الثانية والثلاثون نجحت بسهولة في استقطابه وأنسته الخطأ منها، وحولت الدفة إلى اتجاهها. امرأة في هذا السن بهذه القدرة يهابها الجميع، لأنها امرأة خطرة. نزلت يدها بيده، ومريم ثالثتهما تناظر بابتسامة "ونيسة" الجالسة على طاولة الإفطار وعينها تقدح بالشرار. تقدمت دون أن تتأهب لشيء مهما كان. زيد قريب منها، فهي مالكة قلبه وعقله. ألقت التحية على جدها بابتسامة مرحة: -صباح الخير يا جدو.
وضعت قبلة على وجنته، وما كان ليفعله أحد، لكنها استعملت حظها في أنها الحفيدة الوحيدة والبنت الأقرب في القصر له. ابتسم لها "فايز" ورحب بها قائلاً: -أهلاً وسهلا، مش هتقعدوا تفطروا معانا؟ أزاحت الكرسي وهي تهتف بحماس: -طبعًا هقعد، الأكل شكله يفتح النفس. ألقى "زيد" على جده هو الآخر الصباح، وتمعن فايز بوجهه محذراً كيف حاله: -صباح الخير يا جدي. تحدثت "ونيسة" بضجر: -سبحان الله وكأنك واقفة من الصبح تعمليه.
نظرت لها "صبا" وتركت ما بيدها ولوت فمها بامتعاض، لتستانف "ونيسة" الحديث بعداء: -أنا مش شغالة عندكم، اللي نفسه مفتوحة أوي يبقى يصحى يفرد ضهره ويعمل الأكل. أجابته "صبا" دون حرج أو اكتراث: -ما بعرفش. الجو سرعان ما اعتم والوضع أصبح حرج، خاصة عندما التفتت "ونيسة" لـ "زيد" وأقحمته في الأمر متسائلة: -عاجبك مراتك يا زيد؟ كان لا يزال واقفاً بين جده وصبا. ربت على كتف صبا بحنو وابتسم لأمه ليقول بهدوء:
-بكرة تتعلم يا أمي، ما حدش بيتعلم في يوم وليلة. ابتسمت له صبا بسعادة لمدافعته عنها، لكن هذا لم يرضِ ونيسة التي اشتعلت هادرة بزنق: -تتعلم إزاي وهي نازلة من فوق الظهر؟ كانت جات وقفت معايا. عاد "زيد" للضيق من هذه المهاترات وسألها بملل: -هي فين نجلاء عشان أسيب لها مريم وأتوكل على الله على شغلي أنا؟ أجابته "ونيسة" بتحدي: -مشيتها، تبقى الست مراتك تاخد بالها من البت على ما تيجي خالتها، ولا إحنا مجوزنهالك عشان سواد عيونها؟
غضب زيد من تصرف والدته حيال نجلاء دون مراجعته. لكن ردت صبا ببرود: -أنا عنيا بني يا طنط. زمجرت وهي تتمتم بخفوت: -طنط أما تنطتك. لم يهتم "زيد" بما قالته وصاح بغضب: -إزاي يعني تمشيها من غير ما تقوليلي؟ لم تهتم "ونيسة" بغضبه وصياحه وأجابته محتده: -أنت من أمتى بتدخل في شئون البيت؟ ضم حاجبيه وهتف مستنكراً: -دي شئون بنتي.
لازالت "ونيسة" محتده من مناقشته لها ومن عدم اهتمام صبا وفايز بالحوار وتناول الإفطار معاً متجاهلين الحرب الدائرة بينهم. صرت على أسنانها وقصفته قائلة: -والتيسة اللي أنت متجوزها دي هتعمل إيه؟ شهقت "صبا" فور ما استمعت إلى سبها، لكن ونيسة استرسلت دون اهتمام: -لا هي نافعة في مطبخ ولا هتعرف تخلي بالها من بنتك. اومال متجوزة ليه؟ بلاش فقع مرارة.
أغمض عينيه بضيق. لقد استفزته والدته أكثر من اللازم كما لم تفعل من قبل، والاستفزاز يولد العند وهو في العند أستاذ. أجاب دون اكتراث: -متجوزها عشان أنا عايز كدا. هذا الرد تحديداً جعل صبا ترفع يدها وكأنما سجلت هدفاً. سعادتها برد كرامتها جعلتها تنسى من حولها وتردد بحماس: -الله عليك يا زيزوا. نظر لها جدها محذراً، ونظرة "ونيسة" كادت تقتلعها. نهضت من مكانها وهي تهدر بعصبية:
-الله يجيرنا من سحرك يا بنت بشري، خلاص ركبت ودلدلت رجليها. مشيت من أمامهم ولا يزال صوتها الغاضب المبحوح يبتعد بتمتمات غاضبة: -ياساتر، هو الغلب اتكتب عليا في أول الزمان وآخره؟ يارب ارحمني بقى، أنا تعبت.
اختفت "ونيسة" وخلفت من ورائها صمتاً مخيفاً مع نظرات فايز تجاه زيد وصبا. الذي قرر تجاهل هذه المشاحنة تماماً ونهض بعدما أرسل إشارات محذرة لكليهما. أحرج "زيد" بصمته أخيراً، تركهم وغادر بعدما أوصل رسالة حادة ومحذرة لزيد من مسايرة صبا ومجاهرته بعشقها الذي سيورطه ويسقطه كما يتوقع. مشي جده وبقيت "صبا" وابتسامتها لا تغادر وجهها دون أدنى اهتمام بغضب "ونيسة" أو نظرات "فايز" اللائمة. هبت واقفة عندما خلا المكان لكليهما
وصاحت بسعادة وانبهار: -إيه الحلاوة دي يا زيزوا؟ أنا طرت من الفرحة، كلمتين كمان من دول وهمشي على السقف. رغماً عنه أضحكته وأزالت همه. ضحك كثيراً حتى أدمعت عيناه، وما إن انتهى حتى أمسك بطرف ذقنها هاتفا: -اقعدي عاقلة وبلاش مشاكل. رفعت أحد كتفيها وردت بغرور: -أنا للهدوء عنوان، أوعي تقلق، كل حاجة هتبقى تمام وما حدش هيعكر مزاجي. نظر لها بتعمق وضم شفتيه ثم هتف يائساً: -والله أنا قلبي مش مرتاح. طمأنته وهي تحاوط
عنقه بيديها متحدثة بسعادة: -يا باشا، اطمن، طول ما إنت في ضهري وناصفني كدا أنا هبقى في حتة تانية خالص. نظر بعمق لعينيها وهتف والقلق فعلاً بدأ يساوره: -مش مرتاحلك. ابتسمت واتسعت عيناها وهي تقول متصنعة بشر: -هسحر كل اللي في البيت وأخفيهم، وأعلن عليك الحب. ابتسم هو الآخر وجاراها قائلاً: -وتخليني أحبك أكتر من كده. ادعى الخوف واستصنع هذا مضيفاً بتمثيل: -يااا لطيف منك، دا إنتِ ساحرة بصحيح.
قهقهت عالياً ولم تستطع التوقف، وضحك معها صوتهم الرنان جلجل في أركان القصر. الحب الذي خلق بينهم جعل لهذا القصر الكئيب صوتاً وألواناً وبهجة. وقفت "صبا" في المطبخ بجوار "ونيسة" المتعصبة دون داعٍ، وأجلست "مريم" في أحد الزوايا على كرسي قريب وأعطتها مجلة مصورة لمشاهدة الصور. بجوار "ونيسة" التي تأففت بصوت عال وزمجرت زاعقة: -أنتي زاحماني كدا ليه؟ المطبخ واسع.
مطت جانب فمها ثم ابتعدت قليلاً، لكن ونيسة لم تكن تطيق تنفس نفس الهواء الذي تتنفسه، لذا عادت تزمجر بانفعال: -ابعدي كمان، واقفة فوق راسي كدا ليه؟ هتفت "صبا" بانزعاج من عدم تقبلها على أي وضع: -اومال عايزاني أتعلم إزاي يا طنط؟ دفعت ما بيدها وزعقت محتده وهي ترميها بنظرات حادة: -طنط أما اتنطتك، قوليلى يا نينة. رفعت جانب شفاها باستنكار وكررت بسخط: -نينة! أنا ما أعرفش أقول كدا.
رغم رفضها الداخلي لقول هذا، لكن رغبتها القوية في استفزازها هو ما دفعها للهتاف: -أقولك يا ماما؟ المستفزة القاصفة أخرجتها عن طورها وانتفضت كأن قرصها عقرب وصاحت: -إوعي تقولي الكلمة دي، إنتِ بالذات ما تقوليش الكلمة دي، أنا لا عمري هكون أمك ولا أمك تبقي زيي، مفهوم؟
كانت تتوقع منها هذا، لكن لما عيناها تريد البكاء وقلبها يفتك الألم به، يجب عليها الاعتذار لنفسها من هذا، لكن لابد أن تقف صامدة أمام من جرحها. فاستجمعت قواها وهي تسأله مجدداً: -أنا ما بعرفش أقول نينة، وانتي مش عايزاني أقول ماما، هات لي بقى حل وسط، تحبي أقولك يا "ونوس"؟ ضيقت عيناها وردت ناهية: -بطلي قلة حيا. قلبت عينيها بملل وزفرت أنفاسها لتستعيد برودها الذي بدأت تشعله بجحيمها:
-خلاص، خلينا في الطبخ، علميني وإخلصي، لا أنادي عليكِ ولا تناديني. استدارت عنها وتمتنت بإذدراء: -الحلل حالها مايل زي الزمن، على آخر الزمن هعلم بنت بشري. وكأنما الماضي لدغها، فاستدارت سريعاً وهي تهتف بشر لصبا: -أنا مش هعلمك، أنا هسيبك لضرتك تعلمك، امشي من قدامي. نظرت لها صبا بتحدي وهتفت بإصرار: -وحياتك ما هيحصل، وزيد ما هيتجوز غيري، لو هصور قتيل، نهي بتاعتك دي ما هتخطى القصر.
ثقتها الكبيرة وهي تقول هذا أرعبتها وجعلتها تصدق هذا الوحش المتنكر في وجهه امرأة، والنيران المستعرة في عينها تنذر ببركان سيقذف حممه في أي لحظة. لم تجد قوة كافية لديها لردعها إلا بصفعة قوية هوت بها على وجنتها.
هنا وتحولت صبا لشئ آخر، ذهب قناع البرود والتحمل والاستفزاز، لتظهر طفلة هشة باكية ترتجف من لطمة. تقوى على تحملها اللطمة، أعادتها بالزمن للخلف وقت ما كانت تضرب ولا تستطيع الرد، لكن الآن هي كبيرة وقادرة على حماية نفسها كما عاهدت نفسها. كفت دموعها ورحت ترمي كل ما يقابلها بالأرض وأحدثت جلبة كبيرة جعلت "مريم" ترتعب وتصرخ بهلع مما تفعله صبا. استمرت بالتدمير كي تطفئ غضبها، لكن وإن هدمت القصر بأكمله فوق رأس ونيسة لن تبتلع هذه الإهانة ولن تطفي النيران المشتعلة منذ الأزل.
اتجهت ونيسة إلى مريم وضمتها إلى أحضانها لتهدأ، لكن مريم لا تهدأ. ما سمعته من جدتها عن صبا مخيف، وما تفعله صبا الآن مرعب بالنسبة لطفلة في هذا السن، وازداد الأمر سوءاً مما دفع "ونيسة" للصياح عليها: -كفايا، مريم خايفة، بطلي اللي بتعمليه دا. لم تكف صبا ولم تسمع لها. الضجيج الذي أحدثته جعل مها تأتي إليها وترى هذه الفوضى العارمة والمستمرة من قبل صبا، تساءلت دون استيعاب: -مالها دي؟ في إيه اللي بيحصل؟ أجابته ونيسة بدهشة:
-مش عارفة، انتوا جايبين المصيبة دي منين؟ خليكي شاهدة على اللي بتعملوه. "في مكتب الحاج فايز الخارجي" استدعى ابنه "حسين" ليحادثه في موضوع خاص بعيداً عن القصر بأريحية. جلس ابنه أمامه مندهشاً من أسئلة والده الملحة وغير المفهومة حول "رشدي"، وبرغم من ذلك كان "حسين" يجيب بسلاسة. سكت "فايز" قليلاً وكأن شيئاً يدور في عقله، ثم عاد يسأل من جديد: -يعني رشدي دا بيشتغل إيه؟ أجاب "حسين" دون تعقيد:
-عنده مكتب صغير للاستيراد والتصدير. رجع "فايز" للخلف وسأل من جديد: -شبعان يعني وشغلاته بتكسب؟ لا يزال والده غامضاً ولا يعرف كيف يفكر، لكن كان ملزماً بالإجابة حتى يتمكن من طرح سؤال بالنهاية. رد "حسين": -اللي أعرفه يا والدي إنه ما بيطلبش حاجة من حد ومستور. اكتفى فايز بهمهمة وكأنه يدرسه: -امم. هنا سأل بفضول لم يستطع مقاومته: -هو في حاجة يا حاج؟ رد سؤاله بسؤال واضاف تعجب من سؤال والده: -حاجة إيه يا ابني؟
أخفى حرجه من سؤاله بابتسامة ومزحة خفيفة ألقاها بتردد: -يعني حضرتك بتسأل عنه كتير وكأنك جايبله عروسة. رد فايز مستخفاً: -لأ، جايبله عريس. يظهر بعدك عن عيلتك نساك إن أبوك لما يسأل ما حدش يسأله ليه.
سكت "حسين" بحرج فعلاً. سنوات الغربة أنسته الكثير، لكنه لم يكن ذنبه. لقد أبعده والده بعد وفاة نادر لأجل زوجته ورحلهم بعيداً لأجل راحة ونيسة من خلافاتها مع بشري، ليخفف واقع زواجها من عماد ويكتفي بـ هم واحد على عاتقها. سأله "حسين" وهو يأبى النظر في عينيه: -وأنا يعني كنت مشيت بمزاجي؟ مش انت اللي وظفتني في الشركة دي مخصوص عشان أبقى بعيد عن الدار؟
كلما حاول "فايز" الهرب من الماضي يقفز من جديد أمامه. زفر أنفاسه وطال هذا وكأنه آخر نفس له بالحياة، نفس يجر خلفه ذكريات عتيقة ونهايته أنات متقطعة تبعها بالإجابة: -كان كفايا على ونيسة كدا موت جوزها وبعدين جوزها من عماد، مش من العدل أحط "بشري" كمان طول اليوم قدامها. مهما كانت بشري، ما حدش عارف يمسك عليها غلطة، بس كلنا كنا عارفين إنها بتغلط.
يعرف "حسين" السبب دون الداعي لذكره. ما يعز عليه تخلي والده عنه. حرك رأسه بإيماء قصير واسترجع عشقه لبشري الذي كان يمكنه أن يرمي نفسه بالنهر من أجلها. وإخلاصاً لهذا العشق لن يترك ذكرها تمر دون أن يدافع عنها كما اعتاد. وقال بإنفعال طفيف ومقلتيه تهتز: -كلهم كانوا بيغيروا منها، وخايفين أنا أكون مكان نادر، الله يرحمه. لا يزال الهدوء يسيطر على فايز. رمش بعينيه بحركة سريعة متزامنة مع قوله:
-عارف كل حاجة وعارف التهم اللي كانوا بيرموها عليها. عارف إيه فيها الصدق وإيه الكذب. انتفض بجسده ليستأنف حديثه: -بس دي داري سكنى، والمسكن اتسمى كدا من السكينة. والنار اللي كانت قايدة بين بشري وونيسة كانت لازم تنطفي. كفاية تعكير للجو. نادر مات، ولدي مات بسبب المشاكل والهم اللي مضيق صدر الكل. أسيب داري تولع ولا أفصل النار عن البنزين.
ازدراء "حسين" ريقه وهو يشعر بالظلم لإقصائه عن إخواته كالمنفي، لكن تحت مسمى خفي باسم "العمل". تحدث أسفاً: -أديني مشيت، لولا إن هي أيدت الفكرة، أنا عمري ما كنت هخرج. وكأن وميض الأمل برق في عينه وابتسم بسعادة وهو يقول: -وادي الدنيا الصغيرة رجعتني تاني، مها والكل بيحبها، بثينة أختي طول اليوم معاها على التليفون، وونيسة ما بتشتكيش منها، وبنتي مرات زيد يبقى يحق لي أرجع بقى.
رفع "فايز" يده لينهاه عن الحلم، فأحبط ابتسامته وأوقفه عن الحكي. لينوب عنه بالحديث: -ما تشبهش مها ببشري، دي حاجة ودي حاجة. وإذا كان على الرجعة، هترجع، بس مش دلوقتي، اصبر لما نشوف عتبة بيتك الجديدة ينفع تدخل بينا ولا لأ. استنكر قوله وسأله متعجباً: -تقصد إيه يا حاج؟ أجاب فايز وهو يرمي ببصره بعيداً: -هتعرف كل حاجة في وقتها. دخل الساعي للحاج وهو يهتف مقاطعاً إياهم: -في واحد بره اسمه جمعة المزين بيقول إن له معاد معاه.
رفع يده مشيراً بالسماح قائلاً: -الراجل دا اللي وقفني امبارح بالعربية، دخلوا نشوف حكاية إيه؟ "في المساء"
"محكمة" أقل ما يمكن وصفه. عقد فور وصول كلا من فايز وحسين وزيد للمنزل. انتظرتهم ونيسة في الساحة الداخلية ومريم تنام بين قدميها، والشاشة الكبيرة ترتل القرآن بصوت معقول، وإلى جوارها مها. غموض جلستها مع هدوء المكان وإضاءته القليلة جعل كلا من زيد وفايز وحسين يساورهم القلق. من جانب زيد لم يسأل لأن لديه شعور قوي أن ما سيعرفه سيخرب مزاجه ويشتته. وحسين كان ينظر لمها بتدقيق، لعله يحصل على جواب، لكن الأشجع بينهم كان "فايز"
والذي سأل دون خوف: -جرى إيه يا ونيسة؟ قاعدة كدا ليه؟ أجابت بهدوء رغم ذلك البركان الذي يفيض من داخلها: -أومال أعمل إيه؟ مريم مش راضية تطلع فوق، وكل ما تنام تصحى مفزوعة. هرول "زيد" باتجاه ابنته ليحرك يده على شعرها ويسأل باهتمام وفزع: -مالها؟ هي تعبانة؟ منحته والدته نظرة استخفاف ثم هتفت: -لأ، مش تعبانة، دي مرعوبة من اللي عملتوه مراتك فينا.
كان يعلم "زيد" أن هناك شيئاً سيئاً سيحدث بسبب صبا، لكن أن السوء الذي توقعه يحدث لمريم، هذا ما لم يتوقعه. لم يجرؤ على السؤال، الله وحده يعلم أنه لا يريد أن يسمع ما لا يسره. من جانب صبا، قلبه مليء لها بالحب، والشكوى من ابنته له ستعذبه وتضعه بين نارين. لكن غضب أمه لم يتوقف وأباحت بما يخشاه: -دخلت معايا المطبخ وغلطت فيا، ولما رديت عليها كسرت الأطباق وقلبت الدنيا. أشارت لمها وأضافت:
-أهي مها شاهدة، خديه يا مها يشوف المطبخ. الأمر كان صادماً لزيد، فايز، حسين. لكن "فايز" هو من قرر الانسحاب هادراً: -أنا طالع أنام. هنا هبت "ونيسة" من مكانها وتحركها المفاجئ جعل مريم تنتفض وتدخل في نوبة بكاء جديدة. فمال "زيد" ليختطفها بين أحضانه ومسح على جسدها مطمئناً إياها بالقول: -اهدى يا حبيبتي، بابا جنبك. العيب الذي كان يعوق ونيسة من التحرك أزاله زيد بحمل مريم، فراحت تقف وجهاً بوجه أمام فايز وتسأله بإندفاع:
-عايز تمشي بعد ما ورطتنا فيها؟ عايز تمشي؟ مش دي اللي جبرتنا عليها؟ دلوقتي نتحرق إحنا بنارها وإنت تطلع تنام. هجومها على فايز لم يكن يمر أبداً مرور الكرام، وخاصة أسلوبها الفظ الذي لم تلاحظه وهي توجه له أصابع اللوم والاتهام، مما جعله يزعق غاضباً: -إنتِ اتجننتي يا ونيسة؟ مش واعية إنتِ بتقولي إيه ولا لمين؟ تحركت من أمامه واتجهت في طريق المطبخ لتقف على أعتابه وهي تقول بإنفعال:
-إنتوا اللي عايزين تجننوني، تمشوا وتسيبوني معاها أنا؟ خلاص تعبت، ونيسة العيلة اللي كنتم بتضحكوا عليها بإنها مرات الكبير ولازم تبقى عاقلة ماتت، أنا خلاص ما عدتش مستحملة كدا تاني، أنا تعبت، افهموا بقى، أنا تعبت، مش هستحمل حتة عيلة زي دي تيجي تقلب حياتي، الموت أكرم لي.
رغم أنها تخطت حدودها بزمن، إلا أن فايز لم يقو على نهرها أمام هذا الانهيار والغضب المكبوت. على قدر انزعاجه من عدم تعلمه شئ طوال الأيام الخالية ومما تضع نفسها به وتغير مكانتها من مظلومة لمخطئة بسبب أسلوبها الفظ ويقينها أن لا أحد سيأخذ بحقها. لم ينهرها فايز ورمى نظرة جانبية ليلمح ما فعلته صبا بأواني ونيسة، وكم الدمار الذي ألحقته صبا بمطبخها أصبح ظاهراً للعيان، وهتف وهو يستدير عنهم: -عندك جوزها.
تركهم وغادر ليصعد الدرج متجهاً لغرفته. ذهبت "مها" لـ "ونيسة" وربتت على كتفها لعل ذلك يهدأ من نوبة غضبها التي فجرتها بالمكان وتحدثت وعيناها بعين زيد: -ما تزعليش يا ونيسة، هدي نفسك، ابنك هيجيب لك حقك قصاد عينك، دا حقاني أوي. كانت ترميه متعمداً مدحه لأنه سبق وحكم عليها بالاعتذار من صبا لأجل لطمة. أضافت وهي لا تزال تحدق بعينه مستغلة الموقف الذي وضع به: -صد بقى على مشاكل صبا. "بالأعلى"
تقابل "فايز" مع "صبا" التي تقف على أعتاب الغرفة وتسمع الحوار الدائر بالأسفل. وما إن رأته حتى استدارت عنه لتهرول نحو غرفتها، فقاطع فايز عليها هذا بصوته الغاضب: -استني عندك. تجمدت قدمها عندما سمعت مناداته واستدارت نحوه ببطء وأصابعها تضغط على أطراف أصابعها الأخرى بارتباك. اقترب منها وهتف بنبرة حادة رغم خفوتها: -لو زيد قطع راسك حلال فيكي تعملي كدا في أمه؟ ونيسة العاقلة الراسية تخرجيها عن شعورها بالمنظر دا.
ارتخت نظراتها الخائفة وهتفت بحزن طفولي وتوسل: -يا جدو، أنا ما عملتش حاجة، هي اللي مش طايقالي كلمة. و..... لم يرد سماع المزيد وقاطعها مشيراً بيده للتوقف: -بس، اسكتي، الست هتبقى ساكتة، إياكي تفتحي بقك، لو جوزك نده عليكي وقالك بوسى على رأسها، اسمعي الكلام. من غير ما تفتحي بقك، خلي الموضوع يهدأ وما تشعليهاش، نفذي وبس. نفضت رأسها برفض قاطع، كبرياؤها لن يسمح لها بالتنازل، لذا هدرت باعتراض:
-لااا، مش هعمل كدا، لو هيقتلوني، أنا أصلاً ما عملتش حاجة وهي اللي مدت إديها عليا، أنا هقول اللي حصل. نظر لها فايز نظرة غامضة ثم هم بتجاوزها وهو يردد بأسف: -يبقي عليكي رحمة ونور. مشي من أمامها فتبعته وهي توشك على البكاء: -يا جدو، والله حرام اللي بيحصل دا. على فجأة وقف بوجهها من جديد وشملها بنظرة سريعة وقال: -إوعك تكوني فاكرة إنك بشعرك اللي مسيباه وشوية البويا اللي على وشك وريحة الورد اللي حاطاها دي هتخلي زيد يسامحك.
أحرجها من كشفه لها وراحت تلملم شعرها. اخفضت بصرها عنه بخجل. عندها تغيرت نبرته وهو يهتف بحدة: -إنتي أذيتي أكتر حد بيحبه، مريم وأمه، كأنك أذيتيه هو بالظبط. ازدرقت ريقها وهي تستمع له وبدأ يساورها القلق مما قد يفعله زيد بها دون أن يسمع منها. -صــبـــا. هذا الصوت جعلها تنتفض، إنه صوت زيد. جدارها القوي الذي تستند عليه، لكن تبدو نبرته مخيفة وكأنه ينادي عدوه. اتسعت عيناها وهي تنظر لجدها وسألته بدهشة: -زيد بينادي؟
أومأت لها فايز. فلم تتوقع منه أن يحاسبها أمام الجميع، فكيف ستنجو من غضبه أمام الكل؟
كرر "زيد" ندائه فانتفضت برعب أكبر ليختفي جدها من أمامها ويتركها له وحده ليفترسها. كانت مجبرة على تلبية النداء والتحرك نحو الأسفل. ناظرته من بعيد ومقلتاها تهتز. كان يرى الخوف في عينيها والرجفة التي تسري بجسدها. دوناً عن الكل يشعر بأن هناك شيئاً غامضاً ويريد توضيحاً لخروجها هكذا عن السيطرة وفعل كل هذا. ثوان وكانت تقف أمامه وإلى جانبها مها وحسين وونيسة. استمر زيد بالنظر تجاهها. بينما تحدث "حسين" بإنفعال:
-إنتِ عايزة قطع رقبتك؟ إنتِ مش ناوية تعقلي أبداً. هم بالانقضاض عليها فهربت إلى زيد واختبأت خلف ظهره. وكأنه يعطيها الحماية والقوة التي جعلتها ترد دون أن تهاب: -إنت هتفضل طول عمرك كدا تجيب الذنب عندي؟ إنت حتى ما سألتش إيه اللي حصل؟ غضب والدها منها ومن الشكوى المتكررة منها أعماه، وعدم وصول يده لها زاده حدة وانفعال. رغماً عنه دفع زيد أكثر من مرة وهو يصيح بها: -إنتِ ما اتربتيش يا بت إنتِ.
عادت مريم للبكاء والارتجاف في أحضان والدها الذي تعيشه هذه الطفلة من عدم استقرار نفسي بات يدخلها في نوبات من البكاء المطول كما كانت عندما توفت والدتها. هذا صعب على "زيد" إسكاتها مما جعله يزداد عصبية ويزمجر في الكل بغضب عارم: -كــــفــــايــة. إــســكـــتــووا بـقــي.
صوته الغاضب أسكت الجميع إلا من أنات مريم وبكائها المتواصل. وبقي "زيد" يحاول إرضاء ابنته أولاً، هي ليس لها ذنب في هذه الحرب. جاء صوت "عماد" الذي دخل لتو من باب القصر بخطوات بطيئة وهو يتكهن ما الذي يحدث، ما سبب انزعاج زيد وصوته الصارخ الذي استمع له من قليل: -خير، متجمعين عند النبي إن شاء الله.
ارتعبت "صبا" من حضوره، تعرف أنه سيقف بجانب ونيسة كرهاً في زيد وسيلقي اللوم عليها ويشحن الكل ضدها. ازدرقت ريقها وتشبثت أكثر بكتف زيد الذي شعر برعبها من هذا الموقف، لذا قرر أن ينهي الأمر سريعاً ويأخذها من وسط المعركة بأقل خسائر. تجاهل سؤال عماد كغيره، فلم يرد عليه وتركه يستشف الأمر بنفسه. وسأل "والدته" باقتضاب: -قولي يا أمي اللي حصل.
كانت متلهفة الإجابة، وقبل أن تبدأ قاطعتها "صبا" خشية أن يحكم عليها قبل معرفة السبب منها. مالت برأسها للأمام وقالت: -أنا كمان اسألني، مش عشان هي أمك تسألها وأنا لأ. زجره بعينيه محذراً من مقاطعته مجدداً، ولم يكتفِ بهذا بل زعق متعصباً: -إسكتي. أحرجها وباتت لا تطيقه تماماً كالاطفال. عاد لهدوئه ليسأل أمه: -اتفضلي يا أمي. تحدثت "ونيسة" وبعينيها شماتة كبيرة لصبا لأن زيد حتماً سيقف بوجهها لأجل أمه:
-واقفين بنطبخ في أمان الله وبعلمها ليه؟ وليه أجيب سيرة نهي وأقول نهي بتعرف تطبخ واتعلمي منها؟ راحت قالبة المطبخ فوقيه تحتيه، ومريم تصرخ، أقولها كفاية عشان البنت، ما فيش فايدة، حرام عليكي كدا، ولا هي هنا. نظرت لمها وسألتها: -مش دا حصل؟ كانت "مها" تنتظر دورها حتى تضع البنزين على النار، فأجابت متصنعة البراءة: -حصل، إحنا الاتنين ما قدرناش عليها. هتف "عماد" فرحاً:
-الله، مرات الكبير بتكسر وتزعق وعاملة خناقة، دا أسعد يوم في حياتي. استمر "زيد" بتجاهله، رغم حرجه من تصرف "صبا" الأهوج. كان عليها أن تحسب حساب لوضعه في موقف مثل هذا، لقد أذته في أحب ما يملك، ابنته وأمه. لقد حذرها مراراً وتكراراً من المساس بهم. استدار بنصف جسده ليسأل "صبا" بحزن عميق وخذلان لم يتوقعه منها: -الكلام دا حصل يا صبا؟
نفضت رأسها لتزيح خصلاتها للخلف وهي ترفع ذقنها بلا خوف. تعرف أن الحكاية ناقصة وأن ليس هناك شاهداً على هذا ومن الصعب تكذيب كيان كبير كـ ونيسة، لكنها حاولت الثقة بنفسها وهتفت بلا تردد: -الكلام دا مقصوص يا زيد، قبل ما أقلب الدنيا، والدتك ضربتني بالقلم. نظر بعينها بعمق ليتها لم تقل هذا. لقد عقدت الأمر أكثر، كيف سيحاسب والدته على فعل كهذا؟ طالت نظراته وكأنه يرجوها أن تغير قولها. الموقف محرج وصعب للغاية، وعقدته "ونيسة"
بأن ردت: -أنا ما ضربتش حد، مع إن الضرب حلال في واحدة قليلة التربية زيك. -أمي، لاحظي إنك بتغلطي فيا أنا وبتهينيني، صبا مش أي واحدة، صبا مراتي، وإذا مش قادرة تحبيها، على الأقل احترميها. قاطعها زيد بغضب عارم. لم يسمح لأذنه أن تسمع كلمة مشينة على زوجته حتى وإن كانت على خطأ، فهو وحده المسموح له بعقابها وليس غيره. حتى الكلمة لن يقبل بها.
كان "حسين" واقفاً مكتوف الأيدي، تراه صبا بهذه الوضعية بعدما استمع إلى سب ونيسة ونعتها بقلة التربية في وجوده، وهي لا يزال لا يجد ما يقوله ليدافع عن ابنته ويستنكر هذه الكلمة، لكن كالمعتاد خذلها. نطق "زيد" أخيراً وأشار نحو والدته بعصبية: -هو في إيه؟ إنتِ تقولي حصل، وهي تقول ما حصلش. حلولي المشاكل اللي بينكم دي، والقرار النهائي هنجيب حد يساعد في شغل المطبخ وبلاها وقفة، إنتوا الاتنين جنب بعض. ضمت ونيسة
حاجبيها وسألت باستنكار: -وحق أمك يا زيد هتسيبوه كدا عشان..... قاطعها عماد ساخراً: -هه، حق مين يا ونيسة؟ دا شكله ما دبحش القطة أصلاً. زعق به "زيد" محتداً، بالأصل هو لا يطيق حضوره: -من فضلك ما تدخلش في اللي ما لكش فيه. ازداد عماد في العناد وصاح مستنكراً: -ما ليش فيه إزاي؟ دي مراتك غلطت في مراتي، دا بدل ما تضربها قلمين ولا تشد حيلك وتزعق لها تزعقلنا إحنا؟ هي دي الرجولة؟
كاد يخرج عن طوره ويفقد أعصابه لولا تدخل ونيسة، لأنها تعرف جيداً أن احتكاكه به عماد أكثر من هذا سيضر زيد. لذا قالت: -خلاص خلاص، أنا هشوف حد يساعدني. خد مراتك وبنتك واطلع يا زيد. التف إليها عماد والذي فهم أنها تفلت زيد من قبضته بعدما أوشك أن يطبق على عنقه، وتساءل بانزعاج: -بالسهولة دي؟ إنتِ ماعندكيش كرامة؟ لم يتحمل زيد هذه الإهانة التي وجهت لأمه وبسرعة كبيرة أعطى مريم لصبا وانطلق نحوه بصبر نافذ وأمسك
بتلابيبه ليجأر به كالوحش: -دا إنت اللي ما عندكش كرامة. حاول عماد تخليص يده والنيل منه، بينما أسرع حسين ليفض الاشتباك بقلق مما سيتبعه من كارثة، يصرخ: -جرى إيه يا زيد؟ سيب عمك، هتضرب عمك يا زيد؟ صاح "عماد" بإنفعال: -خليك شاهد يا حسين إن ما كنت أدفعه تمن تصرفاته دي دم ما أبقاش أنا.
أخيراً أفلته "زيد" وبسرعة كبيرة ضم ابنته لأحضانه وانطلق كالسهم للأعلى، حيث غرفته. إن بقي ثانية واحدة سيقطع رأسه بلا تردد. وركضت من خلفه صبا بعدما حلت الأنظار عليها. "بالأعلى"
دخلت صبا من خلفه، وجدته يتمدد على فراشه وإلى جواره "مريم" يضمها إلى أحضانه ويمسد براحة يده على كامل جسدها ويلوي آيات من القرآن الكريم بصوت خفيض. لم تكن عمياء حتى لا تلاحظ كم الحزن والأسى الذي يسكن عيناه. بدا أمام أنات مريم كطفل خائف وحزين. حالته كانت مزرية ويبدو عليه الإرهاق والألم. اقتربت منه بخطوات بطيئة وبحذر شديد، سألته: -في مكان ليا؟
هب سريعاً من مكانه ووقف بوجهها. تراجعت من مفاجأته وخشيت أن يثور عليها دون مقدمات، لكن وجهه كان متعباً وهتف بصوت منخفض رتيب: -إنتِ صاحبة المكان يا صبا.
عاينته بدقة، فهرب تماماً من وجهها وابتعد ليجلس بالكرسي المقابل لشرفته. بقيت الغرفة على نفس الظلام الذي اختاره ليطمئن على ابنته. عام الصمت بينهما حتى قررت صبا أن تتخذ خطوة تجاهه حتى تخفف عنه حزنه. استندت إلى حافة الكرسي من خلفه ثم مالت لتحاوط عنقه، وضعت يدها على قلبه فأجفل فوراً. هنا يركز كل الألم، هنا وجع سنوات لم يذق طعم الراحة منذ أن خلق. مالت عليه قائلة: -زيد حبيبي.
تمسك براسغها الذي ضم صدره المنهك ومسح عليه بلطف. ظل صامتاً حتى يشبع من هذه الضمة وتلك الضغطة التي تسكن ألم صدره بقدر كبير، ثم زفر قائلاً: -ارجوكي سبيني لوحدي دلوقتي. لم تقتنع بهذا الخيار بعدما قاسمها هو دون مراجعتها حزنها قبل فرحها، فما بينهما أعمق من أن تتركه في حزنه ولا تتحمل نوبات حزنه وهمه وحتى غضبه. تشبثت أكثر به ومالت على وجنته لتضع قبلة عميقة وهتفت بشقاوة:
-ما إنت لوحدك يا حبيبي، اعتبرني مش موجودة خالص. أقولك لو عايز تفضفض أنا مش هتكلم خالص، ولو عايز تسكت أنا مش هقولك اتكلم، حتى لو عايز تتعصب عليا أنا يا سيدي راضية، زعق ولا يهمك. ولاؤها الكامل له وإصرارها على التواجد معه على أي حالة أرضت نفسه كثيراً وقشع بعضاً من الهم الذي يرتكز على قلبه بقوة. فتنهد تنهيدة عميقة قبل أن يستدير بعنقه ويسأل بفضول: -لدرجادي عايزة يتزعقلك. اتسعت عينها بشك وتحدثت محذرة:
-لأ، ما إنت ما تزعقش جامد، حبة صغيرة وخلاص. رفع حاجبيه مستنكراً وسرعان ما انخفض وارتسمت ابتسامة ساخرة وظهرت نظرات اللوم والعتاب. التقطتها هي سريعاً فهتفت مدافعة: -والله يا زيد، ضربتني، أنا ما كنتش هعمل كدا غير بسبب. أنا موتي وسمي حد يقلل مني ويضربني، أنا بكره العنف أوي.
جذبها برفق لتصبح أمامه ثم أجلسها على ركبتيه لتصبح في مقابله. نظر قليلاً بعينيها، لا يستطيع أن يرى مسحة الحزن بهما. كذالك وضع كهذا ليس من المفروض أن تضعه به. فتحدث بجدية تامة وهو يمسح على رأسها وكأنه يخشى أن تحزن من صرامة ما يقول: -قولتلك قبل كدا لازم تتصرفي بشكل يليق بمكانتك وقيمتك مهما كان، وحقك هجبهولك من عين السبع، بس إوعك تحطيني في مواقف بايخة زي دي. أكد وشدد على جملته الأخيرة:
-على قد ما تقدري تجنبي المشاكل مع أمي، أمي بالذات يا صبا، مش هقدر أجيب لك حق منها. هتفت بتأثر من الحالة التي يعيشونها، لم ترضِ بتحمل امرأة كوالدته جافة قاسية وتكرهها: -زيد بس هي بتكرهني. أجاب بابتسامة متعبة: -بس أنا بحبك. لم تكترث بقوله الذي تعتقد أنه يلهي عقلها به وزمجرت بحزن: -مش هسمح تضربني. حاول الابتسام رغم مرارة ما يمر به: -هي كمان اتظلمت زيك. صاحت بتعند: -أنا مش هدفع تمن تصرفات غيري، ما تشيلنيش فوق طاقتي.
نفض رأسه بتعب وأرخى يده عنها ليقول بإنهاك: -إنتِ تقدري بس مش عايزة تحاولي. شعرت به ولاحظت كم هو متحير، ولم يغب عن ذهنها أنه كاد أن يقتل عمه الذي تجرأ على سبها أمامه. امسكت بوجنتيه بكلتا يديها وحدقت بعينه وهتفت بتركيز شديد وكأنها تحاول التأثير عليه: -هعمل اللي إنت عايزوا، بس ما تتجوزش نهي.
أحفل وظهر عليه الغضب وهو يدفع أنفاسه ونفض رأسه محاولاً الإفلات من يدها، تزيد الضغط عليه وتضيف لمشكلاته الحالية مشكلة أخرى يريد أن ينساها على الأقل مؤقتاً. حاولت إعادة وجهه لها لكنه كان يرفض النظر إليها. رغم أنها قريبة جداً منه إلا أنها بعيدة عن مرمى بصره تماماً. -قول يا زيد، مش هسمح لأي حد يشاركني فيك. هتف يأساً من محاولاتها: -لو عندك حل حليه إنتِ، أنا موافق.
ابتسمت وشعرت ببصيص أمل يتسلل بينهم أخيراً. استطاعت إعادة وجهه لها. وعندما رآها تضحك نسي كل شيء، وكأنها تأكل حزنه بضحكتها. رفع يده ليتلاعب بخصلاتها المتدلية واشتم رائحة عطرها التي خلقت ربيعاً في صدره وأنعشته. رغماً عنه مط شفتيه بابتسامة وقد حان دورها لتحسه قائلة بغنج: -قول إن ما حدش هيشاركني فيك، قولها من قلبها.
وقع تحت تأثيرها بالكامل، فإن قالت له يقول أكثر من ذلك سيقول، ولا يعرف السبب، وكأنها سحرته بسحر قوي لا يعرف مداه. هتف بهيام وهو يضمها إليه أكثر: -قلبي ملكك، عقلي ملكك، روحي ملكك، كللي ملكك، اسمي وعائلتي وراحتي وسعادتي وكل ما أملك ملكك إنتِ، وأنا إيه هكون من غيرك يا كل مـــــلـــــكــي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!