"فى وسط القصر" ناد "فايز" بصوت جهور غاضب يرج أرجاء المنزل: ـ فين الكلب اللى اسمه بلال يا بـــــــــــــــلال ندائه الغاضب لم يخرج فقط "بلال" مذعور بل جلب معه كل من بالبيت بهلع، وكذالك خرجت "صبا" من غرفتها لتقف أمام الدرج المطل على ساحة المنزل. هرول "بلال" وهو يرتعش من نداء جده له ليمثل امامه مجيبا فى خنوع: _نعم يا جدى هجم عليه جده وامسك جانب كتفه بعنف ضارى صارخا فيه:
_بقى تاخد بنت عمك وسط البلد وتفرج الناس عليها يا واطى، انت طالع خسيس وندل كدا لمين؟ تحرك قلب "صبا" من مكانه وثباته المزيف الذى ادعته، وهى تشاهد الحدث من أعلى جعلها تترجع فور ما رأت كيف لجدها الهادى أن يتحول لذئب شرس. لكن تلك العائلة لن تكف عن مفاجأتها، ونسل الذئاب شئ متأصل بها والتناقض أمر عادى. رأت كيف لشاب ناضج يتحول إلى فأر مذعور داخل مصيده من مجرد الإمساك بقميصه وتعنيفه. وتساءلت: ما الذى يخيفه؟
وما الداعى لكل هذه الفوضى؟ لقد كان أمرًا عاديًا، لكن هنا حتى العادي ليس عاديًا. بلاسفل تدخلت "ونيسه" والحقيقة أنها كانت الأشجع بين الجميع للتدخل في وسط تعصب الجد الهرم، وإن كان صوتها مهزوزًا يتمتم بمدافعة واهية لتخلص ابنها من بطشه: _الغلط عند اللى مشت على كيفها مش عند... لاحظت "صبا" كيف ابتلعت حديثها عندما دحجها بنظرة قاتلة، وعلى أثر ذلك اختفت الشجاعة وحل محلها الصمت والترقب والرضوخ.
الوضع يبدو كارثيًا، و"فايز" لم يكن ينوي التساهل مع أي طرف. من الباب الرئيسي دخل "زيد" بخطواته الهادئة وتعبيراته وجهه كما هي، لم يكن مذعورًا أو حتى متأثرًا كعادته، وكأن مشاعره ماتت دفعة واحدة في ظروف غامضة. وقف خلف "جده" لا ينوي حتى إثنائه عن ما يفعل، أو محتمل أنه لا يقدر مثل غيره، إن كان والد بلال بنفسه يقف بالزاوية صامتًا. عاد صوت جده يرج الأرجاء: _أنا ما عنديش رجالة بتغلط، فاهم يا ابن الواصل؟
الكلام دا قولته للرجالة اللى المفروض إنك منهم. لم يكن لـ"بلال" أي قوة أو نية حتى لمخالفته والدفاع عن نفسه، يبدو أنهم معًا مقرين بخطئه. أقر وهو يحاول التماسك: _أول وآخر مرة يا جدى. تدخلت عمته "بثينة" بخبث تنظر لأعلى بالتحديد لموضع صبا: _والله يا أبويا الموضوع مش مستاهل، أكيد بلال ما يقصدش، مش هنحط الذنب كله عنده.
شعرت "صبا" بغرابة، وأن كل الغضب المنطلق من جدها يعاد توجيهه نحوها هي. لكن ما أقسى ما يفعله لها جدها قد يجعلهم جميعًا متشوقين لوضعها به. اسمها الذي تردد صداه بغضب جعلها تنتفض من مكانها وتفيق من شرودها المؤقت حين زمجر "فايز" بشراسة: _صبا تعالى هنا.
كانت مرتعبه في البداية، لكن اعتادت أن تظهر قوية أمام أعدائها، وفي هذه الجلسة الكل أعداء. شدت ظهرها وتوجهت صوبه. استغلت درجات السلم الطويلة لتهدئ نفسها، حيث لا يخرج صوتها مهتزولًا يظهر ارتعاش جسدها الذي برد فجأة. وصلت إليه ووقفت أمامه ترفع ذقنها بكبرياء، لا تشعر بأي ذنب كي تخشى أي عقوبة، وإن كانت اعتادت الظلم والصفع دون سبب. لكن إن غدر هو بها لن يبقى لها حماية في هذا المكان. تحولت عيناه الضيقة إلى سعة غير طبيعية
وهو يزجرها بصوت خشن متعصب: _البيت دا ليه أصول... وانتي منه مش ضيفة عليه. رجالة فايز الواصل رجالة وستاتهم بميت راجل. رغم أنه أرعبها بهذه المقدمة، إلا أنها قاطعته بطيش منها متسائلة: _وانا عملت ايه؟ مقاطعته لم تكن بالخيار الجيد، خاصة وأنه في ذروة غضبه. شدد نبرته وهو يصرخ بها بحزم: _لما أتكلم ما تقطعنيش، ولما تغلطي ما تكبريش.
ازدرئت ريقها حتى تستعيد ثقتها التي طاحت فورًا، تخشى العنف. وإن ضغط عليها أكثر من ذلك ستنهار فعليًا. أشار إليها تجاه زيد وأردف: _ابن عمك قالك إن اللبس بتاعك ما ينفعش عندنا هنا في الدار، ولسه لحد دلوقتي واقفة قدامي بشعرك عريان وما فيش حاجة اتغيرت. أجابت مبررة بسرعة: _أنا كنت في أوضتي وخرجت على الصوت، ما قصدتش أخرج من أوضتي.
على فجأة أمسك شعرها وجذبه بيده. كان أول تصرف همجي يتخذه تجاهها بغتة، رغما عنها مالت مع اتجاه يده وانفلتت منها صرخة لم تنل من عاطفته شيئًا. أكمل هو بشراسة: _قلت ما تقطعنيش، ولما تغلطي ما تكبريش. إحنا عندنا بنعلم الصغار وهم صغيرين بالين، بس الكبار لما نعلمهم بيكون بالشدة. الكلام بيكون مرة واحدة.
تسارعت أنفاسها حتى لا تبكي. الانهيار الآن سيندمها عمرًا على هذا الضعف. ترى الشماتة تلمع بأعينهم، ترى الكره يقطر من نظراتهم. لذا ستقاوم البكاء وتقاوم أيضًا ثقل جفنيها ودوار رأسها والسقوط على ركبتيها للانصياع لأي شيء مهما كان، حتى لا يضربها. تكره الضرب. طفولة كاملة عاشتها بالتعنيف جعلتها هشة أمام أي يد تلوح أمامها.
أمسك "زيد" يد جده الممسكة بخصلاتها، فانتبه الجميع الذين انغمسوا بالشماتة بإبنة "بشرى". جرأة لم يجربها أحد. ربما لأنه الوحيد البائع للحياة والميت فوقها. نظر إليه جده وسأل بغضب: _انت اتجننت يا زيد؟ هتف "زيد" دون تأثر وبجدية اعتادت مع جده: _ما فيش داعي يا جدى، أنا وانت عارفين مين السبب في اللي حصل. أجل الكلام دا لبعدين. وبعدين أنا اللي غلطان إني ماروحتش أجيب لها لبس.
ثوان مرت كالدهر على "صبا" التي لا تدرى أي مشاعر بداخلها تسمح لها بالانفلات. الصراخ بوجهم جميعًا والانفعال أم الانهيار بشكل هستيري، ولتذهب مدعاتها للقوة إلى الجحيم. سمعت صوت جدها يقول بغضب وهو يفلت خصلاتها من بين أصابعه: _ما تطلعيش تاني من غير علمي.
التقطت أنفاسها الهاربة وكأن وسادة جامدة فوق رأسها تقطع عنها الهواء. لم ترفع عينها عن الأرض وراحت تطوي الدرج تحت قدميها بسرعة البرق. تود من أعماقها لو تحرقهم جميعًا دون استثناء، فما عاشته منذ لحظات أحيا بداخلها نقاط عدائية كانت تكره الوصول إليها. بما فعله جدها أثبت أنها ليست بالضيفة لتكرم ولا بالحفيدة لتدلل. صوت "فايز" صدح من جديد يصدر فرمان صارم:
_انت يا بلال هات مفاتيح العربية بتاعتك وانزل من دلوقت على مزرعة المواشي وانت عارف مكانك فيها فين. شهق "بلال" من فرط صدمته ثم حاول إثنائه عن رأيه بالتوسل: _أنا اسف يا جدى، أنا غلطان، ما عدتش أكرر الغلط تاني. بس بلاش تبعتني، أنا عندي كلية و... قاطعه بحدة مزجرًا: _ما كنت معزز مكرم، انت اللي مقدرتش النعمة اللي بين إيديك. روح، يمكن وانت لوحدك تعرف تفهم وتتعلم. تحركت "ونيسه" بقلق حول مصير ابنها وضياع مستقبله الوشيك،
فهتفت ترجوه: _يا حاج بالله، الواد عنده كلية. صاح بها معنّفًا: _صوتك طالع يا ونيسه، وبقيتي بتردي عليا؟ تكونيش ناوية تكسري كلمتي؟ شعرت بالضيق من سؤاله، فهي تعرف أنه ما إن اتخذ قرار صعب إقصائه عنه. لذا ولولت حسرة: _يا ويلي... التفت إلى زوجها وهي ترجوه التدخل: _قول حاجة انت يا عماد.
ما وجدت منه ردًا وقد رمقها بنظرة محذرة حتى لا تثني كلمة والده وتعارض قراره، خاصة الآن. لكنها لم تنصع لنظراته المحذرة والتفت إلى والدها الأكبر "زيد"، هو الوحيد الذي من الممكن أن يحدث تغير كما فعل منذ قليل. فترجته قائلة: _زيد إلحق أخوك.
ظل على نفس هدوئه وتعبيراته الساكنة، لم يبدِ رفضًا على قرار جده ولا إثناء. كان حياديًا، يعرف جيدًا مهما كانت قيمته عند جده لن يتنازل عن هذا القرار. وسماحه للتدخل مرة واحدة لا يعني أنه سيتقبلها ثانيًا، وليس من الذكاء مواجهة غضب جده مرة أخرى. غضب جده عليه أكبر من غضبه على أي شخص آخر. تشنج "فايز" وهو يسأل "ونيسه" باستنكار: _انتي مفكرة إن كلمة زيد ولا غيره هتغير رأيي؟
والله في سماء ابنك عمل عملة يستحق عليها القتل، بس أنا اللي رحمته. أنا ما بأملش في بيتي ديوث. أنهى جملته بأن بصق أرضًا باتجاه "بلال". وقبل أن يغادر هدر بغضب جم: _غور من قدامي بدل ما أفرغ في راسك مسدسي. وضعت "ونيسه" يدها فوق رأسها لتنعى حظها العاثر. لقد عاد شبح "بشرى" ليهدم حياتها من جديد. صاحت بصوت جهور: _خربتها بت بشرى، قولتلكم هتخربها. في غرفة "صبا" تسابقت دموعها على وجنتيها وهي تحادث والدها عبر الهاتف وترجوه:
_بابا الله يخليك سيبني أرجع. صوته الحازم كان ينهى أملها بالرجوع: _لأ مش هترجعي يا صبا. "مها" ما عدتش معاها صحة لتربيتك. عادت للبكى وتحجر صوتها وهي تخبره للمرة العاشرة: _بقولك كان هيضربني. كان يعز عليها إخباره بهذا، وكذلك عدم نجدته لها. وحتى أن تكرار الأمر عليه لم يجعله يتأثر، وكرر نفس رده المعتاد: _عادي يا صبا، جدك ما بيعجبوش الغلط. حاولي ما تغلطيش وهو مش هيضربك.
رفعت شعرها لأعلى تكاد تقتلعها وهي تغدو الغرفة ذهابًا وإيابًا، لم تشعر بأي تعاطف من جانبه. أمسكت كلتا رأسها وإنهارت في البكاء ترجوه بقهر بعدما ازداد الخذلان منه: _أنا مش عايزة أقعد هنا، شوفي حتة تانية. لم يتأثر بدموعها، معتقدًا أنها تتدلل كما يعلم عنها، ومؤيدًا والدته في تهذيبها حتى وإن كان بالضرب. ردد بقسوة اعتاد عليها: _ما تعقلي بقى يا صبا، هو انتي مش هتكبري أبدًا؟ دا أخوكي الأصغر منك مش تاعبني كدا.
كانت مصرة على قول واحد هتفت به مرارًا وتكرار: _مش عايزة أقعد هنا، عايزة أمشي. _مش عايزة أقعد هنا، شوفيلي حتة تانية. ولكي يتخلص من إزعاجها المتكرر هتف ليسكتها بضيق: _خلاص يا صبا، هشوفلك حتة تانية، اسكتي بقى. أغلق الهاتف بوجهها وتركها تنخرط في البكاء. كانت تود الهرب من هذا الجحيم حتى ولو بالموت.
استمرت بالبكاء وهي متيقنة أنه لا فائدة منه. توهمت أنها تزيل عنه ثقلًا وتمحو به الألم، لكنها كانت تزداد به ثقلًا وتتلاشى هي تمامًا عوضًا عن الألم. استقرت على فراشها تضم ركبتيها وتتطلع لهاتفها في انتظار كلمة الإفراج. في مكتب "فايز"
كان يجلس وحده خلف مكتبه المهيب المضاء بإضاءة خفيفة ومريحة للأعصاب. يحدق بصمت وشرود ويده تستند على عصاه النصف فضية. عقله يفكر في ألف حكاية ورأسه يضج بشدة. ظل على نفس ثباته حتى صدح صوت الهاتف الخاص به وقرأ اسم "حسين" على شاشته. حرك رأسه بهدوء وضغط زر القبول دون أن يرفع هاتفه إلى أذنه. فتح مكبر الصوت ليستمع إليه. تواصل "حسين" مع والده "فايز"، والذي استشف سبب محادثته قبل حتى أن يلقي السلام. سأل "فايز" متهكمًا:
_ها يا حسين، لتكون جاي تعاتبني على اللي عملته في بنتك؟ رد عليه سريعًا "حسين" متوددًا لوالده: _ما عشت ولا كنت يا حاج. دي بت عايزة تتأدب. أنا أصلًا قلت لها كلمة جدك سيف على رقبتك. بس هي مدلعة زيادة عن اللزوم. اكتفى "فايز" بالإيماء وبصوت أجش رد: _آه، والمطلوب يا حسين؟ دخلتك دي عايزة حاجة؟ تعلثم قليلا لكنه تشجع قائلاً بالنهاية: _يعني يا حاج إنت كبيرنا والبت دي عايزة إعادة تأهيل ومها مراتى ما بقتش قادرة عليها.
وزي ما انت فاهم هي مش أمها عشان تستحمل الدلع ده كله. ضيق عينه ليسمع إجابته وهو يسأله بمكر: _عايز تجوزها يا حسين؟ قال "حسين" دون تردد: _أيوه، هستنى أكتر من كدا؟ فيه دي داخلة العشرين وبعدين كان في شاب اتقدمها وهي مارضيتش. ودلوقتي ما بقاش في داعي نستنى، خلي قلبي يطمن، زي ما انت شايف أنا مسافر وفي غربة وقلبي متقسم بينها وبين أخوها ومراتى. لما أحطها في ضل راجل هرتاح.
بدى من نبرته أنه يحاول التخلص منها، لكنه يتحدث بمنطقية بالنسبة لفتاة فقدت والدتها وقريبًا ستم العشرين. والدها غير متواجد معها بإستمرار، فالزواج شيء مناسب لها. طرق "زيد" الباب ليستأذن قبل دخوله. سأل "فايز" باهتمام: _مين؟ أجاب "زيد" من خلفه: _زيد يا جدي. سمح له بأن دعاه: _تعال يا زيد. ولج "زيد" فأمره بجدية: _إقفل الباب وراك. استجاب "زيد" وتعجب من جلوسه وحده بهذه الاستكانة واستدعاه بعد كل ما حدث. استمع إلى صوت
عمه وهو يكمل عبر الهاتف: _خلاص بقى يا حاج، مش هعطلك. وإنت بقى شوف عريس مناسب وأنا مش هدور وراك. قضب "زيد" حاجبيه متعجبًا من ختام الحديث. نظر إلى جده مستفهمًا، لكنه حرك رأسه ليرد على ابنه قائلاً: _بالسلامة انت يا حسين. انتهت المكالمة وسمح "زيد" لنفسه بالتساؤل: _عمي حسين بيدور على عريس لمين؟ أجابه "فايز" وهو يزفر أنفاسه: _هيكون لمين يعني، لبته "صبا".
لم يبدِ "زيد" أي تأثر. اكتفى بإيماء قصير دون الاهتمام بالأمر، حيث اكتفى من كل المشاكل وأصبح شغله الشاغل نفسه وتربية ابنته على نحو سليم. ليدخله جده في حكاية أخرى قائلاً بلوم حاد: _ضربته وعارف إنك ما بدأتش، لكن لما ياسر إبن إبراهيم مد إيده عليك ما جيتنيش ليه؟ رفع "زيد" وجه تجاه ليسأله بدهشة من هذا السؤال: _وأنا هسيبه يمد إيده عليا وأجي أشتكي؟ أنا باخد حقي وقتي يا جدي، خلى الكلام دا للعيال الصغيرين.
مد "فايز" جسده ليحاكيه بهدوء، لعله يصل معه إلى حل في المشكلة القائمة من سنوات. ضم يده وأشار له بها ليفهمه: _ياض إنت هتبقى الكبير، تصرفك محسوب عليك. وأنا سبق وقولتلك إن العيلة دي كلها من طينة وأنت من طينة تانية خالص. إنت خليفتي وفيك حاجات مش موجودة فيا كمان. أوقفه "زيد" عن هذه المجاملات التي يعرف ما ورائها ويعرف جيدًا المغزى منها، وأشار له ليكتفي قائلاً بتوضيح:
_معلش يا جدي، لو بقاطعك. لو هنتكلم في موضوع الجواز تاني يبقى ما فيش داعي إنك تكمل. زفر "فايز" أنفاسه بضيق. لا شيء يجدي نفعًا معه. لم يسبق له أنه أعاد طلبه مرتين أو فكر أحد بكسر كلمته. وبقي في نفس حالته، لكنه برغم إحباطه له عاد ليسترسل بشيء من الحنق: _اكتب عليها وهاتها تقعد مع مريم ومالكش دعوة بيها. ما حدش بيقولك حبها. ثم زاد انفعاله ليخبره بنفاذ صبر: _اسمع كلامي يا ابني وما تتعبنيش. دي جوازة يا زيد مش موته.
تفاجأ بردته الباردة والاشبه بالبكاء. يعرف ما مر به، لم يكن هينًا ليخوضه مرة أخرى. وازداد تعجبًا عندما أخبره "زيد" بصوت محتقن رغم ارتفاعه: _بالنسبة لي أنا موته. أشاح بوجهه ليعبئ رئتيه بالهواء وهو يقلب بصره بجدران مكتب جده الكبير. ثم عاد بذكرياته ليبوح بما لم يسمعه جده أبدًا من قبل. لقد كان حديث قلبه المتمزق والمتشتت من القسوة:
_المكان دا شاهد قد إيه إني عمري ما تعبتك، عمري ما قولتلك لأ. من كام سنة قعدنا نفس القعدة وطلبت مني أتجوز "غالية". صحيح ما كنتش عايزها، صحيح إني قولت في نفسي إنها جوازة مش موته.
ويشهد الله إنها كانت فوق حلم أي راجل، بس أنا قلبي ما حبهاش. عمري ما ضحكت في وشها، عمري ما ادتها ربع اللي بتدهولي دايما كنت مقصر. ولا مرة حسيت بالذنب لحد ما راحت "غالية". راحت وسبت لي الندم. ندم مخليني مش بعرف أنام. ندم مخليني قليل قدام نفسي. ندم كرهني في نفسي لأني كنت معاها ظالم وأنانى. مش لسه هعيده تاني ومع مين؟ مع أختها. أنا كفايا عليا "غالية" وظلم "غالية". صدقني صحيفتي ما تشيلش ظلم أكتر من كدا.
كان "فايز" يستمع له ويده على فمه. كلام "زيد" أثر به وجعله يشعر بالندم حياله. لكن الطريق الذي يرسمه له لن يعترف بالمشاعر أو بالعواطف. أن يكون قاضيًا لابد أن يستأصل مشاعره وينبذ ضعفه. بعد صمت مطول سأله بهدوء: _ما ينفعش تدي لنفسك فرصة، يمكن تحبها؟ كان سؤالًا ساخرًا بالنسبة لـ"زيد"، لذا مط شفتيه بسخرية دون أن يبدي ابتسامة. كيف له أن ينبض قلبه لأخت من ظلمها. هي تحديدًا ستكون بمثابة سكين في منتصف ذكرياته. أجاب بمرارة:
_شوف أنا بقولك إيه وانت بتقول إيه! يا جدي صدقني أنا ما عندي حيل لمشاعر من أي نوع. لوّح "فايز" بيده وتراجع للخلف منكراً هذا بابتسامة ليخفف عن حفيده: _ده بس كلام... بكرى تيجي مكتبي وتقولي يا جدّي عايز أتجوز، مافيش حد ماعملهاش. تفهّم "زيد" مداعبته وقرر مجاراته قائلاً برحابة: _لو قولتها بجد، ابقى جوّزني "نهى". أطال "فايز" النظر في عين "زيد" وابتسامته لا تزال على شفتيه، وهتف ممازحاً:
_والله شكلك هتجوز اتنين، مش واحدة، وابقى قول جدّي قال. ابتسم "زيد" رغماً عنه، وإن كانت في حياته من المآسي ما يكفيه لأن لا يبتسم عمره: _برضوا يا حج؟ خلاص اللي تشوفه. أشار له "فايز" بيده وهو يتراجع بظهره إلى كرسيه قائلاً بثقة ورثها من خبرته الطويلة: _كان غيرك أشطر يا زيد... كان غيرك أشطر.
ركّز جملته الأخيرة وهو ينظر بعينه، وكأنه يرسل إليه رسالة واضحة ذات مغزى، ثم أردف وهو يشير نحوه بإصبعه، في تحول رهيب من المزح إلى الجدية بحِدة شديدة: _خلي بالك، إنت كسرت كلمتي، وإنت عارف عقابها إيه؟ كان "زيد" مستعداً لأي عقوبة، غير أن يُفرض عليه الزواج للمرة الثانية رغماً عنه. ظن أن ليس له أي مطلب من الحياة كي يلوّي ذراعه به، لكن حين سمع قرار جده، انتفض كالملسوع وهزته الصدمة حين قال أمراً: _مريم تروح لجدتها. هنا انتفض
من مكانه ليعارضه بشدة: _لأ يا جدّي، إلا دي. إن شاء الله أروح أقعد مكان بلال. مريم مش هتبعد عني ومش هتغيب عن عيني إلا بموتي. انزعج جده من عناده المستمر وإصراره على معارضته دوماً، حتى أن أي حل لم ينفع معه، لذا زجره بقسوة وكأنه لا يعرفه: _إنت عقلك طار؟ كل كلمة أقولها مش على هواك. يظهر عليك اتسندت أوي على محبتي ليك ونسيت إني ما عندييش عزيز في الحق.
لم يقابل "زيد" قسوته وتحوله باللين، بل تحول معه لقسوة أكبر وشراسة أشد، وكأنما ذئبان يتقاتلان. رد عليه بحِدة شبيهة بحدته: _الحق؟ والحق دا ليه ما مشيش عليا من الأول؟ ليه لما عمّي طعني وكان عايز يقتلني، ما كانش في حق؟ عادت الجراح النازفة لتتجدد، عادت بقسوة لتطعن ادعاء "فايز" للحق في مقتل. امتعض وجهه حتى ظهرت ثنايا جلده وكبرياؤه عام فوق سنه. حادثة قديمة جعلت "زيد" حفيده يوجعه بهذه الطريقة، في وقت كان فيه موقف قوة.
صاح به وهو يلكم سطح مكتبه: _دا ابــــنـــي... عايزني أحبس ابني؟ أجاب "زيد" وقد اتسعت عيناه وتحفزت كل خلاياه الجنون في رأسه، ونهض من مكانه قائلاً بنفس قوته: _ودي بـــنــــتـــي. أحنى "فايز" رأسه وتحاشى مواجهته وجهاً لوجه، ليردد وكأنه يتهامس مع نفسه: _عماد كان شاب طايش. وقت ما مات "نادر أبوك"، طلبت منه يتجوز ونيسة ويربي ابن اخوه. إنت كنت عيل ومش فاهم. عمرك ما اتفهمت معاه. دايماً شايف إن أمك ملكك.
خارت قوى "زيد" وسقط جالساً على مقعده، ليعود بذاكرته من جديد متألماً على ماضٍ لم ينسَ منه شيئاً. حضر علقمه في فمه مع كل حرف يهدره من لسانه: _كنت غيران على أمي. كنت عارف إنها مغصوبة على دا، وما كانش ليا ذنب إنكم تحرموني من أمي زي ما اتحرمت من أبويا. رد عليه "فايز" بنبرة انهزام كاملة:
_ما كنتش مدي لنفسك فرصة يعوضك عن حنان أبوك. بالعكس، كنت بتعانده لحد ما كرهتوا فيك، وبقيت عقبة قصاد حياة هنية كان عايز يعيشها. وما تنساش إنه كان شاب أول مرة يتجوز. هنا استأنف "زيد" الحديث ليقص ما بقي من الحكاية بألم: _غلطة واحدة كانت كفيلة إنه يطعني. رفع قميصه عن بطنه ليريه أثر الجرح القاطع في منتصف بطنه، وهدر أسفاً: _ويحاول يقتلني.
لم يكن يريد "فايز" سماع هذا. لقد طوى سنوات عمره يحاول التكفير عن ذنب تستره على ولده. لم ينظر "فايز" إلى جرحه الذي لديه مثله في قلبه ويتمزق لآلاف المرات. على الأقل جرح "زيد" تداوى، وقلب "جده" بقي ينزف لسنوات. لم يقو على النظر تجاه، لذا أمره بضعف: _غطّي بطنك يا زيد. قلت لك قبل كده الجرح دا اتخيط في قلبي أنا.
أوشك "زيد" على البكاء. إن كانت هذه حالة "جده"، فما هي حالته بعدما طُعن وظُلِم وتألم وفارق وعاش رغماً عنه مع قاتله، وأصبح لديه إخوة منه. تشدق متألماً: _أنا مش عايز أقولك أنا حسيت بإيه لما عمّي اتجوز أمي. الجرح دا كان ولا حاجة قصاد الألم دا. دي أمي. عارف يعني إيه أمي تتغصب قصادي. هذا الأمر جعله "فايز" يشتد من جديد، مخبراً إياه: _شرع ربنا. هتحرموا إنت؟ ظهرت عروق عنقه بارزة وهو يرد عليه:
_هو شرع ربنا إنها تهدد يا تسيب ابنها يا تجوز وتقعد معاه؟ شرع ربنا بالغصب؟ ضم "فايز" حاجبيه متسائلاً بغلظة: _ومين كان يرضالها إنها تخرج بابن ابني من داري ولا تقعد في وسط عذاب من غير راجل؟ أجابه "زيد" بتحدٍ سافر: _وادي ابن ابنك قعد عشان يربيه عمه. هااا؟ عمه صان الأمانة؟ ولا مع أول مواجهة حاول يقتله؟ اشتد الحوار بينهم. جاوبه "فايز" بقوة: _إنت كمان بتعاند فيه ودايماً و... قاطعه "زيد" بغضب:
_كنت بحمي أمي اللي انتوا بعتوا واشترتوا فيها. لقد عاش طوال العمر بفكر قاصر ومحدود وغيراته العمياء على والدته جعلته يرى أنها اغتصبت لا تزوجت زواجاً شرعياً. كشر "فايز" عن أنيابه ليردعه ويذكره مع من يتحدث، معتقداً أنه نسي عقابه. أخيه الذي لم يمر عليه يوم كامل. وكز الأرض بعصاه وضخم من صوته، صائحاً به بضراوة: _إنت مش واعي! إنت بتكلم مع مين؟ احترم نفسك وإلزم حدودك.
أجفل "زيد" وجاهد تنظيم أنفاسه. لم يفقد أعصابه بهذا الشكل من قبل، خاصة أمامه جده. لكن الحديث عن ما عاناه أنساه التزامه وحرصه الشديد على الصمت. استأنف "فايز" حديثه بنفس القوة قائلاً: _عملنا عيلة وعيلة كبيرة ليها اسمها وتاريخها وكلمة وسط الناس. وعشان اسم العيلة دي يبقى لازم الكل يضحي. مافيش نار من غير حطب. واللي بطلبه منك لو صعب عليك، فهو مش مستحيل.
حاول أن يكتم غضبه لكنه فشل فشلاً ذريعاً. كلمات جده أوقدت نيرانه، فعاد يهدر غاضباً: _حياتي كلها بقضيها عشان العيلة دي. خسرت كل حاجة ومش مستعد أخسر بنتي كمان عشان خاطر العيلة.
ثبّت "فايز" نظرته على "زيد" لعله يعي ما يقول. رفضه اقتراحات جده تعني تخليه عن ميراثه بالكامل وطرده من العائلة. لكن عندما حدق بعمق عينيه، رأى حرقته وغضبه وتألمه. لم يعطه عذراً بقدر ما أشفق عليه. إن استمر بالحديث معه سيخسره خسراناً مبيناً. لذا أشاح وجهه عنه ورفع يده ليوقفه عن الحديث، وبنبرة مستاءة قال: _كفاية... لحد كدا يا زيد. امشِ من قدامي.
عض "زيد" أسفل شفتيه متألماً على ما آلت له الأمور. يعرف أنه أوجع جده وألمه أكثر مما يستحق، لكنه كاد يجبره على ترك ابنته. لقد أفنى حياته بأكملها في خدمة عائلته باسمه وبساعده وبشبابه وأحلامه وبروحه التي كادت أن تغادره على يد عمه. لمعت عيناه بالدموع عندما أشار له جده بالمغادرة من جديد بإشارة جادة أشبه بالطرد. التف على أثرها وعيناه تصر على حبس دموعه. لا ولن يبكي. لم يعد صغيراً. لقد كبر على البكاء بالعين. فبكاء العيون للأطفال، أما البالغين قلوبهم تنزف.
صوت شجارهم وصل إلى الخارج واستمع إليه كل من "ونيسة وبثينة"، وقد ارتعبت قلوبهم التي تحاول استيعاب طرد "بلال". لتو هرولت "ونيسة" فور خروجه تسأل بهلع: _صوتكم عالي ليه؟ عمل على إخفاء عينيه وأدار وجهه بالكامل بعيداً عنها. أمسكت بكتفه لتطارده وتعاينه بعينيها المتورمة من كثرة البكاء متسائلة بقلق: _طردك انت كمان؟ لم يجبها وحاول الإفلات من قبضتها. كان يود الهروب من مواجهتها، فما استطاع. فألحت قائلة: _قول لي في إيه؟
أخيراً أفلت من يدها وهرول بعيداً عنها، فالتفتت إلى "بثينة" التي كانت تقف بالقرب منهم لتصيح بجنون وخيبة: _شفتي عيالي اتفرطوا من إيدي؟ قلت لكم هتخربها بنت بشرى. يا ويلي يا ابا.
استمع "زيد" إلى نواحها لكنه لم يهتم. كان همه هو طي الدرج أسفله والركض نحو غرفته. بات صوتها بعيداً ورأسه هو في دنيا أخرى. وقبل أن يتخذ مسار غرفته، وصل إلى أذنيه صوت نحيب خافت قادم من الجهة المقابلة. على الفور عرف صاحبته، الضيفة الجديدة التي تحملها والدته ذنوب العالمين. غيرت قدمه مسارها من ممر غرفته لغرفتها، لكنه أبى أن يتركها تجبره على الانسياق وراء عاطفته. لن يقدر على مواستها وهو في أمس الحاجة الآن للمواساة. اتجه نحو غرفته كي يدفن خيبته الجديدة في نوم عميق، لعله يستيقظ صباحاً شخصاً آخر بذاكرة جديدة لا تعرف للألم مذاقاً.
وصل إلى غرفته وأغلق بابه واستمتع برؤية "مريم"، ملاكه البريء، يتوسط الفراش غافية في نوم عميق. بدل ملابسه بسرعة كي ينضم إليها. يرغب بشدة في ضمها إلى قلبه كضمادة لتمتص ألمه كاملاً حتى لا يبقى منه شيء. وأخيراً انضم إليها وبرفق شديد وضع يده أسفل جسدها الصغير ليجذبها إلى صدره وهو ينظر إليها ويبتسم رغماً عنه لابتسامتها التي ترسمها على وجهها وهي تنعم بنوم هادئ تحتاجه، وهو يحتاجها أكثر. وقبل أن يستسلم لثقل جفنيه، لمعت أمامه
قلادة ذهبية لفتاة ذات أجنحة. أمسك بها وتلاعب بها بين أطراف أصابعه، ولم يكن من المجهد معرفة صاحبتها. الفتاة تعيسة الحظ التي انضمت مؤخراً لعائلة لا تعترف بالمشاعر ولا تعرف الرحمة. الكل يقر بأنها خطرة، لكنه أدرك الآن مدى خطورتها التي يخشوها. ربما يخشون أن تجعلهم يحيون بحب وسلام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!