الفصل 44 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
20
كلمة
4,369
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

استعدوا لحلقة مليئه بالمفاجات قضت أيام جميلة بالمزرعة وثبت مقولتها بأنها المزرعة السعيدة. أتم عمله الذي جاء لأجله. تحدثا معًا كثيرًا، بدآ معًا صفحة جديدة عنوانها الصراحة والثقة والأمان. انتقضت الرحلة وعاد بالطريق إلى القصر. "في السيارة" صوت الموسيقى الصادح كان يفعمها بالسعادة والحماس. تفاعل معها زيد وكأنه يجرب عيش الحياة على طريقتها.

حركت يدها بعشوائية، وهو بين الحين والآخر يخطفها إلى أحضانه بحب ويكرر على مسامعها جمل قصيرة كلها عشق ومحبة. ولم يغب عنه لقبها الجديد الذي أطلقه عليها "شمسي". الطريق كان طويلًا جدًا، فارغًا تمامًا من البشر والسيارات والوحدات السكنية. لذا كانت هذه تسليته الوحيدة، أما النوم على كتفه أو إلى جانب الشباك. بعد ساعات هدأ زيد السرعة بعدما رأى من بعيد شيئًا ممددًا يقطع الطريق. وقف ليتحقق.

كان هناك جذع شجرة. نزل ليزيحه، لكن فور ما اقترب منه ارتطمت عصا ثقيلة بخلفية رأسه، أردته أرضًا غارقًا في دمائه. "في سيارة الجد فايز" اليوم قرر الذهاب لطلب نهى لعامر ابن ابنته بناءً على رغبة جميل. ركبت بثينة التي بدى على وجهها الحسرة والحزن. كان فايز أمامها، لكن حاجزًا عاليًا بينهم، وكأنه بالمشرق وهي بالمغرب. هتفت وهو تحاول الإمساك بكتفه: -أبويا سامحني يا أبا. لم يكتفِ بسحب كتفه منها، بل زأر بانفعال:

-ما تمديش إيدك عليا. أسامحك على إيه ولا إيه؟ خربتي بيتي وقتلتي بنت حفيدتي. حاولت التبرير وعينها تفيض بالدموع قائلة: -يا حاج، أنا كان قصدي العقربة بنت بشري. التفت إليها فجأة وعيناه الصقريتان تدحجانها بغضبٍ جَم. واندفع صائحًا: -إنتِ اللي عقربة؟ عايزة تموتي حفيدتي؟ إنتِ ما عملتيش حساب ليا ولا ابن أخوكي اللي ما فرحش طول حياته. أشهر إصبعه متوعدًا:

-الله في سماه لو فتحتي بقك بكلمة تانية لأفضحك في وسط العيلة وأقول عملتي إيه. خليكي مستورة أحسن. اعتراها خزي لا آخر له، فخفضت عينها عن عينه. يقتلها نبذة لها الحسرة التي تعتصر قلبها. ستقتلها. لم تجد ما تتفوه به. أما هو، فلم ينتهِ حديثه. عاد يتحدث بعصبية:

-أنا جيت النهارده عشان عامر. غير كده إنتِ مالكيش عندي خاطر. عشان بس تعرفي إني ما بفرقش بين عيالي وولادهم. عامر طلباته كلها هتجيله. إنما إنتِ ولا مليم هطوليه ولا دخول بيتي تاني. إنتِ قتلتي أبوكي بالحيا. قطع الحديث تمامًا واستدار بكامل جسده عنها عندما رأى جميل قادمًا مع ابنه عامر. أما هي، فقد أصبحت في حالة سيئة. لو قتلها كان أرحم من هذا الجفاء البين. دخل عامر ومعه جميل، ولاحظوا الصمت الذي يعم بينهم.

والجو المشحون والتعابير المضادة على وجوههم توضح كم الخلاف بينهم. استاء فايز من نظراتهم وهتف مغتصبًا: -أمك تعبانة يا عامر. رجعها البيت تبقى تروح مرة تانية. لم تنتظر أكثر من هذا ونزلت من السيارة. "زيد"

استمع إلى صراخ صبا، لكنه لم يكن يستطيع الحراك. يرى أقدامًا، لكنه لا يرى بشكل جيد. الرؤية ضبابية وجسده بالكامل مخدر. رغم كل هذا، صوت صراخها كان دافعًا ليحاول النهوض. استند على كفيه وجاهد بدفع نفسه، لكن سرعان ما أسقطته عصا أخرى هوت فوق رأسه دون هودا. فقد الوعي تمامًا.

بقيت هي تناديه بهلع. لم تخفِ كل من حولها، كل ما تخشاه هو فقدان زيد. لم تسمح تلك الأيادي الغاشمة التي منعتها من الوصول إليه. جُنّت تمامًا وهي تركل بقدميها في الهواء وأيادي تسحبها للخلف. دقائق معدودة ووضعت في سيارة غريبة وانطلق بسرعة جنونية من جوار زيد الملقى أرضًا. لم تغب عيناها عنه ولم يكفِ فمها عن الصراخ باسمه. في منتصف النهار

وقف فايز يحاول الاتصال بـ زيد مرارًا وتكرارًا دون جدوى. إنه الرد الآلي الذي لا يجيب سوى بكلمات معدودة. اغتصب منه وساوره قلق لا يعرف له سبب. لقد تأخر دون حتى اتصال يطمئنه. لم ييأس وكرر الاتصال لعل مرة واحدة يرد، ولكن نفس الجملة المستفزة التي جعلته يصيح بغضب: -يحرق الرقم على المحمول على شبكات الاتصال كلها. اقتربت منه ونيسة وتساءلت بقلق: -لسه ما ردش.

زفر بيأس. ما كان ليفقد صبره بسهولة ولا يزعزعه غياب أحد إلا زيد، فإن قلبه يشعر به قبل أن يعرف الأسباب. عادت ونيسة تهتف وقد تفتت صبرها: -لأ كدا في حاجة. أنا هبعت بلال يشوفه. ترك لها التصرف، فهو أيضًا لا يرتاح لغيابه وعدم محادثته كل هذا الوقت. التفت كي تأتي بهاتفها لتتواصل مع بلال لكي يتحرك في البحث عن أخيه المتغيب. تقابلت مها مع ونيسة المهرولة للأعلى بينما هي تنزل للأسفل. بدت مرتاحة، ليس هناك ما يقلقها. سألتها بهدوء:

-مالك يا ونيسة؟ طالعة تجري على فوق كدا ليه؟ أجابتها وهي تستمر بالهرولة: -زيد ما رجعش ومش عارفين نوصله. لم تتطر مها لتمثيل الاكتراث. فونيسه غادرتها سريعًا. نزلت باتجاه فايز الذي يدور حول نفسه ويتضح عليه التوتر. اقتربت منه وهي تسأل بلؤم: -مالك يا حاج؟ صوت أنفاسه كان عاليًا. يهمهم دون إجابة واضحة. لكنها التقطت من شفرات نبرته كلمتين: -زيد متأخر. مسحت على كتفه برفق وأدعت المواساة وقائلة:

-ما تقلقش على زيد يا حاج. أكيد صبا آخرته. نفض رأسه وهو يرد عليها: -قال لي إنه جاي في الطريق من الصبح. هتفت بتلوٍّ ونظرتها تمتلئ خبث: -ربنا ينجيه من كل شر. لم تنهِ جملتها حتى استمعت إلى صوت سيارة مسرعة تقتحم ساحة القصر وتصدر صريرًا عالٍ. توقف فايز ونظر باتجاه الباب مترقبًا القادم. دخل زيد بهيئة مزرية. ملابسه ملطخة بالدماء. خطواته ثقيلة متجهة صوب جده ويبدو عليه الغضب لا الألم. صاح فايز بجنون وهو يتجه صوبه:

-مين اللي عمل فيك كدا؟ كان في صدمة وذهول، والغضب جعل جسده بالكامل ينتفض وهو يرد: -ما أعرفش. ناس طلعوا علينا في الطريق. وفقت ما لاقيتش صبا. لم يقوِ الجد على تحمل الصدمة وصاح بجنون: -يعني إيه ما لاقيتش صبا؟ رد زيد وعيناه تلمع بغصة وعجز، لكن نبرته كانت حادة تمتلي بالشراسة: -مش هسكت. هقلب البلد عليها. وطيها ما فيش شبر اللى لما أدور عليها فيه. واللى عمل كدا هقطع لحمه بسناني.

ارتعبت مها مما يقول، خشيت بالفعل أن يصل لخاطفيها. وفي الوقت ذاته نزلت ونيسة والتي صرخت بجنون عندما رأت حالة والدها: -زيد مالك يا ابني؟ مين عمل فيك كدا؟ لم يجيبها زيد. حالة الغضب التي تملكه تفقد صبره ووقوفه هنا دون معرفة أي جهة يأخذها تشعره بالقيد. رفع الجد هاتفه ليضغط على أزراره وهو يقول: -أنا هتصل على وزير الداخلية. هو اللي هيخلص الموضوع دا. تدخلت مها كي تمنع الجد وتتمم خطتها هاتفه بتسرع:

-على مهلك يا جدو. ما يمكن دي زي المرة اللي فاتت وصبا هربت وتبقى فضيحة على الفاضي. رفع الجد نظره باتجاهها وتشنج وجهه متعجبًا مما تقول. لكن زيد كان الأسرع في رد الفعل، حيث هوى على وجهها بلطمة قوية جعلتها تسقط أرضًا. تابعها بصوت كالرعد: -إخــــــرســـي. شهقت ونيسة من فعله، ونظر إليه جده بحدة دون أن يردعه. شلت الصدمة تفكيرهم وجعلتهم في عجز تام عن الحديث. إلا زيد الذي مال بجذعه ليسحبها من الأرض. ويوقفها عنوة ساحبًا ذراعها

بقسوة وهو يزمجر بعصبية: -إنتِ حسابك معايا بعدين. نعدي الموضوع دا وإن ما كنت علمتك تتكلمي إزاي عن أسيادك ما بقاش أنا زيد. اشتعل الغضب بداخلها وسحبت ذراعها من قبضته وردت بانفعال حاد: -زيد مين اللي تعرفهولى؟ روح شوف تليفون مراتك اللي مستغفلاك. صبا هربانة بمزاجها. دي الحقيقة اللي مش عايز تشوفها. صر على أسنانه لم يتحمل رميها بتلك التهمة الشنيعة وأخرجته عن طوره، فهوى بصفعة أخرى على وجهها:

-بس يا قذرة. صبا أنضف منك ومن عشرة من عينتك. كان مستعدًا ليفرغ جم غضبه بها، لكن جده منعه زاعقًا: -زيد كفاية. ردت مها لتصب على نيرانه كيروسين: -شوف تليفونها وبعدين اتكلم. شك زيد بطريقتها وصاح فايز بها: -اخرسي إنتِ دلوقت. تحرك زيد للخارج، بينما وقف فايز متحيّرًا. هل يصدق مها فيما تقول أم يتبع زيد؟ وتساءل بشك: هل صبا هربت أم مخطوفة؟

فتح زيد سيارته وأمسك بهاتف صبا الموضوع بالسيارة كما تركته دون رمز سري. وهذا كان خطأها. أمسكه بتعجل ليرى الرسائل الخاصة. وفجأة سقطت عينه على رسائل مكتومة الصوت بينها وبين رشدي. ضم حاجبيه وهو يرى صورًا لها مرسلة لرشدي ورسائل خادشة جدًا من رشدي لها وهي مستمرة بإرسال الصور. لم يدرِ كيف كانت تعمل رأسه الآن، ولا يدرك حجم البركان الذي انفجر في عروقه.

اتجه صوب الداخل ليعود إلى جده الذي يقف بلا حراك. تجاهله وغير وجهته نحو المكتب الخاص بجده. غاب لدقائق وخرج بمسدسه يمسكه بيده. صرخت ونيسة وانفعل فايز وراح ينهاه صارخًا: -سيب اللي في إيدك دا يا زيد. اتجه صوب مها التي صرخت هي الأخرى وحاولت الهرب. لكن أمام ثور هائج، أين تذهب؟ أمسك بها وصاح بانفعال وهو يوجه فوهة المسدس إلى رأسها: -لو ما قولتيش مكان أخوكي فين هفرغ المسدس دا في رأسك. اقترب منه فايز متعجبًا من حالته

الجنونية وهجومه على مها: -زيد إنت اتجننت؟ صاح زيد مجيبًا وكأنه لم يبقَ له شيء يخشاه: -أيوا اتجننت وهعمل أكتر من كدا لو ما عرفتش مكان صبا فين. انطقي أخوكي فين؟ ما كان من مها إلا أن أخبرته، فروحها عزيزة ولن تفدي بها أخاها. تركهم وغادر بعد أن شدد على عدم خروجها أو حتى تمكينها من الهاتف حتى يعود. فاجأ زيد الكل بنوبة غضبه وجنونه. لو كانت روحه ما كان ليصارع كل هذا الصراع. في مكان مظلم

كانت صبا مقيدة وهي جالسة على كرسي قديم تحيط بها جدران غرفة فارغة. دموعها لم تجف وقلبها يركض، ليس خوفًا مما قد يحدث لها، إنما قلقًا على زيد الذي رأته غارقًا في دمائه. لا تعرف ماذا ينتظرها ولا تعرف عنه شيئًا. هو كان من سينقذها الآن؟ من قد يفكر بها؟ فتح الباب ودخل إليها رشدي. لم تره من مدة كبيرة ووجوده في مكان كهذا يؤكد أنه من كان وراء تلك الحادثة، لأنها لم ترَ أيًا من خاطفيها، كلهم كانوا ملثمين لا يظهر منهم شيء.

هتف متفاخرًا بسقوطها في يده: -أخيرًا اتقابلنا تاني يا صبا. بصقت في وجهه بتقزز وقد غلبها الحنق من فعلته وجرأته على ضرب زيد واختطافها. تبعت ذلك صائحة بغضب: -حقير. إنت حتعيش وتموت حقير. مسح وجهه وحاول تهدئة غضبه من فعلتها، وهدر باستياء: -سمعت إنك اتغيرتي وبقيتي حد تاني، بس ما حدش قال لي إنك بقيتي بالخطورة دي. أنهى جملته باستهزاء وسحب كرسيًا جانبيًا ليجلس بمقابلها واسترسل:

-عمومًا إنتِ خلاص اتقلعتي من قصر الواصل. فاللي إنتِ مسنودة عليه يا إما مات، أو لو عاش هيكتشف خيانتك. وصورك اللي بعتيها لي والمحادثات اللي بيني وبينك خير دليل. ردت دون فهم وهي تنظر إليه باشمئزاز: -وأنا بيني وبينك إيه يا *****؟ عض طرف شفته محاولًا كبح جماح نفسه من فرط وقاحتها وآثار الهدوء وهو يجيب: -إنتِ ما تعرفيش. ما أنا أختي بعتت لي صور كتير من تليفونك وكام كلمة حلوين.

ودلوقتي زمان كل حاجة اتكشفت والكل متأكد إنك هربتي. ودا مش جديد عليكي. تجمدت أنفاسها من فرط شره وشر أخته. تململت في جلستها محاولة أن تفلت يدها من أغلالها. لن تسمح بأن تخزي جدها مرة أخرى وأن توضع في هذه الزاوية من جديد. صاحت به لتحذره: -أنا لو ما خرجتش من هنا ههد المعبد على اللي فيه. إنت كدا مش بتشوه سمعتي لوحدي. إنت بتأذي سمعة ولادي من بعدي. مش هيهمني لو روحي بقت قصاد روحك.

أطاح برأسه وكأنه لا يعنيه هذا وتحدث ببرود مناسب لدمائه التي تسير في عروقه: -ما تشغليش بالك باللي جاي. يمكن ما يجيش أصلًا. أنا عايز منك حاجة واحدة بس من زمان وإنتِ عارفها. بعديها بقي ناس هتحولك تمامًا من صبا إلى حد تاني. خالص. وبيتهيأ لي مش هتعرفي ترجعي تاني قصر الواصل. ولا تبصي في وش حد فيهم بعد ما هربتي وقتلتي ابنهم. زيد هو زيد. كان شوية عندهم.

لم تتخيل أن تكون تلك هي نهايتها. أغمضت عينيها كي تمنع جيوش الدموع التي تتجمع عند مدمع عينيها. غص قلبها لمجرد احتمال موت زيد واشتعل في جنبها نار مستعرة للانتقام. لن تعود لتلك الطفلة الضعيفة الباكية وتتركه يستبيح جسدها. لقد علمها زيد أن الموت يأتي مرة واحدة فقط. وإن كان من أجلها فمرحبًا به. وهي الآن نضجت بما يكفي لإرعابه حتى وهي مقيدة. وتيقنت من هذا عندما سأل بنبرته القلقة: -إنتِ مغمضة عينيكي لي؟

فتحت عينيها ولكن شبعتها ببريق القوة. لن يهزمها جيش إن أرادت. فما خُلقت ضعيفة، ولكن عاطفتها من تضعفها. ولكن حينما تقتلع المرأة قلبها تصبح أقوى من ألف رجل. هتفت بنبرة هادئة تمتلئ بالثقة والقوة: -لو سبتني أخرج من هنا أنا هعتبر نفسي ما شفتكش ولا قابلتك وهسامحك على اللي إنت عملته. إنما لو قررت تتغابي وتنفذ حرف من اللي قولته أنا هكون كابوسك لحد آخر نفس في حياتك. عايشة أوميته.

أثرت عليه لثوانٍ. لو كان ما يعرفها وهي صغيرة، لإنخدع في تلك القوة التي تتسلح بها. حتى ابتسامته التي ظهرت على شفتيه كانت باهتة. صمت قليلاً حتى رد دون اكتراث وبإستهزاء: -إنتِ ما تقدريش تعملي أي حاجة وأنا مش هفتكرك بعد ما أخد اللي عاوزه. وإنتِ زيك زي أي حد قبلك. بس إنتِ كنتي السهلة الصعبة. نهض من مكانه ليقترب منها أكثر ويدقق النظر بها ويستعيد ذكريات قديمة:

-أختي كانت بتلعب بيكي وفرضت سيطرتها الكاملة عليكي. وزي ما كان سهل تجوزك ليّا كان صعب إنك توافقي بيا. أمسك بطرف ذقنها، فأبعدت وجهها وهي ترمقه بتقزز. سألها مدعيًا التأثر: -شوفتي وصلتي بينا لفين؟ كان زماننا متجوزين يا بنت الحلال. انفعلت وراحت تصرخ بوجهه: -تراهني إني هكون لعنتك اللي مش هتعرف تخلص منها إلا بالموت يا حقير. لم يقاوم رغبته في صفعها ورفع يده معلنًا غضبه وهو يهدر بعصبية:

-أنا هوريكِ مين فينا اللي هيبقى حقير يا بنت ******! أوقفه فتح الباب الذي دخل منه وجه غير غريب، مبتسمًا ابتسامته المستفزة، ينطق بنبرته المعتادة على الهدوء حتى في أحلك الظروف قائلًا: -براحة يا رشدي... حد يعامل ست بالطريقة دي. اتسعت عيناها بدهشة من حضوره. عرفته على الفور. إنه رياض. حرباء عائلة الواصل البشع والقذر عاد يقف أمامها بمنتهى الجرأة. نادت باسمه وسألت باندهاش: -رياض إيه جمعكم على بعض؟ أخبرها

بابتسامة وهو يتوجه صوبها: -المصلحة طبعًا. شرع في فك أغلالها وهو يستأنف حديثه بـ: -مالوش لزوم تربطها يا رشدي. كدا كدا صبا هتخاف على نفسها. دي ست حامل وخبطة في بطنها هتخليها تندم. سيبها على راحتها. هي هتحافظ على نفسها. شعرت بأن الفخ ضاق عليها. وجود رياض ومكره وشرّه الذي تعرفه زعزع أمنها. تمنت أن يكون زيد معافى حتى ينقذها من هذا المأزق. فهو فقط من يهتم لأمرها.

تحررت يدها أخيرًا وهبت واقفة. زعقت به وهي تقتحم مساحته وتحدق بعينه بتحدٍ وتسحق كلماتها بين أسنانها: -قولتلَك ما تقفش في طريقي تاني. ضيق عينه وهو ينظر إلى عينها مباشرًا وصمت قليلاً كي يقرأ ما خلف هذه القوة. ثم رد عليها بهدوئه: -ما ينفعش أقابلك وأتخطاكي. إنتِ صيدة كبيرة أوي بالنسبالي يا صبا. وما تنسيش إنك سبق وجيتيني برجلك. كانت غلطة. قالتها باشمئزاز وأضافت بصفعة قوية هوت بها على وجهه: -ودي بداية تصليحها.

هجم رشدي عليها ليمنعها من زيادة تهورها. فحاولت تخليص نفسها من يده وصرخت به: -ابعد إيدك عني يا حيوان إنت. أمسك رياض وجنته ونظر إليها بنفس نظرته الباردة التي لم يتخلَ عنها. ثم تحدث بحنق: -إحنا اتكلمنا بما فيه الكفاية. وجه وقت الفعل. إنتِ كدا كدا اتنبذتي وبقيتي زيي. فهخدك ونسافر. صاحت وهي لازالت تحاول التخلص من قبضة رشدي: -على جثتي... مش هتحرك من هنا غير واحد فينا ميت.

وقبل أن تترك له الإجابة كان صوت الارتطام بالباب شتت انتباههم. استدر وهو ينظر بدهشة نحو الباب. خرج رياض ليعرف من القادم، ولكن رؤية زيد أمامه كانت الصاعقة. تراجع وظهر على وجهه الرعب من إشهاره سلاحًا بوجهه. لم يكن يعرف زيد بهذه الهمجية. ومعنى أنه وصل إلى هذا، فإنه لم يبقَ على شيء. والتنحي من وجهه أسلم حل. رفع يده مسلمًا له دون أدنى مقاومة وهو يراه مقبلًا نحوه بخطوات ثابتة. هتف:

-أنا مليش دعوة يا زيد. مرات أبوها اللي اتفقت معايا هي وأخوها ناخدها. ما كان من زيد رد. فقط خطوات يتخذها صوبه تزيده رهبة وتقيده بالرعب. -اعقل يا زيد. ما تضيعش نفسك. لكن زيد لم يكن يسمع أو يرى. أطلق رصاصة مرت من جانبه. ما كان ليخطئه، لكنه أراده يسقط على الكرسي.

وعندها قفز فوقه وأنهال عليه ضربًا. لم يشعر بكم الغضب الذي تملكه من فعلته هذه وجرأته في الاقتراب من شيء يخصه. لم يترك بوجهه شيئًا سليمًا وأنهال عليه بلكمات مجنونة حتى جعل وجهه عبارة عن كتلة من الدماء. تركه ينزف والتف ليذهب باتجاه الغرفة الموصدة الباب. رَكَله بقدمه وفتحه على مصراعيه.

اتسعت عين صبا عندما رأته أمامها. لم تصدق أنه يقف على قدميه بعدما رأته غارقًا في دمائه. حاولت التوجه صوبه، لكن تشبث بها رشدي، فهي الآن درعه الذي سيمنع زيد عنه. من جانب زيد، أشهر مسدسه وعيناه تقدح بالشرار ينظر باتجاههما بغضب وغل. والدماء التي على وجهه تزيده شرًا وإجرامًا. تحدث رشدي ليحذره من أن يتهور: -لو قربت مني هقتلها. ضغط على عنقها بيده كي يعطيه تحذيرًا صريحًا بأنه يستطيع إنهاء حياة حبيبته. لكن زيد هتف دون اكتراث:

-طيب ما تقتلها. مش هي برضوا هربت معاك. الصدمة الكبرى كانت من نصيب صبا، التي شهقت بدهشة من تصديقه هذه اللعبة الغبية التي اقتنع بها. حاولت التملص من يد رشدي، لكنه تمسك أكثر بها. ووجه إليه سؤالًا بثقة: -أيوا هربت معايا. إنت بقى عايز إيه مننا دلوقتي؟ ظل زيد يحاول التقاط أي مكان في جسده ليصوب عليه. حتى يبعده عن صبا. لكنه كان بالكامل مختبئًا خلفها. رد عليه زيد وهو يتحرك بخفة في الغرفة: -انتقام إيه؟

عايز زيد الواصل يتخان ويسيبكم عادي كدا؟ أنا لازم أقتلك وأقتلها. انفلتت صبا من يد رشدي وصاحت بانفعال: -معقول صدقت بالسرعة دي؟ في التو واللحظة كان قنص قدم رشدي وأسقطه أرضًا. وبعدها انقض عليه لينهال عليه ضربًا مبرحًا. أول شيء حطمه به كان يده التي تجرأت على لمسها. ثاني شيء كانت عيناه. أنهال عليه كم من اللكمات لا يحصى حتى أنهكه التعب. فنهض ليطمئن على صبا التي جلست تبكي أرضًا على شك زيد بها. مد يده ليجذبها إليه، لكنها

دفعت يده وهدرت بانفعال: -مش عايزة منك حاجة. اقتلني وريحني. مال بجذعه ليضمها إليه. ظلت تقاوم وتدفعه بكلتا يديها في صدره، لكنه تحمل حتى هدأت ومسح على رأسها أخيرًا. تنفس وكأنه كان يحبس أنفاسه لمدة طويلة. والآن استطاع التنفس براحة. أغمض عينيه. الآن شعر بالتعب. كان مجبرًا على النهوض لحمايتها. سألها بنبرة متعبة: -إنتِ كويسة؟ لم تجبه وحاولت الابتعاد عنه، فهتف دون أن يسمح لها بالابتعاد: -إنتِ عبيطة؟ أشك فيكي؟

أنا أشك في روحي وإنتِ لأ. أنا كنت بجاريه عشان أبعده عنك. أنا مستحيل أشك فيكي. تجمدت أنفاسه وكأنه يلتقطها بصعوبة. عناقته بقوة. فهذا ما كانت تتمناه طيلة حياتها أن يثق بها أحد ويصدقها دون شرح مطول وأقسام مغلظة. بادلها الحضن وتحرك بها نحو الخارج. شعوره بأنه سيفقد وعيه هو ما دفعه للتحرك مسرعًا من هذا المكان. تاركًا خلفه جثثًا هامدة لا يبالي بحياتها أو موتها. كل الذي يعنيه هو نجاة شمسه "صبا". والباقي فليذهب للجحيم.

بمجرد أن تجاوز الباب وجد جده ينزل من سيارته معه الكثير من رجال الشرطة. أسرع فايز بالاتجاه صوبه وهو يسأله في قلق: -طمني يا ابني. أومأ برأسه الذي بات ثقيلاً مجيبًا بتعب: -اطمن. أنا كنت واثق إنها لعبة بين مرات أبوها وأخوها. لاحظ جده التعب الذي يوشك على إسقاطه وأمسك به ليسنده قائلًا: -تعال نروح المستشفى.

انتشر رجال الأمن وتركهم فايز ليؤدوا مهمتهم واستقل سيارته مسرعًا نحو المستشفى ليوقف النزيف الذي بدأ يفقده الوعي تمامًا. طوال الطريق لم تترك صبا يده وتركته يميل برأسه على كتفها دون تزمر. قضت يومًا مرعبًا، لكن الرعب الحقيقي في حالة زيد الآن. طيلة حياتها تكره السرعة الزائدة. والآن لا تبالي بشيء سوى الاطمئنان عليه. صرخت للسائق في جنون: -زود السرعة أكتر. زيد دمه هيتصفى. ردد فايز وقلبه يرتجف: -استر يا رب.

ارتخى جسده إلا يده الممسكة بيدها كانت قابضة على يدها وكأنها تيبست على هذا الوضع. وصل أخيرًا للمستشفى وتولى أمره فريق الطوارئ والذي أغاثه بمحلول ملحي ليعطيه بعض القوة وحوله سريعًا لغرفة الأشعة للاطمئنان على أنه جرح سطحي لا يؤثر. في أي شيء داخلي. ثم أغلق جرحه وتركه في غرفة المتابعة حتى يفيق. جلست صبا أمام الفراش ولا تزال تمسك بيده. دموعها لم تجف ورأسها يحرمها إغماض عينها. بالخارج

كان فايز يقف يجرى عدة اتصالات مع رجال الشرطة بخصوص ما حدث ويطمئن ونيسة التي لم تتوقف عن الاتصال به للاطمئنان على ولدها. أخيرًا أجابها بضيق: -يوه عليكِ. ما عندكيش صبر. أجابته عبر الهاتف: -مش أطمن على ابني. ابني ماشي سايح في دمه وشايل سلاح. هتف كي يختصر ويطمئنها: -اطمني يا ستي ابنك بخير واحنا في المستشفى اهو. صاحت بفزع: -مستشفى إيه؟ أنا جاية أطمن عليه. هتف ليمنعها:

-ما تجيش يا ونيسة. احنا شوية وهنبقى عندك. حطي عينك على مها على ما نيجي. اياكي تغفلي عنها. أغلق الهاتف دون المجادلة معها وشرع بالاتصال برقم آخر. وهو حسين. لم يغب عن الرد وهتف مرحبًا: -أيوا يا والدي. وحشتيني والله. صاح فايز معنّفًا إياه: -وحشك قطر إنت. سيبنا في الهم وحتى تليفون ما تتصلش بيه. سيب اللي وراك وقدامك وتعال على أول طيارة راجعة. اهتزت نبرة حسين من حدة والده وسأل بتردد: -خير يا حاج. في إيه؟ صاح به دون نقاش:

-قولت تيجي يعني تيجي. حاول حسين شرح وضعه الذي لا يفهمه فايز قائلًا: -يا حاج أنا مش في حكم نفسي والشغل... قاطعه فايز محتدمًا: -يرضيك أقولك بنتك مخطوفة عشان تسيب اللي وراك وتيجي؟ انتفض فزعًا من هول الكلمة وسأل بتوتر: -إيه صبا؟ مين عمل كدا؟ هتف فايز ليحسه على القدوم: -إنت هتفضل تكلم من عندك. تعال شوف إنت مين عمل كدا وهتعمل فيه إيه؟ أجاب بخنوع: -حاضر. أنا جاي. هسيب كل حاجة وجاي.

لعل هذا الموقف أحيا ما مات منه. لعله يشعر تجاه بإبنته بمشاعر الأبوة الغائبة عنه منذ زمن ويفعل لمرة واحدة شيئًا صائبًا. لم يغفل فايز عن تأديب كلا من رشدي ورياض. لذا استعد ليخرج ملف مصائبهم الكامل من درج مكتبه ويفتح النار على كليهما. فرشدي له سبق إتلاف مخزنه. وهذه كفيلة أن تدخله إلى السجن مدة لا بأس بها. أما رياض فلديه الكثير والكثير من الأفعال التي تودي بحياته في السجن. وقد حان معاقبته الآن. "زيد"

فتح عينيه أخيرًا فوجدها تجلس بجانبه وتحتضن يده وعيناها كالدم من فرط البكاء. سرعان ما اعتدلت عندما فتح عينيه وهتفت باسمه في شوق: -زيد، الحمد لله إنك قمت بالسلامة. رفع يده ليمسح على وجنتيها آثار الدموع وقال بحنانه المعهود عليها: -اوعي تبكي تاني. احتضنت يده وقبلت باطنها بعمق. ما كانت تصدق أنه سيعود من جديد. كانت خائفة من أن تخسر عطفه وحنانه وثقته بعدما أشعرها بالخذلان وتصديق ما قاله رشدي. هتفت براحة:

-إنت يتبكي عليك عمر يا حبيبي. مين يستاهل يتبكي عليه غيرك؟ تنهد براحة وهتف بجدية: -بعد ما أموت أبقى عيطي. طول ما أنا لسه واقف على رجلي مش عايز أشوف دموعك. تشبثت أكثر بيده وقالت بفزع: -بعد الشر عليك يا حبيبي. "وصل إلى القصر" كلا من فايز وزيد وصبا. سبقهم فايز. وأمسكت صبا بيد زيد وهي تمشي إلى جواره. نظر إلى حركتها وتساءل بتعجب: -يا بنتي إنتِ بتعملي إيه؟ هتفت وهي تمسك بيده وتحاوط خصره بذراعها: -بسندك. رد وقد زاد تعجبه:

-كدا بتسنديني ولا سانده عليا؟ ضحكت رغماً عنها وهتفت: -والله دا أقصى شيء عندي. حاوط هو خصرها وراح يسخر منها قائلًا: -إنتِ عاملة كدا وماسكة إيدي وقال إيه سنداني. ما تيجي أشيلك وأعملي نفسك شيلتيني. انزعجت من سخريته وصاحت وهي تتحرك معه للداخل: -لأ خليك لما أولد. وبعدين مش عاجبك إني سنداك خلاص هسيبك تمشي لوحدك. ابتعدت عنه فناداها متصنعًا الإرهاق: -آه إلحقيني بسرعة هقع.

عاد كالمجنونة لتسانده. حتى وإن كانت تصدق أنه مزاح، لكنها لن تتحمل أن يطلب منها العون ولا تلبي. فقلبها أضعف من العصيان. امسك هو بها وهو يبتسم من عودتها وقلقها وقال معجبًا وهو يعاينها بعشق: -أحسن واحدة ينضحك عليها. بقولك إيه؟ أنا واجب عليا أشيلك. إنتِ زمانك تعبتي النهارده. مال بجذعه لينفذ ما قاله، لكنها منعته وهي تقول: -لا يا زيد إنت تعبان بلاش دلوقتي.

هربت منه قليلاً، لكنها اصطدمت بوجه عابس يبدو أنه تابعهم من فترة طويلة. "ونيسة" كانت تقف وعيناها تمتلئ بالغضب. يدها على جنبيها باعتراض صامت كمن يشاهد عرضًا بدقة. ساد الصمت. بين زيد وصبا وشاركتهم به ونيسة. فقط نظراتها الحادة والعدائية تحدث ضجة كبيرة. تحدث زيد حتى يهدأ من ردة فعلها المتوقعة قائلًا: -إي يا أمي؟ ما فيش حمد لله على السلامة؟ هنا انفجرت بعداء صريح وهي تلطم كفيها ببعض هادرة بعصبية:

-سلامة وإيه هتيجي منين السلامة؟ من ساعة ما بت بشرى عتبت البيت وهي قلبتُه ندامة. تراجعت صبا إلى جوار زيد واندفعت بحرارة لترد. على إهانتها بـ: -خليلك البيت يا طنط. أنا أصلًا مش عايزاه. كاد تنفلت ونيسة وتتمادى أكثر وتضربها لولا ممانعة زيد في الوصول لها. فاستمرت بتوبيخها بصوت عالٍ:

-بعد ما خربتيه وقعدتي على تلها من يوم ما خطيتِ برجلك هنا وكل يوم مصيبة. من أول ما اخترتي زيد دونًا عن الكل. زيد اللي اتحملت عشانه المر ورضيت بالهم عشان ما أفرطش فيه. قلبتي حاله وسحرتيه. وفوق من كدا خلصتي من بنته عشان تستفردي بيه أكتر وأكتر. دفعها زيد بخفة خشية من أن يعنفها، فهي بالنهاية والدته. وهتف مستدعيًا الصبر: -يا أمي حرام عليكي. إنتِ كدا بتظلمي نفسك بظلمها.

صبا كانت تشاهد كم غضبها وتقف خلف زيد تستمع كالصماء إلى ما ترميها به وتحاول أن تتحلى بالصبر. عادت ونيسة لحدتها ومحاولة الوصول إلى صبا: -ظلم واللي عشتُه ما كانش ظلم. والايام السودة اللي شفتها ما كانتش ظلم. سيبني مرة واحدة أبقى ظالمة وأقتلها. ما هي قتلت قبل كدا وما حدش عملها حاجة.

كانت صبا متحيرة من الإجابة وتبرئة نفسها أمامها. والحقيقة أنها انتظرت هذا من زيد. لكنها تعرفه، إن نحر عنقه لن يفشي سر جده. لذا كان موقفه صعبًا. وجهه محتقن بالدماء، غاضب من والدته ويكظم غيظه وحزين على اتهام صبا ويحاول ردع أمه وإنقاذ صبا من بطشها. حمى الوطيس لولا تدخل فايز الذي زأر بصوته الجهوري: -صــبا ما قتلتش حد يا ونيسة. التفتت ونيسة والصدمة تملأ وجهها. يخالطها الرهبة من حضوره والذي نسيته في غمرة غضبها من صبا.

حاولت لملمت أعصابها وتشجعت لتقول بحنق من دفاعه هو الآخر دون دلائل حقيقية تصدقها: -لا قولولي بقى. أنا عايزة كلام يتصدق. كل حاجة بتقولها بتصدقوها. فهموني. بتصدقوها إزاي؟ معقول ساحرلكم كلكم خلاص؟ خالوها تسحر لي معاكم عشان ما أبقاش لوحدي وأتجنن. قولولها تسحر لي. هتف فايز وقد امتلأ بالغضب لتكرار كلماتها وصاح منهيًا حديثها بحنق: -مش هي اللي سحرت. اللي سحرت بثينة.

سقط جالسًا على الكرسي من خلفه وكأنما سقط قلبه بهذا الاعتراف. لا يهدم الوالد سوى أنه لم يحسن التربية. الاعتراف بأخطاء الأولاد يصيب القلب ويكشف العورة ويؤذي الروح. وضعت صبا يدها على فمها. هذا اليوم الذي سيرد فيه حقها. هذا اليوم سينتهي الكابوس. وقف زيد هو الآخر صامتًا يتألم لألم جده. بينما ونيسة متصنمة لا تصدق. استرسل فايز بتأثر فبعد ما قاله لن يبقى شيء يختبئ، سيوضح:

-ارتاحي يا بنتي. أنا خدت مني فلوس وعملت عمل عشان تقتل حفيدتي صبا. وسبق وعملت كدا مع أمها بشري. موتها بالمرض وحاربت تخرب البيت وتملي ودانك بأنها قتلت حماتك وهي لا قتلت ولا يحزنون. لو قتلت ما كانتش حماتك إدتها سر ماحدش يعرفه غيري. وهي وقالت لها على مكان دهبها ووصيتها عليه. أردف بنبرة تمتلئ بالحسرة: -أنا فشلت أربي عيلتي اللي بتمنى أجمعها في مكان واحد. مش سالكين لبعض. على أطراف أصابعه وهو يكمل:

-فيها حقده وقتلة. قتلة ومرضى وغبيين ومغرورين. وقولي زي ما إنتِ عايزة. مش دا اللي كنتِ عايزة تعرفيه؟ واحلف لك على مصحف إنك حتى بعد ما عرفتي إن صبا مالهاش ذنب في قتل مريم وإنها هي اللي كانت مقصودة.

هتفضلي بتكرهيها. العيب مش في صبا ولا في أمها. العيب في نفوسكم المريضة اللي ما بتحبش الأحسن منها. ما هو دا طبع بني الإنسان. الغرور والكبرياء ما يحبش حد أحسن منه. لو بس يتنافس في الطاعة زي ما بيتنافس على الدنيا كان زمان النار بقت جنة. أقول إيه!

أنا تعبت. مش عايز عيلة. مش عايز عيال. مش عايز أبقى كبير. عايز أبقى أب عياله محترمين. وأنا أخطأت إن نفسي عيلتي تبقى حواليّا. صبا وزيد وبلال ويحيى وعامر. وحتى وليد وحسين وعماد وبثينة. كنت غلطت إني عايز أخليكم بني آدمين وسط الناس. عددكم دا كله ونفوسكم قش. إنتوا إيه؟ ذنب ولا عمل غير صالح. أسرعت صبا وزيد ليقفوا إلى جواره بعدما تأثروا بحالته المزرية التي وصل لها. لكنه لم يكف، ورفع يده إلى السماء وقد وصل

إلى ذروة حزنه وانفعاله: -ربنا يأخدك يا بثينة، ربنا ياخدك يا عماد. ربنا ياخدكم عشان ما أشقى بيكم ولا يقولوا إني بظلم حد. بحة صوته في النهاية كانت كالسكين البارد نحرت ونيسة. فهي الأخرى أم، كما تحاول الحفاظ على أولادها، هو الآخر حاول. فهمته متأخراً بعدما فضح سره وكشف ستره. أردف بحزن: -ارتاحتوا كدا، ارتاحتوا كلكم. عايزة تعرفي الحقيقة يا ونيسة؟ عرفتيها وارتحتي. ارتحتي وتعبتيني، ارتحتي.

لما عريت نفسي قصادك، ولا نفسك تعرفي إيه تاني عشان تحبي مرات ابنك؟ لو حطيت الحقيقة في عينك مش هتحبيها. إنتي خصلة الغرور ملككي. الحديث أخذ من جهده وجعل أنفاسه تتهدج بعدما زاد في انفعاله. وجرت الدموع على وجنتيه. الكثير من المستور يخفي آلامنا، والنبش عنها يؤلم حتى ولو كانت عين الحقيقة. ليس كل ما نخفي بصدورنا يجدي نفعاً البوح به، لكن وراء كل سر مخفي جرح خفي، والبحث عنه خطير.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...