كل هذا والاستكمال في هذا البيت. نظرت له ببرود وعادت تأخذ الفنجان من سطح المكتب ليميل معها ويهمس بشدة وكأنه يلومها: -ما تخليش زيد يكسر القواعد يا صبا، لأحسن أنا هكسرك اتنين لو ضيعتي حفيدي مني. ارتعشت من تهديده غير الواضح سببه، وكأنه يخشى شخصاً آخر غير تلك الضعيفة التي ترتعش أمامه. مسح على سطح المكتب وتحدث بنبرة ذات مغزى:
-المكتب دا ليه احترامه. دا مكان شغلي. ممنوع تدخلي بعد كدا غير بإذن مني، حتى لو كان زيد جواه. الآن فهمت. جدها يلمح لما حدث هنا بينها وبين زيد. اشتعلت وجنتها بحمرة الخجل وانطلقت من أمامه بسرعة كادت أن تسقطها. وقفت بالخارج تحاول أن تلملم أنفاسها المبعثرة. لا تعرف كيف علم جدها. أخبره زيد؟ نفضت رأسها بالنفي وهي تردد: يستحيل. وكيف عرف؟
أو علم لأي درجة هي اقتربت من مكتبه المبجل. إنها بالفعل حائرة وخائفة وخجلة من منزل كالزجاج. الكل مطلع على أبسط الأشياء وأقلها، وكأنها تحت المجهر. في المساء. أخيراً اجتمعت العائلة بالكامل على طاولة الطعام. كلا من "ونيسة وبلال ويحيي وزوجها عماد وحسين ومها". وعلى رأسهم الجد "فايز". قدمت "صبا" الطعام الذي اجتهدت في صنعه. قلبها كان يرتجف وهي تعرف أن الكل سينقدها، وتحضر نفسها للدفاع، وكذلك عدم التشكيك في ذاتها.
نادت في نفسها: -يااا لو كان زيد هنا. وكأنه كان نداءً موصولاً بينهم لتسمع صوت صرير سيارته يتوقف بالخارج. تركت ما بيدها وهرولت صوب الباب بحماس. فهتفت "ونيسة" بحنق: -إجري يا أختي كلي عقله كمان وكمان. نظر "فايز" لها دون معنى. الحق أنه بات يخاف أن توحش الصغيرة وأن تكون سبباً في إسقاط "زيد" وضعفه، خاصة وهو يرى ابتسامة "عماد" الساخرة ويسمع صوته الهامس بسخرية: -من حق الكبير يدلع.
عيبه الوحيد أنه ينتقد الآخرين دون أن ينظر لعيوبه. قلب "فايز" الآن مشتت. صبا تقلقه بشدة، ويخشى أن ينجرف "زيد" في عشقها وينسى عائلته التي سيترأسها بعد وفاته. يحاول جاهداً أن لا يفكر في إعادة النظر في اختياره. وقفت أمام الباب لتنتظره وقد نزل عن سيارته. ارتسم على ثغره ابتسامة فرحة باستقبالها. وما إن اقترب منها حتى هتف مازحاً: -مالك واقفة كدا ليه زي العيلة الصغيرة اللي مستنية حاجة حلوة؟
-أنا مش مستنية منكم أي حاجة حلوة لأن انتوا كلكم ما حولكمش غير وجع القلب. سأل متعجباً من هذا الانتقاد الذي يبدو حقيقياً: -الله الله! الكلام دا حقيقي ولا بجد؟ لم تكن على ما يرام لمزاجه ودخلت مباشرة في الموضوع لتهتف: -انت هتقعد تتغدى معانا وإوعى ترفض. أنا اللي عاملة الأكل وأنا متأكدة إن الكل هيحفل عليا. رفع أحد حاجبيه وسأل مشيراً لنفسه باستنكار: -بتستغليني؟ أومأت بسرعة وهي تجيب:
-أيوا، لأن أنا فاض بيا بصراحة. يا هستغلك يا هطفش. ضحك على غضبها الطفولي وشدة تمسكها بطلبها الذي لا يسبب مشكلة رفضه. فمازحها قائلاً وهو يدفع رأسها من الخلف بخفة: -هتطفشي فين؟ دا إحنا لقيناك على باب جامع. تحدثت بضيق وهي تكاد أن تجذب شعرها من أسفل الحجاب وتعترض على كل شيء. فهي أيضاً غاضبة منه لإخبار جدها بما حدث ومعاتبته لها اليوم. -صحيح، هروح فين منكم؟ الواحدة بتزعل تروح على بيت أبوها، إنما أنا أروح فين!
لو كان أبويا هنا. سأل متعجباً من مزاجها المعكر وضيقها غير المعلل: -مالك يا بنتي؟ كل دا عشان الأكل؟ زعق جده متعصباً ليقطع هذا الحديث الذي طال: -مش هنتغدى النهارده ولا إيه؟ تحرك زيد ليلبي نداء جده وهتف بصوت منخفض: -اعقلي كدا ولما نطلع أوضتنا ابقى قولي اللي عندك. لم يكن لها خيار آخر سوى إتباعه والاقتراب منه. أقبل بإتجاه الطاولة ليلقي التحية: -السلام عليكم. أجاب الحضور السلام. ودعته والدته على غير عادتها دون ترحيب:
-اقعد كل. مراتك اللي طابخة. نظر بجانب عينه لصبا التي تتجمد بجواره خشية من رفضه، فهي كما تعلم أنه لم يأكل بالمنزل من مدة طويلة. فاستجاب ليهدئ من قلقها واتخذ مكان جلسته بجوار جده.
وهي إلى جواره. ثم استكملت الغرف الذي تركته لأجل إقناعه بالانضمام إليهم. وزادت دهشة "ونيسة" بانضمام زيد لهم، فقد مرت سنوات على انضمامه لطاولة الغداء أو العشاء، فهو دوماً يأكل في عمله. ولاحظ "فايز" هذا، وأيضاً تأثير صبا عليه الذي سيأخذه إلى جانب آخر ويضعف موقفه، والقادم سيثبت هذا. هتف "يحيى" مازحاً فور جلوسه: -إحنا لازم نحتفل عشان زيد هيتغدى معانا.
منحه زيد ابتسامة ودودة دون أن يرد. يعرف أنهم سيندهشون كثيراً مما سيحدث لأنه تغير كلياً. وما عاد يهتم بآرائهم. لكن ما نزع ابتسامتهم قول عماد الساخر وغير المكترث بهدم فرحة أبنائه: -ده احنا ابتدينا نشوف العجب. الأستاذ سايب شغله وجاي يتغدى معاها. كلماته المسمومة سقطت على مسامع "صبا" وأزعجتها بشدة، فقررت إجابته دون انتظار مدافعة زيد أو غيره، خاصة في صمت والدها الذي يتشابه مع العدم:
-أكيد هتشوف العجب يا عمو. هو أنا برضوا أي حد؟ نظر لها "عماد" بشراسة وتوعد. هو لم يتحمل أي حديث منها وهم ليجزرها محتداً، لكن فايز منع ذلك قائلاً: -كلوا وانتوا ساكتين.
عين "زيد" لم تسقط عن صبا مندهشاً من جرأتها وإجابتها الجريئة دون التفكير في أي انطباع سيسقط على الحاضرين. يبدو أنها ابتدت تستغل السلاح الذين يقاتلوها به وهو نعتها بشبيهة أمها لتحذرهم علناً من أنها ابنة الساحرة الماكرة التي من الممكن أن تهدم القصر فوق رؤوسهم. بالفعل تناول الجميع الطعام في صمت. وكما توقعت، لن يعجب ما صنعته أحد، بالأخص "ونيسة" التي صاحت باعتراض: -إيه العك ده؟ انتي عاملة الأكل برجليكي؟
إحمرت وجنتها من انتقادها اللاذع والذي استمرت به دون أي شفقة: -انتي إيه؟ عمرك ما دخلتي مطبخ؟ تدخل عماد وهو يؤيدها تاركاً ملعقته جانباً: -والله عندك حق. الأكل استغفر الله العظيم. بينما تحدث كلاً من "يحيى" و"بلال": -الحمد لله إنا أكلت برا. يحيى: -يا ابن اللعيبة يا بلال. طيب لغيني اروح معاك. زعقت "ونيسة" بحدة: -بس انت وهو. وانتي ما رديتيش يعني؟ عمرك ما دخلتي مطبخ ولا إيه؟ همت لتجيب، لكن منعها "زيد" بأن أمسك يدها الموضوعة
فوق الطاولة هاتفا بجمود: -أنا حابب إنها ما تطبخ أصلًا. أغاظتها إجابة زيد عنها، على عكس "صبا" التي برد قلبها بإجابته ونصفها. صاحت "ونيسة" محتده: -نعم؟ وأنا هشتغلكم خدامة بقى ولا إيه؟ أنا كنت بستنى مرات ابني تساعدني. نهض "حسين" من الطاولة كي لا يشارك في الحديث معهم. يزعجه معاملة ونيسة لصبا، لكنه لا يود الاعتراض: -عن إذنك يا حاج، أنا طالع أرتاح. أشار له "فايز" ثم قال: -طيب روح. هتف عماد لأخيه: -خدني معاك يا أخويا.
تحدث "زيد" لوالدته بهدوء: -لو حابة نجيب طباخة تساعدك مافيش مانع. زاد غضبها من تساهل ابنها من أجل راحة هذه الملعونة. -وأنا من إمتى جبت حد يساعدني؟ طول عمري بأكلكم بإيديا. تذكرت أمر هام سيحرق صبا وهتفت دون مبالاة: -وإذا كان على كدا، عجل بجوازة نهى. ألجمته تماماً وامتنع عن الرد، حتى كررت بجدية وهي تضع يدها أسفل ذقنها: -هااا؟ إمتى أروح اتفق على كتب الكتاب؟
انتظر "فايز" إجابة من زيد كما انتظرت صبا وونيسة ومها التي تجلس على ترقب، بعدما غادر حسين وعماد وكذلك بلال ويحيي. تدخلت صبا بشكل فوري وبثقة كبيرة قالت: -أوعدك الجوازة دي مش هتم. اصطدمت "ونيسة" بإجابتها الصاعقة، بينما صمت زيد تماماً. أغضبت هذه المرة "فايز" الذي لم يتوقع إجابتها بهذه الجرأة، وأمام زيد دون أن يردعها أو حتى يوقفها. هدرت ونيسة وهي تكاد أن تجن: -يعني إيه الكلام ده يا زيد؟
ظل محافظاً على هدوئه دون أن يعطي إجابة. ثبت "فايز" نظره عليه ثم صاح ليستفزهما معاً بـ: -بكرة إن شاء الله تروحي تزوري نهي وتتكلمي رسمي يا ونيسة، وتاخدي في إيدك صبا عشان نبين للكل إن الجوازة هتم. اتسعت عين صبا عندما سمعت حديثه، والتف إليه وعينه تمتلئ بالدموع. لقد تحطمت كلياً، وسألت بتردد وخوفاً من أن يرغموها على ذلك: -أنا اروح ليه؟ ليه أصلاً تفرقوا بيني وبين زيد؟
وضح له كم وصل زيد من عشق حتى يتركها تتحدث بهذه الثقة. وضاق صدره من عدم إطاعة زيد لأوامره. مال برأسه وهو يجزها باستهانة: -إنتي مش ملاحظة إنك اتعديتي حدودك؟ تنفست بصعوبة وهي تجيبه: -يا جدو ارجوك افهمن...... لم تكمل جملتها حتى لطم "فايز" سطح الطاولة بتشنج: -افهمي انتي بلاش أنانية. مريم قصاد الجوازة دي يا نهى، تيجي دارنا يا مريم، تروح بلا راجعة. أردف زاعقاً: -زيد شوف مراتك.
نظرت له وقد امتلأت عينها بالدموع، وترصدها عين "مها" الشامتة بابتسامة خفية لا تستطيع حبسها. قالت "ونيسة" المتعجلة: -إيه رأيك يا زيد؟ أبى "زيد" النظر لها وحاول أن يبدو هادئاً أمام كل هذا الضغط. ظلت تحدق به بنظرات كلها توسل أن ينتشلها من هذا، أن يشفي كل هذا الألم الذي يفتك بيسارها، لكنه لازال ينظر بعيداً ويلتزم الصمت. تحدثت هي بنبرة متوسلة وهي تمسك بساعده: -زيد قول حاجة عشان خاطري. في ثوانٍ التف لها ليقول باقتضاب:
-اطلعوا فوق. هذا كان رده الصادم. طردها كان الحل الأمثل وسط كل هذه الضوضاء، فليرتب نفسه بتمهل حتى يستطيع مواجهتها من جديد ومواجهة كل هذه الضغوط. فليس هي وحدها من تعاني، فهو يعاني أكثر. لم تنتظر بعد هذا. صرت على أسنانها ونهضت تدق الأرض بضيق. بقي وحده مع "جده وأمه ومها" التي تنتظر الجديد بفارغ الصبر. لكن "فايز" لم ينولها هذا، أمرها قائلاً: -مها خدي ونيسة واطلعوا فوق.
اتضح كم هو غاضب وأين سيوجه هذا الغضب. فلم يبق معه سوى زيد. تأكد "فايز" من مغادرتهما وبدأ بنهره وصب جم غضبه عليه: -إنت حصلك إيه؟ لدرجادي بينت ضعفك قصادها ووقعت وما حدش سَمّي عليك. سبق وقولتلك عشان تسيطر عليها ما تبينالهاش حبك، وانت ماشاء الله عليك ما صدقت. شعر "زيد" بالحرج من حديث جده ولم يجد إجابة مناسبة تقيه من هذا الإحراج وتحفظ ماء وجهه، سوى سؤال بتعصب طفيف: -وأنا كنت عملت إيه؟
استاء من وصول "زيد" لهذه الحالة من الاستسلام وقرر مواجهته دون خجل: -مين سمحلها تدخل مكتبي في غيابي، وفوق كدا... قطع كلامه وهو متيقن أنه فهم قصده، ليردف وهو يشيح بوجهه في استياء: -بقيت لدرجادي كلمة تجيبك وتوديك. آخر أملي فيك يا زيد، إن حتة عيلة زي دي تسيطر عليك. لم يكن لزيد الجرأة لإجابته ولا حتى النظر تجاهه. يعرف مدى قدسية مكتبه لدى "جده" وكم يكره أي تجاوز أو مرور أحد إليه دون إذنه. كانت أول قاعدة يغفل عنها.
بسبب انجراف مشاعره تجاه "صبا" أصدر فقط همهمات دون أن يعرف ما يليها: -اا... مم... أنا أسف حضرتك عارف.... على فجأة باغته "فايز" ووضع عينه بعينه وكأنه أحرقته بتلك النظرات. رفع إصبعه ليحذره قائلاً: -إياك تبرر لمرة. حبك ليها أنا شيء فاهمه. حبك ليها أنا شيء مش همنعك منه، لكن اللي لازم أمنعك منه إنك تمشي وراء عواطفك وتلغي عقلك. "صبا" مش سهلة عشان تديها حب. هتفلت منك ومش هتعرف تسيطر عليها. ما أخدتش بالك بترد على عمك إزاي؟
إذدرء ريقه محاولاً الدفاع، وتحدث متوتراً: -صبا لسه صغيرة. مش معقول هتعلم من يوم وليلة. وزي ما انت شايف الكوارث اللي حلت علينا في يوم وليلة. مط شفاه باستياء. فهو لم يقبل عذره. كان يكفي أن يردعها علناً أو سراً، لكنه لم يفعل خوفاً على مزاجها. حرك رأسه بيأس وهو يهتف: -يا خوفى أكون ضيعت مني حفيدي اللي بتباهى بيه. رمش بعينه ولم يجد إجابة ليطمئنه. هو أصلاً يمشي في طريق لا يعرف له آخر ويعشق تلك الخطرة التي يحذره منها الجميع.
يتبع. عشقت امرأة خطرة _سنيوريتا ياسمينا أحمد"الكاتبة" "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد"" "باقي حلقة الثلاثون" "زيد" دخل غرفته فوجدها تقف بقلق وتعض على أطرافها. يعلم من أي شيء هي منزعجة، لكنها لم يتوقع إقبالها نحوه وهي تهتف بانهيار: -خلاص حكمتوا عليا بالإعدام. هتجوز غيري؟ هتسبني؟
ظل ينظر لها دون إجابة، فقد تحير قلبه بين ابنته وبينها. لا يدري عن من يتخلى. وضعه أصعب من وضعها بكثير، لكنها أنثى لا تملك غير لسانها ودموعها. ماذا يخرج بيدها إن غضبت سوى البكاء وإطلاق اللعنات. عندما استمر في صمته، وكزته بقسوة بقبضة يدها في صدره وهي تصيح ببكاء: -روح يا زيد روح انت كمان. بس والله العظيم لو اتجوزت نهي عمرك ما هتلمسني تاني. إنسي إني عديت بحياتك أصلاً. مش هبص في وشك تاني. هكرهك لآخر عمري.
ظلت توكزه وهو يبدو ثابتاً، لكن بعمقه كان يهتز من بكائها وكلماتها وتوعدها. حاول إيقافها، لكنها ظلت تقاوم. فحاوطها بكلتا يده وهي لا تزال تصرخ ببكاء: -مش هسامحك أبداً. ليه خليتني أحبك؟ تحرك بها وهو يضمها بقوة إلى أحضانه. وحاولت هي الاستدارة عنه، لكنه ظل متشبثاً بها حتى وهي تعطيه ظهرها. جلس على طرف الفراش وأجلسها عنوة بين قدميه ليقبل مؤخرة رأسها محاولاً تهدئتها بكلماته الرقيقة النابعة من أعماق قلبه:
-إنتي قلبي وروحي وعيني. عايز اعيش معاكي لآخر يوم في عمري. هدأت تدريجياً مع حديثه المتزامن براحة يده التي تمسح على رأسها: -لو اتجوزت عشرة مش هيبقى في قلبي غيرك. ارتاحي وإهدي. إنتي ملكتي قلبي وعقلي. عايزة إيه تاني يا جبارة انتي؟
كلامه مسح على قلبها المهتاج. لم تسمع هذا الكلام من قبل وما كانت تصدقه لولا صدق إحساسه. تنفست براحة، لكن ظلت الغصة في قلبها تؤلمها. مهما كان، لن ترضى بأخرى تشاركها زوجها وحبيبها، وليس أي شخص، بل الشخص الذي عوضها القدر به. مع صمتها الذي طال، إلا من صوت نشيجها وأنفاسها المتسارعة. قبل رأسها وارتمى برأسه على كتفها ليستأنف حديثه، لكن هذه المرة نبرته كانت مختلفة، متعبة، متأثرة، متحيرة: -أعمل إيه؟
القدر جمعني بيكي وعلقني بيكي وعودني عليكِ، وهو هو القدر اللي هيخليني أقبل بـ نهي غصب عني وعن قلبي. أرجوكي ما تصعبيش الموضوع عليا. تململت في أحضانه بضيق معلنة رفضها، ليتمسك هو بها من جديد مسترسلاً: -صبا افهمي. أنا ممكن أعمل دا من غير رضاكي، لإن إتفقت معاكي في الأول على كدا. لكن قدري إني أنا دلوقتي بتراجاكي تسهلي الموضوع عليا وتلتزمي بالاتفاق. أنا قولتك قبل كدا أي غلطة منك أنا اللي هشيلها. قطعت حديثه بعصبية:
-وانت الكبير وانت اللي عليك العين وانت اللي هتمسك العيلة من بعد جدو والثروة كلها تحت إيدك، والامر والنهي ليك. عارفة كل دا، وصدقيني مش هاممني كل دا. لو كنت أفقر واحد في الدنيا كنت هحبك، لو كنت عاجز كنت هحبك، لو كنت مين غير كدا هحبك لأني حبيتك إنت. إنت وبس. ابتسم رغماً عنه وقبل وجنتها برفق، راضياً بها ومكتفياً بها. لولا القدر لكانت قصة عشقهما لا تسعها ألف رواية، لكن أحياناً لا تمشي قصص الحب بهذه السلاسة.
تحدث وهو يضع وجنته على كتفها ينظر لجانب عينها من الأسفل: -هتروحي بكرة مع أمي تخطبي نهي. على الفور سقطت دمعة حارة وتعُلقت بأهدابها، أخرى لن ينسى هذا المشهد ما حيا. يشعر بآلامها وبالنصل البارد الذي غرسه بمنتصف قلبها. لن يلومها أبداً على ما ستفعله، وإن أحرقَت القصر بمن فيه. "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد" "في الصباح"
حاولت إخفاء آثار البكاء والسهر بعد ليلة طويلة قضتها تتقلب على جمر من إثر الألم. جلست أمام المرآة لترى نفسها، لم تجد شيئاً لتواسي به حالها أو تشجع نفسها على تقبل الأمر. فات الأوان على الندب، إن لم تقف سريعاً ستوالى عليها الضربات ولن تستطيع الدفاع عن عشقها وهي بهذا الضعف والانهزام.
كما قرأت من قبل: الضربة التي لم تقتلك تقويك. نهضت أخيراً من أمام المرآة وتوجهت للأسفل. بالطبع ستجد "ونيسة" تسبقها بالتزين، فهذا الذي تتمناه. رغم حالتها السيئة لم تنسَ أن تتألق. فاليوم ستذهب لغريمتها في عقر دارها لتطلبها لزيد بنفسها، عليها أن تشعرها بالندم لأنها ستأتي إليها وهي التي لا تقبل منافساً. ارتدت عباءة سوداء، فهذا ما تراه مناسباً لهذا الموقف. وعدلت من مكياجها لتصبح حتى وهي حزينة جميلة، كوردة ذبلت ولا زالت رائحتها بها. استصحبت معها "مريم" بعدما اعتنت بها وزينتها وعطرتها. ولأجل مريم تهون هذه النار التي تلقي بنفسها لها.
تقابلت مع "ونيسة" التي لم تخفِ سعادتها ولم تحترم مشاعرها. هتفت متهللة فور رؤيتها: -اتأخرتي كدا ليه؟ أنا مستنياكي من بدري. جاهدت لتبدو طبيعية ولا شمات أحد بها في هذه الليلة. أجابتها دون تعبير: -كنت بلبس مريم. عادت تحرك رأسها دون مبالاة قائلة: -مريم خلاص خالتها هتجيلها وتاخد بالها عليها. مدت يدها لتسحب كيساً ورقياً من على الأريكة وفتحته لتريه شيئاً ما:
-شفتي الهدية الدهب دي جابها زيد ليها. خلاص آخر الأسبوع دا الفرح. زيد مستعجل. "زيد" مطت جانب فمها وهي تردد اسمه بنفسها. لقد فر في منتصف الليل من جوارها عندما فشل في مواساتها، هرب منها حتى لا يضعف وتركها تواجه مصيراً مؤلماً وحدها وأكبر من قدرتها على التحمل. عندما لم تجد منها ونيسة رد، هتفت بضيق وهي تدفعها للخارج: -يلا يلا عشان ما نتأخرش. الناس مستنيانا.
مشيت معها وهي تحاول ضبط نفسها. الأمر صعب، لكن إن أبدت ضعفاً من جانبها ستهدم حجراً حجراً. اليوم هو برهان حقيقي على كم هي خطيرة. لن تبالي بأي شيء، وهي في منتهى الثقة من نفسها ومن عشق زيد لها. "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد" "في منزل إبراهيم شاكر"
استعدت "نهى" هي الأخرى وتزينت بكل ما أوتيت من جهد. بدت جميلة بعدما حددت لون عينها الخضراء بالأسود ولونت شفاها بالأحمر. جمالها يذبل يوماً بعد يوم. الخطوط الدقيقة بدأت تزداد. الأيام لا ترحم والسن يتقدم، وهي لا ترجو من الحياة سوى زوج وبيت وأسرة صغيرة. مهما تحملت، "زيد" بكل مشاكله، كان طوق نجاة. دخلت والدتها عليها وفور رؤيتها هتفت بإعجاب: -الله أكبر! هتفرسي الكل النهارده. أيوا كدا. هي حتة البت دي تيجي فيكي إيه؟
وقفت قبالها وحاولت تصديقها، فالعقل لا يصدق إلا ما يريد. سألتها مستفسرة: -أفرسهم؟ هو مين اللي جاي؟ تحدثت "مروة" بابتسامة واسعة: -امبارح ونيسة كلمتني وقالتلي إنها هتجيب بثينة وصبا. اتسعت عينها على الفور وهي تكرر بذهول: -صبا جايه إزاي؟ تحدثت دون اكتراث: -مالك اخضيتي كدا ليه؟ جاية تطلبك بنفسها عشان تثبت حسن نية. ما تشغليش بالك. المهم إنك تطلعيها من عندنا وهي فاقدة الأمل إنها هتقعد معاه يومين.
إذدرى ريقها. هي خائفة منها من آخر مرة. فكيف ستواجهها من جديد؟ نظرت والدتها إليها بشك ثم وكزتها بخفة وقالت: -بقولك إيه؟ ما تسرحيش. فُوقي كدا وركزيلي كدا. حماتك وعمتك جايين. دول الأهم. هي كدا كدا رفضها وقبولها مش مهم. صوت جرس الباب أسكتهم لتهتف "نهي" بحماس: -هما جم. تحركت "مروة" بتعجل وسارعت وهي تقول: -يلا اتحركي وتعالي ورايا. يلا بسرعة. ثوانٍ وفتحت الباب بينهم، وعلى الفور تهللت "ونيسة" قائلة:
-السلام عليكم. عروسة ابني وفرحة قلبي. ولم تتمهل "بثينة" وحركت لسانها في فمها لتطلق زغرودة طويلة أثارت تعجب "صبا" والتي تمتمت إلى جانبها: -ما انتي بتعرفي تزرغطي أهو. إلهي تشرقي تموتي. التفت لها "بثينة" بعدما انتهت وسألتها بفضول: -بتقولي إيه؟ أجابت بابتسامة مزيفة: -بدعيلكم. دخلت معهم واحتضنتهم "مروة" بحفاوة ورددت حديثهم بود: -أهلاً وسهلاً. الدار نورت.
لقد جاء دور "صبا" لتسلم على "نهى". لم تضع يدها بيدها. فهم أبداً لن يكون حلفاء. وإن حضرت اليوم امتثالاً لرغبة زيد، لن تنفذ ما هو ضد رغبتها. بادرت "نهى" بالحديث: -كنتي بتقولي إن زيد ليكي لوحدك دلوقتي. زيد بقى لينا إحنا الاتنين، واحتمال كبير يكون ليا لوحدي.
شملتها بنظرة ساخطة بداية من رأسها حتى أخمص قدميها ومطت شفاها باشمئزاز جعلها تشك في نفسها. كانت لا تحتاج للحديث بعد هذه النظرة التي حقرت من شأنها دون التفوه بحرف، لكنها لن تحرم نفسها من الحديث، فهتفت: -إحنا لسه في بداية الجولة. مع إني متأكدة إنك مش هتدخلي الجولة أصلاً. والشاطر اللي بيضحك في الآخر. عرفت كيف تدمرها في ثانية وبنظرة واحدة. لكنها حاولت التمسك وهي تقول بعناد: -جاياني برجلك ومعتقده إنك هتكسبيني؟ مطت شفاها
وهتفت وهي تتجاوزها للداخل: -إوعي تفهميني غلط. أنا جايه عشان أشوفك وإنتي في أحسن حالاتك عشان أتأكد إني هكسب مهما عملتي. جلست بينهم دون أن تنظر منها رد. والتقطت "نهى" مريم وعانقتها بحب. وفرت للداخل لتخفي آثار إحراجها. تجاذبت ونيسة أطراف الحديث مع مروة وبثينة. ولسوء حظ "صبا" أن الحديث كان على "غالية" حيث قالت ونيسة: -الله يرحم غالية. ما حدش ريح قلبي زيها. كانت نعم الست. أضافت "بثينة" بحماس:
-ولا شطارتها ولسانها اللي كان بينقط شهد. مهما حاولت "صبا" عدم الاهتمام، كان يظهر على وجهها التفاعل وأثر الاحتراق. هتفت "مروة": -والله كنتم نعم النسب. عمرها ما اشتكت منكم. وكل ما كنت أسألها عن زيد تقول لي: ولا في الدنيا ده يتمنالي الرضا، أرضي. إجابة "ونيسة": -وهو كان بيحبها شوية؟ ده قعد بعدها مش راضي يتجوز. استمعت لحديثهم والألم يفتك بقلبها وكأن نار السموم تسقط على قلبها تباعاً. وجدت نفسها تهتف لتخرس أفواههم:
-ما كانش لاقي اللي تفتح نفسه ع الجواز. والدليل اهو جايين نطلب واحدة تانية وأنا لسه ما كملتش شهر. تخيلي كدا معايا لو كملت الشهر هعمل إيه تاني؟ خشيت "ونيسة" أن تطرق لأكثر من ذلك، لذا قررت أن تصمت من أجل ألا تفسد صبا كل شيء بلسانها الذي يذبح. لكن بثينة كانت مصرة على جرحها: -ما هو لو كنتي مليتي عينه كان اكتفى. رمقتها باستهانة. لقد ظنت أن هذه الإجابة ستعجزها، بينما هي لا تعجز عن شيء عندما يمس أحد كرامتها. تماماً كوالدتها،
هتفت بسخرية: -ومين قالك إنه مش مكتفي بيا؟ هنلعب على بعض يا عمتو. ما انتي عارفة إن سبب الجوازة دي مريم. مش حباً في خالة مريم. تيجي نسألهم كدا، يقدروا يسيبوا مريم من غير ما نهي تجوز؟ لو وافقوا، نشوف زيد هيرضى بنهي ولا لأ. ما خشيته "ونيسه" حدث، لسانها السليط أحرجهم، فحاولت ترميم الأمر بأن قالت لمروة، التي احتقن وجهها: -لأ، إزاي دا؟ زيد بنفسه نزل نقلها الهدية وفرحان بيها، دي نهي هتنور دارنا.
تقدمت "نهي" بالصنية تحمل أكوابا من العصير لتقدمها لهم، وقد لاقت ترحيًبا فور ظهورها من ونيسه، والتي هتفت بحفاوة: -أهلا أهلا، ست البنات يا أختي، أهي دي العرايس اللي تفتح النفس. كانوا يطعنون "صبا" في كل مرة يتحادثون، تمنت أن تختفي، أن تكون لها القدرة لفض هذه الجلسة والعودة إلى حضن زيد، الذي يضمن مكانتها ويقويها ويهدئ ألمها ويرتب فوضى رأسها. تحدثت مروة مغتصبة ابتسامة:
-إحنا عمليلك الحمام اللي بتحبيه يا ست ونيسه، وإنتي يا أم عامر، نهي عملت لك محشي البصل اللي بتحبيه. تهلل وجه بثينه وهي ترد بافتخار: -ما اتحرمش منها عروسة ابن أخويا الزين. "نهى" تجلس بينهم وتلاحظ مدى محبتهم واهتمامهم بها، على عكس "صبا" الجالسة بعيد تحدق بهم بإشمئزاز. نهضت "مروة" وقالت بتعجل: -عن إذنكم، أنا هسيبكم مع نهي وأحضر السفرة. استصطحبت معها مريم التي كانت تلعب بجوارهم، وهي تدعوها قائلة: -تعالي يا مريومه، أكلك.
تعلقت مريم في يدها الممدودة لها ودخلت معها للمطبخ، وعلى الفور حملتها جدتها وأجلستها على حافة الطاولة بالمطبخ، لتحدق بعينيها وتقول بحده: -مريم، اوعي الست اللي برا تضربك، لو ضربتك اضربيها، ولا أقولك، قبل ما تضربك اضربيها، لأنها هتخلي بابا يضربك. ويرميكِ خالتو نهي هي اللي حلوة وبس، صبا دي وحشة، هتاخد بابا منك وهتخليه يضربك ويسيبك.
استمعت لها "مريم" برعب، تضم يدها إلى فمها وتحرك رأسها بالموافقة، جدتها دوماً كانت لطيفة معها، لكن تتحول تماماً عندما تتحدث عن صبا، وكأن صبا وحشاً شرساً، لذا كانت تقع في أفخاخها وتصدقها، وتعرف "مروة" كيف تستغل "مريم" لصالح ابنتها ضد صبا، وتجعل كافة ابنتها الرابحة، دون اهتمام بنفسية مريم تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة.
في مكان مظلم عفن، كان يتلو هذا الرجل القذر "أبو الفتوح" تمائم، وهو يمسك بيده السلسال الخاص بصبا، والأبخرة تتصاعد من حوله مع صوته البشع الذي يردد بكلام غير مفهوم وبصوت منخفض، لينفذ رغبة "بثينه" في الانتقام، ما يهمه هو المبلغ الذي حصل عليه منها، لا شيء آخر، لا حياة إنسان أو موته تؤثر به، هو يفعل لكن يدفع، لذا هو له من الله ما يستحق.
فعلياً بدأ بتنفيذ السحر، سحر الموت كما يسمي، لأن هدفه الأول يكون قتل الشخص المراد، وعليه سيحرك من معه لرصد صاحب القلادة والنيل منه. في مكتب فايز. جلس عماد بجوار والده، يتردد كثيراً في قول ما علم، كلما هم ليتحدث، قطع حديثه، مما جعل والده ينهره قائلاً: -جري إيه يا عماد، كل ما تفتح بقك تقفلوا تاني، أنا مش فاضي لالبخة دي وعندي شغل. ظل متردداً في إخباره، وعينه زائغة، لولا أنه سيعرف منه أو من غيره، ما كان أخبره،
إذدرء ريقه وتشجع ليقول: -عرفوا اللي حرق المخزن. اتسعت عينه متأهباً لسمع اسمه، لكن استمرار سكوت "عماد" بدأ يقلقه، فزعق بنفاذ صبر: -ما تقول يا ابني على طول. هتف مرغماً: -ر... رشدي أخو مها مرات أخويا حسين. تلونت ملامح فايز وبدا على وجهه الصدمة، غير مصدقاً هذا الاسم ولا سبب ودافع هذه الفعله، فسأله بدهشة: -ودا عمل كدا ليه؟ هذا السؤال ما سأله "عماد" لنفسه طوال الطريق ولم يجد إجابة مناسبة، تكهن سبب واحد فقط،
فقال وهو يمط شفاه: -يمكن عشان زيد ضربه. اعترض بشدة "فايز" وزعق غاضباً: -وهو كان مال زيد لوحده؟ رد وقد ارتبك من غضبه: -مااا يمكن، هو افتكر كدا. وضع يده أسفل ذقنه وسأل بدهاء: -طيب، اللي عرفوا مكان المخزن، كانوا يعرفوا إنه مش ماله؟ نهض من مكانه وهو يسترسل قائلاً: -الواد دا حد دله على المكان، في حد ساعده من هنا. سكت قليلاً وحذره مؤكداً: -ما تعرفش حد، ولا حتى أخوك حسين، لحد ما نعرف مين اللي دله. في القصر.
وصلوا معا من هذا المشوار الثقيل، لقد تحملت "صبا" فوق طاقتها بعدما اجتمع الكل لتدميرها وإحراجها، دخلت ونيسه أولاً ومعها مريم، وتبعتها "صبا" والتي شعرت بشيء ثقيل ارتيم على عليها، وبدأت تشعر بيد غليظة تمتد لعنقها لتخنقها، فشهقت عالياً لينقذها أحد، وجاهدت لالتقاط أنفاسها وتصارع لأجل الحياة. التفت لها ونيسه عندما سمعت صوت شهقاتها العالية، واند هشت من وجهها المحتقن ويدها التي تضعها على عنقها وعينها الجاحظة، فهتفت متعجبة:
-في إيه مالك؟ اتجهت صوبها عندما بدأت فعلياً بالانحناء والجلوس أرضاً، أمسكت بها وحاولت مساعدتها، فنادت بفزع: -إلحقوني، حد يلحقنا.
ماعاد لها القدرة للمقاومة، سقطت أرضاً، وآخر ما أرادته قبل أن تستسلم لإغماض عيناها هو الهواء، نفس أخير تمنته بالقرب من زيد. أغمضت عينها الدامعة وهي تسمع صوت صراخ "ونيسه" المكلوم، وأغلقت صفحتها معتقده أنها ستذهب إلى والدتها الشريرة الخطرة التي يكرها الجميع وتحبها ابنتها، والتي ورثت منها القوة والجموح والذكاء والخطورة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!