في الصباح تسللت صبا ركضا نحو غرفة زيد. لم تقصد زيد أبداً، كانت وجهتها الأساسية مريم. اشتاقت لها ولتسليتها معها. من فرط حماسها، دخلت الغرفة دون أن تطرق الباب، كادت أن تخلعه بدخولها المفاجئ. على زيد، كان الأمر أشبه بعملية اقتحام غاشمة. لم تدركه إلا وهي تنظر في عينيه الغاضبتين، وهو جالس على طرف فراشه أمامه وعاء يضمد به جراحه بنفسه. تطلع إليها بقسوة، وهو يسألها مستفسراً: "إزاي تدخلي عليا بالشكل دا؟
أزاحت طرف خصلتها المتدلي للخلف وأجابته بحرج متعلثمة: "أنا فكرتك نزلت وكنت عايزة مريم." ضيقت عينيها وهي تنظر حولها، ثم تحول حرجها إلى اتهام وسألت بجدية، وكأن لها الأحقية في دخول أي مكان دون إذن: "ثواني كده مش دي أوضة مريم لوحدها؟ اعتدل في جلسته ليوضح لها بضيق: "لأ، دي أوضتي." يهدأ فضولها وسألت من جديد: "اومال أوضة مريم فين؟ لم يعجبه استمرارها بالوقوف في وسط غرفته بهذا الشكل الذي أصرت عليه. أشاح
وجهه عنها وهو يجيب بضجر: "مالهاش أوضة. مريم مش بتخرج من أوضتي. ممكن تتفضلي." رغم حرجها منه، إلا أنها هتفت بإنصياع: "حاضر." لكنها تراجعت عن التنفيذ لتسائل من جديد بفضول: "اومال هي فين؟ زفر زيد بحنق، لا يريد إطالة الحديث معها دون سبب. ربما هي عادته، لكن معها هي تحديداً كان مبالغاً. "مع نجلاء بتفطر." كادت تطير نحو إشارته واستدارت قائلة: "أوك."
لم تصل قدمها إلى الباب حتى عادت إليه، مما أثار اندهاشه مستنكراً في نفسه تصرفاتها الغريبة وغير المبررة في بعض الأحيان. تابعها تتقدم نحوه ببطء وبتركيز شديد جعله يردد في نفسه بسخرية: "لأ، دي جايلالي أنا بقى! اقتربت منه لتدقق النظر في جروحه التي لازالت واضحة في جانب فمه وكذلك جبهته. لم تبالِ بنظراته المندهشة ولا بحجم المسافة التي أوشكت على الانعدام بينهم، وسألته مستفسرة: "بتوجعك؟
لم يجيبها، بل ظل يرمقها ببرود ودهشة من تصرفاتها الغريبة. جلست إلى جواره دون استشارته، ومدت يدها إلى قطعة القطن الموجودة إلى جواره على طبق صغير. غمستها بالمطهر وهمت بتطبيبه باهتمام بالغ. اقتربت من جبهته، لكنه تراجع يسألها بجدية بالغة: "إنتي مجنونة حضرتك؟ انتشلها من تعاطفها معه لسانه السليط. فضيقت عينيها وبادلته السؤال بمستفزة إياه: "إنت شايفني مجنونة؟
التف لينظر حوله ويلفت نظرها بشكل غير مباشر إلى موقعها، لكنها لم تفهم، فإضطر للشرح قائلاً باستهزاء: "الصراحة، تصرفاتك بتدل على حاجة من الاتنين: يا إما مجنونة، يا إما ما اتربتيش." وكزته في صدره بغلظة لتنهره بغضب عارم من وصفه لها: "تصدق بالله إنك جلف! وأنا غلطانة إنك صعبت عليا من أساسه." نهضت فوراً من جواره بعدما نجح في استفزازها، لكن هذا لم يهدأ غضبها تجاه. التفت لتسترسل وهي تصر على أسنانها وقد بدأ صوتها يرتفع رغماً
عنها: "أنا ما اتربتش يالووح انت! لوح تلج والله ما عندك دم وبارد! وهقول لجدو إن شاء الله تموت! اتسعت عيناه وهو يستقبل وابل كلماتها الصاعقة والتي بات من الصعب إخراسها. فهب من مجلسه سريعاً، لتتراجع تلقائياً وتزيد من تراجعها عندما وجدته يتجه صوبها. من جانبه، هو انطلق نحوها، عيناه كانت ترمقها بتحذير، لكنها لم تفهمه. غضبها كان كالغشاوة على عينيها. رفعت يدها لتحذره: "انت لو ما اتلمتش أنا...
فجأة قاطع كلماتها بأن أغلق الباب عليهما معاً. دب الرعب في أوصالها عندما تصادمت بعينيه الغاضبتين، ولاحظت تحذيراته المتوالية. لكن فات الأوان، هي الآن حبيسة فر غرفته وأسفل يده. في منزل إبراهيم شاكر كانت ليلة مظلمة عليهم. عندما قضوا معظمها بالمستشفى لتطبيب يد ياسر، لكن بالنهاية عادوا للمنزل ولم يغمض لأحد فيهم جفن بسبب ما سببه زيد من اضطراب شامل، والذي عبر عنه ياسر غاضباً: "برضوا دفعت عنه وما رضيتش تخليني أعمله محضر."
سحب إبراهيم ملابسه وكاد أن يشقها صائحاً بضيق: "أقطع هدومي! إحنا من ساعة ما رجعنا من المستشفى وأنت مش عايز تنيمنا واللي نعيده نزيده. نشتكي مين؟ زيد، إنت عارف لو رجله خطت المركز إحنا مش هيبقالنا خاطر عند جده." تدخلت نهى لتردع أخيها المغلول من ضربه وكسر يده: "وبعد ما تدخله يا ياسر، تفتكر جده هيجي يطلبني إزاي؟ التف إليها ياسر وصب ضيقه عليها: "إنتي غبية يا بت إنتي، البعيدة ما بتفهمش!
مش هيتجوزك دا ميل بختك وموت أختك خلاص." هبت من موضعها تزمجر بتخبط: "يا سيدي عارفة، بس عندي أمل. أنا تعبت من انتظاره، ما تجيش إنت في الآخر وتخربها خالص." تقرب إليها ياسر ورفع يده الملفوفة بالشاش الأبيض وقال بتعصب: "يعني حتى بعد ما ضربني وكسر إيدي عايزاه؟ أجابته بتحدي: "أيوا عايزاه، اومال هقعد هنا زي قرد قطع اللي قدامي واللي أصغر مني اتجوزه! التفت لتوضح وجهة نظرها للجميع:
"إنتوا كلكم عارفين إن بيت إبراهيم شاكر مرهون بإشارة من عيلة الواصل. ولو حد عايز يفلت من الإشارة دي، يبقى يقبل بأقل واحد في البلد. واحد أقل مننا، أنا خدت قراري، يا إما زيد يا إما لأ." تدخلت والدتها مروة لتثنيها عن قرارها بالزجر: "وأنا لسه هأدي بنات تاني لعزرائيل، اللي اسمه زيد، بعد ما خد غالية وردة مفتحة ورجعها في نعش." اندفع إبراهيم ليحذرها من جرأتها الزائدة في طلب الزواج ونهرها وهو يدفعها من يدها نحو أحد الزوايا:
"اتلمي يا بت واقفلي بقك دلوقتي وما أسمعش صوتك." تفاقم الغضب بداخلها لعدم شعور أحد بها ولا بتقدم عمرها الذي ربط باسم زيد للأبد.
دخلت إلى غرفتها ووقفت أمام المرآة تتطلع إلى وجهها الذي بدأ يظهر عليه علامات تقدم السن، وتلك اللمعة النضرة تختفي شيئاً فشئ. تخشى أن يضيع العمر هباءً دون أن تحمل بطفل، طفل يخصها وحدها. أي لعنة سقطت عليها ليقع حظها مع رجل يرفض الزواج بتاتاً. أي لعنة جعلت منزلهم لا يرتاده أي شخص ليتقدم لها أي شخص، حتى وإن كان ليس على وزن وهيبة زيد الواصل. ازدادت حزنها وأوشكت على البكاء، لكن قطعها في ذلك دخول ياسر أخيها إليها. ابتعدت عن المرآة وجلست في زاوية غرفتها تأبى النظر إلى وجهه. جلس هو على مقربة
منها وقال بعد صمت قصير: "يا عبيطة، أنا مش عايز غير راحتك. إنتي عارفة أنا بحبك قد إيه. إنتي وأختك غالية، الواد دا ما ينفعكيش." التفت له لتسأله وقد أوشكت على البكاء: "عندك حد تاني ينفع؟
زفر بقلة حيلة، فهو يعرف أنه لا مفر من زيد. لقد تقدمت أخته بالسن ولم تسمح لها الفرصة بتفضيل شخص عن شخص، ولم تعد في المقدمة الخيارات. لقد تغيرت المقاييس، وفي بلده كهذه لا يفضل بها الزواج من فتاة كبيرة في سنها سوى الأرامل والطاعنين في السن. تحدث مجبراً ليرضيها: "والله إنك أحلى منه واحلى بت في البلد كلها، والواد دا ما يستاهل ضفرك أصلاً." علم أنه لن ترضيها كلماته، فهم ليربت على كتفها ويجبر قلبها قائلاً:
"ما تزعليش، اهو أبوكي راح لجده وهيحل معاه. بيقول إن في حكاية تانية كمان هيقوله عليها، ويمكن دي اللي تجيب داغة." بدى عليها الاهتمام وهي تسأله: "حكاية إيه؟ أجابها مبتسماً وهو يعود لمقعده: "أخوه بلال كان ماشي امبارح في نص البلد ببت مش مظبوطة، والبلد كلها في سيرته." ضمت حاجبيه وتسألت: "بت مين دي؟ مط شفتيه وهو يجيبها بشك: "اظاهر كده، بنت عمه حسين." أردف بجدية أشعلت فيها الحماسة: "ابوكي بقى هيدق على الحديد وهو سخن."
في غرفة زيد ساد الصمت وهو يقف بوجهها ويده ممتدة بجوارها تستند للباب. لا تعرف كيف فرت شجاعتها، وما بقى لها إلا الخوف. النظر في عمق عينيه مخيف، وكأنها ضاعت وسط غابة حالكة الظلام. والتواجد معه بمكان واحد بهذا القرب مرعب. إذدرأت ريقها وهي تسأله مرتعبه: "في إيه؟
أشار بعينيه إلى ما ترتدي وشعرها الذي عقصته بعشوائية لتتدلى خصلاتها المتساقطة على عنقها وجبهتها. تعرف أنه ينزعج من كشف شعرها، وكذالك منامتها القطنية منتصف الكمين. لكن هذا ليس داعي للقتل الذي تخشاه من فرط غموضه الذي تراه. لم يطل صمته وأجاب ساخراً: "إنتِ قاعدة في أوضتي وعلى سريري وبتعلي صوتك كأنك بتقولي لكل البيت تعالوا شوفوا الفضيحة اللي احنا فيها." حاولت الهدوء وهي تسأله ببلاهة: "فضيحة؟ لي مش إنت ابن عمي؟
أجفل ليستدير عنها، ولأول مرة يكن هادئاً وهو يخبرها عن شيء هام كهذا: "بصي، إحنا اتربينا على إن كل خطوة بحساب وكل تصرف غلط عليه عقاب. إحنا شباب عيلة الواصل، الغلطة منا بقطع رقاب، مش معقول يعني هيبقى جدي ماسك البلد كلها ومش عارف يحكمنا." التف ليفتح الباب، ولكن سبقها ليأمن الطريق. لا يضمن من قد يمر من الخدم ليعلم بوجودها. هنا لا أحد يقدم حسن الظن، الجميع في انتظار الخطأ لتهويله. عاد ليشير لها بالخروج ويسترسل محذراً:
"أوعك بعد كدا تدخلي أوضة من غير ما تخبطي. سبق ونبهتك إن البيت كله شباب." زمت فمها بحرج وهمت لتوضح صدق نيتها حتى وإن كان آخر ما ستقول: "انت صعبت عليا عشان كنت متعور وما كانش قصدي حاجة. وبعدين كنت عايزة أقولك برافو عليك عشان اللي عملته عشان مريم، ومش ذنبي إن مافيش حد عرفني الأوض من بعضها." استدارت لتنطلق من أمامه دون انتظار رده بالأساس. كان لا يجد إجابة مناسبة لهذا الكلام.
وقف كما هو مكانه إلى أن اختفت، لا يبدي أي تعبير أو حتى تفاعل داخلي. اهتزاز هاتفه في جيب بنطاله ما جعله يتحرك. أخرجه ليطالع المتصل، فإذا دهشته جده فايز. رفع الهاتف على أذنه واستمع إلى صوته الجهوري يهتف بجده: "تعالى لي دلوقتي حالا." لم ينتظر فايز إجابته وأغلق الخط بينهما. ظلت عين زيد متعلقة بالهاتف لثوان يحاول اكتشاف سبب غضبه العارم. وظن أنه بسبب ما حدث أمس، لذا استعد لمواجهته التي لن تكون بالطبع سهلة.
في مكتب فايز الواصل احتد حديثه مع إبراهيم حتى وصل معه إلى هذه النقطة: "إنت كل ما هتشوفني هتحكي في نفس الموضوع. قولتلك كلمته." احتد إبراهيم هو الآخر وبدأ يرد عليه بغير رضا على دمار أسرته: "اومال أكلمك في إيه يا حاج؟ مش إنت الكبير؟ حل لي المشكلة دي. ابن ابنك ضرب ابني، وموقف حال بنتي، والبلد كلها بتكلم على أخوه اللي ماشي مع بت شمال. لا إنتوا راضيين تتمموا الجوازة من بنتي ولا راضيين تدونا مريم."
زعق فايز بحدة من اتهامه أحد أحفاده بالفسق أمامه وجهاً لوجه: "خلي بالك من كلامك يا إبراهيم. إنت بتكلم على شباب عيلة الواصل، مافيش حد فيهم بيغلط." دس إبراهيم يده في جيبه ليخرج هاتفه ويفتحه على صورة معينة ويسأله وهو يريها إياها: "اومال دي تبقى مين؟ ضيق فايز عينيه عندما رأى صبا بيد بلال بمظهر غير لائق، كما رأى تعمد بلال في إيضاح أنها صديقته وليست ابنة عمه. أجاب من أسفل أسنانه ليخفي غضبه وحرجه من الأمر: "دي بت عمه حسين."
أعاد إبراهيم الهاتف إلى جيبه وتشدق ساخراً: "آه، يبقى الحكاية صحيح. ولما هي ماشية كده في الشارع، في البيت بتلبس إيه؟ وثب فايز من جلسته لينهره بصوته الغليظ: "إوعى تنسى إني أنا الكبير." نهض الآخر من مجلسه ليقول بتعند: "والكبير ما بقعدتش بنات الناس تحت أمره، وما يرضوش إن ابن ابنه يضرب الناس في بيوتهم، وبت ابنه تمشي في شوارع البلد المحافظة بالشكل دا. إن كان كده نشوف كبير تاني يخلص ما بينا."
خرج ولم يلتفت له، لم يكن يتجرأ إلا بعدما رأى أولاده جميعاً في خطر بسبب عائلة الواصل. بالأسفل اتجهت صبا إلى الأسفل تطوي الدرج بنشاط لتذهب للونيس الوحيد الذي تألفه في هذا المنزل. وعندما لمحت طيفها بركض في طرف الساحة، ركضت بسرعة أكبر. وفور وصولها مالت بجزعها لتسند على ركبتيها قائلة: "مريم، صباح الخير... ها، قول لي بقى وحشتك ولا لاء؟
بالطبع لم تجيبها، لكنها أبدت همهمات غريبة وهي تشير نحو صدرها وتعلقت بقلادتها المتدلية الرقيقة تماماً كرقة مريم. شخصية كرتونية صغيرة الحجم لها أجنحة "تنكر بيل" أو "تنه" كما هي معروفة. تميل للأمام لتبرز أجنحتها الذهبية وسط دائرة. هذه السلسلة الرقيقة كانت تشبه صبا بتركيبتها المعقدة. تجاهلت تعلقها بها وسحبتها من يدها لتجذب انتباهها: "ها، ردي الأول قولي وحشتك ولا لاء، وبعدين ممكن أفكر أديهالك."
عبست الطفلة من تصرفها وأصدرت زمجرة صحبتها بالبكاء. على الفور، تدخلت نجلاء لتهدئها قبل أن تستمر في نوباتها المستمرة والتي من الصعب إيقافها. حملتها بين ذراعيها وهي تلوم على صبا: "يادي النيلة! هو كان لازم تصرّي تتكلمي؟ ما أنا قايلالك إنها ما بتكلمش. إنتي تحمدي ربنا إنها بترضى تتعامل معاكي أصلاً. دي ما بتروحش لحد بالسهل." أردفت متذمرة وهي تلتفت لمريم بتوتر: "أسكتها إزاي دي بس يارب؟ بدأت تهتز بها وتربت على ظهرها لتمد صبا
يدها لها وتهتف بانزعاج: "هاتيها وأنا هسكتها. أصلاً اللي بتعملوه دا غلط، لازم حد يخليها تتكلم." جذبتها عنوة من أحضانها لتحادثها بمرح وتحاول تشتيت ذهنها عن البكاء مشيرة نحو السماء: "بصي الغيمة دي هتمطر دي ولا إيه؟ تجاوبت معها مريم ونجحت حيلتها بصرف نظرها عن البكاء. نظرت للأعلى صوب إشارتها، واسترسلت صبا بالشرح: "الله، في عصافير كمان. طالما العصافير بتطير يبقى مش هتمطر."
عين زيد الثاقبة كانت تتابع الحدث من بدايته أثناء هبوطه من الدرج. في البداية كان ينوي زجرها على بكاء طفلته، لكنه ما إن تريث ورأى تصرفها الحكيم تراجع تماماً عن هذه الفكرة. يبدو أنها تجد تسليتها معها دون عبث. تباطأت خطواته وهو يمر من جوارهم، فتهللت طفلته بسعادة لرؤيته. ابتسم لها ومسح على رأسها مداعباً شعرها الأسود المموج: "هتوحشيني."
لم ينظر إلى صبا التي تحملها وتجاهلها تماماً كما لو لم تكن موجودة، رغم أنها حدقت به لعمق حتى تفهم صدى تبريراتها له، لكنها أبداً لم تفهمه. رحل فجأة كما أتى فجأة، وأصدر تنبيهاً لنجلاء بحزم: "خلي بالك على مريم، عينك ما تغبش عنها." وأجابته الأخرى بخنوع وابتسامة: "حاضر يا سعادة البيه، في عنيا." عادت مريم للامساك بقلادة صبا، يبدو أنها أعجبت بها. فابتسمت لها صبا وهتفت مرحبة: "تعالى أفرجك على الفيلم، هيعجبك أكتر."
أشارت لنجلاء بعنقها وهي تضم مريم بين أحضانها: "أنا هاخد مريم ونطلع أوضتي نتفرج على فيلم، وروحي اعملي لنا فيشار." لم تترك لنجلاء الخيار وركضت بها للأعلى واستمرت بملاعبة مريم، لكنها كانت منشغلة تماماً بالقلادة وتقلبها بين أطراف أصابعها الصغيرة بإندماج.
وصلت صبا إلى غرفتها ووضعت مريم على الفراش وفتحت أحد حقائبها لتخرج جهاز لوحي متوسط الحجم وبدأت بالبحث سريعاً عن الفيلم الكرتوني "تنه ورنه". وضعته بزاوية مناسبة وجلست إلى جوارها تتضمها إلى أحضانها وتتابع معها تتر البداية الذي جذب على الفور أعين مريم وأشعل بداخلها الحماس الذي لن يقل عن ما بدر من صبا نفسها، لينغمس الاثنان في المشاهدة والابتسامة الشاردة على وجهيهما. بعد مدة قصيرة
ودخلت نجلاء عليهما تحمل بيدها أطباق الذرة المحمصة. توقفت لتشاهد سكون مريم بدهشة، لم ترها من قبل بهذه السكينة مع غرباء ولم تعتد على مطالعة الهواتف أو حتى مشاهدة التلفاز. ما زاد من دهشتها هذه الكبيرة صبا، كيف لها هذا التحول الرهيب إلى طفلة في نفس عمر مريم تقريباً. لم تنتبه صبا أصلاً لوجودها، فهتفت متعجبة: "والله اللي يشوفكم وانتوا بتتفرجوا وسرحانين كده يقول عليكم قد بعض." هبت صبا من مكانها بحماس حتى التفتت مريم وانجذبت
معها عندما هللت بسعادة: "الفشار وصل! قدمته ليها وبدأت بتناوله معها. عادت للمشاهدة والتدقيق، لكن ضحكات نجلاء ارتفعت على هذه الطفولة المتأخرة. في مكتب فايز صوته كان منفعلًا وهو يحادث زيد كأنه المسؤول عن الفعل، يقول باهتياج: "أنا شفت صورته، كان قاصد يستعرض بيها. أخوك قصر رقبتي انهارده، خلى البلد كلها تعايرني بيه وإبراهيم شاكر يصغرني، وعايز يدخل حد ما بينا، حد يحكم عليا. أنا وانت كنت عارف ومداري عليه."
لم يعرف زيد بما يواسيه. يعرف أنه يحمل نصف الذنب كاملاً من هذه المشكلة، لأنه من سمح له بالعودة له معها دون القلق من تهوره وجنونه. فاجأه جده باتهامه هو الآخر وبانفعال شديد زجره: "وانت كمان رايح تضرب ابنه في بيته؟ انتوا خلاص فلتوا يا ولاد الواصل، ما بقاش ليكم كبير. هو للدرجة دي أنا ما بقتش مالي عينكم؟ رغم يقين زيد أنه لم يخطئ في شيء، لكنه هتف مهدئاً: "حاش لله يا جدي." ثم استأنف حديثه ليوضح:
"بس أنا ما بدأتش خناق معاه، هو اللي... قاطعه جده بعنف: "سيبك من الكلام الفاضي دا دلوقتي. شف لي أخوك فين وخليه يجي على البيت، عايز أروح بالليل ألاقيه هناك، وانت كمان ليك عندي حساب ويتعدلوا، يا أتبرى منكم." لم يتمهل جده، خرج تماماً من مكتبه متجهاً صوب سيارته ليأمر السائق بالانطلاق.
يعرف زيد أنه لن يذهب للمنزل الآن. هو ذهب ليستقصي جيداً حتى يعطيه الجزاء المناسب. لا أحد يتكهن ماذا سوف يفعل وهو في ذروة غضبه، لكن بالتاكيد سيحدث شيء سيئ. لن يقوى عليه أحد. في القصر انتهت صبا ومريم من مشاهدة الفيلم الكرتوني وعادت صبا لتشاكس مريم التي كانت مبهورة من خوض هذه التجربة. انطلقت نحو غرفتها لتستغل كمية ألعابها في اللهو معها، ونجلاء تنتقل معهم دون مشاركة. لوحت لها صبا بالهاتف وهي تقول: "ايه رأيك نتصور سوا؟
وجهت الهاتف لكيهما وفتحت الكاميرا وتابعت ابتسامة مريم وقامت بضغط زر الالتقاط. واستمرت بتغيير تعبيرات وجهها ودفعت مريم لتقليدها: "بصي، اعملي كدا." مدت شفتيها كي تقبلها واستمرت بتغيير وضعيات مجنونة لإضحاكها. عادت الصغيرة تعلق عينها بالقلادة وقد زاد إعجابها بها بعد مشاهدة الفيلم الذي يخصها. أشارت نحو القلادة في الكاميرا لتهتم صبا بهذه الإشارة وهي تسأل: "ايه، عايزة إيه؟
تؤمئ لها مريم بحماس معتقدة أنها ستحصل عليها. فضمت صبا حاجبيها متصنعة عدم الفهم وكررت بحزن طفولي استصنعته لتنال عطفها: "مش فاهمة، نفسي تقولي عايزة إيه؟ أشارت نحو عينها وقالت: "دي اسمها عيني، ودا بق، ودي مناخير، ودي رقبة، ودي سلسلة." تحفزت مريم عندما امسكتها، لكن سرعان ما تملكها الإحباط وهي تسألها من جديد: "عايزة إي فيهم؟ كررت صبا مع الإشارات لتختبر مدى إدراكها للأمور، ثم عادت تشير نحو نفسها:
"أنا صبا، إنتي عايزة صبا ولا عين صبا ولا بق صبا ولا السلسلة؟ أشارت الطفلة نحو القلادة من جديد لتنطق بحروف متعلثمة غير مفهومة: "سا... سا... اعتدلت نجلاء فوراً في جلستها غير مصدقة أنها نطقت أولى كلماتها بعد "بابا". قالت بانبهار: "ايه دا؟ اتكلمت؟ معقول يا ابله؟ شعرت صبا بالفرح والإنجاز لما وصلت له. كانت تعلم أن الصغيرة ليس بها مشكلة عضوية، بل أمر نفسي سيذهب مع الوقت ومع استمرارية المخاطبة، وخاصة مع ثرثارة مثلها.
أمسكت صبا بقفل قلادتها لتفتحه وهي تقول لمريم بفرح: "إنتي عايزة السلسلة؟ خديها يا قلبي، السلسلة هتبقى جميلة عليكي." بالفعل استشعرت سعادة مريم وعينيها غير المصدقة أنها ستحصل على العروسة المعلقة بالقلادة. وضعتها حول عنقها الصغير لتصل إلى منتصف صدرها وتقفز فرحاً وتدور سعادة بحصولها عليها وضحكات صبا تجلجل معها في أرجاء الغرفة.
بالنسبة لصبا، كانت مريم طوق النجاة في هذه الدومة الكبيرة التي تعيش بها، تطمس بها على طفولة معذبة وحاضر مؤلم تماماً كمسكن قوي لكل ما تفكر به وكل ما لا ترغبه.
أخيراً وبعد مدة طويلة من اللعب أصاب مريم الإرهاق، فأسندت رأسها إلى قدم صبا المرتكزة أرضاً وسكنت تماماً حتى غفت في النوم. تركتها وتطلعت إليها بابتسامة، لم تحرك ساكناً ولم تبعد نظرها عنها. كانت تعاملها كما كانت تتمنى أن تُعامل، تحبها كما كانت تتمنى أن تُحب. تنظر إليها أنها هي نفسها تعاملها وكأنها الطفلة صبا، وتتمنى لها أن لا تعيش ما عاشته ولا تذوق ما تذوقته.
هناك أشخاص عاشوا أوقاتاً صعبة فقرروا إذاق غيرهم ما أذاقوه، وأشخاص آخرون تعرضوا للقسوة فباتوا يشعرون بغيرهم ولا يريدون أن يتألم أحد مثلما تألموا، فتجدهم يمدون يد العون للمحتاج والمسكين وكل من يمر بنفس معاناته، تماماً كما قيل: الناس معادن، والخطأ ليس بالظروف بل النفوس، فالبشر ليسوا أنماطاً واحدة. نهضت نجلاء لتلقطها وهي تتهامس مع صبا: "أنا هينمها على السرير وأغطيها. كفاية عليكي كده، بقالك مدة قاعدة بيها."
استجابت صبا وتركتها ترفعها عن الأرض لتضعها بفراشها وتغادر هي الأخرى نحو غرفتها، تمتلي بالسعادة والرضا لإحراز نتائج متقدمة بعلاقتها بمريم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!