عاهدونى أن لا تأخروا صلاتكم لأجل قراءة الحلقة. عاهدوني أن لا تلهيكم عن ذكر الله. عاهدوني إن وجدتم مني ما ينفر أو يحرك مشاعركم نحو شيء فج، أن تخبروني. عاهدوني أن كما اجتمعنا بالدنيا نجتمع كلنا في الجنة. الذي يمر بمرحلة صعبة يتغير، يتغير فكريًا ويتطور بسرعة. وكل لحظة يعيشها داخل تلك المرحلة تتسع عينه ويسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، الأسماء التي تعيش معه للأبد.
"صبا" كانت في حالة لا تحسد عليها، لم ينزل فمها حتى الماء من وقت الحادث. أسفل عينيها كان ملتهبًا من فرط البكاء، يدها ترتعش وقلبها ينتفض خوفًا من أن لا يفتح "زيد" عينيه للحياة. أصرت على الجلوس جواره، برغم محاولات الأطباء بإبعادها، لكن أمام حالتها الصعبة وافقوا. ظلت متمسكة بيده وتميل بوجنتها عليها. يتملكها حزن عميق لسكونه. الحياة بدونه كئيبة والزمن يمر فوق قلبها كالقطار السريع رغم بطئه. هتفت بنبرة حزينة هادئة:
-قوم يا زيد. أنا مش هعرف أعيش من غيرك. رفعت وجنتها عن يده وقبلت ظهر يده وبللتها بدموعها. وأردفت وهي تهمس بتوسل: -أوعى تسيبني. إنت وعدتني إنك هتكون جانبي وأنا بصدقك. لم تسمع منه ردًا سوى صوت صافرة الأجهزة. يا له من وجع كبير. سكوته هذا يمزق قلبها. تلك الصافرة التي ترد عنه تطعنها كالنصل البارد بلا رحمة. غياب صوته عنها كاد يذهب عقلها. زفرت بتعب من كثرة الضغط وانهمرت في البكاء من جديد وهي تدعو:
-يارب أنا عبدتك الضعيفة، يارب ماليش غيرك. يارب خد من عمري واديله. يارب ما تحرمنيش منه. يارب إنت قادر وأنا ما أقدرش. إنت كبير وأنا صغيرة. إنت هديتني بيه وأنا شبط فيه. ما تحرمنيش منه. ما تاخدهوش مني. لو هتاخده خدني معاه. بالخارج لم يكف لسان "فايز" عن الدعاء. قلبه منقسم بين حالة "زيد" وحالة "بثينة" التي أبلغه الطبيب بحالتها الصعبة والتي تجعلها في عذاب. لا هي على قيد الحياة ولا الموت.
أما "ونيسة" فكانت مفطورة القلب. "زيد" ليس فقط الأكبر بين أبنائها، تفاحة قلبها، بل هو سندها والثمرة الباقية من زوجها السابق. لقد ضحت كثيرًا من أجله وكانت مستعدة لأكثر من هذا. سنوات من العذاب عاشتها تحت سلطة "عماد"، رجل غيور باطش سام، يريد حذف وجودها. جرحها بكل ما يمكن أن يجرحها به وعاشت معه في ظلمات لم تعرف لها آخر. تحملت كل هذا لأجل "زيد" وبعده أولادها "بلال" و"يحيى". حلقها جف من كثرة الدعاء له وقلبها ظل يدعو ويتوسل وأن يعيد تجربة فقدان مرت عليها من قبل.
"حسين" انشطر قلبه على ابنته وابن أخيه. مشاعره بالكامل كانت مرتبكة. حالة ابنته صعبة للغاية وكذلك "زيد". راح يلعن أخيه سرًا وجهرًا على جريمته الكبرى.
لا يستوعب عقله كيف تجرد من إنسانيته وعقله ليقدم على فعل كهذا. أظن أن حتى لو أبوه سامحه هو ما كان يسامحه. إنها فلذة كبده التي كادت أن تضيع. مهما حدث، فما فعله لا يغتفر. وبعد معاناتها من زوجته السابقة وما فعله "رشدي". لو كان بمقدوره سجنه ألف عام لفعلها دون تردد، حتى لو كان ثمن هذا حياته. فما يعيش الإنسان إلا من أجل شرفه وبدنه. والشرف لا يكون إنسانًا. بعد ساعات
أخرج الفريق الطبي "صبا" من الداخل من أجل الكشف. سارعت "ونيسة" نحوها تسألها بفزع: -إيه أخباره؟ طمنيني. حركت رأسها بثقل وهي ترد بحزن: -مافيش جديد. رأت "صبا" الحزن العميق في عين "ونيسة" والحسرة الشديدة التي تتملكها. بعد تضحياتها الكبيرة لها، بعدما تنازلت عن الدخول له ورؤيتها بأم عينها وتركتها هي لعله يرجع من جديد لأحضانها. لا يهم الآن من الأحب لديه، لكن الأهم هو أن يفيق ويستعيد وعيه الكامل. حاوط كتفها والدها فور
خروجها ومال يسألها بلطف: -أجيب لك أكل؟ حركت رأسها بالرفض. فزفر يائسًا من استمرار رفضها ولجأ لحيلة أخرى ليخدعها قائلًا: -طيب ينفع زيد يقوم يشوفك بالشكل ده؟ ده كان يغمى عليه تاني. رفعت رأسها له بأمل. كانت في عرض كلمة تخرجها من هذه الدوامة، لكن إنها الحقيقة المرة. "زيد" لا يزال غائبًا عن الوعي. سأل "فايز" "صبا" والذي يعرف أهمية وجود "صبا" إلى جواره في هذه الأوقات الحرجة: -خرجتي ليه؟ أجابت بتعب: -هيدخلوني تاني كمان شوية.
لا يزال الوضع متأزم والجو ممتلئ بالكآبة. صدح هاتف "فايز". فحدق في شاشته يخشى الإجابة. إنه "حكيم". يرتعش قلبه أن يخبره بخبر يهوي بقوته المتبقية. لكن كان لزامًا بالإجابة. فالخبر إن وقع سيأتيه سيأتيه. فلا داعي للتهرب. فالهروب لن يغير من الحقيقة شيئًا. أجذر ريقه وفتح الخط ليسمع صوت "حكيم" وهو يقول: -طمنا على زيد يا حاج. زفر أنفاسه وهو يجيبه: -أدينا بنقول يارب. سكت قليلاً ثم سأله متوترًا: -بثينة عاملة إيه؟
جاء دور "حكيم" بالارتباك وقال أسفًا على وضعها: -الحال مش حلو. الأجهزة بتاعة جسمها أغلبها وقف وربنا يلطف بيها وبينا. الدكاترة بيقولوا لو فضلت على كدا هنفصل الأجهزة عنها. لم يتحدث "فايز" نهائيًا. دموعه نابت عنه وصوت نهنته المكتومة شرح حالته. اتجهت "صبا" إليه وجلست بجواره رغماً عنها. وجدت نفسها تهدئه وتعطيه أملًا غير موجود لديها: -إن شاء الله هيقوم بالسلامة يا جدو. ما تزعلش عشان صحتك.
علم أنها لا تعرف شيئًا عن "بثينة". تواسيه عن "زيد" دون أن تعرف سبب بكائه وانكساره الآن. أغلق الهاتف والتف لها وتحدث في سرعة كأنه يريد أن ينقذ ما يمكن إنقاذه: -اسمعي يا صبا. بثينة بنتي بين الحياة والموت. ونفس اللي بيصارعوا زيد هي بتصارعه. بس هي روحها متعلقة. تعجبت "صبا" من هذا الخبر الذي لم تعرف عنه شيئًا من قبل وضمت حاجبيها تسأل: -مش كانت كويسة؟ هتف "فايز" حزينًا: -كانت يا بنتي. دلوقتي هي تعبانة وحالتها حرجة.
لاحظت كيف انكسر نظره عنها وثقل لسانه وهو يسترسل بالقول: -لو تقدري تسامحيها سامحيها. سامحيها عشان خاطر ربنا. حتى لو هي ما تستحقش سامحيها. قلب "صبا" أكبر من أن يقسو على جدها. تعرف مدى حب "زيد" له وتعرف حجم طلب السماح لابنته منها. فلم ترد له الطلب وهتفت بهدوء:
-أنا مش هاممني دلوقتي غير زيد. أنا مسامحاها. مسامحة أي حد جرحني أو ظلمني. بس زيد يرجعلي تاني. أنا اتأكدت إن مش مهم ألف قلب يحبك. المهم إن قلب واحد يحبك بصدق وإخلاص ويأمن بيك. فده اللي يوقفك على رجلك. أنا سمحتهم كلهم كلهم يا جدو عشان خــاطــر زيــــد. أطفأت جزءًا من نيران قلبه وأذهبت ضيق أنفاسه. ربت على كتفها بحنو وقال بابتسامة طفيفة: -قولت لزيد إنك أنسب واحدة ليه. وفعلاً إنتي الوحيدة اللي تناسبيه يا صبا.
عادت "صبا" تجلس إلى جواره وتمسك بيده كالطفلة الصغيرة التي تتشبث في ثوب أمها ويشعرها بالأمان. نادته بصوت أرهقه النداء وفؤاد معذب يرجو الرد: -زيد قوم بقى يا حبيبي. عرفت أنا بحبك قد إيه. كلنا هنتجنن عليك. برا قوم عشان ابننا يتربى في حضنك. بكت بحرقة وعادت تحدثه وكأنه يسمعها: -أنا سامحت عمتو بثينة عشان خاطرك. سامحتهم كلهم.
وسامحت طنط ونيسة. أحلف لك بالله إني عمري ما هازعلك أو أضايقك تاني وهستحمل "ونيسة" عشانك. إيه يعني بتعصب وتقول لي يا بنت بشري. ما أنا بنت بشري. هي بتشتمني. ما هي أمي. إيه يعني تقول لي إني ساحرة. مش مهم ساحرة. ساحرة. المهم إنك إنت مصدقني. مهما عملت مش هضايق. قوم إنت بس بالسلامة وعمري ما هازعل منها أبداً ولا هأتخانق معاها. -إنتي متأكدة إنك مش هتخانقي معاها تاني؟
لم تصدق الصوت الذي أتاها. رفعت وجهها لتحدق به غير مصدقة أنه أخيرًا. أجابها. جالت في ملامحه بصدمة. مازال مغمض العينين ثابت التعبير. استنكرت هذا وهتفت بتعجب: -هو أنا كان بيتهيألي؟ زيد إنت رديت عليا. لا يزال صامتًا وعينه مغمضة. أمسكت بيده وقبضت بقوة لتهتف بنبرة حزينة: -يارب يارب ما تحرمنيش من صوته ووجوده. يارب. يارب زيد طيب وحنين وبيعملك خير كتير وقلبه أبيض. أخيرًا فتح عينيه ليقول بنبرة أرهقها التعب: -إنتي هتشحتي عليا؟
خلاص. اتسعت عيناها وهي تنظر إليه. رفع يده ببطء ليمررها على وجنتها وينظر لها بحزن على حالتها المزرية التي وصلت لها. بينما هي تصنمت وهتفت بصدمة: -زيد قول إن مش بيتهيألي. لم يقوى على الابتسام ورد باقتضاب: -مش بيتهيألك. نهضت من مكانها وصاحت بفرح وهي تضع يدها على فاها كالمجنونة: -زيد. إنت رجعت لنا بالسلامة. الحمد لله. يارب الحمد لله رب العالمين. الحمد لله. الحمد لله. قفزت عدة قفزات. فنها "زيد" بحزم جعله يتألم: -بس بس.
هتفت بسعادة: -أنا مش مصدقة نفسي. عايزة أطير. ما تقول لي بس مش هسمع الكلام. رد ساخرًا: -إنتي لسه قايلة هتسمعي كلامي. تذكرت وعدها وعادت تجلس إلى جواره بتهذيب وهي تقول: -أيوا قولت حاضر. قال بتعب: -الحمد لله إنك حامل. حافظي عليه بقى عشان أنا خلاص كدا قطعت الخلف. ضحكت على مزاحه حتى أدمعت عيناها. فعاد يتحسس وجنتها برفق ويسألها: -إنتي كويسة؟ وضعت قبلة عميقة في كف يده. من بعدها أجابته: -دلوقتي بس بقيت كويسة.
نهضت من مكانها لتقول: -هبلغ جدو وماما وبابا وبلال ويحيى. كلهم برا هيتجننوا عليك. خرجت مهرولة للخارج فوجدت "فايز" يجلس كالنخلة الخاوية يرجع رأسه للوراء بتعب ويلتف إلى جواره "حسين" و"بلال" و"يحيى" و"ونيسة" أيضًا. يبدو كأنهم يحاولون مواساته. حدقت لوجوههم المنطفأ والحزن المخيم بأعينهم وسألتهم بفزع: -فيه إيه؟ أجاب "حسين" أسفًا: -عمتك بثينة. تعيشي إنتي! شهقت وكممت فاها سريعًا. كادت الصدمة تنسيها ما أتت لتخبرهم به.
سألتها "ونيسة" بفزع وكأنها أدركت لتو خروجها: -زيد كويس؟ ليكن ما كان. المهم أن "زيد" بخير. أجابت بهدوء: -زيد فاق. تضاد السعادة مع الحزن شيء يفسد الأعصاب ويدمر المشاعر. لكن دائمًا الحمد لله دائمًا في السراء والضراء. التفت الأسرة بالكامل نحو "زيد". اطمأنت على حالته والتي أكدت الأطباء استقرارها مع بقائه تحت الملاحظة حتى يتحسن الوضع أكثر ويزول الخطر بالكامل. حمد الله "فايز" بصوت عال:
-الحمد لله على نعمته وفضله. الحمد لله في السراء والضراء. كان "زيد" يلاحظ ملامحه المكسورة وتعبُه الجلي وحزنه العميق بعينيه الذي يغطيه بالحمد الدائم حتى لا يخضع لشيطانه. يعرفه كما يعرف باطن يده. جده يتألم بجرح لن يفشيه. تحدث "حسين" قائلًا: -حمد الله على سلامتك يا زيد. ياريت تخلي بالك من صبا. من ساعة ما دخلت المستشفى ما حطتش لقمة في بقها. وبتاخد علاج على معدة فاضية. نظر إلى "صبا" متعجبًا من إهمالها وقال:
-مش عارف أحكم عليها. يارب حد فينا كلمته تمشي عليها. ظهر الانزعاج على وجهه "زيد" ولاحظته "صبا". لم تنتظره ليتفوه بحرف فهتفت لتسترضيه: -حاضر يا زيد. انزل بابا هات لي أكل. ابتسم "حسين" وهتف مصدومًا: -كده من غير ولا كلمة؟ لاااا أنا كده طلعت ماليش كلمة ولا حرف. هتفت "صبا" بهدوء لعله يطمئن أنها غيرت فكرتها بالكامل عنه، خاصة بعد وقوفه بجوارها في هذه المحنة: -إنت الخير والبركة يا بابا. ربت على كتفها بحنو وقال بحنو:
-ربنا يحميكي يا صبا. أنا المهم عندي سعادتك. "ونيسة" كانت تلزم جوار السرير. لم يسعها القول سوى بالحمد والشكر الدائم لله. فلم تتحدث سوى ب: -صبا قعدت جنبك وما سبتكش لحظة. تعجبت "صبا" من شهادتها وظلت تنظر إليها مليًا غير مصدقة. وزادتها دهشة حين أضافت: -بلال ويحيي قالوا إنك كنت بدافع عنها. عماد كان قاصد يقتلها هي عشان يموتك. ألف مرة عماد فهم قيمة صبا عندك. وأنا فهمت متأخر.
أمسك "زيد" بيدها بلطف وتجاوز الأمر. لا يريد أن يتحدث عن ماضي كاد يخسره حياته. لم تدخل "صبا" حياته ليستغلها الجميع ضده. على إثر هذا تحدث كلا من "بلال" و"يحيي" بالتبادل وبحرج شديد: -ألف حمد لله على سلامتك يا زيد. -والله يا زيد إحنا مكسوفين منك. نظر باتجاههم "زيد" وضم حاجبيه متسائلًا: -الله يسلمكم. بس لي الكسوف؟ هتفت "يحيي" وهو يتحاشى النظر إليه: -عشان اللي عمله بابا و... قاطعه "فايز" بحدة:
-خلااااص. عماد هياخد جزاء بالقانون. وأي حد عاجبه اللي عمله يتفضل من غير مطرود من حياتنا. لم يعد يبقى على أحد أو يتحمل أحد. فقد أدرك أن دائرته كلما كانت نظيفة وصغيرة كانت أفضل مما تكون كبيرة وملوثة. سكت الجميع قابلًا بعقابه. نظر نحو "زيد" بهدوء وقال بمشاعر غاضبة: -هجبلك حقك يا زيد وحق أبوك.
أثلج صدر "زيد" بكلماته التي تملؤها الثقة وتفيض بالصدق. ولم يحتاج مجهود ليدرك أن "فايز" سيفتح النار على "عماد" كما فعل مع "رياض" و"رشدي". وكل ما أخفاه قديمًا سيعيده من جديد ويأخذ حقه جملة وتفصيلًا. هتف ليحث "بلال" و"يحيي": -قسموا نفسكم. حد يقعد هنا وحد ييجي معايا ومع عمكم حسين عشان ندفن عمتكم.
فاجأ "زيد" بالخبر لكنه كان متوقعًا بعد شكواه الأخيرة قبل الافتتاح بتدهور حالتها. لم يستطع التفاعل ظاهريًا لكن ألم الفراق كان ينخر في قلبه بالداخل. أخفض رأسه بتعب ثم قال أسفًا: -البقاء لله يا جدي. معلش ما لحقتش أسامحها. رد "فايز" باقتضاب وهو يشير بعينيه نحو "صبا": -صبا سامحت.
نظر "زيد" لصبا التي تبلدت من كلمات جدها عليها. وتركهم "فايز" يحدقان لبعض وانسحب "بلال" و"فايز" من خلف جده. وكذلك "ونيسة" التي أرادت اللحاق بـ"فايز" لتحضر العزاء الخاص بالسيدات. وعندما فرغت الغرفة أشار "زيد" نحو صدره ولطمه بالتتابع بخفة يدعوها دون حديث إلى أحضانه. فاتجهت صوبه لتحاوط خصره بقوة واشتياق. بينما هو أغمض عينيه براحة. كانت بحاجة شديدة لهذا الحضن وهو أيضًا باحتياج لتلك الضمة. قال متأثرًا:
-عايز أقول إنك وحشاااني. وحشاااني. ردت هي الأخرى وهي تشم رائحته التي كادت تجن عليها في الأيام السالفة: -الدنيا من غيرك مالهاش طعم أبدًا. بعدك عني ده عذاب. كان مغمض عينيه يستشعرها بكل حواسه دون تشتيت. يستند بطرف ذقنه على رأسها هتف: -البعد عنك موت يا شمسي. إنتي كل الدنيا في عيني.
زفرت براحة. انتهى الخطر وذهب كل الأعداء للجحيم وبقيت هي وهو معًا. رغم مرور الظروف القاسية. هي الآن بين أحضان زوجها حبيبها اختيارها شريك حياتها والمستقبل مفتوح أمامها لأسرتها الجديدة. صبا زيد وطفلهما. بعد مدة
عادت الأوضاع لسيرها المعتاد وعاد "بلال" لعمله و"يحيي" إلى كليته واستقر "حسين" إلى جوار والده وابنه الذي لم يعد له أحد سواه. اشترى "زيد" شقة بالمدينة الكبرى إلى جانب العرض من أجل "بلال". لازال الجد يعيش في حداد مطول على ابنته حتى أن الجلسات قلت لضعف قواه. وبدأت "صبا" في الإزدهار بعدما أنشأت مشاريع تنموية في المدينة وباتت علمًا من أعلام المدينة والكل يدعو لها بالخير على ما قدمت لهم. والآن تستعد لاستقبال مولدها القادم بحماس.
"في غرفة صبا" وقفت أمام المرآة بجانب جسدها تتطلع لبطنها المنتفخ وتتحسسه بسعادة غامرة. حتى شاركه "زيد" وهو يضمها إلى صدره. اطمأنت لوجوده وحنانه. مالت براحة على كتفه وسألته بتخمين: -نفسك بنت ولا ولد؟ وضع قبلة عميقة مفعمة بالإحساس وهتف بعدها برضاء: -أي حاجة منك هتفرحني. قضبت حاجبيها وتحدثت بانزعاج: -زيد قول بقى معايا. طيب تفتكر بنت ولا ولد؟ ربت على كتفها ونظر مشدّدًا إليها في المرآة وقال: -مش قولنا بلاش زعل.
نظرت له ببراءة لتحسه على الإجابة ونجحت في جذب الحديث من فمه وقال مستسلمًا: -خلاص يا ستي. نفسي في بنت. تشنجت بضيق وابتعدت عنه لتنظر له وجهًا لوجه وهي ترد: -يازيد بقى أي الرخامة دي. أنا عايزة ولد. أجابها بضيق: -قولتلك قبل كدا البنات بتربيني. إنما لو ولد هشربه معايا سجاير وأسهرُه للفجر. إنتي يرضيكي. وضعت يدها في جانبيها بتحدي وسألته: -هتعاكسوا البنات؟ ابتسم بخفة وهتف مستنتجًا: -آه هي دي هرمونات الحمل اللي بيقولوا عليها.
تحدثت بعصبية لتجاهله سؤالها وزعقت هادرة: -زيد ما تلفش وتدور. مسح وجهه بغضب ورد بحنق: -يادي النيلة. مش هنعاكس بنات يا صبا. عاد يبتسم ليسرق عقلها قائلًا: -هنعاكسك إحنا الاتنين. ابتسمت بنعومة ورضاء عما قال. فتحدث من جديد وهو يجذب يدها إلى صدره: -يا ربي عليكي وعلى جمال ضحكتك. أقولك أحسن ما تجيبيش بنت. لو بقت شبهك مش هفرط فيها أبدًا. لو ضحكت في يوم لحد كدا قلبه هيوقف والله. مسحت على صدره بباطن يدها وهتفت بفرح:
-ولو جه ولد شبهك هيجنن البنات وأنا مش هستحمل كدا. أنا بغير. سألها مازحًا: -طيب نعمل إيه بقى؟ بنت البنات حلوة. استمع إلى صوت والدته يزعق بضيق: -يازيد. ياصبا. ده إيه التأخير ده كله؟ مش هنفطر في يومنا؟ أغمض عينيه ثم عاد يفتحها ليقول: -أقولك تعالى ننزل قبل ما ونيسة تطلع لنا هنا. تحركت معه. لكن قبل أن يغادر الغرفة هتف موعدًا إياها: -عندي ليكي مفاجأة. أخلص شغلي وأرجع أوريهالك. تحمست وهي تنظر في عينيه
غير مصدقة ثم تحدثت بحماس: -مفاجأة إيه؟ نفض رأسه وقال ناهيًا: -بذمتك هي المفاجأة تبقى مفاجأة لو تتقال. اصبري وهتعرفي كل حاجة في وقتها. حركت قدمها بعصبية وهتفت: -خلاص ما تتأخرش عليا. أجاب وهو يفتح الباب استعدادًا للخروج: -وأنا أقدر برضو أتأخر عليكي. عيوني لو ما شفتكيش تتعبني. لم تنطلي عليها حيل المسكن هذه وقالت بتخمين: -حاسة إنك بتثبتني وهتأخر. اتسعت ابتسامته وأمسك طرف أنفها بين أصابعه ليقول مازحًا:
-بقيتي مجرمة أكتر ما إنتي. أفلت أنفها وابتعدت برأسها وهتفت: -من عاشر القوم. وأنا مش بس عاشرتكم. أنا منكم. حاوط خصرها بيدها وتقدم قائلًا: -إنتي أخطر واحدة في عيلة الواصل. بعد يوم طويل "في مكتب الحاج فايز" جلس "زيد" في مقابل جده وبدا مصرًا على قراره. لم يكن جده معترضًا، لكن ملامح وجهه تبدي اعتراضًا وغصه. تحدث "زيد" وهو يعبث في أطراف أصابعه بخجل: -أنا مش عايزك تزعل يا حاج. صاح "فايز" سريعًا: -حيلك حيلك. أزعل إيه؟
قلبي ما فيهوش حيل لزعله كمان. لو كنت زعلان كنت هتلاقيني طابب من طولي دلوقتي. أجابه "زيد" سريعًا وهو ينظر إليه بتلهف: -بعد الشر عليك يا حاج. أطاح بيده دون مبالاة كأنه ما عاد يعنيه الحياة. الحياة التي سرقت منه ثلاثة أولاد وأبْقته يتقلب في نيران الفقد. قال بجمود: -يا أخي هو الموت شر؟ مش هتعز عليه مصيري رايح. غير وجهة كلامه تمامًا وأردف: -بلال عايز يتجوز. وأمك خوتاني كل شوية. إيه رأيك في بنت خالك ضحي؟
اعتصر "زيد" ذاكرته حتى عثر عليها. تحدث مستنكرًا: -دي عيلة صغيرة. هي دي هتنفع بلال؟ بلال متعلم. ما ياخد واحدة مقاربة لسنه ولتفكيره. هتف "فايز" بسخرية: -أخوك مش فارق معاه ومش بيفكر في كدا من أساسه. لما أمك قالتله عليها وافق دغري. تعجب "زيد" من تصرف أخيه وسرعة قبوله وراح يسأل جده مندهشًا: -تفتكر إيه السبب يا حاج؟ نظر "فايز" مطولًا لـ"زيد" مستفزًا أفكاره وساد صمت بينهم حتى حدق له بريبة. عندها قال "فايز" بحدة:
-أقسم بالله. لو ناوي يعمل زي أبوه لأكون قاطع خبره. أنا مش ناقص وجع قلب. العود اللي هيميل من شجرتي هقطعه وأرتاح. مش هستناه يبقى شجرة ويقلعني. وضع "زيد" يده على فمه ووضح بدهشة: -إنت خايف يتجوز ويسيب البنت هنا ويتصرف براحته في شقة القاهرة. نفض رأسه مستنكرًا الفكرة وأردف: -يا حاج ده يبقى غبي. بلال شاهد على كل حاجة. هيفكر ألف مرة قبل ما يعيد الزمن. يمكن ما فيش حد في دماغه. وإنت عارف أمي وزنها. أطاح "فايز" بيده وقال:
-برحتهم. مش هتجيبها وترتاح معاها. تتوكل على الله. عادت يحدق بصقرية عيناه لـ"زيد" وهو يسترسل بحدة: -وإنت حذر أخوك وهات قرار الموضوع ده. حرك "زيد" رأسه وهتف: -حاضر يا حاج. اعتبره حصل. رفع "فايز" رأسه ليسمح له بالمغادرة: -روح شوف مراتك. إنت اتأخرت عليها وهي ما بتنامش غير لما تيجي. ابتسم "زيد" بهدوء وقال قبل أن يغادر: -تصبح على خير يا حاج. رد "فايز" باقتضاب وهو يعود للنظر للأوراق التي أمامه: -وإنت من أهله. في غرفة صبا
كانت متشوقة لمعرفة مفاجأة "زيد" فهي جربته من قبل وجميع مفاجآته غاية بالروعة والجمال. تسرب إليها الضجر وهي تنتظره. أمس كانت تسأل جده عليه في كل لحظة واليوم تعرف أنه مع جده فمن تسأل. كانت تفكر بتهور أن تقتحم الجلسة عليهم وتجلس معهم أو تنزل إلى "ونيسة" لتشاكسها عوضًا عن هذا الملل الذي يأكلها ببطء.
أخيرًا فتح "زيد" باب غرفتهما وكأنه فتح بوابة الأمل. قفزت من مخدعها وهرولت باتجاهه لتحتضنه. اقتسم معها الطريق بشوق لهذه الأيدي الممدودة بشوق نحوه. -أخيرًا. قالتها "صبا" وهي تزفر أنفاسها وتطالع إليه. سألها "زيد" بمكر: -ويا ترى الشوق دا كله للمفاجأة ولا ليا؟ أجابته بصراحة: -الشوق ده كله من الزهق يا حبيبي. أنا هطق من الظهر. خلصت شغل وجيت قعدت هنا لما زهقت وكنت بفكر انزل أتخانق مع ونيسة من كتر الزهق. أوقفها بنبرة متوسلة:
-لأ وحياة أمك سيبى الأمن مستتب. أنا مصدقت بقالكم فترة مافيش خناق. نظرة له بخبث كالطفلة الماكرة. عندها سأل مخمنًا: -ولا تكوني مهدداها؟ ما أنا عارفك. نفضت رأسها بخفة وقالت بإعجاب: -أمك بقت بتحبني يا زيد. دقق النظر بها ليتأكد من صحة ما تقول. وعندما تأكد أنها لا تمزح صاح بفرح: -الله أكبر ولله الحمد. معقول زمن المعجزات رجع. حركت كتفها بخفة لتقول: -ما فيش حاجة تعجز عليا.
سكت قليلاً ليتأملها فرحًا بها ومستمتعًا بوجودها ومزاجها الرائق وعفويتها الخطيرة التي أسقطته بلا مقدمات. أخيرًا اقتنعت أمه بأن "صبا" تستحق الحب ورأتها كما يراها هو. قاطعت صمته متسائلة: -إيه؟ إنت مش قلت فيه مفاجأة؟ ولا المفاجأة كانت إنك هتتأخر زي العادة؟ ابتسم لها وهو يرد: -خلينا بكرة بقى لأنها عايزة طقوس وأنا عايز أنام. ابتعدت عنه وبدت منزعجة من تشويقه الزائد وعبثه بمشاعرها. وهتفت بتوعد:
-خلاص روح نام. لو خليتك تنام بقي. ضحك على طفولتها وقال: -خلاص خلاص. وعلى إيه أنا هلهيكي في المفاجأة وأنام. أشار نحو القابس واستأنف: -خفّي النور وتعالي. نظرت له بشك. فحسها مضيفًا: -روحي ما تخافيش.
ذهبت نحو القابس لتبدل الإضاءة القوية بأخرى منخفضة والتي تسير على حواف الغرفة. استدارت لتجد بين يده علبة متوسطة الحجم وكأنها خلقت بيده لم ترها معه أثناء دخوله ولم يسبق لها أن رأتها. اتجهت صوبه وهي تبدل نظرتها بينها وبين ابتسامته الهادئة. وفور اقترابها قدمها إليها بيدان مبسوطتان.
أمسكتها بين يديها متعجبة مما يكون بها. تبدو ثقيلة بعض الشيء. وضعتها على الطاولة وهمت بفتحها. أما "زيد" فتحرك من خلفها ليحاوط خصرها وهي تشرع بفتحها. أسند طرف ذقنه على كتفها وأوقفها قبل أن تسحب الرباطة الستان المزخرفة من فوق العلبة: -استنى. إنتي عارفة أنا ليه خفيت النور؟ نفضت رأسها وطفى في ذهنها مزحة فأجابت ضاحكة: -إنت جايب قنابل أتشاهد قبل ما أفتح ولا إيه؟ ابتسم من مداعبتها ورد ليحيرها أكثر:
-هي فعلًا قنابل. اتوكلي على الله. ترددت في أن تبدأ وسألته بهدوء: -خلتني خفيت النور ليه؟ أجابها وهو يملي كلماته الرقيقة على أذنها حرف حرف: -عشان أشوف شمسي وهي بتنوّر. ضمت فاه بسعادة. كان يكفيها كلماته عوضًا عن كل شيء. ماذا ستحتاج أكثر من هذا. وهو ينعتها بشمسه ويهديها بهداياه الثمينة لتقربه منه تمامًا كتلك الأساورة التي تلتقط أيديهم ببعض فور الاقتراب. والتي جاهد الآن ليجعلها تلتقط سوارها. أمرها وهو لازال يستند
على كتفها ويضمها إلى صدره: -افتحي يا شمسي. سحبت الشريط وفتحت الغطاء لتفتح جدران العلبة بالكامل وبداخلها علبة أخرى. تلك الجدران معلقة بأنواع شتى من الشوكولاتة. جعلتها تفرح بها كالطفلة الصغيرة. مازحها قائلاً: -من وقت ما دُقت الشوكولاتة معاكي وأنا بقيت بحبها. أشعرها بالحرج فعضت طرف شفاها. حسها لتفتح الأخرى: -اللي بعده. خلينا ناكل الشوكولاتة وصاحبتها.
أزاحت غطاء العلبة الأخرى وكانت هي أيضًا تفتح جدرانها. لكن هذه المرة مختلفة. فجدرانها معلقة بها أنواع عديدة من أصابع الروج. وضح هو قائلاً: -طبعًا طالما فاكرة الشوكولاتة بتاكل إزاي؟ يبقى فاكرة أسطورة الروج. كانت سعيدة بهذه الهدايا ومحلقة لعنان السماء من كلماته المازحة وذكرياتهم الجميلة معًا. لم تجب وكأنه يحبس الكلام عنها. لم تجد ما تجيب به عليه.
قررت فتح العلبة الأخرى والتي انفرجت جدرانها كالباقية. معلقة بها أنواع عدة من طلاء الأظافر. هتف مدعي الضيق: -البتاع اللي بيضايق منه. بس عشان بتحبيه جبته. ضحكت على تلك الذكرى أيضًا. لازال أمامها علبة أخرى. شرعت بفتحها بسرعة. كانت تود معرفة النهاية. فكلما فتحت طارت سعادة. وهي تطمع في المزيد انتقامًا من كل الحزن الذي عاشته. ارتمت جدران العلبة الأخرى فور إزاحة غطائها وجدرانها معلقة بها بعض الرسائل الملفوفة القصيرة.
قال عنها بلطف: -دول تقربك وأنا مش موجود. يضيعوا الزهق. التفت بعنقها لتسأله: -مكتوب فيهم إيه؟ أجابها وهو يضيق عينيه مخمنًا: -ممكن بحبك. بعشقك. بموت عليكي. متجنن بيكي. احتمال يكون فيها ساحرتيني يا ساحريني يا ساحرة. ابتسمت من جديد وعادت ببصرها نحو العلبة. والتي بالفعل تمتلئ بالقنابل المسيلة للدموع. وقد تبقى علبة صغيرة.
مدت يدها لتزيح غطائها. لكنها الوحيدة التي لم تسقط جدرانها. تعجبت منها وتطلعت لها لترى بعض الورود المجففة الصغيرة. سمعه يقول: -كل جدران العلبة تقع عشان ماضي. ودي بالذات مش هتقع لأن دي الــمــســتـقـبـل. حمسها حديثه للنبش بين الورود بأطراف أصابعها. التقطت يدها شيئًا معدنيًا. رفعته نصب عينيها لتراه مفتاحًا معلقًا به مدلاة ذهبية ثقيلة على شكل منزل. فرغ فاها والتفت له غير مصدقة. عندها أوضح بنبرة لن تنساها ما حيت:
-مفتاح بيتنا يا صبا. مع إن قلبي هيفضل بيتك. قنبلة كما قال ستفجر في قصرهم. استقلال "زيد" رغم رفض العادات. قنبلة لم يسبق أحد تفجيرها. استدارت لتوليه وجهها وابتسامتها تزين وجهها. وقبل أن تفوه بكلمة قال هو: -شوفتي شمسي طلعت إزاي؟ نفضت رأسها فما عاد الحديث ينفع. تعلقت بعنقه بسعادة ورفعها هو عن الأرض بين يديه. -بحبك يا زيد. بحبك لآخر عمري. بحبك يا زينة شباب عيلة الواصل.
صدق في حديثه ونفذ وعده. أخرجها من الظلمة إلى النور. تحدى العادات والتقاليد والأعراف وظفر لها بمنزل كما أرادت. هتف وهو يدس رأسه بعنقه أكثر: -وأنا أعشقك يا صبا يا أخطر واحدة على عقلي وقلبي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!