أتي "حسين" مذعورًا تاركًا عمله وكل شيء يهمه، فـ "صبا" هي كل همه الآن، وعلى الفور توجه إلى والده يسأل بجنون عن ابنته وحقيقة ما سمعه، لكن الأمر كان قد انتهى، وقضية رشدي ورياض انتقلت لتحقيق النيابة، وبقي حكمه النهائي على "مها" بعد كل ما أخبره به. وقفت أمامه تبكي بدموع التماسيح وتنفي كل ما قاله. **مها:** معقول هتصدقهم يا حسين؟ دي كانت عيلة ومش فاهمه حاجة، أنا ماليش ذنب.
نظرت لها "صبا" ببرود، لم تنتظر من والدها أي شيء، فقد اعتادته مخيبًا للآمال، فلن ترى منه سندًا. وانتظر كلا من "فايز" و"زيد" حكمه النهائي بعد استعطافها له. أما حسين فقد كان مذهولًا مما سمع، لا يصدق أنه تم خداعه طيلة السنوات الماضية، وأنه كان ظالمًا لابنته، ويخشى أن يظلمها الآن. تحدث مشحونًا بالغضب: **حسين:** أنا كل غلطتي إني صدقتك. وإزاي أصدقك بعد ما سمحتي لأخوكي يطاول على بنتي اللي سبتها في أمانتك؟
وفوق كل ده تبعتي له صور ليها من على تليفونها؟ إزاي جاتلك الجرأة إنك تشتركي معاه في خطفها؟ لم تصدق "صبا" صحوة ضميره ويقظة ذكائه في كشف كذبها، وبقيت تنتظر شيئًا واقعيًا يثبت أنها لا تحلم. استمر "حسين" بجلدها بالحديث: **حسين:** يجيلك قلب تاكلي في خيري وتمدي إيدك على بنتي؟ وفوق كل ده تتبلي عليها؟ إنتي غلطة عمري. تفاجأت "مها" من ردة فعله وفشله هذه المرة بإقناعه، فقالت غير مصدقة: **مها:** مش مصدقني يا حسين؟
كل العمر ده وتتهمني؟ أنا مالي باللي قالوه رشدي؟ وما يمكن هما الاتنين مطبخينها سوا عشان يخربوا حياتنا؟ أسكتها بلطمة قوية على وجهها، أردتها أرضًا، فلم يتحمل أن توجه اتهامًا شائكًا كهذا يمس كرامته وشرفه. وهذه اللطمة كانت الأكثر تأثيرًا على صبا، والتي أثبتت لها أنها لا تزال في الواقع ولا تحلم. انتقم لها من سنوات عاشتها في خوف وقلق من تلك السيدة التي لم ترحمها أبدًا. صفعة كانت كالماء البارد على قلبها المحموم من سنين.
مال ليرفعها عن الأرض وهو يصيح بها بعنف: **حسين:** أوعك تتكلمي عن بنتي كدا تاني. إنتي غير أمينة على عيال ابني. أنا هاخده منك، وإنتي هرجعك الشارع اللي أخدتك منه ونضفتك. للأسف فكرتك إنك هتنضفي، لكن إنتي حبيتي تفضلي قذرة وتعملي بني آدمة على أسيادك. شدة الإهانة، وخاصة أمام صبا وزيد، كادت أن تجنها، فهدرت بحرقة: **مها:** أنا قذرة؟ أومال إنتوا إيه؟ دا إنتوا عيلة مقرفة، أختك بتعمل سحر عشان تقتل مراتك وبنتك...
نظر "فايز" نظرة إلى "زيد"، فعرف ما يريد، فمال ليسحبها من أمامه قبل أن يستوعب "حسين" ما قالته. وصاح بها "زيد" بانفعال: **زيد:** اخرسي بقي. لم تهدأ وحاولت الافتلات من يد "زيد" وهي تردد بجنون: **مها:** أنا غلطت إني استحملت واحد زيك وبنته المدلعة. ربنا ياخدكم كلكم. أنا هاخد ابني غصب عنك وبنتك الـ **** خليهالك. لم يتحمل "زيد" هذه الكلمة على صبا، وصفعها بقوة، فجن جنونها، لتقذفهم كالمجنونة بألفاظ نابية.
فختمها حسين بنبرة صارمة: **حسين:** إنتي طالق، طالق، طالق. كانت الخاتمة الأروع التي انتظرتها "صبا". صعقت "مها" عندما أنهى ما بينهم. ابتسمت "صبا" عندما أخذت شيئًا ضئيلًا من حقها. أشعلت نيرنها بتلك الابتسامة التي اعتبرتها شماتة، وحاولت مها الوصول لها لضربها، لكن زيد منعها من حتى المساس بطرفها. عندها ازدادت فخرًا بحمايتها التي كانت تتمناها لسنوات طويلة. هتفت "مها" خصيصًا لصبا: **مها:** إنتي واحدة ******
اختفت ابتسامة صبا، وكشرت عن أنيابها عندما سبتها، وبمنتهى القوة بصقت بوجهها. فتدخل فايز زاعقًا: **فايز:** زيد خرج الست دي برا، بلاش قلة حياء. سحبها زيد بالقوة بعدما أخرستها صبا ببصقتها، وهذا كان قدرها الذي تستحقه. هدأ الجو بعدما خرجت "مها"، وبقي فايز وحسين وصبا. سأل حسين بتعصب: **حسين:** الكلب أخوها فين دلوقتي؟ أجابه فايز وهو يستند على عصاه:
**فايز:** في السجن متهم بخطف وحريق المخزن بتاعنا. ورياض، إنت عارف مصايبه كفيلة تجيب له مؤبد. زفر مرتاحًا، ثم نظر باتجاه ابنته نظرة جديدة مختلفة، مفعمة بالحب والقلق. فتح ذراعيه واقترب منها ليضمها في أحضانه، مسح على رأسها بحنان وهو يسأل: **حسين:** إنتي كويسة؟
لم تسمع منه تلك الجملة من سنوات كثيرة، اشتاقت إليها وكثيراً ما تمنت أن يحتضنها. ما كان منها إلا أن بكت بكاء كانت تحبسه سنوات. مهما غضبت منه، يبقى حضن أبيها هو كل الأمان. أعطته أعذارًا كثيرة فقط لتنعم بهذا الحضن وتستلذ بهذا الشعور الذي حرمت منه من سنوات. ربت على ظهرها ليهدأها وهو يقول بنبرة لطيفة:
**حسين:** أنا عارف إن أسفي ملوش معنى قصاد اللي شوفتيه. وأنا غلطان غلط كسفني قدام نفسي. إزاي ما حاولت مرة واحدة أصدقك وأكون واثق فيكي؟ أنا اتعلمت بس متأخر. متأخر أوي. اتعلمت إن مرات الأب عمرها ما هتبقى زي الأم أو حتى الأب. وإن الأب لو اتجبر يتجوز، فلازم يراقب ويدخل ويشك، بس مش في بنته حبيبته.
أغرقت ملابسه بدموعها، وظل يضمها ويقبل رأسها، وفايز ينظر إليهما برضاء. هذا أعظم انتصار له منذ مدة، أن يخلق الحب بين أفراد عائلته، وهذا أول نجاح. العيش في جو هادئ أمر يستحق التخلص من كل الشخصيات السامة. "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد"
الصراع بين الحما وزوجة الابن صراع أزلي. لم تكن ونيسة لتقبل بصبا، خاصة مع تطورها السريع في تلك الفترة القصيرة التي قضتها بالقصر. وبعد مرور وقت طويل من حديث "فايز" وانهياره، عادت العداوة من جديد، وبزغت غيرة من نوع آخر بعدما أصبح لصبا زوار مخصوصون يأتون لزيارتها بالقصر، وأيضًا سيدات لهن مطالب يرجون تحقيقها. وقد بدأت بالفعل في تنفيذ مشروعاتها التي خططت لها بمساعدة زيد ورجال الأعمال الخيرين الذين ساهموا في تلك المشروعات سواء بمالهم أو بأراضيهم، لتصبح صبا سيدة الأعمال الأولى في قصر الواصل، والوحيدة المتفردة في البلدة التي عملت مشروعات نافعة باسمها، وكانت رحمة لمدينة صغيرة جاءتها طفلة مرغمة لتصبح أشهر امرأة فيها وأخطرهم.
"صبا" وقفت على أعتاب المطبخ تنظم وتحث كل الطباخات التي أتت بهم على الإسراع، وهي تهيم بهم قائلة: **صبا:** إنجزوا شوية، الناس زمانها جاية، عايزة كل حاجة تطلع مظبوطة، مش عايزة عطالة عشان يومنا طويل. رددوا البنات مجيبين بابتسامة، فالعمل معها أصبح حلم كل فتاة: **الطباخات:** إن شاء الله، كل حاجة هنخلص في المعاد. ابتسمت صبا هي الأخرى، واستمرت بالوقوف لتباشر عملهم. وهامت الـ... الجانبية بين السيدات والبنات،
وهن ينظرن لها بإعجاب: **إحدى السيدات:** شايفة لبسها وريحة المسك اللي فايحة منها. لترد الأخرى بصوت منخفض: **أخرى:** زي ما تكون رحمة بعتها ربنا لينا. ضحكت الأخرى خلسة لتضيف وهي تضع ما بيدها داخل الإناء: **أخرى:** ولا لزيد الواصل. سمعت إنه بيعشقها وما يشيلش عينه من عنيها. عادت المرأة تقول: **المرأة:** ليه حق يحبها، مش شايفه وقفتها وجمالها زي الملكة. صرحت الأخرى بإعجاب: **أخرى:** جميلة زي أميرات الحكايات.
التفت "صبا" عندما سمعت صوت "ونيسة" الساخط يأتي من خلفها: **ونيسة:** جاية تشرفي على الطباخين، وإنتي عمرك ما دخلتي المطبخ. طيب هتعرفي منين لو حد غلط؟ نظرت لها وأطبقت شفتيها حتى لا ترى الابتسامة التي تقاوم الظهور على ثغرها، ثم وضعت يدها لتهتف ببرود: **صبا:** ماهو مافيش حد يعرف المعلومة دي غيرك يا ونيسة. زجرته ونيسة بنظرة حادة وتحدثت بنبرة غاضبة رغم خفوتها:
**ونيسة:** ونيسة لما تطلع على جتدتك. ونيسة كدا حاف، يا قليلة الحياء. لم تكترث صبا برد فعلها وهتفت بلا مبالاة: **صبا:** إنتي حيرتيني معاكي. أقولك يا ماما؟ مش بيعجبك. أقولك يا طنط؟ بتقولي طنط تنطتك. أقولك ونيسة؟ تقوليلى تطلع على جتك. أعملك إيه أنا بقى؟ أردفت بجدية: **صبا:** أقولك يا مزة؟ تشنجت "ونيسة" من ردها الحاضر وقالت باستياء: **ونيسة:** اللسان عايز حشة والفم عايز قفلو. أنزلوا فم "صبا" وهمت بالمغادرة،
ونبهتها قائلة: **صبا:** خلي بالك بقى منهم ووصيهم يعملوا الحلو، وأنا هشوف شغلي. لأحسن وقفتنا جنب بعض فيها خطر على المطبخ. غادرتها قبل حتى أن تبدي رفضها أو قبولها، وسمعت قرع نعالها يبتعد بخطى سريعة للخارج. بالخارج اصطدمت صبا بوالدها يأتي من الخارج، فتأوهت: **صبا:** آخ. لاحظ كيف فزع وهو يمسك بيدها، رفع رأسها ليتفحصها بقلق وهو يقول: **حسين:** حصلك حاجة؟ ابتسمت له وأجابت ممتنة: **صبا:** لا الحمد لله.
عاد يسألها وهو ينظر خلفها: **حسين:** اومال بتجري لي؟ حد ضايقك؟ مالت لتهمس له بصوت منخفض: **صبا:** لا.. بس بهرب من ونيسة لأحسن تتعصب. ضم حاجبيه واتضح عليه الانزعاج، وهو يعود لسؤالها: **حسين:** هي لسه بتضايقك؟ نفضت رأسها بخفة وأخبرته: **صبا:** مش قوي. أنا عارفة إنها عمرها ما هتغير، عشان كده أنا بحاول أمشي أموري. مسح على رأسها وهو يبتسم لها ابتسامة ممتلئة بالإعجاب:
**حسين:** ربنا يكملك بعقلك يا صبا. تعرفي إن فيكي من أمك كتير. عبس وجهه وهو يهتف مشددًا: **حسين:** بس لازم تعرفي إنك في حمايتي. لو في يوم حسيتي إنها زودتها وإنتي مش قادرة تستحملي، أو حسيتي إن كرامتك بتتداس، أنا موجود. قوليلي وتأكدي إني عمري ما هسمح بحد يأذيكِ أو يزعلك تاني. عقب بندم شديد: **حسين:** كفايا اللي فات. رفعت يدها لتربت على كتفه مطمئنة:
**صبا:** ما تقلقش يا بابا. أنا كده كده مش هبقى موجودة عشان يحصل مشاكل. زيد هيسافر عشان الافتتاح بتاع المعرض الجديد وهكون معاه. والصراحة الشغل مضيع وقتي، فبقيت بشوفها قليل. خلي بالك إنت من وليد ومن صحتك. ربت هو الآخر على كتفها برحابة وهتف: **حسين:** وإنتي كمان خلي بالك على نفسك، وخلي بالك إني فخور بيكي.
ابتسمت له وبادلها الابتسام. كان بينهم فجوة كبيرة صعبة الالتئام، لكنها تلتئم ببعض الاهتمام. لقد بدأ "حسين" هذا، وأصبح يمارس دوره الذي تقاعس عنه منذ سنوات، وبات همه الشاغل هو أولاده، سواء صبا أو وليد، وكرس حياته لهم. وبناء لبنة جديدة في علاقتهم المهدومة. "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد" "في مكتب فايز"
استقبل "فايز" "حسين" الذي استمر بأسئلة كثيرة يرفض أبوه إجابتها حتى لا يقطع حبال الود بينه وبين أخوته. لكنه استمر بالمجادلة حتى وصل إلى هذا الحد: **حسين:** يا حاج، سألتك ألف مرة، ليه أختي ما بتجيش هنا؟ لا هي راضية تقول ولا إنت راضي تقول كمان. عماد هو فين؟ كمان أنا من حقي إني أفهم. رد فايز معلنًا ضيقه من تكرار الأسئلة: **فايز:** يوووه، هنعيدوا يا حسين.
لم يتوقف "حسين" كعادته عندما يرى ضيقه وينسحب دون سماع الإجابة. هذه المرة لن يمشي إلا بإجابة واضحة: **حسين:** يا حاج، طالما عايزني أقعد معاكم هنا، يبقى تعرفني كل حاجة. مش هقعد زي الأطرش في الزفة أنا. زفر "فايز" بتعب. فكرة فضح مخطط بثينة أمامه فكرة ستقطع كل الحبال بينهم، خاصة بعدما شاهد تحسن علاقته بابنته، ولا يريد مشاحنات جديدة في ساحة قصره. وضع يده على فمه وهو يتحدث بتعب:
**فايز:** بثينة، غلطت وخدت جزاءها. تريحك الإجابة دي؟ أثار فضول "حسين" أكثر ليسأل: **حسين:** عملت إيه يعني؟ صاح "فايز" وهو ينتفض: **فايز:** خلااااص بقى يا حسين، خلصنا. استسلم "حسين" لتلك الإجابة، لكن عاد يسأل: **حسين:** طيب، غلطة مش هتتغفر. دي تعبانة وحالتها بتسؤء. يوم عن يوم اسمحلها تيجي البيت تاني. هنا هب واقفًا "فايز" ليرفض بشكل قاطع دون تعصب: **فايز:** لا. دخول بيتي تاني مش هيحصل.
لاحظ "حسين" من رفضه القاطع أن بثينة أخطأت خطأ فادحًا غير قابل للغفران. أغلق فاه عن السؤال، وبدأ بالسؤال عن عماد: **حسين:** طيب وعماد عمل إيه هو كمان؟ أجابه بغضب، فالألم من جانبين: **فايز:** بربيه من أول وجديد. عندك اعتراض؟ التف لينظر له بحدة، وكأنه فهم قصده، وهدر محتدًا: **فايز:** ولا يكون عايزك تتوسط له. رآها في عينه دون إجابة، وهذا ما جعله يتعصب ويظهر البركان في عينيه. حاول "حسين" تهدئته ونهض
ليعلل تصرفه الذي زاد غضبه: **حسين:** براحة يا والدي. وفي إيه لما يكلمني يطلب منك تسامحه؟ عماد كبير في السن على البهدلة دي. ما معهوش فلوس خالص، وللأسف أصحابه اتخلوا عنه، وبقى ملوش مكان حتى يبات فيه. زعق "فايز" وانفجر كالبركان الخامد وصاح بضيق شديد: **فايز:** هو أنا كنت باعده عن هنا عشان أبهدله؟ ولا عشان يروح لنفس الناس اللي كان بيروح لهم قبل كده؟
أنا باعدته عشان يعتمد على نفسه، يغير من نفسه. وهو لسه زي ما هو ما اتغيرش، وصدقت فيه الآية: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" صدق الله العظيم. ضم حاجبيه واسترسل مستنكرًا: **فايز:** ابعده عن البيت بسبب ماشيه البطال، يروح يترمى في حضن الرقصات؟ هو مفكر إن قيمته بالفلوس زي من غير فلوس.
خالف "عماد" توقعه وهدم إيمانه في تغيره، ورح لنفس البيئة التي أفسدته بقدميه، متجاهلاً أن ولده أبعده ليصلحه لا ليعذبه. **فايز:** خليه يعرف إزاي يسيب أبوه في العناية وهو بيتسرح معاهم. قد أدرك أنه ثمرة عاطفته، منتهاها السقوط، وإن لم تسقط ستفسد كل ما حولها، لذا كان عليه بترها لينقذ الباقية. وخزة قلبه وهو يقول: **فايز:** مفيش منه فايدة، ربنا يعوض عليا ويخلفني خيرًا منه. كشر عن أنيابه وأردف بغضب:
**فايز:** قلوا أبوك قفل باب الغفران، إنت مــطــرود، مش عايز أشوفه لآخر يوم في عمري، ولا يرجع بيتي أبدًا. صُدم "حسين" من قسوة والده وهتف يناشده الهدوء: **حسين:** يا حاج، اهدى وصلي على رسول الله.
أغمض "فايز" عينه وقلبه ينبض بدقات متوالية تشبه الطعنات. شعور الخذلان مؤلم، والإجبار على الفراق شيء مرهق، لكن أحيانًا لا يبقى للقرب معنى، خاصًا إذا سقطت الأقنعة. خيبة الأمل في قطعة من لحمك ودمك، كالسقوط في بحر هائج غير مسموح فيه بالموت أو الحياة. اتخذ "فايز" قراره، لقد سئم برود دمائه وأعلنها صريحة: **فايز:** اللي قولته مش هيتغير. أنا ماليش ابن اسمه عماد، ولا ليه حاجة عندي.
انتهى أمر "عماد". لقد استطاع "فايز" أن يجتثه من أعماق قلبه وانتصر على عاطفته بحكمته، فلن يفسد عائلته لأجل فرد مستهتر. "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد" اتصل "حسين" بأخيه ليخبره بهذا القرار الذي تحير كثيرًا كيف يخبره إياه، لكن كان حتمًا عليه أن يخبره. وفور سماعه انفعل "عماد" وقفز من مجلسه في تلك الشقة الخاصة بأحد معارفه: **عماد:** إيه؟ بتقول إيه؟ أبويا اتبرّى مني؟ وازداد جنونًا وهو يصرخ:
**عماد:** يعني إيه بسهولة كده؟ اتخلى عني؟ ياخد تعبي وشقايا يديهم لزيد... قاطعه "حسين" محاولًا تهدئته: **حسين:** يا عماد، اهدي. هو زيد لوحده اللي هنا؟ إنت نسيت إن ليك ولدين هنا؟ اعترض بصوت مرتفع وجن جنونه: **عماد:** وحياة أمي ما هخلي عيالي تحت رحمة الكلب زيد، حتى لو فيها موتي. إن ما رجعته زي ما كان كلب في المزرعة، ما أبقاش أنا. انفعل "حسين" من تهديداته وعلى صوته هو الآخر قائلاً:
**حسين:** براحة يا أخي، مش كده. أنا مقدر الموقف، بس كلامك ده هيورطك أكتر ومش هيحل حاجة. أنا مش هسيبك وهساعدك من وراها. لم يرضَ "عماد" بهذا بعدما كان تحت يده المال والسلطة، واقترب من الترشح في المجلس. هدم الحلم تمامًا. لاحظ تلك المرأة التي تنظر بتفحص، والتي يبدو سمعت كل شيء. أنهى محادثته حتى يحفظ الباقي من هيبته أمامها قائلاً: **عماد:** هكلمك بعدين يا حسين. سلام.
أغلق هاتفه ووضعه جواره. ازدراء ريقه وساد صمت بينهم، لكن نظرات الازدراء التي في عين الفتاة كانت تحدث ضجيجًا داخل نفس عماد، جعلته يندفع وهو يسألها: **عماد:** فيه إيه؟ بتبصيلي كده ليه؟ لم يعجب الفتاة نبرة صوته العالية، وهتفت هي الأخرى محتدة: **الفتاة:** لا بقولك إيه؟ أنا مش فاتحة جمعية خيرية. إنت شوفلك حتة تانية. أنا مش ناقصة قرف. هب من مجلسه وصاح بانفعال: **عماد:** يعني إيه قرف؟ إنتي هتغلطي في أسيادك ولا إيه؟
أمسك بذراعها ينوي لويها، لكنها دفعته بقوة عنها وهدرت بوقاحة وهي تشهق: **الفتاة:** أسياد مين يا أبو أسياد؟ دا أنا بصرف عليك بقالي شهرين مرمي عندي، آكل شارب نايم ببلاش. جاءته صدمة أخرى من تجرؤها عليه بالحديث، تلك التي كانت تخشى أن يتغير مزاجه من قبل. زعق بها ليردعها: **عماد:** ما أنا يا ما دفعت... قاطعته بمنتهى الجرأة: **الفتاة:** خدت بفلوسك وأنا مش هصرف عليك. زادته غضبًا فوق غضبه، فهم بضربها وهو يصيح:
**عماد:** تصرفي عليّ مين يا بنت ******؟ أنا عماد الواصل، أوزنك فلوس يا بنت ******؟ صرخت الفتاة وتملصت من يده، وخلعت عنها نعلها وقفزت عليه لتضربه بقوة على رأسه ووجهه وهي تنهمل عليه بسيل من الألفاظ النابية وتوبخه: **الفتاة:** بتضربني أنا يا ******؟ يا ******؟ يا ******؟ لو رجعت ولاقيتك هنا هعرفك أصلك كويس يا ابن ******؟ ابتعدت عنه وقد تركت له ندبة طولية على جبهته بأثر حذائها.
كاد يجن وازداد انفعال. دار حول نفسه في حيرة، ماذا يفعل؟ لقد تجرد من كل شيء: عائلته، كرامته، احترامه الذي كان سابقًا يتعامل به. الآن وبعد سخط والده عليه، يضرب بالنعال ومن امرأة ساقطة في السابق كانت تلعق حذائه. ضاع كل شيء، فما بقي له شيء يستند عليه، كالساقط من طائرة في الهواء، حتمًا سيقع وسيموت، بل لن تجد له أشلاء. "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد" "عماد"
جلس على أقرب كرسي وجده، يلتقط أنفاسه بسرعة ويلتفت حوله، لا يعرف ماذا يفعل وأين يتجه، بعدما نبذه الكل كالوباء. أيركع لأبيه ويخضع لسلطة زيد؟ زيد اللعنة التي حلت على حياته، ومن قبله أبيه "نادر".
لن يتركه أبدًا هانئًا كما كان، سببًا في طرده من جنته. والسعي المستمر لخراب حياته. رفع هاتفه من أمامه وضغط زر الاتصال، ثم رفعه على أذنه منتظرًا إجابته. آخر شخص من الممكن أن يلجأ إليه. الشخص الوحيد الذي يمكن يساعده في العودة. الذي يعرف أنه لا يرد طلبًا لـ "زيد". سمع صوته الأجش والخالي من العواطف يسأل ببرود: **زيد:** أيوا. تحدث "عماد" بعصبية:
**عماد:** اسمع يا زيد، دي آخر فرصة ليك إنك تعيش. لو ما أقنعت جدك يرجعني القصر تاني، يا إما يديني نصيبي أعيش بيه. هخلي حياتك جحيم ومش هتتهنى ساعة، وأنا على وش الدنيا هكون كابوسك لآخر يوم في عمرك. على الجانب الآخر كان يستمع زيد ببرود ودون تأثر. ما عاد يعنيه أن يعيش أو يموت، فقد يئس من تلك التهديدات التي عاشها بالفعل، فليس هناك أبشع مما فعله. استمر "عماد" بالحديث بانفعال:
**عماد:** هسود عيشتك أنا، ومن بعدي الطوفان. وإن كان... قاطعه بحده وتصاعدت نبرته بالتدريج: **زيد:** عـمـي، اسمع. اسمع. أعلى ما في خيلك اركبه. أنا مش بتحدد، وإنت عارف قد إيه أنا ميت. والموت والحياة عندي سواسية. اعمل اللي تعمله، بس رجوع تاني لحياتي وإنت على نفس حالك دا على جثتي. ولو ما اتغيرتش، اعتبر نفسك حكاية وخلصت خلاص.
أغلق هاتفه وترك ناره تأكله. زاغ بصره وهو يصر على أسنانه وبدا كالمجنون، يكسر في المكان ويصرخ بجنون، صارخًا باسمه من بين أسنانه مغتاظًا: **عماد:** زيــــــد... زيــــــد...
ضل الطريق واستمر في ضلاله. لقد أعطاه الله وأبيه أكثر من فرصة للتوبة والعدول عن طريق الضلال والعودة إلى طريق الحق. لكن كانت نفسه كفيلة لتهلكه. الكبرياء كان أول خطأ إبليس، وظل الناس حتى الآن تتبعه، وكان هو أحد أتباعه. تكبر على سيادة أخيه، فقتله، ثم ابن أخيه، وشرع في قتله مرتين، إحداهما أصابت زوجته. تحدث لنفسه بأعين لامعة وهو يسحق كلماته أسفل أسنانه: **عماد:** بقى كده يا زيد؟ هقتلك. والله لأقتلك.
توقف قليلًا وقد لمعت برأسه فكرة شيطانية أخرى جعلته يرتخي ويهدأ من نفسه، ثم عاد يسترسل بدهاء: **عماد:** لأ، أنا هرجعك تاني لحالتك القديمة وأكسر نفسك وأخليك لا طايل الحياة ولا الموت. "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد" "في القصر" سأل فايز "زيد" الذي لتو دخل القصر: **فايز:** اتصل بيك؟ حرك رأسه بالإيجاب، وهو يجيب: **زيد:** أيوا. اشمأز وجه فايز وسأله من جديد: **فايز:** قالك إيه؟ اليأس كان عنوان
إجابته قبل أن ينطق بها: **زيد:** بيهددني يا إما أقنعك ترجعه، يا تديله نصيبه، يا إما هيسوي الهوايل. وكز "فايز" الأرض بعصاه بعصبية، وهتف: **فايز:** كنت عارف إنك أول حد هيجري عليه، بس حتى بعد ما هددته، مفيش منه رجاا... رفع رأسه دون اكتراث وهتف أمرًا: **فايز:** خلي بالك على نفسك وزود الحراسة على الباب والمعرض. ابتسم "زيد" معجبًا وسأله: **زيد:** خايف عليا؟ سكت "فايز" قليلًا، ثم حرك رأسه بتعب وهو يجيب:
**فايز:** خايف العاطب يفسد الصالح. وإن ما كنتش أخاف على عيلتي، هخاف على مين؟ أديك شايف خسرنا لحد دلوقتي قد إيه.. مش عايز أخسر أكتر. اقترب منه "زيد" وأمسك بيده وقبلها بعمق. الفترة التي مر بها جده لم تكن سهلة، والمشاعر التي مر بها كانت صعبة على شيخ عاش عمرًا يبني في عائلته فردًا فردًا، لكن في النهاية اكتشف أنه ليس هناك أساس من الأصل. هتف ليطمئنه: **زيد:** ما تقلقش يا جدو. أصلًا ما معهوش تمن المواصلات اللي تجيبه هنا.
نظر في ساعة يده، ثم قال بتعجل: **زيد:** أنا هطلع بقى، لأحسن زمان صبا على نار عشان مقابلة الضيوف. سمح له جده وتركه يصعد إليها. كل شيء يحتمل التأجيل حتى تتم صبا أعمال الخير التي أضافت لاسم العائلة سيطًا وهيبة. "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد" "في غرفة صبا" كانت تقف أمام المرآة وهي تعدل من حجابها وتضع بعض المساحيق التجميلية على وجهها، وتهتف بتذمر: **صبا:** يا زيد، إنت فين؟ اتأخر أوي.
**زيد:** أهو زيد حضر، أمري يا ستي. لقد تربص لها، يتابعها من بعيد، وعندما نادت باسمه لم يستطع التجاهل. التفت فور سماع صوته واتجهت صوبه تحادثه بتلهف وسرعة: **صبا:** اتأخرت كده لي؟ أنا قولت إنك نسيتني. تلقفها بين ذراعيه وابتسامته تملأ وجه، ثم طبع قبلة على إحدى وجنتيها بعمق، وتبعها بـ: **زيد:** ما أقدرش أنساكي أبدًا يا شمسي.
أطفأ نار غضبها بكلمة، وأنسها لما كانت بالأصل غاضبة. باتت تريد أن تقف كل الساعات وتسرق الزمن بأكمله لحسابها. حدثته بلين وهي تقف بين يديه وتعبث بأزرار قميصه: **صبا:** يعني أنا هفضل شمسك ومش هيجي يوم كدا ولا كدا تقلب عليا وتنساني؟ كان مستمتعًا بالنظر إليها وهي تحدثه بهذه الرقة التي تخفي خلفها غيرة متأججة من فكرة نسيانها. أجاب وابتسامته تملي فمه: **زيد:** بتعرفي إنك حلوة، بس غبية.
تحولت ملامحها للعبوس وتصلبت نظرتها إليه. هدأها مضيفًا: **زيد:** غبية؟ فاكرة نفسك بسهولة تتنسي؟ أنا أنسى روحي، أنسى نفسي، أنسى اسمي، ولا أنساكي إنتِ الخطيرة. ما تنسيش. عادت ابتسامتها فرحًا بما قال، ولكنها عنفته قائلة: **صبا:** بس ما تقولش غبية. هتف ساخرًا: **زيد:** عمال أقولك إنتي حبيبتي وشمسي، ويا ريتني عرفتك من زمان. تيجي إنتي عشان شوية تأخير صغيرين تقوليلي أنساكي؟ نظرت له بتحدٍ وحركت رأسها لتناطحه بالقول:
**صبا:** أنا عارفة، بس لازم بين فترة والتانية أختبر مشاعرك عشان ما تصديش. رفع أحد حاجبيه متعجبًا وهتف: **زيد:** يا شيخة! قولتلي؟ إيه الجمدان ده؟ والله ما كنت أعرف. امسك بطرف ذقنها وحدق مليًا بوجهها، ثم أردف بطريقة ملتوية: **زيد:** طيب ما تيجي أختبر مشاعرك إنتِ كمان، وتقوليلي أنا أتنسي بعد قد إيه؟ احمرت وجنتاها واختفت كل شقاوتها. هي مهما كانت خطيرة، فهو الأخطر. اخفضت عينها عنه بخجل وتمتمت بصوت منخفض للغاية:
**صبا:** إنت عايز عمرين على عمري... مال برأسه مستمعًا وقال: **زيد:** إيه؟ بتقولي إيه؟ ابتعدت عنه وعادت للمرآة وهي تقول بارتباك: **صبا:** هنأتخر يا زيد. الناس زمانها جاية. مش حلو نخليهم يستنونا. أخاف يضايقوا. تبعها ليقف خلفها، دقق النظر إليها عبر المرآة وهتف بابتسامة: **زيد:** ما تخافيش. طول ما أنا في ضهرك، أنا هفضل سندك وضلك والكتف اللي عمره ما هيميل. حاوط خصرها بيده وأردف: **زيد:** ليكي وللي جاي.
استدارت برأسها لتنظر إليه قائلة بأعين يملأها الامتنان: **صبا:** ربنا يخليك لينا يا عمري، ونفضل سوا لآخر يوم في عمرنا. وضع قبلة رقيقة على جبينها. الحقيقة أنه كان يختار بعناية كل قبلة يضعها في مكانها المناسب، وبعد أي جملة. لقد كان همه الأوحد أن يتفنن في إسعادها بشتى الطرق. "جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتبة سنيوريتا ياسمينا أحمد"
نزلا عبر الدرج يمسك بيدها. ارتدت هي فستانًا مطرزًا من أعلى لأسفل باللون الأخضر الداكن، وتركت التطريز يضيء ويظهر الفخامة والتميز. حجابها كان يطابق اللون لكن بدرجة خفيفة. وضعت على وجهها ما يجعلها مضيئة ويخفي شحوب السهر في الأيام الخالية. وإلى جوارها زيد، يرتدي بدلة سوداء أسفلها قميص أبيض مفتوح قليلًا من منطقة الصدر. شعره مصفف بعناية ورائحة العطر الذكية تفوح منه. كالنجوم كانت طالتهم على الحضور، كالسحر. الكل كان ينظر لهم في تأمل والإعجاب ينزلق من أعينهم دون أن يتفوه به. ساد الصمت بعدما كانت أصوات الثرثرة تملأ المكان، وفجأة أصبح وكأنهما وضع عليهما بقعة من الضوء.
مال زيد إلى جانبه وهتف بصوت منخفض، متعمدًا أن لا يلفت نظر الحضور الناظرين إليهم أكثر من هذا: **زيد:** قال وأنا اللي بقول إنتي اللي غبية. والله إني أنا اللي غبي. "صبا" كان يملكها ارتباك شديد. تنظر إليهم برهبة. لأول مرة تجتمع بحشد كهذا وتكون قائد لكل هذه النساء التي تود المشاركة في الأعمال الخيرية. ردت على مضض: **صبا:** ليه بتقول على نفسك كده؟ أجاب بعصبية طفيفة من بين أسنانه:
**زيد:** إزاي أخليكي تنزلي وإنتي بالحلاوة دي. ضمت شفتيها لتمتع نفسها من الضحك وهتفت لتناشده معاونتها على تخطي الموقف برمته: **صبا:** زيد بالله عليك ما تحرجني. أنا أصلًا هموت من التوتر. تشبث بيدها وهتف بنبرة قوية رغم خفوتها: **زيد:** شدي ضهرك. أوعك تميلي وأنا في ضهرك. حديثه كان بمثابة مسمار قوي ثبتها بالأرض. نزلت وهي تنفض كل خوف وارتباك، وبدأت تسلم على الجميع برحابة، تمتلئ بالثقة وتفيض بالهيبة وحسن الحضور.
وجدت من السيدات الفضليات كل الود والترحيب. رغم أنها أصغر منهم، الكل شجع فكرتها وهم بمساعدتها في أعمال الخير التي تسعى إليها. بدأ الحديث في حضور زيد قبل تناول الطعام، من إحدى السيدات: **إحدى السيدات:** إحنا مبسوطين كتير إنك فكرتي فينا عشان نشارك معاكي الثواب. ابتسمت صبا لها وهتفت برضاء: **صبا:** أكيد. لما يكون فيه عمل خيري لازم نشارك كلنا. وحتى إن مافيش فايدة، فرصة حلوة إني أتعرف على حضراتكم. قد إيه مبسوطة بشوفتكم.
عاينتها أحداهن بإعجاب وهتفت موجهة الحديث لزيد: **إحدى السيدات:** والله عرفت تنقي. ماشاء الله أدب وذوق وجمال وكمان ذكاء. أومأ زيد برأسه وابتسم لها. فهي ذكرت شيئًا ضئيلًا مما يدعوه لعشق هذه المرأة. دعتهم "صبا" نحو طاولة الطعام قائلة: **صبا:** اتفضلوا يا جماعة. تحركت النساء صوب الطاولة، وهم زيد بالخروج وهو يقول لصبا: **زيد:** أسيبك أنا بقى عشان أشوف ورايا إيه؟ امسكت بذراعه وسألته بقلق: **صبا:** إنت هتسيبني تاني؟
أجاب مستنكرًا قلقها المستمر: **زيد:** فيه إيه يا صبا؟ مالك؟ الناس بتحبك والمجال مفتوح قدامك. مافيش حاجة تخوف. كلميهم عن مشاريعك اللي بدأتيها واللي ناوية تعمليها والميزانية اللي محتاجاها. والحاجات اللي مصدعانا بيها. خايفة من إيه؟ امتعض وجهها وهتفت متشنجة: **صبا:** وإنت فاكرني خايفة أتكلم؟ أنا خايفة من أمك يا زيد. دلوقتي تخرج وتحرجني. حاول زيد التخفيف عنها مرددًا: **زيد:** أمك؟ لدرجة دي خدنا عليا. هتفت مزمجرة بخفوت:
**صبا:** زيد. تحدث مسرعًا حتى ينهي وقوفهم الذي طال، ويوقف نظراتهم المصوبة عليهم بفضول شديد: **زيد:** ما تقلقيش. جدو في البيت. أنا عندي شغل متلتل. ما تنسيش إن معرض القاهرة كمان يومين. ضغط على يدها بقوة ثم تركها ورحل. استدارت هي ورسمت ابتسامة واسعة على فاها وتحركت نحوهم لتتناول معهم الطعام. أتت "ونيسة" تتطلع بوجه الحضور. تعرفهم كلهم، فهي تربت وعاشت معهم. سلم الحضور عليها بحرارة، وبدأت في محاولة إسقاط "صبا" من عرشها،
عندما هتفت إحداهن قائلة: **إحدى السيدات:** مرات ابنك جميلة يا ونيسة، ربنا يبارك فيها ويقومها بالسلامة وتملي عليك البيت أحفاد. ردت "ونيسة" باشمئزاز: **ونيسة:** كفايا عليا منها نسخة واحدة. حاولت "صبا" الحفاظ على ابتسامتها وردت بضحكة على تلك المرأة السائلة، والتي اندهشت من رد ونيسة: **صبا:** ما تقوليش كده. حماتي بتغير عليا ومش عايزة غيري. نظرت لونيسه نظرة ثاقبة وأردفت:
**صبا:** إنما من زيد أعتقد مش هتقول لأ، دا زيد الغالي. سكتت "ونيسة"، لكن نظراتها تحمل الكثير من الألغاز المحيرة للحضور. عرفت صبا كيف تضع لها حدًا قبل أن تبدأ بتوبيخها، ومهما بلغت من الحقد لتهدم هذا المجلس، لن تغلب دهاء "صبا" في التماسك والإجابة الدبلوماسية على كل ما تقوله. عادت "ونيسة" تسأل وهي تتناول الطعام معهم: **ونيسة:** يعني خلاص هتحطوا إيديكم في إيد صبا وهتحطوا فلوسكم معاها عشان تعمل أعمال خيرية؟
فردت إحدى السيدات: **إحدى السيدات:** طبعًا، صبا أهل للثقة، وكفاية إنها في ضمان الحاج فايز. نظرت صبا إلى ونيسة حتى لا تزيد حرفًا على ما تقوله. لكن ونيسة لم ترتدع بهذا وردت: **ونيسة:** والله الحاج فايز من غير ما يضمن، صبا بتعرف تأثر على أي حد. غطت "صبا" على حديثها بضحكة أخرى، وربتت على كتفها لتقول: **صبا:** البركة فيكي طبعًا. طول ما إنتي في ضهري الحياة هتبقى أحسن.
كلما حاولت إحراجها، أحرجتها. كلما زرعت شكوكًا في نفوس الحاضرين حول صبا، اقتلعتها. فاض بها وهي ترمي جملة بضيق: **ونيسة:** عمومًا، صبا مسافرة مع زيد عشان حفلة الافتتاح بتاعة المعرض. ادعوا ما تعجبهاش العيشة هناك وما ترجعش هنا تاني.... قطعت حديثها صبا وهي تقول بدهشة: **صبا:** معقول يا ماما؟ هو أنا أقدر أبعد عنك؟ دا أنا بحبك. همهمت السيدات وتحدثن بإعجاب: **إحدى السيدات:** بنت أصول والله. **أخرى:** يا ما شاء الله.
**ثالثة:** ارزقني يارب بمرات ابن زيها. **رابعة:** ربنا يحرسهم. كادت ونيسة أن تموت قهرًا من حديثهم. نظرة صبا تجاهها شعرت وكأنها ستقطع النفس من تصرفاتها. ودت لو تهرب بعيدًا عنهم، لكن تحملت وجلست رغما عنها، فلن تظهر أمام النساء بعد هذا العمر أنها حماة سيئة. عادت صبا تنظر أمامه وأشارت للنساء مضيفة بابتسامة: **صبا:** ما تاكلوا يا جماعة. تناول الجميع الطعام بانصياع لرغبتها. لازالت لا تعرف حدودها أين؟
كلما وضعت في موقف خرجت منه رابحة. بدأت الآن تدرك حجم خطورتها التي يخشاه الجميع. .................. يتبع عشقت إمرأة خطرة -سنيوريتا ياسمينا أحمد "الكاتبة"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!