الفصل 34 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
6,009
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

أمام الحفرة العميقة يسمع ندائات موحدة: "لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله"

من داخله يرفض تمامًا أن يترك ثمرة فؤاده في التراب، فعاد الانهيار والبكاء. انكب على ابنته، ود لو يدفنها بأضلعه. لقد أخذ نصيبه بالكامل من الحزن وفاضت كفته تمامًا. الشيء الوحيد الذي أخذه من الدنيا هو الحزن والمرارة، كانت إضافية. بصعوبة انتزعت منه "مريم" لتختفي في مثواها الأخير، لكنها لم تدفن وحيدة. بل سقط قلب زيد في الحفرة ليعود وحيدًا، باردًا، متألمًا. كل الأصوات سكتت فجأة. وقف على بوابة المقبرة ليستقبل عزاءه مع إخوته وجده، وكأن هذا الصمت أشعل براكين بداخله. توالى الحضور لتعزيته وهو يحاول الثبات، لكن عيناه كانت تتضح عليها الحزن والألم.

جاء الكثير حتى انتهى الأمر ليدخل خالها "ياسر"، الذي حالته لم تقل عن حالة "زيد" من الألم والوجع. صافحه وتشبت بيده ليقول بنبرة حادة وحزينة بوقت واحد: "خلاص يا زيد، قتلت آخر حتة من غالية. والله لآخر يوم في عمري هفضل أكرهك. لا حافظت على أختي ولا حافظت على بنتها. أنت السبب في موت الاتنين." تدخل "بلال" ليفصلهم لأنه مدرك أن صمت زيد وتأثره سيحوله من جديد لمسخ. أمسك بيده ليسحبها من يد زيد وصاح به: "ياسر، مش وقته الكلام ده."

انفعل الآخر وصاح بجنون: "أومال يبقى وقته إمتى؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيك وفي مراتك. قتلتوها عشان يخلي لكم الجو. كنتوا سبتوهالنا، كنتوا سبتلنا حاجة من ريحة غالية." زعق "فايز" ودفعه بعصاه في غضب. زيد في حالة سيئة أكثر منه، واستمرار صمته يقلق. من الممكن أن يسقط ميتًا دون سابق إنذار. "إمشي، بطل هلفطة بكلام أنت مش قدّه. بنت اختك قضاء ربنا نفذ فيها، هتعترض على قضاء ربنا؟ لم يتأثر ياسر بغضب فايز ورد عليه:

"مش قلتوا كانت مع مرات أبوها؟ رمتها من فوق السطح." تحدث فايز بانزعاج شديد: "التحقيق واتقفل. أنت هتحقق معانا؟ هتكون أحن عليها من أبوها، يعني؟ اتهمه ياسر بوضوح: "انتوا بتداروا عليها عشان منكم فيكم." لكم الأرض بعصاه واشتد غضبه وقال: "لولا إننا في مكان له قدسيته، كنت عرفت أحاسبك يا ابن شاكر. روح على بيتك، كفايا الهم اللي إحنا فيه." دفعه بلال وساعده يحيي، وظل على نفس حالته يصرخ بهياج: "يا زيد، فرحان دلوقتي؟

خلصت من أختي وبنتها ودمرت التانية. أنا وأنت والزمن طويل." يقف زيد لا يرسم على وجهه أي تعبير. ملامحه تكشف حزنًا عميقًا أكل روحه. استمع لكل شيء، وكل ما سمعه لم يكفه. ولم يصدقه. الحقيقة الوحيدة التي يصدقها أنه مات وانتهى. ***

كانت الأجواء مشحونة بالحزن والسواد. خبر وفاتها كان كالصاعقة المفاجئة على رؤسهم. والجميع بلا استثناء يحمل "صبا" المسؤولية الكاملة لأنها هي من اقترحت اللعب معها بالأعلى وهي آخر من كان معها. لكن حالتها هي شخصيًا مزرية. من وقت ما حدث وهي لا تتحدث ولا تبكي، متخشبة، وكأنها تجمدت. تجلس بينهم وتسمع نواحهم ولعناتهم المتوالية عليها، لكن لا تنفعل ولا تتفاعل، فقط تحتضن قطتها بين ذراعيها بصمت. امتلأ القصر بالنساء وأعلنوا الحداد. لم تغفل عمتها عن النواح ببكاء حار، ملقية اللوم كله على "صبا"، لعل والدها يستمع لها ويدفنها

حية كي تحل اللعنة عنهم: "منك لله، من يوم ما دخلتي علينا والمصايب بترفر على دماغنا. إنتِ إيه؟ مصيبة بلوى بلانا بيها ربنا." وتعال نواح "ونيسة" مكملة: "خربتي البيت وشربتينا النار. ربنا يأخدك، ربنا ينتقم منك."

كما كان حال "مروة" ونهى، الذين على فجأة تدمرت أحلامهم وانقطع السبيل في التقرب لآل واصل، وبقي مستحيل أن يتزوج "زيد" منها. أصلًا زيد لم يعد صالحًا للعيش. لقد اختفت الحجة التي كانوا يعتمدون عليها، مما دفع "نهي" للاشتراك معهم في النواح واتهام "صبا" بشكل واضح، متحدثة بحدة وانفعال: "هي اللي قتلته! هي اللي قالت هتصور قتيل ولا إني أدخلك البيت! قتلتيها يا حقيرة، قتلتي بت صغيرة عشان تنفذي اللي في دماغك." وانفعلت

معها والدتها لتصيح بحرقة: "قتلتِ بت غالية، قتلتوا بنتي وبنتها. منك لله، ربنا ينتقم منك ويحرق قلبك زي ما حرقتِ قلوبنا."

ولم تكتفِ بهذا الاتهام الذي لاذت صبا تجاهه بالصمت، وبقيت تنظر أمامها بخواء دون الاهتمام بما يقولون. اندفعت نحوها "مروة" لتدفعها من مكانها وتحاول النيل منها وصب جم غضبها عليها. لم تدافع صبا عن نفسها، لكن حاول الجميع فض هذا الاشتباك من مروة ونهي والصراخ للاستغاثة من أجل "صبا" التي سقطت كالشاة أسفل يدهم. حضور "فايز" وزيد في نفس التوقيت كان لها طوق نجاة، لولاهم لكانت ماتت دون حتى أن تدافع عن نفسها. صاح

بصوت جهور وهو يقترب تجاهم: "بس إنتِ وهي." دفع بعصاه هذا الجمع عن "صبا" وحاول بأقصى جهده إقصائهم عنها، حتى إنه أمر "زيد" بعصبية: "هاتها من بين إيديهم يا زيد." كالآلة تحرك، لينفذ ما طلب منه. أخرجها من بينهم بصعوبة، وتشبثت به ترجف كالعصفور بين يديه وتبكي بانهيار دون صوت. حاوطها بيده دون تأثر ودون إبداء أي مشاعر اعتادتها منه. أقصاها إلى الجانب. فتدخل "فايز" بينهم بغضب عارم: "اطلعوا برا!

إنتوا جايين تعزوا ولا تطاولوا على أهل البيت؟ الطرد المباشر "لمروة" أغضبها وزادها غضبًا من هذه العائلة التي تسببت بقتل ابنتها وحفيدتها. فردت عليه دون وجود ما تخشاه: "أنا همشي يا حاج فايز، كتر خيرك إنت وابنك. قتلتوا بنتي وحفيدتي، هقعد أعمل إيه؟ أستنى لما تخلصوا علينا؟ لا من شاف ولا من دري." حديثها أحدث بلبلة وحوارات جانبية مع باقي النساء بالمكان. زاغ بصر "فايز" بينهم وأصبح يرى الشك في عينيهم. ضم حاجبيه وهدر مستنكرًا:

"إنتِ بتخرفي؟ تقولي إيه؟ إنتِ أول واحدة يموت لها عيل؟ أجابت "مروة" بنبرة انفعال: "لأ، بس واحدة ماتت في حادثة عربية وابنك طلع منها سليم. وتاني مرة اترميت "بنتي" من على السطح ومرات أبوها كانت معاها. انتوا بتقتلوا اللي ما بيجيش على هواكم، سواء بنتي اللي ما جتش على هواء زيد ولا مريم اللي ما جتش على هواء مرات أبوها."

حديثها أثار في نفس "زيد" الشك الذي يساور الجميع. يساوره لم يستبعد "صبا" من هذه الجريمة، خاصًا وعلاقتها "بمريم" في الفترة الأخيرة كانت سيئة. كل أحاديث "صبا" تتوارد على رأسه بشكل سريع: "لو اتجوزتك هخليها حرب يا ابن ونيسة." "مش هتجوز نهي حتى لو حكمت أصور قتيل." "اوعدني تبقى ليا وبس." "دي خرجت من هنا ونوت ما تتمش الجوازة."

كل هذا و "صبا" ملتزمة الصمت من وقت طويل ولا تقاتل للدفاع عن نفسها كعادتها، بل تقف ضامة نفسها وتبكي في صمت، وكأنها تواسي نفسها على فعل شنيع. بقيت الحقيقة مجهولة و "صبا" وحدها هي التي تعرفها، وللأسف لا تبوح بشيء. يصدق. لوح "فايز" بعصاه وقد بلغ منه الغضب مبلغه: "خدي بنتك وامشي يا أم ياسر، سعيكم مشكور." سحبت ابنتها من يدها. وقبل أن تغادر "نهي" مع والدتها، وقفت قبال "صبا" وعاينتها باشمئزاز: "منك لله!

قتلتي طفلة بريئة عشان ما اتجوزش زيد. قولتيها وعملتيها. قولتي هصور قتيل ولا تتجوزي زيد! نظر "زيد" باتجاهها وبارزها بنظرات لائمة كالخناجر تطعن دون قتل. لم يكن لديها أي قوة للدفاع عن نفسها، فهي تشعر بشيء غريب من وقت الحادث، وكأن لسانها انعقد. بقيت تحدق به ويحدق بها، حتى قاطع جدهما هذه الحرب الباردة ونادى "صبا" بضيق: "صبا، تعالي ورايا المكتب."

تبعته بهدوء واتخذت مكانها. "ونيسة" والتي لازالت مصدومة من الحدث المفجع الذي حل على رؤسهم. وتحدثت بقلق شديد: "زيد، أنا سمعت نفس الجملة دي من صبا. زيد، هي صبا قتلت مريم عشان ما تتجوزش نهى؟!

نفس السؤال الذي يهرب منه ومن إجابته يدور في ذهنه. كالثعلب دون تعب أو كلل، لا يريد أن يعرف إجابته ولا يريد طرحه. تمكنت صبا من قلبه، فما عاد له قوة بمغادرتها أو قتلها على جريمتها هذه. على الفور انسحب من أمامها بل ومن المنزل بأكمله. لن يعود الآن حتى يكن له القدرة على الثأر لابنته. *** سؤال مباشر حاسم سأله "فايز" بحده: "إنتِ اللي رميتي مريم من فوق؟!

سؤال جعل "صبا" تقف متيبسة، عينها متسعة على آخرهما، تضم نفسها بكلتا يديها. صاح جدها بغضب: "قولي الحقيقة." همهمت بخوف وعيناها استقرت بالأرض: "كانت بتطنطت على اللعبة النطاطة ونطت جامد فاللعبة حدفتها على برا." ذرفت الدموع بغزارة وظلت تهتز بعصبية. وقف جدها بمقابلها وأمسك بطرف ذقنها ورفعها إليه لينظر في عينها. لقد اعتاد قراءة الأعين والناس، إنما هي كانت لغزًا غامضًا لا يقرأ ولا يفهم. هتف وهو ينظر بعينيها بنظرة ثاقبة:

"أنا مش مصدقك يا بت بشري." عادت تنظر بعيد، فأردف بضيق: "هسألك تاني بس مش دلوقتي. في يوم من الأيام الحقيقة هتكشف." دفعها بعنف فقد بات غاضبًا منها، فهي لا توضح أي شيء، لا هي تقول بشكل قطعي ولا تنفي، تترك الأمور للخيال، والخيال متعب. نفض رأسه بضيق وهو يتمتم بصوت عالٍ مترقبًا: "ربنا يستر من الجاي. أنتِ هتطلعي شيطان. زيد أقل شيطان فيهم هيحرقك وأنتِ واقفة مكانك."

مر على القصر أيام ثقال كالغيمة السوداء حطت فوقه دون أن تتزحزح. عاد "حسين" لعمله وترك مها ووليد في القصر، وانشغل "عماد" في حملته الانتخابية. كما انشغل الباقون في حياتهم الشخصية. إلا زيد، قتل نفسه بالمعنى الحرفي في العمل. لم يعد للقصر إلا أوقات قليلة وشبه نادرة ليبدل ملابسه بعد يومين ويغادر سريعًا دون أن يحادث أحد. يختفي كثيرًا فلا يعرف عنه أي شيء سوى أنه بالعمل. ولا شيء آخر سوى العمل، حتى أنه أفنى كل شيء وما تبقي له

ما يفعله. ظلت صبا محتجزة بالغرفة مع قطة مريم التي لم تفارقه. لم تر زيد من مدة طويلة. لم تكن تنام بشكل جيد بسبب الكوابيس التي لا ترحمها والخياليات الغريبة التي تراها وتختنق منها دون أن تجد لها تفسير. ظهر التعب على وجهها وخسرت وزنًا جعل حجمها ضئيلًا، فالآن هي متكورة بأحضان قطتها في جانب الغرفة. تعبت من الوحدة، والتي إن حاولت التغلب عليها بالنوم وفزعتها الأحلام المزعجة. لا يحادثها أحد ولا تراي أحد، حتى زيد اختفى تمامًا

وما عادت عينها تراه.

*** فتح الباب وجلس على أقرب كرسي بإنهاك. تعمّد عدم ملاحظة "صبا" التي هبت من مكانها فورًا لتتحرك صوبه بتلهف. أقبلت عليه تسأله باهتمام: "انت كويس؟ لم تجد منه ردًا وكأنه لم يسمعها. فعادت تسأل بحيرة: "قولي بس أخفف عنك بإيه؟

رفع عينه بعينها وظل مثبتًا نظراته القاتلة في عينيها. تشعر وكأن الإجرام يقطر منها. ظل على نفس حالته، ثابتًا بشكل مخيف وصامتًا بشكل مرعب. أحزنها أنه لازال يدحجها بهذه النظرات العنيفة والاضطهاد المطل منها. بات مرعبًا. همت بالالتفات فقد خشيت الوقوف أمامه، لاسيما أنه لن يصدق أنه ليس لها أي دخل بموت مريم حتى دون سؤالها. لكن على فجأة سحبها باتجاه لتسقط بكامل جسدها على ركبتيه. أمسك معصمها بقوة وهتف من بين أسنانه بغضب:

"تخففي عني بإيه؟ أنا كمان بسأل نفسي سؤال. لو عندك إجابة قوليها. أخدتي روح بنتي، يا ترى أخدت إيه قصادها عشان أرتاح؟ وقبل أن تدافع عن نفسها، قبض على عنقها بقوة حتى اختفى الهواء. جاهدت للتنفس لكن لا فائدة. عرفت أنها ستلاقي حتفها الآن، فليقتلها إذا ويريحها من كل هذا الموت، راحة لها من نظراته وهجرانه واتهامها. فجأة تركها لتتنفس. وهتف من جديد وهو يقبض عليها بين ذراعيه:

"خسارة تموتي بسرعة، لازم تموتي في اليوم ألف مرة. ياترى أنتِ فعلًا صادقة زي ما صدقتك يوم ما كنتي هربانة، ولا بتكذبي عليا وأنا اللي طلعت مغفل؟ أوجعه تكذيبها وشوه ذكرى جميلة قد رسخت هذا الحب العميق بينهم. هتفت متألمة: "زيد، أنت كده بتظلم أكتر من اللازم. والله أنا مش عارفة إيه حصل. أنا... ضم حاجبيه وهو ينظر بعينيها وصرخ بغضب عارم:

"رياض قال لي إنه قابلك في المستشفى وكان متواعد معاكي. أنا كده ظالمك ولا أنا اللي مظلوم عشان صدقتك." توالى الأحداث على لسانه واتهامه لها جعلها تتصنم. لم تتوقع أنه يشك بها ولم يعجبها تخوينه لها. حاولت التملص منه وجاهدت الابتعاد عنه، لكنه لازال متمسكًا بها بعنف، فصاحت به: "زيد، سيبني. أنت هتندم على اللي بتقوله ده." لم يتركها وأحكم قبضته عليها وهو يقول بعصبية: "ما أنا ندمان أهو. عايزة ندم أكتر من كده؟

وبعدين أنتِ ما قولتيش إنك قابلتي رياض تاني. أنتِ كنتي ناوية تستغفليني." تبادل النظرات المصدومة وعقلهم لا يصدق ما وصل إليه. ما عادت لديه رغبة لشرح ما عاشه لحظة وفاة مريم. بقيت تنظر له بصمت. زيد كان الأضعف في مواصلة النظر. صر على أسنانه وأردف بإشمئزاز: "أنا مش طايق أبص في وشك."

الكلمة قذفت على قلبها كطلق ناري. حدقت به في ذهول وعينها تولد ما لا حصر له من الدموع. قبضته التي تحاوط معصمها كانت كالأغلال، خنقها بطريقة نطق كلماته. هبطت دموعها وعزمت على النهوض، لكنه أعادها كما كانت بقسوة وتحدث بعصبية:

"أنا إديتك اللي عمري ما إديته لحد، قلبي، وعشقي. وإنتِ قصاد ده قتلتي روحي. من هنا ورايح بدأ عذابك. إوعي تفكري إني هضعف تاني قصادك أو هسمحلك تلعبي بمشاعري. أنا حولت كل حبي ليكي كره، وعلى قد ما كنت بحبك على قد ما هتتألمي." صاح كالمجنون: "طعنتيني في ضهري."

مع آخر كلماته، دفعها عنه لترتمي أسفل قدمه وترتطم بالأرض. نهض سريعًا من كرسيه عندما سمع تأوهها من قوة الاصطدام، مطلقًا زمجرة غاضبة. لم يكن سابقًا ليتحمل هذه الآنة الخافتة، لكن ما يشعر به الآن أقوى من أن يحن قلبه لها. هتفت بنبرة حزينة متوسلة: "زيد، والله أنت ظالمني. أنا بموت بالبطيء. أنا بشوف حاجات مرعبة، أنا بتخنق كل يوم. أنا وقت ما وقعت كنت متكتفة، ما أعرفش دا حصل إزاي. بس أنا متأكدة إني ما قتلتش مريم."

اسم "مريم" جعله ينتفض. التف لها وانحنى بكامل جسده ليمسك بيدها. شكله كان مرعبًا، وخصلات شعره السوداء الملتفة كانت أشبه بالتعابين. زعق كالعاصفة: "ما تجيبيش سيرتها على لسانك، وما تتوقعيش مني إني أصدقك." تركها مجددًا، لكن هذه المرة غادر الغرفة بالكامل. ظلت مكانها غير مصدقة تحوله عنها بهذا الشكل. لم تتوقع منه هذا ولا تعرف طريقة لتعيده لها من جديد. اختلف تمامًا عن ما تعرفه. تحول لشيطان لا يعرف الرحمة. ***

طرقات غرفتها المتوالية جعلتها تنتفض هلعًا. نهضت من فراشها وأسرعت نحو الباب متمتمة: "خير يا رب." فتحت الباب لتجد "زيد" أمامها ووجهه مكفهر وعيناه تقدحان بالشر. أثار ريبتها فسألته بفزع: "في إيه يا زيد؟ حصل إيه؟ لم تتبدل تعابير وجهه من قلقها إلا للشراسة والغضب العميق. هتف مجيبًا: "صبا، مش عايز أشوف وشها في القصر تاني." اتسعت عيناها من هذا القرار المفاجئ الذي لم تحسب له أبدًا حسابًا. حاولت استيعاب حديثه وعادت تسأله بلطف:

"حصل إيه يا ابني؟ أجاب وقد انفلت منه غضبه الذي حاول السيطرة عليه، لكن أخرجه بقبضة عنيفة لكم بها الباب وهو يقول بجنون: "ما تسأليش." فزعت لحالته الجنونية ووافقت بسرعة: "حاضر، حاضر." عادت تسأله بحيرة: "بس دي هوديها فين؟ "إرميها في الأوضة اللي آخر الجنينة واقفلوا عليها."

كانت إجابته قاسية. لم تصدقها أذنها. نظرت له فقد تحول ابنها وبات غريبًا من وقت وفاة ابنته، لكن تحوله بهذه الطريقة على صبا كان الأغرب. إنها كانت في حياته حياة. كيف استغنى عنها بهذه البساطة وكيف قرر نفيها بهذه السهولة؟

استدار مختفيًا عنها، فتبعته لتري أين وجهته، فوجدته يخرج تمامًا عن القصر. زفرت بألم على حالته. لقد فقد ابنته وفقد زوجته وعاد بائسًا كما كان سابقًا، وكأن الحياة أصدرت حكمًا أبديًا عليه بالحزن والسواد طوال حياته. اتجهت "ونيسة" للأسفل إلى مكتب "فايز" الذي لازال يجلس به والأنوار بداخله مضاءة. نقرت على الباب وانتظرت أن يسمح لها بالدخول. مهما كان، فـ "فايز" سيساعدها في اتخاذ قرار سليم. سمعت صوته بعد برهة ينادي: "تعال."

فتحت الباب وتوجهت صوبه بارتباك. التقطه هو فورًا. نظرت له بيأس، بينما هو عاينها بفضول وسأل عندما اقتربت منه: "خير، إيه منزلك في وقت زي دا؟ أجابته وصوتها يمتلئ بالحيرة: "مش عارفة أعمل إيه. زيد عايز يطرد صبا في الأوضة اللي في الجنينة."

أشاح بوجهه إلى جانب آخر. كان متوقعًا ردة فعل عنيفة من زيد بعد الصمت الطويل الذي اعتنقه. لن يقدر على التدخل ومنع هذا. بالنهاية هي زوجته وهو الوحيد الذي يحق له معاقبتها دون تدخل منهم. تبدو صبا كالمتهمة بعين الجميع، ولا عتب عليه إن صدق هذا. مع ارتجاف صوتها وحجتها الواهية، صبا لا تنفي بشكل قاطع التهمة عنها. حول جهده تمامًا للعتاب على "ونيسة" قائلًا: "ومش ده اللي انتي كنتي عايزاه؟ اندهشت من إجابته وتحدثت بدهشة:

"هو ده اللي ربنا قدرك عليه؟ هو انت شايفني مبسوطة يعني؟ أجابها وعينه ترصدها بضيق: "أومال ليه مش مبسوطة؟ مش كل يوم شكوى. كرهتي الواد في البنت، عايزة إيه تاني؟ انزعجت من ظنه بها وهتفت متألمة:

"البت دي ما تلزمنيش يا حاج، وأنت عارف. وأنت دبست فيها ابني. لكن الحق يتقال، أنا ما حسيتش ابني فرحان غير وهو معاها، وما شفتهوش عايش ومبسوط غير وياها. كانت هتفرق أوي اليومين دول، ما أنا عمري ما كنت هكون مبسوطة وابني بيموت قدامي. كفايا أوي كدا على زيد. حياته عاملة زي دفتر وفيات أبوه ومراته وبنته، فاضلوا مين؟!

تأثر "فايز" بما تقوله وحزن بشدة على الأحداث التي يمر بها زيد من فترة طويلة. "صبا" بالنسبة له كانت عوضًا كبيرًا عن كل هذا. لكن ما الذي يمكن أن يصلح الأمر بينهم بعدما وصلوا لنقطة بهذا السوء؟ غزا الشك حياتهما ولن يخرج إلا إن دمر إحداهما الآخر. كانت "ونيسة" تنتظر منه حالًا، وهذا ما رأته في ترقب عينيها. فهتف يائسًا:

"ما عنديش حل. نفذي كلامه وحاولي إنتِ بقى بشطارتك تخليه يسامحها ويرجعها تاني هنا. كل اللي عليكي تخليه ما يخرجهاش من الأوضة بأي شكل، والباقي بقى على صبا. هي اللي هتعرف تصلح كل حاجة. وصلحي انتي علاقتك بيها وما تتكبريش، قولي لها رجعي زيد زي ما كان."

نظرت له "ونيسة" بتشتت. حديثه منطقي ورأيه يؤخذ به بالفعل. قدر "زيد" بالكامل في يد "صبا"، وإن كانت صبا وحشًا فيترجوها من أجل ابنها. إنها تحب أن يعيش هانئًا بعدما ذاق الأمرين طيلة حياته. نهضت مستسلمة لرأيه واتجهت للأعلى. بالنسبة لها كان أصعب ما في الأمر هو التوسل لصبا، ألد أعدائها، بيدها حياة ابنها أو هلاكه.

من جانب "فايز"، ترك ما بيده وحمل هم "زيد". رجع بظهره للخلف وأسند طرف ذقنه بيده وشرد في حفيده البائس الذي يعتقد أن صبا قتلت ابنته، ورغم ذلك يرفض إقصائها تمامًا عن حياته. لقد وقع فريسة بين عقله وقلبه، لن يقوى على الابتعاد عنها ولن يقدر على رؤيتها. يخاف أن يضعف، أن ينسى من تكون، ويخاف على عقله أن ينسى فعلتها الشنيعة عندما تظل تحت نظره. بهذا تأكد فايز من مكانة "صبا" الخطرة على قلبه. ***

لا زالت كما تركها بالأرض تبكي بانهيار. لم تتوقع منه هذا الاتهام وعدم السماح لها بالدفاع عن نفسها. ما حدث يوم وفاة "مريم" كان شيئًا فوق طاقتها. رؤيتها مريم التي دومًا تشبه نفسها بها، غارقة فوق دمائها، جعلها في حالة نفسية سيئة، وكأنها هي من مات. إضافة إلى شعورها المؤلم بفقدانها، وكذلك شعورها بالخداع من جانب زيد الذي شعرت به صباح اليوم المشؤوم. تكالبت عليها الهموم وأظلمت الدنيا بعينها. الدموع التي سالت منها لم تشفِ أي ألم من الذي سببه لها "زيد"، ولا قطرة واحدة أثرت في شيء. كانت القطة تحوم حولها وكأنها تحاول تهدئتها. صوت طرقات هادئ متردد جعلها تنتبه. لن تسمح لأي شخص بالولوج

لها وهي بهذه الحالة: "مين؟! جاءها صوت "ونيسة" الأمر: "افتحي." نهضت فورًا من مكانها لا تريد رؤية نظرة الشماتة التي تنتظرها. كفت دموعها وحدقت بالمرآة للتأكد من أنها لا يبدو على وجهها أي شيء، لكن هيهات، البكاء يعرف حتى لو غسلت وجهك لمئات المرات. استدارت لتفتح لها الباب. نظرت لها ونيسة نظرة فاحصة ثم سألتها: "إنتي بتعيطي ليه؟ أجابتها "صبا" بضيق لدقة ملاحظاتها: "ولو ما اعيطش في الظروف اللي إحنا فيها دي، هعيط إمتى؟

زَمت "ونيسة" شفتيها بضيق. لنكرانها السبب وهذا سيصعب عليها المهمة. ليتها تكن صريحة معها أكثر من هذا. زفرت بضيق ثم عاودت سؤالها: "إيه اللي حصل بينك وبين زيد؟ لم تقوِ "صبا" على الثبات بعد ذكر اسمه. استدارت عنها لتخفي تعبيرها وسألتها بضيق: "ولا حاجة. زيد كويس جدًا." تحدثت "ونيسة" بعصبية: "بقولك إيه، ما تلفيش وتدوري عليا. أنا عارفة إن في بينك وبينه حاجة. ما تقوليلي عملتي إيه وإخلصي عشان نحل المشكلة دي."

علمت أن "زيد" أخبرها بشيء، وإلا ما كانت تأتي إليها وتتحدث بهذا الشيء. انزعجت من تدخل والدته بينهم وصاحت بانفعال: "مش هو قالك خلاص؟ هقول إيه أنا بعد اللي قالوا؟ ازدادت "ونيسة" ضيقًا وهتفت بانفعال هي الأخرى: "هو ما قالش حاجة. زيد أمر بنفيك برا القصر، وأنا عايزة أعرف منك السبب." "النفي". إنها لجملة ثقيلة. كيف يتخلى عنها بهذه السهولة؟ كيف يقرر أمرًا كهذا دون مراجعتها والخوف من البعد عنها؟

كان سابقًا يقسم على أنها روحه. ما الذي حدث له كي ينشطر عن روحه؟ لم تصدق حديث والدته واتهمتها علنًا بالكذب، حيث قالت بنبرة حادة: "كذب! إنتِ بتكذبي عليا. زيد مستحيل يفرط فيا." هتفت "ونيسة" ساخطة: "بيتهيألك. إنتِ ست زيك زي أي ست، وأي ست هتحل مكانك هتنسيه اسمك." اتسعت عيناها وارتجف قلبها مما تقول، لكن لا، لا، هي الأصل، لن يتركها ولن يقوى على نسيانها. الأمر يحتاج فقط بعض الثبات. استجمعت ثقتها في نفسها وردت بثقة:

"عمره ما يقدر ينساني ولا يعرف حد ياخد مكاني." أصدرت "ونيسة" صوت اعتراض بفمها: "مسم. لا حول ولا قوة إلا بالله. هو إنتِ خلاص مليتي إيدك من السحر اللي عاملاهولوا." حديثها عن السحر وعن ماذاقته من ويلات بسببها وبسبب أمها جعلها تحدد في الحديث وهي تسترسل: "لأ بقى، اطمني. ربنا تاب عليه وقال أرجع. مش عايز أشوف وشها. تعالي معايا وابقي شوفي لو رجع سأل عنك حتى."

خشيت أن تصدقها وقلبها يعتصر، لذا هرعت إلى هاتفها لتتصل عليه. توالت الاتصالات، لكنه لم يجب ولا على واحدة. زمجرت بضيق وأرسلت له رسالة قصيرة غاضبة رغم أنها حروف وكلمات: "رد عليا. عايزة أعرف اللي مامتك بتقوله دا صح ولا غلط. فهمني." الرسائل كانت تصل له، لكنه لم يكن يجيب. يشاهد فقط. أرسلت له رسالة صوتية لتظهر له كم هي منفعلة وغاضبة من تصرفه هذا: "لو في أي مشكلة عندك بلغني بيها. بلاش تدخل حد بينا." انتظر

إجابته التي كانت ساحقة: "مش عايز أسمع صوتك. إمشي من سكات مع أمي. عايز أرجع ما ألاقيش." كيف يمكن لكلمات بلا صوت أن تقتل وتطعن بهذه القسوة والبشاعة؟ لو كان هناك جرم على هذا لقاضته على طعن قلبها بحروف كلماته المدببة كالخناجر. ظلت تنظر للشاشة بذهول وعينها تولد ما لا حصر له من الدموع. كان الموت أرحم من هذا الخذلان. لن تقف عاجزة. كتبت بشكل سريع وأصابعها ترتجف: "إيه السبب؟ لي؟ "عايز تمشيني، فهمني." "إنت كده هتطلقني؟

"قولي هروح فين؟ "وأنا عملت إيه لكل دا؟ عاد للمشاهدة دون إعطاء رد. كادت أن تكسر هاتفها من فرط الغضب، لكنه بعد مدة قصيرة أجاب باقتضاب: "اللي عملتيه جزاءه القتل." عادت تنقر على شاشة هاتفها بضيق. ونيسة تقف في الزاوية تشاهد الجنون الذي يدفعها للانفعال والتحدث مع قطعة من الحديد بكل هذا الاكتراث، وكأن هناك شخصًا ما أمامها: "والله ما ليا ذنب. الوجع قد ما عندك عندي. إفهم، مريم دي كانت روحي مش بس حتة منك."

رأى الرسالة وخالف توقعاتها بالصمت. ورأت اسمه وصورته تقفز أمامها على شاشة الهاتف معلنة اتصالًا هاتفيًا منه. ارتبكت بشدة وزاغ بصرها بين "ونيسة" وهاتفها. ذهبت في جانب الغرفة وفتحت الخط لتتفاهم معه وتحاول إقصاء الفكرة هذه عن رأسه بهدوء. لكن ما وجدته منه من انفعال شديد جعلها تجفل وهي تسمع صوته يزأر كالوحش: "قولتلك ما تجيبيش سيرتها تاني. غوري نفذي كلامي بدل ما آجي أخرجك بالعافية من عندك."

تسارعت أنفاسها وقلبها لم يتحمل ثقل حديثه ومعاملته التي تغيرت تمامًا. لابد أن كل تغير يقابله تغير. ازدرقت ريقها وهتفت بصوت هادئ كهدوء الأموات: "حاضر. ممكن أعرف إنت هتطلقني ولا هروح فين؟ أجاب بنبرة تمتلئ بالإشمئزاز:

"كان على عيني جدك ما عندوش طلاق. أما بقي هتروحي فين، فهتروحي في آخر القصر أوضة كدا عاملينها للحيوانات وتسيبى تليفونك بالخط هنا. ما تاخديش معاكي أي حاجة غير هدومك وبس. أقل من ساعة تكوني سبتي الأوضة عشان أنا قاعد برا ومش عايز أدخل ألاقيكي ولا ألمح طيفك حتى." اكتفى من إذلالها، أم انتهى منها؟

أغلق الهاتف دون أن ينتظر منها أي اعتراض. وما كانت أبدًا أن تدعس كرامتها بالنقاش معه. أطفأت شاشة هاتفها ووضعته على الطاولة المقابلة لها. لم تضيع يومًا رمزًا لهاتفها لأن لم يكن لديها ما تخبأه عن أي أحد. تركته واستدارت. ما عاد لديها رغبة في شيء. توجهت ل "ونيسة" ببرود ووجهها يكاد أن ينفجر من شدة الألم. نظرت لها "ونيسة" بحيرة. لا تعرف لأي شعور تستسلم. هل تفرح لإزاحتها من حياتها أم تحزن لحالة ابنها التي حتمًا ستسوأ بالنهاية؟

هي أم وأم حنونة ومضحية لأقصى درجة فيما يخص أبنائها. حدثتها بلوم: "مش كنتي حاولتِ تبقي معاه عشان يعدي الأزمة دي؟ لم تكن في مزاج جيد لإجابتها، لكنها كانت مجبرة على الرد القاصف حتى لا يستضعفها أحد ولا تذل أكثر من هذا. لكن رغما عنها كان صوتها مرتجفًا، لا تعرف من الألم أم من عدم ثقتها فيما تقول: "زيد عمره ما يستغنى عني. هرجع تاني، وأراهن إنه هيرجعني الصبح."

بيأس شديد تطلعت لها "ونيسة". أيعقل أن تترك ابنها في يد هذه المرأة الخطيرة التي تشبه الورم الخبيث؟ دعت سرًا أن يشفي منها وأن ينتهي عذابه دون الحاجة إليها. استدارت عنها لتتبعها "صبا" بسكون وقدمها تمشي كالمساقة. كبرياؤها الملعون ساقها للخروج دون أي شيء ودون توسل له بالبقاء، فإن كانت هذه رغبته فتتشاركها معه بكرامة. ***

استدعاه "فايز" لمكتبه. فلم يقوِ على الانتظار في مناقشة قراره حتى الصباح. بالفعل استجاب لدعوته وعاد من الخارج. لإجابته، لاحظت صبا دخوله من الباب، فاهتز قلبها. ظنت أنه أتى ليمنعها، لكنه كان كالعاصفة يهرول تجاه مكتب جده ولا يرى أمامه. عاد نبضها للانتظام، فا "زيد" تغير تمامًا شكلًا وموضوعًا. ***

عاينه جده بضيق ولم يعجبه مظهره الذي يبدو به. أطلق لحيته وشاربه وملابسه غير منظمة، وكأنه كان يسحبها بعنف عنه ورائحة دخان مكثف ينبعث منه عن بعد. غاب عن عينه مدة وعاد لا يعرفه. حالته السيئة غطت على كل ما يميزه. سأله بصدمة وتعجب: "إيه اللي انت عاملوا في نفسك دا؟!

لم يرد عليه "زيد" وبقي واقفًا في مكانه ينتظر أن يسمح له بالمغادرة. كان جامدًا كالجليد أو كشيء احترق وما بقي منه سوى خيال شبه بني آدم أكل عليه الزمن وشرب. عرف "فايز" أنه لن يجيب سؤاله وقرر أن يدخل في صلب الموضوع سريعًا. عقد يده أمامه وهتف: "إيه اللي انت عملته مع صبا؟ تحول هذا الجليد لبركان مشتعل واتسعت عيناه على آخرهما وهو يندفع كالصاعقة ويقف أمامه هادرًا بغضب:

"أنا حر، ما حدش يدخل بيني وبينها. أعمل اللي أنا عايزه فيها وما حدش ليه يعترض في دي بالذات. أنا حر." لو كان وضع آخر لنهره "فايز" على هذه الإجابة الوقحة وعدم درايته مع من يتحدث، لكنه اكتفى بالرد بحدة حتى يعيده لرشده: "صبا حفيدتي قبل ما تكون مراتك." عاد من جديد لتبلده وسكونه الأشبه بالبركان الخامل ورد عليه ببرود وصوت مبحوح: "أطلقها لك؟! طفأت ابتسامة ساخرة على فم "فايز" وهتف بتحدي: "ما تقدرش."

ازدرق ريقه وثبت نظراته على عين جده. كان على وشك نطقها من فرط العند، وكأن جده فهمه فقاطعه عليه بقول: "مش بس عشان الطلاق عندنا ممنوع، عشان صبا ملكت قلبك. إنت ما قدرتش تبعدها عنك أكتر من نهاية القصر." بتعب شديد طالعه "زيد"، لا يريد أن يسمع هذا. يريد أن يرى الكل أنه بات بلا قلب ولا يصلح لصبا أو غيرها. لقد دعست قلبه الذي قدمه هدية لها وتكاسلت في الحفاظ على حياة ابنته التي سلمها لها باطمئنان. سحب أنفاسه وهتف بنبرة

حزينة يخالطها خذلان فظيع: "قلبي اتكسر. صبا كسرته." رفض حدة مطالعته وهو يرد عليه بتفهم: "أنا فاهم يا زيد. أنت شاكك إنها ليها يد في موت مريم، وانت بتعاقبها من غير أي دليل." شرح ما بداخله يحتاج جهدًا، لم يعد يملكه. النار المستعرة بين جانبيه تأكله ببطء. فقدان "مريم" كاد أن يفقده رشده. لا يعرف على من يلقي اللوم. إهماله لها أم إهمال صبا لها. تحدث بضيق:

"أنا بعاقب نفسي إني اتعميت بحبها عن كل حاجة، إني ائتمنتلتها واطمنتلتها لدرجة إني ائتمنتنتها على بنتي. برغم إني كنت قبل كدا ضحية جوز أمي لما ائتمنتوا عليا وقرر ينهي حياتي. ببساطة أنا متأكد لو كنت مت يومها كنت هتفضل انت تعاقب نفسك على الثقة اللي إديتهاله."

الماضي يحضر بينهم من جديد كشبح مؤذي يقتص منهم بالترتيب. وبالفعل، إن كان "فايز" فقد زيد في الحادث القديم، لم يكن ليغفر لنفسه أبدًا ثقته في "عماد" وسيعاقبه أشد عقاب لأنه كان يدرك مدى كراهية "عماد" لزيد واحتمال أذيته إن اختلى به، لكنه أقنع نفسه أنه من الممكن لرحلة أن تغير ما بينهم. وكان خطأه نفس خطأ زيد: حسن الظن. ***

شهقت بفزع عندما رأت الغرفة التي قرر احتجازها به. إنها لا تصلح حتى للحيوانات. غرفة ضيقة، مظلمة إلا من ضوء القمر، غير نظيفة، لا يوجد بها أي شيء سوى التراب وبعض أدوات البناء من رمال. والأرضية أسمنتية والنافذة صغيرة عليها أسياخ من الحديد. تراجعت بفزع فهي لم تتوقع هذا. توالي الصدمات على رأسها جعلها تنتفض وصاحت بفزع: "لأ، مستحيل. إنتوا إزاي هتسبوني هنا؟

أدمعت عيناها دون اهتمام بشماتة "ونيسة" أو أي شيء آخر. لكن صوت ونيسة كان عاديًا وهي ترد: "من هنا للصبح هبعت حد ينضفها ويحطلك فيها مرتبه ويركب لمبة لحد ما نشوف آخرة كل دا إيه." أمسكت بيدها وهتفت وهي تبكي بانهيار: "أنا بخاف من الضلمة. أنا هموت لو سبتيني لوحدي هنا. حرام عليكم، لو عايزين تقتلوني اقتلوني وبلاش العذاب دا كله. أنا عملتلك إيه عشان تأذيني كدا؟ أثر بها بكائها وانهيارها، لكن لم يكن بيدها أي شيء لتفعله حيالها.

هتفت متأثرة: "لا حول ولا قوة إلا بالله يا بنتي، دي رغبة جوزك. أنا ماليش دعوة. أنا اللي أقدر أعملهولك أديكِ كشاف نور والصباح رباح. هظبطهالك على قد مقدرتي." ضغطت على رأسها وسقطت أرضًا ببكاء هستيري ونواح: "ياربي خدني بقى وريحني." لم تتحمل ونيسة هذا واستدارت عنها بسرعة حتى لا تتعاطف معها وتخالف رغبة زيد. أغلقت الباب من ورائها وسارعت "صبا" لتلتصق بالباب وهي تصيح ببكاء شديد:

"لأااااااا. هموووووت ياااااا زيد. حرام عليك إلحقني. زيد ما تسبنيش هناااا." تكوّرت على نفسها وارتجفت بشدة من فرط الرعب والتعب. لم تكن تتحمل هذا العقاب. الكراهية تولد بداخلها من فرط القسوة التي تتعرض لها، لذا صرخت عاليًا لتلعنهم فردًا فردًا: "يااااارب تموتوا كلكم."

ابتعدت "ونيسة" عن الغرفة بعدما أغلقتها عليها من الخارج وتعجبت من هذه الفتاة التي لازال لديها من القوة والعناد للدعاء عليهم وهي بهذا الانهيار. توجهت للداخل وهي تهرول بخطى سريعة، وما إن دخلت إلى ساحة القصر الداخلية حتى رأت "زيد" يخرج من مكتب جده. نادته بعصبية وتحركت صوبه: "زيد." توقف وانتظرها ليسمع ما لديها. وقفت أمامه وتحدثت بانفعال:

"بقولك إيه، أنت شوفلك حل غير دا. البت هتموت في جلدها وبتخاف من الضلمة. رجعها تاني واعمل فيها اللي انت عايزه، بلاش تسيبها هناك. أنا مش ناقصه وجع قلب."

كان يذكر جيدًا فزعها من الظلام، يذكر أنها علمته بهذا عندما انقطع التيار الكهربائي عنها يوم زفافهم وقت الحريق، لكنه لن يضعف مرة أخرى في محاولة إنقاذها. لازال غاضبًا من نفسه ومن عشقه لها، وأيضًا ما أخبره به رياض أحدث اضطرابًا عنيفًا في ثقته بها. لذا تماسك والتف عن أمه دون إجابة ليصعد إلى غرفته بخطوات سريعة، فاليختفي حتى يستطيع تحمل الضغط الهائل الذي يتعرض له قلبه تجاهها كل مرة.

كانت "مها" تقف أعلى الدرج تتابع عن كثب الأحداث. لم تفهم في البداية سبب كل هذه الجلبة في القصر والأبواب التي تفتح وتغلق باستمرار، جعلتها تغادر فراشها وتخرج لمتابعة الموقف. ألقت التحية على زيد وهو يمر بجوارها: "مساء الخير يا زيد."

لم يهتم بإجابتها ولم يرفع رأسه لها. كان يهرب من الجميع ولا ينقصه فضولها. تبعته بنظرات فاحصة حتى اختفى في الطريق المؤدي لغرفته، ثم اتجه ببصره نحو "ونيسة" التي تقف بالأسفل ويبدو على وجهها علامات الحيرة. تحركت صوبها بخطوات سريعة ولم تنتظر حتى تقترب منها وسألت بلهفة: "في إيه؟! خير زيد واخد في وشه وما بيردش على حد ليه. تحيرت ونيسة بما تجيبها، لكن الخبر هيعرف قريباً. جداً اختفاء صبا هيلاحظه الجميع. جلست على الكرسي

بتعب وهتفت مجيبة بإنزعاج: -زيد، طلع صبا برا القصر. اتسعت عين مها وهي تحاول تصديق ما سمعت، ودون إرادة سقطت على الكرسي المقابل لها وهي تسأل: -يعني إيه طلعها برا؟ كان صعب على ونيسة وثقيل قول هذا، فهتفت بتلاحق وكأنها تريد أن تزيح عنها العناء بأقصى سرعة: -طلعها برا يعني رميها في أوضة في آخر القصر وقال مش عايز يشوفها تاني. هذه الإجابة لم تكفي مها، فسألت من جديد: -يعني هيطلقها؟ نفضت ونيسة رأسها بالنفي وردت بتأزم:

-مافيش طلاق في عيلة الواصل، يا مها. الست هنا بتدخل ما بتخرجش غير على قبرها. فهمت مها أن زيد بدأ في إقصاء صبا وأن بينهم مشكلة كبيرة جعلته يتخلي عنها، والقادم سواد على رأس صبا. فعذابها قد بدأ، كما بدأ حجم دور مها يكبر في استعادة صبا تحت جناحها. أخفت شبح ابتسامتها وحاولت إظهار التأثر على ما حل بابنة زوجها. حتى تحدثت ونيسة من جديد. بنبرة متوسلة:

-بالله عليكي يا مها، لو تعرفي تعملي أي حاجة، اعمليها. لأحسن البت سيباها هناك وقلبي بيتقطع عليها. رفعت مها حاجبيها مستنكرة عطف ونيسة المستجد على صبا، وسألتها بضيق: -وأنا بإيدي إيه يعني؟ أجابت ونيسة وهي تحسها على التنفيذ: -اتصلي بأبوها يكلم زيد. ولا الحاج مهما كان أبوها، لو عرف مش هيعجبه وزيد هيعملوا له خاطر. نهضت مها من أمامها وهتفت بخبث: -حاضر، أومال لازم أساعد صبا، دي زي بنتي.

استدارت عنها لأنها لم تقوي على حجب الابتسامة عن ثغرها. تركتها مهرولة نحو غرفتها، فلديها الكثير من الاتصالات تريد أن تجريها. في غرفة زيد. النار التي أحرقت جسده لم يطفئها الماء المنهمر الذي يجري عليه. كان مغمض العينين، مسترخي أسفل المياه.

عقله واعٍ وخارجه ساكن كالاموات، فقط أنفاسه تثبت أنه لازال حي. لم تهدأ رأسه عن الأفكار، ولم يكف شيطانه عن الوسوسة ليقنعه أن صبا قتلت ابنته. مهما أنكرت، فإزاحة مريم ستنهي قصة زواجه من نهي. هذه كانت العقبة الوحيدة أمامه، وأزاحتها دون أي اعتبار له. كل ما قالته وهذرت به لسانها يثبت هذا ويدعم الفكرة بقوة. كان غبي عندما توقع أنها لن تستطيع تغير قدر زواجه من نهي. لم يأتِ برأسه أنها قد تفعلها مهما تحدثت بثقة.

خرج من أسفل الماء وجفف جسده. وقعت عينه على أثر الطعنات في منتصف بطنه، وصر على أسنانه بضيق وغضب. حتى هذه لم تعلمه أن لا يثق أبداً بأي مخلوق. كل البشر يمكنهم التضحية، لكن من يعلم هل يضحي لك أم بك.

وقف في منتصف غرفته ونظر في جوانبها. لم تعد موجودة "حبيبته". أخرجها بإرادته الكاملة. ورغم أنه عاش وحيداً أكثر ما عاش مع شريك، إلا أنه يفتقدها. فقد أثبت له صبا أن الحب لا يحتاج وقتاً طويلاً كي ينمو ويتشعب بالروح ويمد جذوره بالأعماق. اتجه صوب خزانتها وأخرج ملابسها، يدفعها بعنف وغضب وكأنه يصارعها. رائحتها انتشرت أكثر وسارت تحاوطه حتى شعر بالاختناق. البعيدة القريبة مهلكته، لها تأثير عليه حتى وهي بعيدة عنه.

فتح ذراعيه في الهواء ليسقط على فراشه بعشوائية، محاطاً برائحتها وتسكن أعماقه. عنف نفسه وزعق بغضب: -غبي، ما سمعتش كلام جدي. عرفت إني بحبها واتوقعت إنها مهما عملت مش هستغني عنها. داست على قلبي وما همهاش إذا كنت هتأذي أو لأ. نابني من مكرها جانب. نايمتني في العسل وفوقتني على قلم، وكان أصعب من أي قلم أخدته في حياتي. كلوا حذرني منها ومن خطورتها. نهض من مكانه ودفع ملابسها بعيداً عنه وهو يزمجر بصوت عال:

-خدعتني، خدعتني الخطيرة. في غرفة مها. تحدثت بصوت منخفض عبر الهاتف: -بقولك، خلاص طابت وإستوت. زيد رماها وقريب أوي هيطردها برا القصر نهائي. جاءها صوت رشدي متهللاً: -كده فل أوووي. إمتى بقى هترجعي بيها؟ هتفت مها بمكر:

-مش مهم أرجع أمتى، المهم إنها لما ترجع ما يبقاش قدامها غيرك. صبا مش زي زمان. أنا سمعت من بثينة إن جدها كاتبلها ملك كبير باسمها، وهي الوحيدة في عيلة الواصل اللي ليها ملك باسمها. يعني أنا وأنت أول المستفيدين من ده. وأنت وشطارتك، حاول تميل دماغها في الوقت ده بالذات عشان ترجع وما يبقاش قدامها غيرك. سأل بضيق: -يعني معقول بعد الحب اللي شوفته في الفرح ده، هيسيبوا بعض بسهولة؟ أجابت بزنقة:

-ماهو سابها أهو. مش مهم يطلقها، المهم دلوقتي إنها تبقي تحت سيطرتك الكاملة. أنت تاخد اللي عايزه وأنا آخد اللي عايزاه. ولو اتبقي حاجة منها، يبقى حلال على زيد. ظهر في نبرته الفرح وتساءل بأمل: -إمتى بقى هيجي اليوم ده؟ نظرت بعيداً وهي تقول بثقة: -قريب. هخرجها من الأوضة دي على بيتي وهناك نعملها غسيل مخ، سواء برضاها أو غصب عنها. كلها كانت أحلام قديمة وإغراءات من أخته، لم يكن بها بالنسبة له أي جديد. تسلل اليأس إليه،

وتحدث رشدي بضيق: -لأمتى هستنى؟ أنا بقالي سنين متعشم. تعرف مها أنها كثيراً ما أعطته أمل ووثقت بسيطرتها الكاملة على صبا، لكن دوماً كانت تفلت من تحت يدها. لكن هذه المرة لا منقذ. زيد أقصاها ووالدها بعيد. هذه المرة مختلفة، فصبا بحاجة لها وهي ملجأها الوحيد. هتفت بابتسامة واسعة: -خلاص، فات الكتير ما بقى إلا القليل. أنا هبعتلك صورها تصبيرة. هذا الخبر جعل شعور السعادة يعود إليه، لذا تحدث بحماس:

-أيوا كده. بس أنا عايز صور جديدة، القديم كله حفظته صم. هدرت مطمئنة إياه: -ما تقلقش، صور جديدة. المهم أنت بقى تشغل دماغها الفترة دي عشان الفجوة اللي بينها وبين زيد تكبر وأخدها معايا ونرجع لوحدنا. أردفت بتمني: -عارف لو أخدها وسافرت أسبوع واحد بس، هتاخد اللي أنت عايزه وأنا هاخد اللي أنا عايزاه. جاءها اتصال آخر، فدفعت الهاتف عن وجنتها لترى اسم المتصل. وعندما رأت اسم بثينة، أعادت هاتفها إلى أذنها لتنهي محادثة

أخيها متسرعة في القول: -طيب، اقفل دلوقتي وهكلمك بعدين. هتف قبل أن يستجيب: -ما تنسيش الصور. -حاضر، حاضر. أغلقت الخط لتفتح على بثينة، والتي قالت على الفور: -في إيه يا مها؟ رنيتي عليا بالليل أوي كده ليه؟ أنا ما شوفتش التليفون غير دلوقتي. خير، عندك إيه؟ تحدثت مها بلهجة فرحة: -كل الخير يا بثينة، كل الخير. زيد طرد صبا من القصر.

تفهم بثينة القوانين وتعرف أين ذهبت صبا. لم تحتاج توضيح أكثر من هذا، فهي تعرف أن الطلاق مستحيل في العائلة. تساءلت بدراية: -في الأوضة اللي في آخر القصر برضه؟ سألتها مها متعجبة: -عرفتي منين ومين قالك؟ أجابتها بثينة بسخرية: -وأنا محتاجة حد يعرفني ولا يقولي. نسوان عيلة الواصل مالهمش عقاب غير ده، إنما الطرد من العيلة والطلاق ممنوع. تحدثت مها دون اهتمام، وكأنها لا تخشى أن يأتي عليها الدور وأنها مستثنية من كل هذا:

-طيب إمتى هترجع؟ لو زيد مش عايزها، يرجعني بيها مصر ومش مهم يطلقها، بس بلاش يسيبها في مكان زي ده. دي ونيسة زعلانة خالص، ومعنى كده إنه مكان وحش. هتفت بثينة معلقة على الجزء الأخير أولاً: -ونيسة عندها حق تزعل، ماهي جربته قبل كده. عموماً، أنا هاجي بكرة وأشوف لو ينفع تأخديها وتسافري ونخلص من الموال ده خالص. طالما زيد مش عايزها، يبقى تروح في داهية، مش هيدور عليها. أضافت مستنكرة عندما تذكرت شيئاً غريباً:

-غريبة، العمل اللي عملناه ما أثرش فيها. والنبي لأروح لأبو الفتوح ده وأطين عيشته وأخد فلوسي. انتظرت مها بفارغ الصبر أن تحصل على غايتها. موت صبا لن ينفعها الآن، فحياتها أهم للحصول على ما ورائها من أملاك، مما جعلها تنهي بثينة بحرص: -خلاص بقى، وفري فلوسك. أنا هاخدها وهمشي والدنيا هتروق وتحلى. هتفت بثينة: -أما نشوف آخرتها إيه مع بنت بشري اللي بسبع أرواح دي. التف إليها زوجها المتمدد جوراها وسألها بقلق: -في إيه يا بثينة؟

بتكلمي مين الساعة دي؟ أغلقت الهاتف مع مها وانتبهت لحديثه لتجيبه بسعادة عارمة: -زيد طرد صبا من القصر. رغم أن النعاس المتملك منه، إلا أن خبر كهذا جعله ينتفض بفزع وهو يقول: -إيه؟ بتقولي إيه؟ سألته بتعجب من اهتمامه: -الله، في إيه يا راجل؟ مالك قلقت عليها كده ليه؟ يكون سحر بشري لسه ماثر عليك؟ صاح بها بانفعال: -إنتي هتفضلي طول عمرك ما بتفهميش. بيقولك طردها، إنتي حاسبة صبا زي ونيسة هتروح مكان زي ده وترجع عادي؟ دي لـ

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...