الفصل 26 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
16
كلمة
3,323
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

عبثت بخصلاته الليلية وهو بين أحضانها، لأول مرة تشعر بقوة عشقها له وخطورة حضوره. وصل بها لآفاق ووديان لم تكن تعرفها. ليلة كاملة قضتها بين أحضانه أنستها بؤس السنوات الخالية وغمرتها بالأمان الذي افتقدته حتى من والدها. ممتنة جداً للقدر الذي جمعها به، وشاكرة للظروف التي جعلتها من نصيبه.

أخيراً فتح عينها على أثر أطرافها التي تعبث بخصلاته، وارتسمت على ثغره ابتسامة. أخيراً قطعت شكوكه وعرف أين يضع ثقته. لقد قطع اليقين شكوكه حول صدقها فيما أخبرته بما حدث بينها وبين رياض. لا داعي لذكر اسمه حتى لا يفسد هذا الصباح الذي لم يعشه أبداً. التف تجاهها ليطالعها بابتسامة متسائلاً: -صحيتِ قبلي! أجابته وهي تبادله الابتسام وقلبها لا يسع دقاته المتسارعة:

-أيوه بصراحة مش مصدقة إني حبيتك بجد بعد ما كنت عايزة أطربق القصر على اللي فيه. دلوقتي بفكر أحط ورد على الحيطان من حبي ليك. ظل يستمع لها وعينه لا تفارق عينها، مشاعرها المجنونة كان يشاطرها إياها ويستمتع بهذا الاعتراف وبقلبه أكثر وأكثر. لم تجد منه رد سوى ابتسامة على وجهه ونظرة هائمة بتفاصيلها. سألته باهتمام: -حاسس نفس اللي أنا حساه ولا؟

ضغط على كلتا يديه ليعتدل في جلسته. سؤالها كانت إجابته أكبر من الشك هذا وأكبر من الإجابة. ما يكنه لها أكبر من يتلفظه، لكن مع تحول ابتسامتها للعبوس تنهد مجيباً: -حاسس أكبر وأكثر. إنتِ مش بقيتي مراتي، إنتِ بقيتي حبيبتي وبنتي وكل حياتي. حاوطت جنبيه بذراعيها بسعادة غامرة. حرك يده على شعرها بفوضوية لتهتف بطفولة: -زيد، خليك جنبي، إوعى تسيبني أبداً. مد يده ليرفع وجهها إليه بطرف إصبعه ليقول بعمق:

-هسجل روحي باسمك عشان أفضل كل عمري جنبك. اتسعت عينها غير مصدقة مقولته. أوقعت الخطرة حصلت على تأشيرة عبور لقلبه بل وامتلاكه. أنسته همه بالنظر لوجهها، ضاع بإرادته في غيابات عيناها التي أدمعت فجأة. ضم حاجبيه مستنكراً دموعها التي مسحها فوراً قبل أن تسقط على وجنتها: -لازمته إيه دا دلوقتي؟ لم تعرف تعبيراً عن فرحتها سوى بالدموع، وكأنها بحر لا يجف. فرحاً وحزناً تأتي: -مش مصدقة إنك بتحبني بجد.

مط فمه بابتسامة ومسح دموعها من أسفل جفنها دون أن يسمح لها بالتمادى، فهي لا يليق بها البكاء والحزن. قال مؤكداً وهو ينظر بعينها: -عنيكي دي ممنوع تبكي وأنا موجود. الزعل ممنوع. الزعل، الزعل عمره ما كان لايق عليكي. هتفت من أعماقها بحروف ذهبية لم تمنحها لأحد من قبله: -حبيبي.

خمسة أحرف أفقدته تعقله. من أين يبدأ وأين ينتهي منها الكلمة، مختلفة، ملأت قلبه وأرضته تمام الرضا. أمسك وجنتيها بأطرافه محركاً رأسها يميناً ويساراً متغزلاً بحلاها: -إفضلي قوليلى حبيبي لحد ما تفقديني الذكرى إلا من اسمك. صبا قلبي إنتي.

لم يستوعب قلبها كل هذه السعادة والحب الذي غمرها به. وكأنها أرادت رشفة ماء ووجدت نهراً. كان "زيد" عوضاً لائقاً لكل شيء، فليحدث ما يحدث، لقد منحها زيد حباً لتواجه كره العالمين وثقة تعوضها عن رفض الجميع لها. وكما كانت وأكثر ستظل متربعة على عرش قلبه.

وقبل أن ينساق إلى رغبته الكاملة بها من جديد والانسلاخ لعالم لم يطأه قدمه من قبل، عالم من السحر والحب والعشق، رنين هاتفه صدح بالأرجاء ليعيده سريعاً لواقع قد نساه. ابتعد عنها ليرى هاتفه الذي أضاء باسم جده. تواترت أحداث الأمس على رأسه ليتذكر كم مشكلة أنسته إياها "صبا". فتح الخط سريعاً بينه وبينه ليقول: -أيوه يا جدو. هتف الآخر بانزعاج: -يا ابني انت مش رايح المستشفى ولا إيه؟

أبعد الهاتف ليرى الساعة التي قاربت لمنتصف النهار وعاد يهتف بتعجل وهو يدفع الغطاء عن جسده: -لأ، هروح. ثواني وهكون عندها. تحدث جده هازئاً: -ثواني هتكون عندها إزاي يعني؟ هتطير؟ أنا هروح القسم عشان نشوف الإجراءات، وأخوك رايح مع عماد المعرض وهيباتوا هناك يحرسوا المكان لحد ما نعرف الفاعل. باقي بلال هياخده معايا وعمك حسين ومراته عند عمتك بثينة وهيطلعوا على المستشفى. وما تسيبش صبا لوحدها، خدها معاك.

كان زيد يتحرك ويجهز ملابسه أثناء حديث جده وإبلاغه بخط سير الجميع. وعندما انتهى أجابه: -حاضر يا حاج. تحدث فايز بنبرة غامضة وكأنه يعرف شيئاً: -ونتقابل بالليل، عايزك. بهذا أغلق الهاتف بينه وبين حفيده، الذي حدق بالهاتف لوهلة محاولاً التكهن سبب هذا اللقاء. قطعت هذا صبا التي تابعت ما يفعل وسألته: -انت هتخرج يا زيد؟ أجابها وهو يتحرك نحو الحمام: -أيوه، ويلا انتي كمان إجهزي عشان هتخرجي معايا. مش هسيبك لوحدك.

تصنمت قليلاً ثم همت سريعاً من الفراش لتلتقط أحد الأثواب المفتوحة وارتدتها على عجل وتبعته حيث اختفى. وقفت أمام الباب وتساءلت بعد مدة: -هنروح فين؟ سمعت بوضوح صوت الماء المنهمر على جسده، لكنها ابتعدت عن الباب بحرج لتسمع إجابته: -هنروح المستشفى. تعجبت من إجابته وتذكرت ما حدث لو نيسة بالأمس. فلطمت جبهتها لتقول بتذمر: -يعني أول خروجة لينا تكون المستشفى؟ جاءها صوته المنزعج من عدم تفاعلها مع حزنه على والدته:

-ما انتي لازم تيجي معايا. إنتِ مش واخده بالك إن اللي في المستشفى دي أمي ولا إيه؟ زمت فاها لكلا الجانبين ورفعت يدها إلى السماء وهي تدعو سراً: -ربنا ياخد أمك دي عشان ما تعذبش على إيدي من اللي هعمله فيها. فجأة وجدته قادماً تجاهها يقضب حاجبيه متسائلاً: -بتقولي إيه؟ ارتبكت وحاولت إخفاء الأمر لتقول عكس ذلك بابتسامة باردة: -بدعيلها يا حبيبي، بدعيلها. غادرته لتأخذ هي الأخرى دورها في الاستحمام وتبدأ بالتجهيز للخروج.

في منزل شاكر، تحدث والد "نهى" بتعجل: -سمعتوش اللي حصل؟ جذب انتباه كلا من "نهى" ووالدتها وتساءلوا: -حصل إيه؟ أجاب وقد ظهر على وجهه علامات واضحة للدهشة: -الدنيا مقلوبة من امبارح في قصر الواصل. تساءلت المرأة بفزع: -يا ساتر يا رب، خير. كفانا الشر. هتف مخبراً إياها: -ونيسة بايته في المستشفى ومخزن الخشب ولع. لوت "نهى" فمها قائلة باستخفاف: -هه، وش العروسة حلو عليهم. نهضت والدتها وهي تقول بتعجل: -بتقول كده وانت قاعد؟

قوم يا راجل نشوفهم ونواسيهم في مصيبتهم. أجابها متعجباً: -الأهه، وإحنا هنروح فين ولا فين؟ تحدثت بزنق: -انت تروح للحاج فايز، وأنا وبنتك نروح المستشفى. تدخلت "نهى" متسائلة: -أنا هروح يا ماما. أجابتها والدتها بضيق: -أيوه، أومال إيه؟ حماتك في المستشفى، واجب تروحي وتطمني عليها. وبالمرة تعرفي الكل مين صاحبة الأصول. أكيد التانية ما تعرفهاش. في المستشفى،

استقرت حالة "ونيسة" إلى حد ما. فتحت عينيها وبدأت بالتجاوب قليلاً مع الحديث، لكن لازال سبب هذا الإضراب مجهولاً. وقفت "صبا" أمام الباب بإنتظار إذن الزيارة من جانب الطبيب. يقف إلى جوارها عمتها "بثينة" وزوجة أبيها، بينما ذهب زيد مع عمه حسين لمراجعة الطبيب فيما يخص الحالة. نظراتهم تجاهها لم تتغير، الحقد والغل ونار الانتقام تسيل من عينيهم. لكن من تغير كان نظرة "صبا" تجاههم، نظرة مليئة بالثقة واللامبالاة. كانت مختلفة في استقبال نظراتهم هذه، وكأنها تنظر إليهم من جبل عالٍ.

تمسكت بالهدوء، فهي الآن تعرف أن الخطأ بالنسبة لها لا يجوز. زوجها في مكانة عالية ووضعه حرج. لوت بثينة فمها للجانبين وهي تجزرها: -قدمك نحس زي أمك. برغم محاولة استفزازها التي نجحت، إلا أنها كظمت غيظها قدر المستطاع لتستأنف بثينة الإهانة قائلة: -جبتي للست جلطة والمخزن اتحرق. مش عارفة لو قعدتي لبكرة هيحصل إيه؟ أجابتها "صبا" بابتسامة باردة: -هجيب أجلك. "صبا" تضرب ولا تبالي. سحقت بثينة التي شهقت مستنكرة: -يا مصيبتي!

بعد الشر. إنتِ يا بنت انتي بتقولي عليا؟ إسطنعت البراءة في إجابتها مجيبة بتأثر: -أنا! دا أنا بهزر معاكي، بنغشك يا عمتو. دا إنتِ حتى حبيبتي. ردت بثينة باشمئزاز وهي تشيح وجهها عنها: -حبك بورص وعشرة خرص. بقيت "مها" تشاهد تحول "صبا" بابتسامة ماكرة. ثم سألتها بفضول: -اتعلمتي دا كله منين يا صبا؟ رمقتها صبا بنظرة مترفعة. لقد كانت دوماً هي مثلاً لكل مكر وشر غرس بداخلها، قررت راحتها بالإجابة:

-منك. وأنا هجيب من برا وإنتِ موجودة برضوا؟ اقتربت منها مها لتحادثها بصوت منخفض لا يسمعه سواهما وهتفت: -حقك، ما انتي عرفتي تلفي دماغ زيد بحركاتك امبارح. لم تبالي بما تعتقد ولم تريد أن تعطيها إجابة شافية أو تعرض لها أي جزء من حياتها. فأجابت متسترة بابتسامة شريرة: -إنتِ لسه شفتي حاجة؟ دي الحركات والتكات جاية. تابعي كويس عشان ما يفوتكيش حاجة، لاحسن دورك جاي. ضيقت مها عينها وقالت بضيق: -بقى كده يا صبا؟

طيب وحياة غلاوتك ليرميكِ زيد اللي انتي فرحانة بيه ده بإيديه للنار وهيسيبك تتسوى على الجانبين. ساعتها مش هتلاقي حد ينقذك غيري. لازالت كما هي صلبة، لا تهتز ولا تتأثر بكلماتها المسمومة. ولا ترخي نظراتها الشرسة والتي ازدادت شراسة عندما هتفت: -لو اترميّت في النار مش هتحرق يا مرات أبويا. أنا النار اللي هتحرق مش اللي تتحرق.

رغماً عن مها بدأت تقلق من هذا الحوت الصغير الذي بدأ يتوحش. رقصت عينها بين مقلتيها وهي تبحث عن شيء بعين صبا، ولكن لم تجد له إجابة. صبا تتحول بشكل سريع وتحولها سيقضي على الجميع. بقيت عينها تتوسط عين مها بثقة كبيرة حتى سمعت صوت زيد وهو يدعوها للدخول معه لوالدته: -صبا، يلا تعالي. توجهت صوبه وأمسكت يده ودخلت معه، تاركة الكل يحترق. بما أن زيد معها فلن تهتم بأحد. هو وجهتها الأولى وحمايتها. في غرفة العناية المركزة، "ونيسة"

متمددة بلا حول ولا قوة. جسدها موصول بالأجهزة وفمها مغطى بقناع للتنفس وحالتها تبدو سيئة. عينها فقط ما بثّت غضبها من حضور صبا. ويدها المرتبطة بيده زادتها تعباً. لم يكن لديها قدرة لرفض الأمر. مال "زيد" لها متأثراً بحالتها. أمسك بيدها وتساءل باهتمام: -إيه سبب كل دا؟ نابت عنها "بثينة" بالرد من خلفه: -هيكون إيه السبب؟ من القهر مش اتجوزت بنت عدوتها. زم فمه وتحاشى النظر باتجاهها. لم يقل سوى: -لا إله إلا الله.

أما صبا فكانت تحاول عدم الانفعال مهما حدث. لن تتفاعل مع أحاديثهم، رغم أن ذكر والدتها المستمر بالسوء. ما عادت تريد اكتشاف حقيقة أمها. لقد أصبحت متيقنة أنها كانت مظلومة مثلها، وأنه عالم مصطنع، كائنات مقرفة. كلا يستحق ما يحدث له. وحتى إن أرادت معرفة الحقيقة من تسأل؟ هي لا تثق بأحد. من سيخبرها الحقيقة؟ الكل يراها مذنب. ولن يحكي أحد سبب هذا الذنب. عاد زيد ليحدث لوالدته ممسداً على ظهر يدها بلطف:

-الف سلامة عليكي. قومي يا أمي خليكي جنبي، محتاجك. حركت رأسها بإيماء قصير دون أي حديث. فقط وضعت يدها على وجنته لتطمئنه وتهدأ من روعه. زيد له موقع خاص بقلبها وغلاوة لا ينافسه بها أحد. تحدثت مها مقتربة منها: -الف سلامة عليكي يا أم زيد. شدة وتزول وترجعي تنوري بيتك من تاني. التفت لها وحركت رأسها بالقبول. وجدت صبا أنها عليها التحدث. لقد نظر زيد باتجاهها مراراً. حتى تحدث وحتى لا يغضب هتفت مقتربة منها بابتسامة:

-الف سلامة عليكي يا طنط. سرعان ما تبدلت ملامحها واشاحت بوجهها عنها. شعرت صبا بالحرج ونظرت نحو زيد بتوتر من فعلتها. فأبعد هو الآخر نظره عنها لتبقى سجينة نظرات مها وبثينة الشامتة. تحدثت مدعية عدم الاكتراث بقبولها أو رفضها، فهي في النهاية حصلت على زيد، وليس إدارة وجهها عنها تغير شيئاً: -ربنا يقومك بالسلامة إن شاء ويديكِ الصحة لحد ما تشوفي ولاد زيد.

اتسعت عين "ونيسة" عقب كلماتها، وكأنها متعمدة. جلطها. أما صبا فانتظرت صدى ما قالته. نعم، لم تقل شيئاً خطأ، لكن هي تعرف أين تضرب بالصح، وأصابت. جمعت ونيسة قواها وشحذتها في كلمات غاضبة: -طلع البنت دي برا. لم يحاول زيد مناقشتها بالأمر. يعرف مدى استيائها من صبا دون أن تقوم بشيء. نظر باتجاه زوجته واستدارت لتتوجه خارج الغرفة. قلبها يكاد ينفجر مما سببته ونيسة من حرج.

ظلت هكذا واقفة أمام الباب تحاول العودة على سجيتها والبرود المتناهي الذي كانت تدعيه. تنظم أنفاسها باسترخاء وتقول: -إهدي يا صبا، إهدي.

خرج إليها "زيد" لشعوره بها. لقد أحرجته والدتها أشد الحرج وأبعدتها من جلستهم بمنتهى القسوة. وقف قبالها. وقد لاحظ عينها الحزينة وفمها المطوي وكأنها تقاوم البكاء. رفع يده ليضعها على وجنتها، لكنها تراجعت بخوف وكأنها خشيت أن يضربها. تعلق يده بالهواء بدهشة حتى أدركت هي من يكون. فمالت بوجهها بالكامل لتحط على كفه باشتياق للحنان. عندها مال ليقبل مقدمة رأسها ثم عاد ليهتف مبتسماً لها: -إنتِ عارفة إن ضحكتك أحلى من دموعك؟

ابتسمت ابتسامة لا تمت لقلبها بصلة وظلت تنظر بعينه وهي تحتجز يده بين كتفها ووجنتها وسألته سؤال مقابل سؤال: -طيب أنت عارف إنك أحلى حاجة حصلتلي؟ أجاب مؤمئاً برضاء: -عارف، وعارف حاجات كتير كمان. إنتِ لسه مش عارفة إنك تعرفيها. ضمت حاجبيه وتساءلت: -حاجات زي إيه؟ ثبت نظره بعينها وهو يقول مؤكداً: -زي إنك هتعرفي تتخطي دا ومش هيأثر فيكي ولا كلمة. تذكرت الموقف الذي نسيته في غمرة مشاعرها الملتهبة ناحيته. لمعت عينها

من جديد وهتفت متأثرة: -أنا مش عارفة أنا عملتلهم إيه. كلهم بيكرهوني. -كفايا أنا بحبك ولا إيه؟ إجابة قاطعة من "زيد" جعلتها تبتسم وتندمج مع أحاسيسه. فليحترق الجميع، هي تحبه وهو يحبها، مهما فعلوا لن يغيروا تلك الحقيقة أبداً. لاحظ قدوم نهى ووالدتها عبر الرواق فأرخى يده سريعاً بعيداً عن وجنة صبا. استدارت نحو نظراته المثبتة أمامه لترى ماذا يرى. وعندها تحول كل شيء للغضب واشتعلت نار الغيرة دون حطب. وتمتمت بضيق:

-آه، كانت ناقصاكي إنتي كمان. اقتربت منهم نهى ووالدتها، والتي دحرج زيد بخيبة مستنكرة تماماً ملطفة لصبا في وسط المشفى. سألته محركة فمها لكلا الجانبين: -أمك فين يا زيد؟ أشار للغرفة المجاورة: -موجودة هنا، اتفضلي. سحبت نهى عنوة من يدها وهي ترد: -يزيد، فضلك يا ابن الأصول.

عادت مجبرة لغرفة ونيسة. وقفت تشاهد مدى ترحيب الكل بحضور "نهى" ووالدتها. ونظرات ونيسة النقيض لها. كانت تحلل كل حرف ولفتة ونظرة من نهى تجاه زيد بالأخص. الغيظ يتملكها وجنونها يحثها على الإقدام على كارثة دون تريس. لكنها استدعت هدوءها حتى لا تخسر علاقتها بزيد للأبد. سرعان ما انقطع الأمل في الصبر عندما تحدثت نهى برقة واضحة لزيد: -أنا خوفت على مريم أجيبها معايا عشان نفسيتها.

بدى الاهتمام على وجه زيد وهو ينصت إليها مهتماً بشدة لمعرفة أي أخبار عن ابنته التي غابت عن نظره لمدة ليلة كاملة. عرفت كيف تجذبه بطريقة سهلة للغاية باستدراج عاطفته تجاه ابنته. فهتف متعجلاً: -أنا هعدي آخدها، كفاية عليها كده. ردت "نهى" وقد سبقت غيراتها الحديث وطفت على وجهها: -لو عايز نخليها معايا كام يوم، أنا مش مضايقة. كانت مقاطعته ناهية: -لأ، أنا هاخدها. تطرقت "نهى" إلى حديث آخر وهتفت وهي تسبل عينيها

بعينه وكأنها تعاتبه: -إنت كويس يا زيد؟ كلماتها كانت بلا معنى. كيف يكون بحال جيد وهو في وسط هذه المشكلات؟ لكن هي كانت تسأل عن حاله. قلبه تحديداً، هل امتلأ بغيرها؟ هل سعد بزوجته هذه كما استمعت من المدعوين عن مدى تفاعل الثنائي معاً؟ حتى هذا السؤال في الوقت هذا غير مناسب. رد بامتعاض: -أومال مافيش أحسن من كده! ظهرت في نبرتها الانفعال وهي ترد بصوت خافت: -انت فاهم أنا قصدي على إيه؟ بلاش تغير الكلام. أجاب محدقاً بوجهها بضيق:

-إنتِ مش امبارح اتصلتي واتأكدتي بنفسك إني كويس. زاغ بصرها بين عينيه الغائرتين وهتفت وقلبها يتألم: -قلبك اتملى تاني بعد غالية. طعنته بنصل حاد في ذكرياته القديمة. أحيت علاقة نسيها أو تظاهر بنسيانها. ظل ينظر إلى عينيها التي تشبهها بحد كبير دون حديث، وكأن من تحدثه هي "غالية". عادت لتسأله وتلومه. فعصفت بقوته وشلت حواسه. مهما حاول النهوض تثقل على كتفه الهموم فتطرحه أرضاً، وكأنه حربه الدائرة هي فقط من أجل أن يقف على قدمه.

تدخلت صبا والتي أصابها الضجر من طول الحديث الهامس بينهم والذي انتهى بتمعن نظر زيد في وجه نهى. تحركت صوبه ووضعت يدها على كتفه برقة وهي تناديه متعمّدة إغاظتها: -حبيبي. انتبه لها وقد انتشلته من همومه التي أوشكت على دفنه حياً. كما انتبهت "نهى" والتي تحولت نظراتها لشرسة وضيقّت عينها بغل لا آخر له. تحدثت "صبا" عوضاً عنهما عندما ساد الصمت بعد حضورها، وكأن هناك ما يخفيانه عنها: -إيه يا جماعة؟ سكتوا يعني؟

مش تشاركوني معاكم بدل ما إنتوا قاعدين تتوشوشوا لوحدكم كده على جنب. أجفل "زيد" خوفاً من اختلاق مشكلة أو توتر في المكان غير المناسب وهتف: -صبا، بلاش مشاكل. نظرت باتجاهه وتصنعت الصدمة قائلة ببرود: -معقول يا زيد؟ أنا أعمل مشكلة عشان بتكلم ضرتي المستقبلية؟ مش أوي كده، دي حتى هتسليني بعدين. أنا قلت لك أنا يوم ما أغير عمري ما هغير من نهى يعني. اتسعت عيناها وهم بالحديث ليردها عن استعمال فنون الكيد والإغاظة ومنعها من الإهانات

المبطنة التي ترسلها لها: -صبا، بلاش تنرفزيني. ظلت على نفس هدوئها وأجابت لتشعل الموقف أمامهما، وآثار الكيروسين على وجنتها وجبهتها وبات قابلاً للاشتعال: -سلامتك من النرفزة يا زيزو. هدي أعصابك يا حبيبي، دا حتى النرفزة مش حلوة عليك يا عريس. تعمدت رمي كلمتها الأخيرة بميوعة حتى تفقدها عقلها وترتاح منها. بالفعل صاحت نهى من بين أسنانها: -أما إنتِ وقحة بصحيح. فعلتها "صبا" ونجحت في إغضابها وجرها للخطأ الشنيع. لتصيح ببرائة:

-هااا! أنا وقحة! شوفت يا زيد أنا مش هرد عليها وانت واقف. انفعل زيد على كليهما وصاح بغضب وسط الغرفة: -بس اسكتوا انتوا الاتنين! انتوا مش مراعين احنا فين؟ تحدثت صبا ببرائة: -أنا لو عليا مراعية الدور، والباقي على اللي مش مكسوفة وهي جاي واقفة جنبك و... -اسكتي. لما أتكلم ما ترديش.

لاحظت كلا من مها وبثينة ومروة والدة نهي الشجار الذي تصاعد وخرج عن السيطرة. ظلت صبا تنظر في عينيه دون أن تخشاه، وكأنها تحذره من التمادي بالخطأ في حقها أمامهم. وكان لها السيطرة الكاملة عليه لتنهيه وقت ما تشاء. وبالفعل سكت عن الكلام. هتفت مها متعجبة مما حدث: -زيد، انت أعصابك تعبانة ومن امبارح ما ارتاحتش. روح واحنا هنستنى هنا معاها. أجاب وهو يضغط على مقدمة رأسه بقوة:

-لأ مش هينفع. أنا هاروح لجدى وأشوف موضوع الحريق ده وصل لفين. وكدا كدا انتوا كمان لازم تروحوا، الزيارة هتخلص وقعدتكم في الطرقة مالهاش لازمة. استمعت ونيسة للحديث وتعجبت من كلمة حريق، لكنها لم تقو عن السؤال. ما يدور حولها كان أكبر من تحملها، خاصة رؤيتها الساحرة الصغيرة تستحوذ على عقل ابنها. نهضت "بثينة" وقالت: -أنا هروح أعملكم لقمة تاكلوها أنا وصبا.

"صبا" نطق اسمها في هذه الجملة جعلها تلتف لها بدهشة غير مصدقة أنها ستعيش هذا الدور الذي كرهته طوال حياتها. لم تنتهِ الصدمة بعد عندما أضافت بثينة قائلة بابتهاج: -وهاخد نهى معانا عشان مريم. لاحظت السرور على وجه "مروة" وهي تقول: -إحنا أهل، ولا يمكن نسيبكوا في محنة زي دي يا ام عامر. ربتت "بثينة" على كتفها وهي تقول مبتسمة: -دا العشم برضوا يا ام ياسر، انتوا ولاد أصول.

وسط كل هذا التبجيل والتفخيم تنحى زيد عنهم ليجلس جوار والدته ويمسك بيدها، تاركاً "صبا" تواجه مشكلتها الجديدة وحدها. عندها هتفت بداخلها بشر: -كده يا زيد بتهرب؟ طيب ربنا يقدرني على فعل الخير.

أجبرت من جديد على وضع لا تألفه. ضم نهى في يوم صباحيتها إلى منزلها أمر مزعج، لكن إجبارها لن يغدو سهلاً. هي لا تريد أن تكون سيئة، لكن الظروف هي التي تجبرها، وعليها ستتصرف بطريقتها. وصلت إلى القصر مع عمتها ونهى ووالدتها، وكذلك زوجة أبيها. اللطيف في الأمر هو وجود مريم وقطتها بينهم. حاولت الانغماس معها والبعد عن محاولاتهم مضايقتها بها، لكن مريم كانت غريبة الأطوار. عندما سألتها فور نزولها من السيارة بحماس:

-إيه رأيك نأخد القطة ونطلع نوريها السطوح واللعب اللي فوق؟ بدت خائفة وغاضبة وهي ترد: -لأ، مش هروح معاكي. سبقتها بخطوات راكضة للداخل وهي تضم قطتها بين أحضانها. لوت "صبا" فمها بيأس وهمست بداخلها: -مالها البت دي؟ وأثناء مرور بثينة من جوارها وكزتها متعمّدة بكتفها لتعود قائلة بابتسامة شامتة: -معلش يا صبا بقى، مستعجلة بصراحة. أقضي اليوم مع نهى، أطعم غيري وتعالى نعمل أكل عشان جدك وولاد عمك لما يرجعوا. أخفت "صبا" تشنجها

وهدرت مستدعية هدوءها: -ولي ما نجيبش أكل من برة ولا نشوف طباخين؟ أسرعت "بثينة" بالقول لتردعها ناهية: -لأ يا حبيبتي، إحنا هنا مش بندخل بيتنا لا طباخين ولا دليفري. دي لو ونيسة علمت كانت هدّت القصر. وكمان جدك مش بيرتاح غير في الأكل البيتي. شدي حيلك واتعلمي بقى عشان جدك يتبسط منك. اقتربت منها صبا وركزت عينها عليها وكأنها تتأملها لقول شيء مهم. ومع آخر خطوة اتخذتها بالقرب منها طرحته متسائلة بجدية: -إنتِ بتكرهيني كده ليه؟

طيب ونيسة بتكره أمي، إنتِ بتكرهيني ليه؟ مطت بثينة شفتيها ببرود وهي ترد محركة رأسها: -عشان نفس السبب يا عنيا. امتعض وجهها وهي تسمع كلماتها المقتضبة تقطر كرهاً وسألتها متعجبة: -هي عملت إيه لكل الكره ده؟ تحولت نظراتها لغضب عاصف حتى تراجعت صبا بقلق من أن تقتلعها بكم الحقد الذي ظهر بعينيها المتسعة مجيبة من بين أسنانها: -عشان قتلت أمي. انتفضت صبا من بشاعة التهمة. لم تصدق أبداً هذه المهاترة السخيفة. رميتها بنظرة باردة وهمت

بتجاهلها وهي تقول ساخرة: -وإنتي شكلك كنتي بتحبي أمك أوي. أمسكت "بثينة" بساعدها لتمنعها من المرور. ونظرت بعينيها وهي تهتف بغل: -لما أبعتك ليها ابقي اسأليها. تصنعت "صبا" البرود وغيرت الموضوع تماماً وهي تهتف بتركيز: -ياااا جدو دا طلع واصل فعلاً. أنا اتأكدت من ده دلوقتي! ضمت "بثينة" حاجبيها وسألتها بدهشة: -ليه يا عنيا؟ أجابتها "صبا" دون اكتراث: -عشان حاطك في بطاقة المواليد أنثى مع إنك حية. إزاي عدت على وزارة الصحة دي؟

استمتعت بوجه "بثينة" الذي انتفخ من الاحمرار وتجاوزتها هذه المرة، رادة إليها وكزت الكتف وهي تهرول للداخل مخفية ابتسامتها على مظهرها المشتعل من الغيظ. غادرتها لتقف بثينة عاجزة عن الحديث والتفكير. لا تصدق أنها أهانتها للتو في شكل مزحة. صرّت على أسنانها وهي تردد بغيظ: -ماشي يا بت بشري.

صعدت لغرفتها واستدعت هدوءها لتعود من جديد، واقفة شامخة لا تهتز من نهى أو غيرها. هي وقفت بداخل قلب زيد واستحوذت عليه. ماذا تريد أكثر من هذا؟ ولتغيظ الكل قررت التعامل على أنها العروس.

ارتدت أفضل ما لديها وصففت شعرها بعناية ووضعت زينتها الكاملة ونثرت عطرها بغزارة لتفوح من بعيد وتزكم من قريب. لتريهم كم هي قاسية، متمكنة، لا تبالي بمن تنافسها. ستتصرف كأنها تملك زيد وحدها ولا تشارك أحد به. لتعلنها صراحة أن زيد ملكاً لها وليست ممن يحارب للوصول إليه. ستوضح أنها ملكت واستوطنت ولا أحد يملك ما تملك ولا أحد يستطيع هز ثقتها بنفسها ولا تحرك شعرة واحدة من رأسها من وجود نهى أو عدمه. ستقلب السحر على الساحر بل ستحرقهم دفعة واحدة ليعلموا أنها لن تهزم وليتقنوا إنها الخطرة.

يتبع عشقت إمرأة خطرة _سنيوريتا ياسمينا أحمد"الكاتبة" قراءة ممتعة لا تحرموني من تخيلاتكم وآرائكم وكم الجميلة ورداتي 🌹🌹🌹🌹

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...