حريق هائل التهم مخزن الأخشاب الخاص بعائلة الواصل، خبر صادم على الجميع وخسارة فادحة. انتقل الشباب جميعًا لأرض المخزن، واتصل الجد برجال الإطفاء. ولم ينتظر "زيد" قدومهم الذي تأخر، وأخذ يهيل التراب على جوانب المصنع بجد وعزيمة، وهذا جعله يتأثر سواء بالنيران أو بالدخان. لم يكن على لسان "فايز" سوى كلمات راضية قالها باستسلام وألسنة اللهب تعلو نصب عينيه: -اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها.
الجميع يقف مذهولًا من هذا الحدث الذي بدا بفعل فاعل وليس بمحض صدفة. أخيرًا أتت هيئة الإطفاء لإخماد الحريق وإنهاء الأمر. لم يبقَ من المخزن سوى الرماد.
النار أكلت حتى ملأت بطنها، لم تبقِ ولم تذر. أخيرًا وقف "زيد" جانبًا وهو يضم يديه إلى صدره، ملابسه تلطخت بالسواد، لم يكن يرى هذا حتى في أسوأ كوابيسه. ما حدث في تلك الليلة غريب، وكأن الكون كله اتفق على ألا تتم هذه الزيجة. لازمت الحظ السيء وتسلطت عليه الأحزان. خسارته الممول الرئيسي لمعارضه كان حقًا فاجعة كبيرة. من بداية اليوم أحداث سيئة لا يعرف لها تفسير. اليوم مر وكأنه ألف عام من كثرة الأحداث. لم يبقَ سؤال
واحد يدور في ذهن الجميع: "من الفاعل؟ في القصر.
ساعات طويلة مضت على "صبا" وهي تجلس وحدها في هذا القصر الكبير الخاوي، ما شعرت به رغم التزامها الغرفة. لم تنم ولم يذق جفنها النوم. ظلت واقفة خلف الشرفة تضيء هاتفها بعدما انقطع التيار الكهربائي عن المنزل. وعام الظلام هذا جعلها ترتجف خوفًا، وجلست أمام الشرفة تنتظر عودة "زيد" ليطمئن الخوف الذي انتابها. أصبحت محاصرة من قبل الخوف والظلام حتى أوشكت على الهلاك والجنون. وصلت أن فكرت بالركض في الشوارع دون هدف. لكن أخيرًا، أغاثها زيد ورأت بعينيها قدومه بسيارته في ساحة القصر. عاد وعادت الأضواء معه.
أضاء المكان ولمعت عيناها عندما شاهدته يترجل من سيارته واتجه نحو الداخل. أطفأت إضاءة الهاتف واستدارت لتنظره في مقابل الباب. دقائق معدودة ووصل إليها، تفاجأت بشكل عباءته البيضاء التي خرج بها والتي تحولت للسواد، وكذلك التراب على وجهه ويداه التي بها أثر بعض الحروق. انطلقت صوبه وهي تسأله بفزع: -زيد فيه إيه؟ ابتلع ريقه مقاومًا تعبه، ورغم هذا خرج صوته متعبًا مهلوكًا وهو يهتف: -المخزن بتاع الخشب اتحرق. اتسعت عيناها غير
مصدقة ما سمعت وسألت بصدمة: -إزاي ده حصل؟ هز رأسه ليعلمها أن ليس لديه تفسير. أمسكت هي بيديه المحترقة وهتفت بتأثر: -اديك محروق أكيد بتوجعك. لم يكن مباليًا بها حتى يشعر بالألم. الألم بداخله أقوى. عادت تتحدث بحزن وهي تود أن تضمه: -النور قطع وكنت خايفة وانت مش هنا، بس ما كنتش أعرف إنك في المصيبة دي. حسيت للحظة وانت مش موجود إن الدنيا فاضية، فاضية أوي، وإن الضلمة دي كلها في قلبي أنا مش حواليّ.
لم تعرف سببًا واضحًا لقول هذا، هي قالت ما شعرت به دون أي إدراك أو ترتيب. هدر موضحًا بتعب: -ما تقلقيش، أنا بقيت جنبك. الكهرباء قطعت عشان الحريق. تمسكت بيده واقتربت منه، ودموعها انزلفت رغما عنها وهي تخبره: -مش عارفة أنا من غيرك أعيش إزاي. أنا بقيت بطمن بوجودك. في داهية أي حاجة، المهم إنك معايا وبخير.
لم يجب، كان فارغًا تمامًا من الإجابة أو حتى الكلام، وكأن العالم فارغ إلا منها. كان يريد أن يختبئ في أحضانها، يريد بشدة يدًا تربت عليه كي ينسى همه. وهذا فعلاً ما عزم عليه وفعله. ما إن اقتربت منه حتى أسقط رأسه على كتفها بإرهاق، وضع همه كله على كتفها لتداويه بأي شكل كان. زفر بألم وأراد الهروب إليها. من جانبها، ارتجفت فورًا ما شعرت بثقل رأسه على كتفها، تباطأت أنفاسها وهي تحاول استيعاب أنه اختارها هي ليهرب لها، اختارها ليستند على كتفها دون العالم أجمعين. رفعت يدها لتمسح ظهره بأصابع مرتعشة، فأجفل بشيء من الاطمئنان والسكينة. امتصت كل ألمه فورًا باستقبالها له. ضمها بكلتا يديه. غمرته بحنانها وغمرتها هو بحبه وطمأنها وكأنه الدنيا بأكملها بين يديه.
هذه الضمة كانت إعلانًا صريحًا أنهم خلقوا لبعضهم، ليكون كلًا منهم سندًا للآخر، خلقوا ليكونوا معًا لينسي كلًا منهم أيامًا حالكة السواد، حصنًا منيعًا لأي سوء. اندمجوا معًا. وتخدر ألم كل منهم بلمسات الآخر. وبرغم كل ما حدث، وضعت الأمور في نصابها الصحيح وبدأت لحظات السعادة.
بعد يوم شاق وطويل وأحداث كثيرة لمنع هذه الزيجة من الإتمام، لكن إرادة الله فوق إرادة كل البشر. وإن أراد الله شيئًا لأتمه رغما عن الظروف والأحداث والأشخاص أيضًا. وتهيأت الأسباب ليتحد أكبر حلفان في عائلة الواصل. من يجرؤ على تحدي زيد أو كسره، فهو القوة والسلطة، وهي الذكاء والدهاء والخطورة... يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!