الفصل 46 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
3,559
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

انتقلت "صبا" مع زيد إلى مقر المعرض الجديد في القاهرة. كانت سعيدة بانتقالها معه من جديد، واصطحابه لها كانت أروع فكرة، خاصة وأن "ونيسه" مشتعلة من أعمال صبا الخيرية. الآن تجلس معه في شرفة الفندق الذي استقر فيه مؤقتًا حتى ينتهي من التعديلات على المعرض وينظم احتفالًا كبيرًا للافتتاح.

استمتعت بالعودة للأجواء الصاخبة التي افتقدتها من مدة طويلة. انتهت كل معاناتها وهي تنظر للسيارات التي تسير باتجاهين مختلفين، وتستند بظهرها على صدر "زيد" خير سند، تشتم الهواء الذي حرمت منه، والذي يخالطه أنفاس زيد الهادئة. تحدثت بحماس لتقطع تلك اللحظات الهادئة: -زيد، هو ما ينفعش ناخد شقة هنا ونيجي كل ما نحب؟ إن شاء الله كل شهر مرة.

أفكارها المجنونة وجموح أحلامها جعلته يبتسم وهو يسند طرف ذقنه على كتفها ويده تحاوط خصرها بتشبث، يرد ملعلعًا: -إي حنيتي للدوشة اللي بتحبيها! حركت رأسها وهي تؤمئ بالرفض وأجابت: -لأ... أنا ما بحبش حاجة في الدنيا دلوقتي دي كلها قدك. نفسي نبقى لوحدنا بقى، نفسي نبعد عن كل المشاكل، إن شاء الله في أوضة وصالة. عايزة يبقى عندي عيلة تانية بعيد عنهم، عايزة أحافظ على حبنا.

وضع قبلة رقيقة على وجنتها وعاد يسند طرف ذقنه على كتفها. أغمض عينيه قليلًا ثم هتف بجدية وبقول واحد صادق لا يقبل الشك: -وغلاوتك عندي يا صبا، لأعملك كل اللي نفسك فيه وأحققلك المستحيل. لم تصدق ما سمعته والتفت لتحدق له دون أن تستدير بكامل جسدها. أمسك بيدها المحاوطة خصرها، هتفت مذهولة: -انت بتكلم جد يا زيد؟ نظر إلى عينيها وحسها قائلًا: -اضحكي انتي بس وشوفي أنا عشان الضحكة دي أنا ممكن أعمل إيــه.

رغمًا عنها ابتسمت، ابتسامتها التي تخفي عينيها وترفع وجنتيها وتجعلها قابلة للأكل. ابتسم هو الآخر ومسح طرف أنفه بأنفها وتحدث كالمحموم: -لو تطلبي عيني ما تغلاش عليكي. سكت قليلًا ليسترسل: -اتأكدي إني مش مانعني عن تنفيذ طلبك دا غير جــدو. بس أول ما الزمن يسمح هتلاقيني أسيب الدنيا كلها وأخـتـارك. شعورها بحبه دون حدود واستعداده التام الذهاب معها إلى آخر العالم كان كافيًا للتحمل نتيجة فشل حلمها. رفعت يدها لتحاوط وجنته برقة.

وتحدثت برضاء: -وحبك دا كفايا عليا، هحاول لحد ما نحقق حلمنا ولو ما تحققش مش مهم، هستحمل عشان خاطرك وادي ونيسة مسلياني. أردفت بشقاوة تقفز من عينيها دون أدنى مجهود وابتسامتها اللعوب تترسم على فمها: -حظ أمك وحش أعمل إيه؟ قهقه عاليًا على مزحتها واعترافها بقدرتها على التفادي والتلاعب للعيش كما تريد. ضحكت معه بلا توقف، فحتى الضحك معه له طعم آخر. عاد للحديث قائلًا:

-ان شاء الله بعد ما نعمل الافتتاح الرسمي للمعرض جدو هيشتري شقة هنا للمدير اللي هيقعد هنا. اهتمت بما قال وسألت دون أن تغفل عن السؤال: -مين المدير؟ حرك كتفه بخفة وهو يجيب: -ممكن يكون يحيي أو بلال. التوسعات دي بنحط رئيس شرفي، إنما الإدارة بالكامل بتكون في المقر الرئيسي هنا، مجرد فرع. لفت رأسها ودار. فهل سيسمح لها الزمان بالفوز بالشقة والظفر بالوظيفة هذه لزيد حتى تحقق حلمها؟ لاحظ زيد شرودها وهتف وكأنه

قرأ ما يدور داخل عقلها: -ما تفكريش كتير، مش هينفع. الإدارة بالكامل هناك عند جدو. وصدقيني أنا هعمل كل اللي في إيدي عشان أخلي دماغك دي ما تسرحش كدا. أنهى جملته بأن وضع طرف إصبعه على جانب جبهتها. ابتسمت له وقالت بمرح: -خلاص مش هسرح تاني. نظر إلى ساعة يده وانتفض من جلسته وهو يهتف بتعجل: -أنا اتاخرت، العمال زمانها مستنية في المعرض. نهضت هي الأخرى متعجبة من تحركه السريع نحو الخارج وجمع أغراضه. هتفت بتأثر:

-أنت هتمشي وتسيبني لوحدي؟ هو انت جايبني تحبسني! استدار لها وامسك برأسها ليضع قبلة حانية. من بعدها هدر واعدًا: -ما تقلقيش، هنزل أقضي العمال وأرجع آخدك وننزل المعرض عشان نجهز ديكورات الافتتاح. غادر "زيد" وتركها وحيدة. أمسكت الكمبيوتر المحمول لتنظم عملها الخاص بزيد وترتب مواعيد الزيارات في الفرع الرئيسي. وتنشر عبر الصفحة اللائحة الخاصة بالمعروضات من قطع الأثاث وتنقل البيانات فوق كل تصميم.

انتهت من كل هذا وبقيت فارغة تمامًا يتملكها الضجر. فجأة تذكرت متابعينها عبر الجروب وأمسكت هاتفها وفتحت بثًا مباشر كما اعتادت. لكن هذه المرة غير كل مرة، كان يبدو على وجهها السعادة والفرحة تقفز من عينيها. استمرت بالتحدث لكل من يكتب لها تعليق وانجرفت معهم بالحديث حتى هتفت بعفوية شديدة: -أي رأيكم نتقابل كلنا في الافتتاح بتاع المعرض!

وانهالت عليها المرحبة بالفكرة والمستعدة للنزول لمقابلتها وجهًا لوجه. زادت سعادة وحماس وبلغتهم بالعنوان واسم المعرض "معرض الواصل للأثاث". وفتحت لزيد بابًا واسعًا للشهرة بتلك الدعاية غير المقصودة، بل بنت له اسمًا قبل أن يضع حجر الأساس.

ومنها بدأت تعرض عليهم تصميماته للأثاث من الصور التي معها وترد على استفساراتهم سواء بالسعر أو باللون أو باختيار الأذواق، لتفتح "صبا" بوابة كبيرة لم تكن تعرف كيف تستغلها ولا تدرك حتى أنها أصبحت شخصية مؤثرة. "في القصر" ما كانت ونيسة لتجلس وحيدة بعدما ضج المنزل بمها وبثينة وآخرهم مشاكسات صبا. أحيانًا وجود شخص يشاكسك خير من الوحدة التامة، وها هو القصر الكبير. فرغ إلا من فايز وهي.

وضعت أطباق الطعام فوق الطاولة الكبيرة لـ"فايز" ولها. وبعد صمت طويل تحدثت بضيق: -يعني زيد هيفضل ساحب صبا معاه في كل حتة زي الشنطة! لم يرفع "فايز" وجهه عن الطبق الذي أمامه، يعرف أنها أصابها الملل، لذا ردع قولها بـ: -مش مراته؟ هنحكم عليه يسافر ويبات لوحده وهي تبات هنا لوحدها. ردت بانفعال دون قصد منها: -وهنا برضوا لوحدها؟ منحها نظرة ساخرة "فايز" وهو يجيب: -وهي صبا كانت بتعمل إيه؟

شغل البيت بتعمله البنات والمطبخ مش بتعتبه؟ كنتي عايزها تقعد عشان إيه؟ زاغ بصرها وهي تبتلع ريقها وزفرت بملل. فعاد يسألها مبتسمًا: -هو بلال فين؟ أجابت: -في المعرض مع عمه حسين وابن عمه وليد. ويحيي في المخزن، ماحدش بيدخل البيت إلا الساعة ١٢، وطول اليوم لوحدي لما طهقت. نظر بمكر وسأل مبتسمًا: -عشان كدا بتسألي عن صبا؟ لم تخش نظرة السخرية له، فأردف مقهقهًا:

-عندك حق، البت ما كنتيش بتبطلي معاها نقار وعمالة لك حس وقلبان في البيت هي والناس اللي بتزورها. فضيتي الناس من جانبك وقعدتي. نفخت "ونيسه" بضيق وأدارت وجهها لعلها تمحي تلك الحقيقة المؤلمة، لكن لمعت في رأسها فكرة فسألت باستعطاف: -طيب ما تخلي بثينة ترجع تيـجـ...... قاطعها بحدة وهو يلطم الطاولة بقوة متزامنة مع هبوبه واقفًا من مجلسه: -أنتي مخك دا إيه اللي خرج من القصر دا مش راجعلوه تاني! نظرت له نظرة ذات مغزى فأكمل:

-ولا عماد عاد يرجع هنا، أنا طردته بلا رجعة. تجمدت الدماء في عروقها واتسعت عيناها غير مصدقة ما آلت إليه الأمور. ظلت تنظر له بدهشة تحاول استيعاب ما

سمعته، وكأن سنوات المرار التي عاشتها تحت ظل هذا الرجل سقطت وأصبحت حطامًا. هذا السور العالي الذي لم تكن تجرؤ لتخيل القفز فوقه أُزيل تمامًا، وبقيت حياتها مفتوحة لها ولأولادها، الحياة التي تمنتها بدونه. راعى فايز ما مرت به وراعى أيضًا صمتها وعدم التفاعل أو الحزن على مفارقته. حول نظره عنها، فما عاد يحزن له أو يتأثر على هوانه على زوجته، لقد بنى بأفعاله ما يجعله لا يلومها

على عدم التأثر منه أو تلك الفرحة المقيدة التي لا تعرف كيف تخرجها. "في بيت بثينة" دخل "حكيم" إلى زوجته بثينة خَانِع الرأس مكفهر الوجه، لم يلقِ تحية أو حتى يرفع رأسه باهتمام بها، مما جعلها تسأله بدهشة: -في إيه وشك جايب ألوان كدا لي وداخل لاسلام ولا كلام؟ جلس بجوارها وأسند يده لركبتيه وقال متحيراً: -شاكر رد عليا وقال مش موافقين على عامر. انتفضت مذعورة تهتف بجنون: -نعم! بنت شاكر البايرة اللي استنت زيد خمس سنين ترفض ابني!

أجاب وقد علا صوته: -مش انتي السبب في النكبة اللي احنا فيها. مافيش بيت فيكي يا بلد إلا وأعرف إن أبوكي غضبان عليكي والكلام عمال يروح بشكل وييجي بشكل وكل واحد بيقول على مشتهى بالوا. اختنقت من فداحة الأمر أن يكون اسمها في فم كل القرية بنبذ أبيها لها جعل كل ما في رأسها يتطاير، فصرخت بصوت عالٍ وبجنون. نهض حكيم ليسكتها وهو يعنفها صارخًا: -كفايا بقى فضايح! الله يخرب دماغك اللي خرب بيتنا!

ظلت تصرخ كالمجنونة ولا تعرف كيف تسكت صراخها. كانت مقهورة من غباء تصرفاتها التي عادت بالسلب على حياتها، وأول المتضررين كان ولدها الذي لم تخرج من الدنيا سوى به، فلم تجلب سوى الخراب إلى بيتها ولحياتها، فنار الحقد لن تحرق سوى صاحبها. سقطت أرضًا بألم مدوٍ في الرأس وغابت عن الوعي تمامًا. لم يتلهف عليها زوجها، فقد كان يشعر بالضيق حيالها. جل ما فعله هو أن رفع هاتفه ليتصل بولدها "عامر" ليغيثها. "في المعرض"

وقفت صبا بجوار زيد لترى آخر ما تم عرضه في المعرض استعدادًا للافتتاح وتقترح تبديل الأماكن حسب ذوقها. كان زيد ينفذ برضاء ودون مراجعتها، يثق تمام الثقة بها. وأثناء وقوفهم بداخل المعرض تفاجأ زيد بفتاتين مقبلتين عليهما بابتسامة عريضة، وفور اقترابهما هتفت إحداهما بسعادة: -انتي صبا؟ -شكلك أحلى من اللايف. حاولت صبا الاستيعاب، لأول مرة تشعر بأنها مهمة لشخص غريب عنها حتى يأتي لها خصيصًا لمقابلتها.

نظر زيد لهما بدهشة وحاول حماية صبا بأن وقف بوجهم ومنعهم من الاقتراب منها متسائلاً بتحفز: -انتوا مين؟ خرجت صبا من خلفه لتعفيهم من الحرج واحتضنتهم بفرح وهي تهتف غير مصدقة: -معقول جيتوا عشاني! فرحت البنتان بترحيبها ولطفها الشديد. وقف يمدحاها تحت أنظار زيد المتعجبة. كان يود أن ينتزعها من أحضانهما ويبعدها عنهما بشدة. استمرت الفتاتان بالحديث وحتى أشارت صبا نحو زيد قائلة: -دا زيد ابن عمي، معقول ما عرفتهوش؟

أنا وريتكم صور الفرح. ابتسمت الفتاتان وقال بتشبيه: -الصراحة انتوا الاتنين كاميرا التليفون ظالمكم، شكلكم في الحقيقة أحلى. وعاد يتحدثان وزيد يرفع أحد حاجبيه بتعجب. قالت الفتاة: -إحنا هنيجي الافتتاح كمان، النهارده قولنا نعدي عليكي ونديكي هدية بسيطة. قدمت لهم إحداهما علبة صغيرة من الشوكولاتة وفرحت صبا بها كثيرًا وانصرفوا.

التفتت صبا إلى زيد الذي كان يقف بعلامات من الدهشة جعلت حاجبه لازال مرفوعًا وفمه مضمومًا وكأنه يحبس سيل من الأسئلة التي لا آخر لها. عندها اكتشفت صبا أنها في مأزق لم تكن تحسب الاعتراف بهذا. تخيلت أنه أمر شخصي وقد لا يخصه، لكن بعدما طال معجبوها عتبة عمله فتحت عليها التوضيح. ازدرقت ريقها وهي تنظر إليه. فارق الطول بينهم جعلها تشعر بضآلة حجمها إن قرر مهاجمتها، فهي تشعر وكأنها تنظر لجبل شامخ.

كان أول من بادر بالحديث متسائلاً: -مين دول إن شاء الله؟ واي لايف بيحكوا عليه؟ هزت كتفيها بخفة موضحة: -لايف، بث مباشر يعني. حرك رأسه متجاوبًا وبغضب شديد قال: -أيوا ما أنا فاهم يعني إيه لايف. السؤال اللي عايز أعرفه إيه علاقتك بالايف؟ ازدادت توترًا فما كانت تحسب لهذا حساب. ردت بإرتباك: -أنا بطلع على جـروب لايف. سرعان ما تحول وجهه لاحمرار ولاحظت كم الغضب الذي انتشر على وجهه كالجنود في المعركة. فوضحت بسرعة وبنبرة تستجدى

فيها عطفه مشهرة إصبعها: -جـروب بنات بس والله العظيم. أشاح بوجهه عنها وابتعد خطوتين. نعم غاضب منها لإخفائها شيئًا مهم كهذا وأخذ قرارات متهورة دون الرجوع إليه، كمم فاه ممانعًا نفسه من الانفجار فيها. تحركت خلفه وحاولت إقناعه وتهدئته في آن واحد: -دا موضوع قديم من قبل حتى ما نتجوز. ابتعد عنها فتبعته من جديد وهي تسترسل: -أنا ما كنتش بلاقي حد أكلمه، كنت بتخنق من الوحدة. سأم من كبح جماح نفسه في السيطرة على غضبه وصاح بها:

-صبا ابعدي عن وشي السعادي. ارتعبت من مهاجمته ورفعت يدها لتقول بإستسلام: -في يا زيد، أنت هتحول ولا إيه؟ سحق الكلمات أسفل فمه وهو يقول آمرًا: -قدامي من غير ولا كلمة. "في المستشفى" تم توجيه "بثينة" إلى غرفة الإنعاش على الفور لتشخيص حالتها، والتي بدأت بالاشتباه في جلطة وتوابع مضاعفات غير معروفة. انتشر الخبر حتى وصل لأذن فايز، والذي لم يستطع تجاهله ووقف في الممر كالمقيد لا يعرف أين يتجه.

ابنته تصارع للبقاء على قيد الحياة كما صار هو من قبل بسببها، لكن قلب الأب أوسع من أن يرد الإساءة بالإساءة والعدوان بالعدوان. أسرع "حسين" بإسناده ولامه قائلاً: -إيه جابك بس ياحاج؟ عيناه كانت تائهه وأجابته كانت متحيرة: -اومال أعمل إيه؟ أعمل إيه وبنتي في المستشفى. أمسك "حسين" بيده ولأول مرة يشعر بالشفقة عليه، إنه يحمل نفسه فوق طاقتها ويملأ صدره بما لا يطيق فقط من أجل عائلته. دفع نفسه لنصحه بهدوء:

-اصفح عن عماد وبثينة يا حاج، أنت قلبك كبير. جلس "فايز" على أقرب كرسي، فما عادت قدماه أو عكازه يتحملا جسده المتعب والمرتخي. جلس بجواره "حسين" وانتظر بعد شروده وصمته شيئًا مهم يليق بتعابير وجهه الشارد. تحدث وقلبه يتمزق بشدة وكأن يسحب في جهتين متضادتين: -ضربة الغدر جات من ولادي يا حسين، تخيل تضيع عمرك كله عليهم وتتعب وتشقى عشان يبقوا في أحسن مكان وهما يعملوا كدا. أنا كل يوم بسأل نفسي أنا غلطت في إيه؟

ارتسمت على وجهه شبه ابتسامة حالمة وهو يرجع بذاكرته للوراء متذكراً حينما كانوا أطفالاً. أقسى ما يزعجه منهم المشاغبة. -عماد وبثينة كانوا عيال صغيرين، كانوا دايماً قريبين لبعض. البيت ما كانش يبقى هادي طول ما هما فيه. كنت أضايق منه وأقولهم هزعل منكم لو عملتوا كدا تاني. تحولت ملامحه للغضب وكأن ما كان ليذكر، واستأنف حديثه بحدة غير مسبوقة: -كانوا زي القرود، إذا اتخاصموا قلعوا الزرع وإذا اتصالحوا أكلوا المحصول.

وتحول عيناه الشاردة لعين يقظة وكأنها فتحت عن شيء كانت غافلة عنه. رفع رأسه لحسين الذي كان يستمع إليه بإنصات واهتمام. وقال مدهوشاً: -النفس دي أكبر من الشيطان. الشيطان ربنا بيحوشه عنك مرة واتنين وتلاتة، لكن لما بييأس منك بيسلط عليك نفسه، ونفسه هي اللي بتكون سبب هلاكه مش شيطانه. -وعماد وبثينة نفسهم هي اللي ضرتهم مش شيطانهم ولا حتى أنا. أنا واجبي أحمي عائلتي مش آكل حق البريء عشان ظالم. أنا وجبي يا حسين العدل مش العطف وبس.

ظل ينظر إليه "حسين" بفخر واعتزاز. هذا الرجل ما كان يصل إلى مكانته إلا بقول الحق. تلك والله اختصاص من الله له، قول الحق صعب وخاصة على أولاده. سأله حسين متعجباً: -يااا يا حاج، العدل حتى على أولادك. اتسعت عين "فايز" واستنكر سؤاله وهجاه قائلاً: -دا الرسول نفسه قال: "إنما أهلكم الذين من قبلكم، إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها."

وربنا قال: "بسم الله الرحمن الرحيم وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا" صدق الله العظيم. مين أنا عشان أخرج عن حدود الله؟ ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء! إلا الظلم يا حسين، إلا الظلم.

صدق "حسين" وأمسك برأسه ليقبّلها. ندرة فايز في هذا الزمان جعلت من العالم غابة. لم يكن ذو مكانة عالية إلا بكلمة الحق التي اشتهر بها، وأحاطته بأمور الدين وكذا علوم الدنيا، فالحكم بين الناس يحتاج مهارات متفردة وداراية كاملة بالشريعة الإسلامية وأن لا يكون الحكم من الهوى. أخيرًا خرج إليهم الطبيب وانهالت عليه الأسئلة من عامر وحسين وحكيم: -طمنا يادكتور. -مالها عندها إيه؟ سكت الطبيب أسئلتهم بإحباط شديد:

-الفحوصات المبدئية ما تبشر بخير. ما أخبيش عليكم حالتها متأخرة واحنا هنعمل أقصى جهدنا. أنا هدخلكم ليها دلوقتي لأنها عايزة تشوف والدها. تحرك فايز بخطوات متلهفة وبطيئة في ذات الوقت. وراح يخطو تجاه جسدها الملقى على الفراش دون حول ولا قوة. مال إليه يحبس دموعه مناديًا باسمها بقلق: -بثينة بثينة. فتحت عينيها وتطلعت عليه. حركت يدها بصعوبة لتمسك بيده وفمها الملتوي تحدث بضعف وانهيار: -سـ .... سـ.ــمـحـ‎ـنـى. حرك رأسه

وهو يطبق على يدها بقوة: -لو عليا أنا مسامح في حقي يا بنتي، بس أنا ما أقدرش أسامح في حق ناس تانية هما اللي لازم يسامحوكي. ظهرت نظرة الانكسار في عينيها بعد كل العداوة التي حملتها في قلبها لصبا ولوالدتها وما جلبت سوى الخراب لحياتها، مجبرة اليوم أن تطلب السماح من زيد ومن صبا. أما من ماتت فستقابلها عند ربها "في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى". أومأت بحزن وفمها الملتوي لم ينطق بحرف. فناب عنها والدها متسائلاً:

-أكلم لك أنا صبا وزيد؟ حرك رأسه ليحثها على القبول، وبالفعل استجابت وحركت رأسها بعدما أدركت أن الدنيا فانية وأن الصحة قد تخون في أي لحظة، وأن لقاء الله ليس بعيدًا، بل هو أقرب ما يكون الإنسان. لكن الإنسان نسّاء في كل ليلة ينام على وسادته ينام معه ملك الموت، فكلنا كلمات وكشوف من الأسماء، لا أحد سيتأخر عن موعده أبدًا ولن يفوته شيء. ولن يسبقه شيء. الموت قادم لا محالة كقدوم الليل كل ليلة.

فإن لم تحرص عن كف أذاك عن الناس وتنام صدرك خاليًا من الحقد والغل والحسد فقد تستيقظ وليس لديك فرصة للاعتذار وتنهي حياتك بمعصية لا يغفرها الله. إن الله يعاقب عقابًا شديد من ضر إنسان ولو بشق كلمة. مابيني وبين عبدي أغفره، وما بين عبدي والآخر لا أغفره، حتى يغفره أحدهما. وقد ورد عن النبي

صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه". فتوبوا إلى الله توبة نصوحة، وقدموا لآخرتكم كأنكم ستموتون غداً. لم يتجاوب معها طوال الطريق، حاولت حتى أن تناوله شوكولاتة مما قدمت إليه بدلال: "طيب، دوّق الشوكولاتة دي، طعمها جنان."

رمى لها نظرة غاضبة جعلتها تسحب يدها بهدوء، ومن بعدها قالت بعبوس: "نويت تعكنن علينا يعني يا زيد؟ ما أنا عارفة حظي، أطلعه على السلم ينزل بالأسانسير." ظل صامتاً، ينفخ أنفاسه بضيق، وهي تثرثر بحنق وتحاول استفزازه وهي تقطم قطع الشوكولاتة: "يعني الواحد يهرب من نكد ونيسة يقعد لي في ابنها." رفعت يدها إلى السماء بتمني واسترسلت:

"يارب يارب، أنت عارف إني طيبة وغلبانة، عوض صبري خير، واديني على قد نيتي، والله اللي يجي عليا ما يكسب ولا يريح." اختطف زيد لها نظرة مدهوشة وهازئة، فنظرت له بغيظ وهي تعتدل في جلستها قائلة: "اديني داعيت أهو، وريني هتيجي عليا إزاي." نظرت له نظرة ثاقبة وأضافت وكأنها اكتشفت شيئاً جديداً: "تصدق أنا ظلمت أمك! أيوه والله ظلمتها."

"بختي أنا اللي مايل، شوف بيني وبينها مسافات والنكد جاي جري ورايا، تقول لي مش لاقي غيري. لأ أمك فعلاً مظلومة، مش هي السبب." عادت ترفع يدها إلى السماء هاتفة تحت نظراته المتعجبة من فرط جنونها: "سامحيني يا ونيسة، سامحيني يا أم الغالي، أنا فقر، أنا فقر ولسه عارفة حالا و...... "إســـكـــتي." قاطعها زيد زاعقاً بعنف، فسكتت تماماً من فرط الفزع.

عام الصمت، فعادت تمد يدها بقطعة شوكولاتة بحرص نحو فمه، فزفر بصوت عالٍ جعل يدها ترتد بسرعة. قال بضيق قبل أن يصطف سيارته أسفل الفندق: "شكل الشوكولاتة دي فيها حاجة، طيرت مخك." أجابت ببرأة: "طعمها حلو." نظر لها قليلاً، فزمّت فاها بأسف، أطاح برأسه وأمرها بجدية: "انزلي." نزلت عن السيارة وسبقته للأعلى دون نقاش، محتضنة علبة الشوكولاتة التي أبت تركه إلا فارغة.

صدح هاتفه وأضاءت الشاشة باسم جده، ففتح على الفور ووضع الهاتف بين كتفه وأذنه وهو يلملم أغراضه من السيارة: "أيوا يا جدو، عامل إيه؟ هتف "فايز" وصوته يمتلئ بالأسف والحزن: "الحمد لله على كل حال." ضم "زيد" حاجبيه متعجباً من نبرة صوته الواضح أنها حزينة، فسأل بقلق: "في إيه يا حاج؟ صوتك ماله؟ دخل "فايز" فيما يريد سريعاً وقال وصوته يغلب عليه الحزن: "عمتك بثينة تعبانة وحالتها حرجة."

لم يكن "زيد" ليُتأثر بها بعدما كانت سبب في قتل مريم، لن ينسى أبداً أنها ذهبت بقدمها لساحر كي تقتل زوجته وأصابت ابنته. فهم "فايز" سبب صمته وعدم تفاعله مع الأمر، لكن كان لديه أمل أن ينجي ابنته من العذاب، فهتف يرجوه: "لو تكلم صبا وتيجوا بعد حفل الافتتاح وتسامحوها." "وعفى الله عما سلف." هنا زعق زيد بحدة قاطعه: "أسامحها على إيه بعد ما دمرت حياتي وكانت سبب في موت مريم؟ هتف "فايز" ليخفف وطأة الأمر عليه:

"لكل أجل كتاب، وإيه عرفك أن موت مريم شر ما يمكن خير؟ وأهو ربنا هيطعمك تاني، إنما هي بتتعذب دلوقت، على الأقل نرحمها نفسياً." ظل "زيد" صامتاً يجز على أسنانه بغضب، لم يعد يريد أن يكون ضعيفاً، يسمح بالدهس على رأسه ويقبل باعتذار واهٍ. عاد فايز ليقول مستدلاً بآية لعلها تجعل قلبه يرق: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ." صدق الله العظيم، سورة النور.

لم يرفض "زيد" ولم يقبل، ظل صامتاً حتى أغلق فايز الخط بعد أن قرأ الآية، فما كان له أن يجبره على العفو إن لم تكن نابعة من قلبه فلن تجدي نفعاً، لذا أغلق دون إضافة شي آخر. لا زالت "صبا" تأكل بنهم من الشوكولاتة حتى لطخت فاها بالكامل وزاد سعادتها للضعف، وأصبح من المستحيل أن يغضبها أي رد فعل من زيد. دخل إليها ورآها في تلك الحالة، فصاح بحدة: "هتجيلك تخمة، كفايا أكل من البتاعة دي، هتعبى."

نهضت واتجهت صوبه وهي تمسك بأحدهم وعيناها تنظر له بإشارات تحثه على مجاراتها وهي تقول: "بالعكس، دي عملت لي دماغ حلوة أوي. عايزني أبطل أكل معاها؟ وأنا أبطل." أنهت جملتها وقطمت قطعة أخرى، عض طرف فاه وبات مستعداً لفعل أي شيء لتكف عن إيذاء نفسها. رفع يده وحاول أن يختطفها من يدها، لكنها أبعدت يدها لتشير له بالاقتراب حتى يأتي إليها.

أجفل قليلاً، فالقرب منها خطورة، فهو يعرف أنها نقطة ضعفه وأن ليس لديه أي سبل للمقاومة أمامها، إن سايرها فقد ضاع وضاع عقابه. أخرجته من هذا بصوتها الرقيق المتسائل: "تعال دوّقها." فتح عيناه وراقبها وهي تحاول إغراءه، ثم اقترب منها ليلتقط منها القطعة، لكنها كانت مُصرة على أن تبعد يدها عنه وتناولها لفمه بيدها هي. قطم قطعة صغيرة وهو ينظر لعيناها بعمق، من بعدها هي لمست شفتيه بأطراف أصابعها لتخفي بقايا ما علق

بها وتلعقه هي قائلة بهدوء: "حلوة مش كده؟ كاد أن يذوب من طيش تصرفاتها، يعرف نفسه لا يقاومها أبداً، هي من تجعله مراهقاً لا يحسب أي حساب. رمى كل أسلحته أرضاً وتشبت بها وبدأ يتذوق الشوكولاتة الحقيقية التي تناثرت بقاياها حول فمها.

يقال إن حواء أخرجت آدم من الجنة، لكن حواء ذات نفسها هي من أرته الجنة على الأرض. المجرمة الخطيرة جعلته ينساق إليها وينسي كل شيء، مهما كان، فلن تتركه ليلة واحدة ينام وهو غاضب منها، فقد تعاهدا على السير معاً ولا يليق بالطريق الخصام. نسي كل شيء كان، وكأن لم يكن، وانساق خلف مشاعره الفياضة لها، والتي لا تعرف سوى أنها عشقه الأبدي وحبيبة قلبه المدللة، مهما بدر منها يغتفر.

فهي الخطر، النار التي تلجم قلبه، وذات النار التي تنير عتمة دنيا وتذيب الصقيع المتراكم في جنبات قلبه. هي من روّضت الوحش، هي الخطيرة التي يكون وحشاً لأجلها وحملاً وديعاً بين ذراعيها، وكيف لا وهي... امرأة خطرة... يتبع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...