فى منزل بثينه كانت طريحه الفراش تضع على رأسها وشاح أسود معقود بقوه وتصيح بنواح حزين على ما جري لها. هكذا هي حالتها التي رأتها عليها ونيسة ومها، والتي أدهشتهما. حاولت ونيسة مراراً وتكراراً معرفة سبب الخلاف بينها وبين أبيها، لكنها لم تكن تجيب سوى أن صبا هي سبب كل المشكلات. هتفت بثينة لونيسا وهي تنتظر ردة فعلها: -أنا هخطب نهي لعامر ولا تزعلي يا ونيسة.
أدهشتها الفكرة، ورغم أنها أرادتها يوماً زوجة لابنها، لكنها لم تغضب منها، فكل شيء قسمة ونصيب. باركت قائلة: -وماله، ألف مبروك. نهي بت حلال وعامر زي ابني. سعدت بثينة بتقبلها الأمر وطلبت منها أن تناولها كوباً من الماء. من الخارج حتى يتسنى لها الاختلاء بمها، والتي سرعان ما حدثتها بصوت منخفض: -عملتي إيه في مشوار أخوكي؟ ظهر التوتر على وجه مها. هي أيضاً تريد التخلص من صبا، لكنها لا تريد الظهور في المقدمة حتى لا تعاقب.
فردت بقلق: -أعمل إيه يعني؟ أنا مش عايزة أخويا يتضر، وأنا كمان أخاف أقرب لها، دي شر. حفزتها وهي تدفعها بيدها بقوة: -اسمعي الكلام. المرة دي هتقطم رقبتها ومش هتقوم لها قيامة تاني. خلي أخوكي بس يخلصنا منها. ترددت في الموافقة قبل أن تحصل على وعد منها بالحماية: -يعني أخليه ينفذ وتوعديني تحميني؟ أجابتها بثينة مؤكدة: -أومال! ما أنا برضو ما حميتك قبل كده وما قولتش لأبويا إنك كنتي معايا عند أبو الفتوح.
انقطع حديثها عندما عادت ونيسة بكوب المياه. في الفندق استيقظت صبا بين أحضان زيد. قالها وفعلها. كانت ليلة لا تُنسى بكل مفاجآتها ومشاعرها الفياضة. اعتقدت أنها لم تقابل زيد في حياتها إلا أمس، وقد نجح بأن يسرق قلبها وعقلها. نظرت باتجاهه فوجدته مستيقظاً. ابتسمت له وهي تسأله: -أنت صاحي بقالك كتير؟ أجاب وهو يلتف بنصف جسده تجاهها: -آه بقالي كتير جنب شمسي مستنيها تصحى. ابتعدت عن يده التي كان يحاوطها بها لتبعدها
عن أسفلها قائلة بأسف: -إيدك زمانها تعبتك. لم يكن مهتماً بألم يده، المهم أنها تنام وترتاح ولا تبتعد عنه. رد دون اهتمام وهو يجلس نصف جلسة: -مش مهم. المهم إنك نمتي كويس. أمسك طرف أنفها مداعباً وأردف: -يلا نمشي بقى عشان نروح المزرعة. نهض من الفراش تماماً وابتسامتها تزين وجهها. دعاها قائلاً: -تيجي معايا ناخد شور.
فسحبت الغطاء بالكامل على وجهها وانزلقت بأسفله. فما كان منه إلا أن مال بجذعه ليحملها بالغطاء من الفراش بين يديه. صاحت باعتراض: -زيد لأ بطل حركاتك دي. أجاب وهو يضع جبهته فوق جبهتها بابتسامة: -بذمتك هي الحياة تحلى من غير حركات؟
طوال الطريق ما كان سوى المرح والانسجام. ثالثهم كان يتركها على حريتها ويستمع معها إلى أغنياتها المجنونة. بل ويتفاعل معها. لم ترَ من قبل هذا الجانب منه، وكأنما رحل زيد وأتى زيد آخر محب ومرح، وكما يقال "فرفوش". تغيرت إجراءاته وما عاد يريد العودة للقصر. اتجه صوب المزرعة مباشرة حتى لا يصطدم بوالدته أو أي شخص بإمكانه تعكير مزاجه وخطف فرحته بليلة مفعمة بالحب والسعادة والهدوء. من بداية زواجه لم يحصل عليها.
أوصى نجلاء لتحضر حقيبتهم وأرسلت بها أحد الحرس. الحقيقة أنه كان متردداً في أخذها معه، لكن عندما اقترح على جده الأمر، حسه على موافقتها. فساعده وجرأه على اتخاذ هذه الخطوة التي من الممكن أن تفشل بمجرد رؤية صبا المكان. بعد ساعات تعبت من طول الطريق فغفت على كتف زيد باقي المسافة الطويلة. وصل إلى وجهته وأوقف سيارته ونظر إليها بقلق من رفضها المبيت هنا. ناداها بصوت هادئ ليوقظها: -صبا.. صبا. فتحت عينيها واعتدلت في جلستها
وهي تسأل بنبرة ناعسة: -إيه؟ إيه؟ أجابها وهو يرمي نظرة خلفها بإيحاء: -وصلنا. مسحت عينيها بقبضة يدها لتنفض آثار النوم عنها واستدارت لترى بعينيها شيئاً لم تراه إلا بالأحلام. فراغ هائل ومساحة شاسعة من الخضرة وبعض جداول المياه الكبيرة. فرغ فاها وفتحت الباب وسألت بدهشة: -يخرب بيتك! أنت خطفتني ولا إيه؟ وبمجرد ما نزلت من السيارة نزل هو الآخر وتملكه القلق وتحدث برجاء وهو يتجه صوبها:
-لأ وحياة أمك أنا سايق بقالي خمس ساعات مش هرجع تاني لو .... -هش! مش هنرجع. قطعت طريقه ووضعت طرف إصبعها على فمه لتوقفه عن الحديث. لمعت عيناه غير مصدق قبولها. هي من لعنة القصر إلى الهدوء المميت في المزرعة. وقد أخبرته مراراً وتكراراً وأخبرته أنها من عشاق الزحمة والضوضاء ولا تنام إلا على صوت بواق السيارات، وهذا آخر مكان هادئ من الممكن أن ترتاح به ويعجبها. ابتعدت عنه وهي تهتف بضحكات عالية: -هنا مش هتعرف تمسكني.
ركضت وركض خلفها. وهتف مداعباً: -أنتِ ما تعرفنيش بقى؟ أنا صياد ماهر وخصوصاً الغزلان. خالفت توقعاته وظنونه مبدئياً، لكن فالقادم هل ستحمل أم تتذمر؟ هذا ما ستكشفه الساعات الفاصلة بينهم وبين المساء. توقفت أخيراً أمام البحيرة الواسعة لتري مياها الراكده تعبث بها الرياح وتصنع منها بعض التعرجات الخفيفة. وانعكاس الشمس الساقط على المياه الذي يجعلها كالمرايا. "زيد" اتى خلفها. وقف ورائها وسأل معايناً جانب وجهها المولي له:
-إيه، عجبك المكان؟ أجابت بغطرسة: -مش بطال. ابتسم على هذا وعاد يسأل بفضول: -إي، غير رأيك فجأة بقيتي بتحبي الأماكن الهادية؟ التفت لتجيبه وهي تحاول أن تحبس ابتسامتها: -لأ، بقيت بحب الحرية. أعتقد هنا مش هتقولي غطي شعرك وخلي بالك من لبسك. هنا احنا بعيد عن القصر واكيد مفيش حد هيضايقنا، ودي في حد ذاتها تخليني أعشق المكان مش أغير رأيي. ابتسم بسخرية وهو يرد عليها: -بقى عشان بس تلبسي براحتك تقبلي تعيشي هنا؟ أومأت
برأسها وهي تؤكد بعناد: -أيوه، ولو جهنم الحمرا بس بعيد عن مرات أبويا وأمك وعمتك، هتبسط برضو. نظر حوله وقال: -عموماً، هنا زي ما بتقولي كدا تقدري تعملي اللي انتي عايزاه. لكن موضوع اللبس دا، انتي من نفسك هتلبسي طويل وبكم عشان الناموس. بدت مصرة على رأيها وهي ترد بقوة: -ناموس، ناموس، ما يهمنيش. أمسك بيدها وهتف: -طيب، يلا عشان نروح البيت. تحركت معه وهي تسأل بحماس: -وفين البيت دا؟ أجاب مشيراً في اتجاه الشرق: -هناك أهو.
رأت المنزل الصغير تحاوطه المياه، بالنسبة لها كالجزيرة التي حجزت لها خصيصًا. برأسها أفكار كثيرة مهما استحالت العيشة. المنزل بسيط للغاية، لا يوجد به كرسي أو مجلس عالٍ. كل المكان مفروش بفراش عادي جدًا من خامة بلاستيكية. غرفة واحدة لا يوجد بها فراش، هي مرتبة إسفنجة بجانبها دون غطاء حتى. حمام ومطبخ مشتركان بنفس المدخل. الشمس تدخل المنزل من أكثر من جهة.
حاولت الإلمام بالمكان بعينيها، وتابعها "زيد" وترصد كل نظرة عين منها ليعرف أكثر شيء لم تألفه. لكنها باحت باستياء: -المكان عايز يتنضف، مليان تراب. لم يكن يأتي بها هنا ليرهقها، فقال بإذعان: -ننضفه عشانك. عرضت مساعدتها: -نعمله سوا. رفض تمامًا قائلاً: -لأ، مش ممكن. انتي هتقعدي برا ساعة زمن وهوضبلك كل حاجة. أنا جايبلك حاجات كتير في العربية، افردي كرسي العربية وارتاحي على ما أخلص. قبضت حاجبيها وهتفت بإصرار:
-لأ، نساعد بعض عشان تلفلفني في المكان. أصر هو الآخر ولجأ للحدة كي تنصاع لأوامره: -قولت لأ يعني لأ، وكلامي يتسمع من أول مرة ومن غير نقاش. عبس وجهها الجميل، فلم يعجبه عبوسها. رفع يده ليمسح على وجنتها بأطراف أصابعه وهتف بابتسامة: -ما تقلقيش، مش هنمشي من هنا غير وإنتي عاملة كل اللي نفسك فيه. قبلت صبا بحديثه وذهبت إلى السيارة وظلت في مكانها قرابة الساعة، تتابع من بعيد ما يخرجه ويفعله لكي يعدله ويجعله آمنًا للعيش لها.
أخيرًا جاء إليها ليحمل الحقائب، فخرجت على الفور من السيارة لتبعه. سألها وابتسامته لازالت على وجهه: -زهقتي؟ أجابته بالنفي: -لأ، أنا بفكر في اللي هنعملوه هنا. نظر لها وأكد بعينها ورأسه: -ما تقلقيش، هنتبسط. دخلا إلى المنزل وبالفعل جعله "زيد" نظيفًا تمامًا. فتح الثلاجة التي تشبه الصندوق ووضع بها المثلجات، وأكياس الخبز وبعض الأغراض، ثم أخرج باقي ما معه من تسالي وبعض السلع التموينية وأيضًا بعض المعلبات.
وأخرجت هي ملابسها التي ستبدلها وكذلك ملابس "زيد"، لكنها تركت الباقي في الحقيبة لعدم وجود مكان لوضع الملابس به. خرج معا وقدم لها اللقيمات السريعة التي أتى بها واطمأن لإشباعها، ومن بعدها بدأ بالتجول معا يدًا بيد. -زيد، المكان دا بتاع جدو. أجاب وهو يتمشى معها على الطريق الرملي الطويل: -أيوه. عادت تسأل: -بيعمل فيه إيه؟ أجابها وهو يرفع إصبعه مشيرًا لمبنى مستطيل الشكل:
-بصي هناك كدا، هناك في اسطبل خيل ومواشي، كل اللي فيه بتاعنا بنبيع ونشتري ونربي، دي كانت شغلة جدو الأول. وبعد كدا كبر عليها، بس لما يحب يعلم حد الأدب يجيبه هنا، عشان كدا مش عايز يفرط فيها. أشار إلى أحد الجداول الصغيرة وأردف: -هنا بقى في سمك بنزرعه. المكان كله بيحتاج أكتر من مساعد، السكان اللي في المنطقة دول أولى الناس بالشغل هنا، فجدو مدي لكل واحد مهمة، وآخر السنة بيجي يشوف الأخبار ويتأكد إن كل حاجة ماشية صح.
استمعت جيدًا لحديثه، نظرت باتجاهه وسألته من جديد: -طيب، جدو باعته ليه؟ يبخل عليها بالإجابة وتحدث: -عايزني أطمن على صحة الخيل والمواشي وأشوف الأمور ماشية إزاي، والعمال اللي هنا قايمين بدورهم ولا لأ. نظرت حول المكان وقالت بتعجب: -هما فين العمال دول؟ أجاب وهو يبتسم: -ما أنا مشيتهم عشان نبقى لوحدينا. ابتسمت والتفتت بكامل جسدها وهي توزيه بالخطوات، عادت تسأل: -وإنت بتفهم في الحاجات دي؟ أجاب وهو يتحرك معها:
-يااا، أنا عشت هنا كتير. اندهشت من الإجابة وقالت متعجبة: -ليه، عملت إيه؟ شرد قليلاً في ذكريات مؤلمة لا يريد أن يذكر منها شيئًا، وقال متأثرًا: -كان برغبتي الكاملة. وأثناء حديثهم، سمعا صوت نباح غليظ يصدح بالمكان. التفتت حول نفسها بقلق لتري كلبًا كبيرًا بلون بني يخالطه بعض الأسود يركض باتجاههم بسرعة. التصقت به وصاحت بهلع: -الحق يا زيد، كلب! كلب بيجري علينا!
ضمها إلى جانبه دون أن يتحرك أو حتى يتأثر، فقط ابتسامة مشرقة وسعيدة ظهرت على وجهه. لكمته في كتفه وهي تسحق الكلمات أسفل أسنانها: -يا بني آدم، الكلب جاي علينا! هتف وهو يتأهب لاستقباله بيده الطليقة: -ما تقلقيش، دا القنصل.
رغم العبارة القصيرة التي يطمئنها بها، إلا أنها لم تطمئن واختبأت خلفه وتشبثت بقميصه حتى كادت تمزقه. تعال صراخها فور اقترابه، ومن بعدها اعتلت ظهره حتى لا يبقي قدمها على الأرض. ضحك "زيد" من فعلتها وأسندها حتى لا تقع وهتف ساخرًا: -يا جبانة، بقى حتة كلب يعمل فيكي كدا! تعلقة بعنقه وردت بانفعال: -إنت مش شايف شكله عامل إزاي؟
قفز الكلب هو الآخر نحو "زيد" ليحتضنه، وبقي "زيد" عالقًا بالنصف بين شوق وتلهف كلبه الوفي والتماس الأمان من صبا، والتي لم تستطع الصمود وصرخت بجنون وهي تقول في فزع: -نزلني، نزلني! قهقه عالياً من فرط فزعها ومسح على رأس كلبه الذي انخفض نباحه تدريجيًا عندما بادله "زيد" الترحيب. وقف على قدميه أخيرًا وحدثه وكأنه يتحدث مع شاب بالغ: -وحشتني يا قنصل. أطاح برأسه لجانبه مشيرًا لصبا: -أي رأيك في الجبانة اللي ورايا دي؟
نبج الكلب وكأنه يفهمه، لكن الوضع بالنسبة لصبا لازال خطيرًا. فكرة أنها تجاور هذا المخلوق لم تستغها أبدًا ولن تقبلها، لذا هدرت باعتراض: -إنت بتكلم مين؟ قال يعني فاهمك، دا كلب يا زيد. نبج الكلب باتجاهها وكأنه يفهمها، فصاحت وتشبثت أكثر بعنقه: -هو أنا غلطت فيه ولا إيه؟ ما إنت عارف إنك كلب. فمنعه "زيد" قائلاً: -دي تبعي خلاص، عيلة وغلطت. أردف وهو ينظر باتجاهه ولا يزال يمسح على فرائه: -إنتي بتهزري، دا كلب بوليسي يا بنتي.
أمره وهو يشير بعيدًا: -روح يا قنصل، لف على المزرعة وتعال. بالفعل ركض الكلب من أمامهم ليلبي رغبته. تبعته بعينيها صبا خوفًا من أن يعود إليها، وتحدثت "زيد" عنه باستفاضة قائلاً: -القنصل دا درع الحماية الأول هنا، ممنوع حد يقرب من المكان طول ما هو موجود. ردت بهلع وهي لازالت تراقبه: -ما هو شكله يخوف. "زيد" عاد بنظره إليه وهو شارد ليقول بهمس طفيف: -القنصل دا أنقذ حياتي في يوم من الأيام.
مالت برأسها باتجاهه لتتحقق مما سمعت، وعندها تأكدت أن ما سمعته حقيقي، لكن أرادت أن يحكي هو الحقيقة كاملة. "في قارب صيد صغير" ركبت صبا أمام "زيد" وتحرك به، مستخدمًا المجداف بالتبادل ليشق المياه ويجول في البحيرة الصغيرة. هنا قرر الاعتراف بعدما ألحت كثيرًا على استخدام هذا المركب وتجربته. كانت سعيدة بتلبية طلبها وأكثر سعادة بفتح "زيد" قلبه لها.
-في ليلة طويلة جيت هنا مع عمي عماد، كان عندي عشرة، حداشر سنة. قعدنا هنا لبليل، وهنا الليل طويل. عمي راح يجيب حاجات مهمة من قرية جنبنا، وهو معتمد إن معايا القنصل، وماحدش هيقدر يقرب من المكان. تغيرت ملامحه وظهر عليها تأثير كبير وهو يستأنف كلامه بألم ووجع لم تسبق أن رأيته على وجهه: -بس للأسف، واحد مجرم هجم عليا وطعني في بطني. ولولا القنصل جري على الراجل اللي بيحرس هنا وجابه من بيته، كان زماني مت.
استمعت صبا لقصة مشابهة لكن بشكل آخر. قالت نجلاء إن عمه جاء وحده وتركه في المزرعة، وقال "زيد" إنه ذهب لقرية قريبة وكان مقررًا أنه سيعود. وقال أيضًا أن كلبه لا يدخل غريبًا في المكان، فكيف سمح للص. وبحسبة بسيطة أدركت أن "زيد" غير صريح معها، فسألته وهي تفحص ملامحه: -ليه مش بتقول الحقيقة كاملة؟ ضم حاجبيه واستنكر قائلاً: -مش مصدقة، أنا قولتلك كل حاجة.
تحدثت وهي تتعمق بالنظر في عينيه محاولة أن تثبت له أنها يعتمد عليها ليفتح لها قلبه ويخبرها بكل أسراره التي تقبع في صدره دون خوف أو خجل. سألته بتدقيق: -طيب، فهمني كدا، إزاي القنصل عدى المجرم؟ أشاح بوجهه عنها وتعمد الانشغال بالنظر على كلبه الذي يدور بالمكان ورد دون اهتمام: -ماهو كان مع عمي. تأكدت من ظنها، نفضت رأسها بيأس وهتفت: -بس إنت قولت إن عمك كان معتمد عليه في حراستك لما سابك معاه، يبقى إزاي الكلب كان معاك ومعاه؟
عاد ببصره لها وابتسم ليهدر بتهكم: -إنتي بتشتغلي مخبر بعد الضهر من ورايا. هذه المرة كان الشرود من نصيبها هي، نظرت بعيدًا وصمتت برهة، ثم عادت تعقد معه اتفاقًا لعلها تكسب ثقته وتحصل على الصراحة كاملة: -إيه رأيك، ما تخبيش عليا حاجة وأنا كمان ما أخبيش عليك. أدهشته بكلامها ورد متعجبًا: -إنتي في حاجة مخبيها عني؟
أومأت برأسها وعيناها لمعت بالدموع. تأثرها بهذا الشكل أوحى له أن هناك شيئًا مهمًا وخطيرًا جدًا تخفيه عنه، مما جعله ينصاع لفكرتها ويهدم جدار الأسرار ويبني سورا عاليًا لا يدخله شك أو خوف، فالصراحة هي أول لبنة في أي علاقة مهما كانت. أزاحت شعرها المتطاير عن وجهها وسألت سؤالًا صريحًا وشائكًا: -عمو عماد هو اللي طعنك؟ اختار الإجابة السريعة حتى لا يتأثر: -أيوه.
نار ملتهبة ألسنتها ترقص أسفل سنابل الذرة التي وضعها "زيد" أمامهم ليشوي بها هذه التسلية ويجلس بجوارها لابعاد الناموس والحشرات. استندت صبا بظهرها على صدره وتابعت النيران وهي تأكل بعضها البعض كالنار التي تشتعل بين جنبيها من سنوات، وانتظرت أن تحكي سرها الذي وعدته، وأخيرًا نوت أن تنطق بعدما قص "زيد" ليلته الحزينة التي قضاها بين الحياة والموت. هتفت متأثرة: -عمري ما كنت الفاعل في حياتي، كنت دائمًا المفعول به.
أمي توفت وبعدها بشري حلت محل أمي، وبابا كان بيسبني ليها. اتغيرت، بقت بشعة جدًا، معاملتها كانت قاسية أوي، دائمًا تحرمني من كل حاجة، من اللبس، من الأكل، من الحركة، من القعدة حتى على الكنبة. قبض حاجبيه ونظر لوجهها وقلبه يؤلمه، برغم هذا استمع بصمت، انتظر حتى ابتلعت ريقها وأردفت:
-كل ده كنت بستحمله عادي. غياب بابا عن البيت كان بيخليني أعاني أكتر. وأول ما يرجع كانت تشتكي فيا كتير لدرجة إنه كان بيصدق إني شقية وعفريتة وتعباها، فكان يقولي إنها مش مامتي عشان تستحملني، وإني لازم أبقى هادية. ومهما حكيت وقولت، كان مش بيصدقني. أو بمعنى أصح، هي كانت بذكائها بتخليه يكذبني وتوجه لي أسئلة قدامه تديني أكتر ما تبرئني، وللأسف كنت بطلع دائمًا الأوحش. وبعدها بقيت بسكت، أو حتى أسمع كلامها وأدخل أنام أول ما يرجع. وده خلى بيني وبينه فجوة كبيرة أوي.
استحضرت أكثر المشاهد قسوة، والتي لا يغيب عن ذكرتها أبدًا، بل رافق أيامها السوداء وترك ندبة عميقة في نفسها. ثقبت نظرتها وسحبت أكبر قدر من الهواء ونفضته بمنتهى الألم، وشقت الدموع طريقها إلى خديها وهتفت بألم: -لحد ما سابت أخوها يمد إيده عليا، سابتني وما اهتمتش لصراخي. انتفض "زيد"، ما تقوله خطير ومؤلم. تراجع قليلاً وصاح بجنون: -إنتي بتقولي إيه؟
خافت منه، لكن هي تلك الحقيقة المؤلمة التي أخفتها عن الكل حتى والدها خوفًا من أن يتصبب غضبًا عليها. فحاولت التقاط أنفاسها التي انسحبت فجأة: -أنا كنت طفلة وقتها، مش فاهمة، بس رافضة. الصدمة ألجمته، لكن الغضب كان يفتك به كبركان خامد اشتعل فجأة. لم يقو على الاستمرار بالجلوس، حتى وهب واقفًا يحاول جاهدًا الثبات. نهضت من ورائه، لكنها لم تستطع الاقتراب منه خطوة. تجمدت في مكانها، تئن في صمت وهي ترجف.
الرجوع للذكريات مؤلم، وهذه ليست ذكرى، هذا جرح ملتهب كلما لامسته نزف قيحًا وصديدًا. الألم لم يكن من نصيبها لوحدها، بل كان من نصيبه أيضًا. لكن وجعه وغيرته كانا كالنار المستعرة. التف إليها عندما استمع إلى نشيجها، وسرعان ما فتح ذراعيه واختصر المسافة التي بينهم بخطوة ليخطفها إلى أحضانه ويطبق عليها بقوة. لو كان بوسعه أن يخفيها بداخل أضلعه لفعلها. هدأها رغم أنه لن يهدأ: -إهدي، إهدي. تحولت نبرته للشراسة واسترسل متوعدًا:
-وغلاوة حبك لأدفعهم تمن كل دا، وما أبقاش "زيد" إن ما كنت أخليهم يتمنوا الموت ولا يطلوه. هدأت بتلك الضمة، فلم يسبق لها أن أحد ضمها وهي بهذه الحالة. انتظمت أنفاسها تدريجيًا. كان "زيد" لها الموطن والمستراح، شاطئ هادئ بعد مدة من الغرق في الطوفان. تلك الضمة كانت تشعرها بأنه يحيط بها من كل الاتجاهات وتنقلها إلى عالم من الأمن والأمان.
الاعتراف كان ثقيلًا عليهما، كان صعبًا تقبله من جهة "زيد" وصعبًا قوله من جهة صبا. غفت على كتفه في غرفتهم الصغيرة فوق تلك المرتبة الإسفنجية التي لا يعلوها فراش وثير ولا ذات أغطية من حرير، لكن بالنسبة لصبا كان أفضل من النوم على ريش النعام، فهي تغفو على صوت دقات قلبه التي تشعرها بالأمان والراحة والسكينة، أشياء غير ملموسة لكنها لا تقدر بثمن.
لم ينم "زيد" ولم تغفو عينه حتى يتخيل أنه يثأر من الكل بطريقة وحشية، وصر على أسنانه متفاعلاً مع تلك التخيلات. لن يتركه دون عقاب، ولن يترك الأفعى السامة تنجو بفعلتها، حتى وإن كانت أشياء قديمة سيحاسبها عليها. تهاون في حقه كثيرًا، ورغم أن عمه حاول قتله مرتين وكان سببًا في قتل زوجته، إلا أنه لن يتهاون في ذلك وسيقف كالأسد ليثأر لزوجته، ولن يسمح لجده أن يمنعه. وعندها سيضع على النار الحطب وسيوقف القافلة ليربي الكلاب كلبًا كلبًا.
انقضت ليلته في التفكير دون أن يتركها تبتعد قيد أنملة عن أحضانه، وقضى الليلة يقظًا. وعندما أشرقت الشمس وأضاءت المكان بقوة أزعجها الضوء، فاستيقظت. نظرت له وهي تتململ في نومتها. استعد ليقابلها بابتسامة، فكيف له أن ينظر في وجهها وهو عابس؟ هي التي ضحكتها تزن الكون وتلغي كل النساء بالفعل. ابتسم رغماً عنه عندما هتفت بصوت متحشرج: -إنت ما نمتش؟ أجابها وهو يبعد خصلاتها الشاردة عن جبهتها ليستطيع رؤية وجهها بالكامل:
-لا نمت، أنا لسه صاحي، ومن حظي إني صحيت على وش القمر. ابتسمت ابتسامتها التي تجعله يسكر بلا خمر ويجن عقله، فاعتدل وابتسامته اتسعت وهو يقول: -لو كلمة القمر خلتني أشوف الضحكة الحلوة دي، أنا مستعد أقول ليل نهار كلام حلو بس وتضحكيلي. نهضت من أمامه وخللت أطراف أصابعها في فروة رأسها وردت مستمتعة وخجلة في آن واحد: -من غير ما تقول يا زيد، إنت النعمة اللي المفروض أشوفها أضحك.
مال برأسه ليقبل كتفها وشعر من داخله أنه يريد الاعتذار، فهتف دون وعي وهو يحدق لها: -أنا آسف يا صبا. استدارت برأسها وعاينته بدهشة، فأمسك بيدها وراح يطوي أصابعها وهو يقول بتأثر:
-آسف على كل اللي عيشتيه، آسف إني ما حميتكيش، واسف إني ما صدقتكيش، واسف على اليوم اللي قضيتيه في الأوضة اللي في الجنينة، واسف إني في يوم ضغطت على إيدك ووجعتك، واسف إني بعتك تخطبي نهى، واسف بالنيابة عن الدنيا اللي زعلت حد رقيق زيك مش المفروض إنه يزعل.
خفق قلبها لسيل اعتذارات، أغلبها لا تمت له بصلة، وإن كان على ليلة قضتها في غرفة مظلمة أو حتى ضغطت يده، فهو فعل الكثير ليغفر هذه الهفوات. فزيد مثله مثلها قضى نفس الظروف وعانى مع عمه مثلما عانت مع زوجة أبيها، فقد جمعهم القدر ليداوي كلاهما جروح الآخر، لا ليكونوا جرحًا جديدًا لبعضهم. سحبت يدها من بين يده وبدلت الأدوار لتمسك هي بيده، سحبت نفسًا عميقًا قبل أن تقول وهي تطوي أطراف أصابعه:
-وأنا آسفة إني رفضتك في البداية وكنت شايفاك جلف، واسفة إني هربت يوم كتب الكتاب، واسفة إني حطيتك في موقف وحش مع أهلك في يوم من الأيام، واسفة إني خبيت عليك إني كلمت رياض، واسفة إني كنت أوقات بتجرأ عليك في الكلام، واسفة إن عمك حاول يقتلك وأنا ما كنتش جنبك، آسفة على أي حاجة الدنيا عملتها فيك وأنا ما كنتش معاك.
رغم تأثره وابتسامته القصيرة التي ابتسمها رغماً عنه، شعر أن الأمر سينقلب لزحمة من الذكريات المؤلمة وسيفسد الصباح، وربما ينقلب لخلط الماضي الأليم بالواقع الجميل. سحب يده من يدها وصاح بصوت أجش منفعل: -أي دا! هو إنتي كل حاجة تقلديها؟ إنتي قلودة أوي. نظرت له بدهشة ثم وكزته في صدره معلنة احتجاجها على اعتراضه: -إيه دا؟ طيب، حتى اتأثر؟ إنت أي ما عندكش مشاعر؟ بقولك كلام حلو يا جلف. اتسعت عيناها وغضب. أمسك
يدها وهو يقاوم ابتسامته: -أي جلف دي؟ وبتمدي إيدك كمان؟ إنتي عارفة اللي بيمد إيده بنعمل فيه إيه؟ حاولت سحب يدها منه، لكنه تشبث بها مانعًا إياها من سحبها، فصاحت بفزع: -هتعمل إيه يعني؟ هتضرب أم عيالك؟ معقول يا زيزو؟ جذب يدها أكثر ليقربها من فاه قائلاً بشراسة: -هنعملك ساعة. صاحت بهلع من نظرات الشر التي يتقنها والبطء المتعمد لبث الرعب في نفسها. حاولت إقصائه بالتوسل:
-لااااااا يا زيد، بالله عليك، إنت خاطفني هنا وتعضني كمان. أخرجته من دور الشرير وراح يسألها بسخط: -أخطفك؟ أعمل بيكي إيه هنا؟ زمت فاها بغضب وهتفت بحنق: -إذا كان كدا تبقى تستاهل اللي يجراالك، ويارب الكلب يعضك لو عضتني. استئناف ما بدأه بعد أن قال: -القنصل ما بيعضش صاحبه. أوقفنه بجملة استعطافية أخيرة قالتها برقة كي تفر من عقابه: -طيب، أنا حبيبتك.
أنهت كل شيء، رغم أنه كان لا ينوي التوقف عن إرهابها وجذب يدها بلطف نحو فاه ليقبلها ويمسح عليها مبتسمًا لها في هدوء: -يلا يا بت يا حبيبتي، نعملك أحلى فطار. ابتسمت له ونهضت من أمامه لتنظر ليدها بفرح لأنها لم تنل منه شيئًا، وهتفت بفرح وهي تركض للخارج: -وضحكت عليك، وضحكت عليك. نفض رأسه بيأس من مراوغتها، ذلالت خطيرة رغم رقتها.
تحركت معه نحو الممر المؤدي إلى الاسطبل، كانت متحمسة لترى الأحصنة. لمعت عيناها عندما دخلت إلى المكان، ما كانت تصدق أنها يومًا بالأيام سترى هذه الكائنات عن قرب. امتلأ قلبها بالسعادة، استدارت بنصف جسدها نحو "زيد" وهتفت بحماس: -ينفع أركب واحد؟ رفع يده وعبث بخصلاتها الشاردة على كلا الجانبين وقال مبتسمًا: -لا يا حبيبتي، عشان البيبي. لوت فمها كالأطفال وانطفأت نظرة السعادة التي كانت تنير وجهها. كل هذا كان كفيلًا
ليجعله يتراجع هاتفا: -ينفع شوية صغيرين وعلى مهلنا خالص. عادت الضحكة إلى وجهها وقفزت من مكانها صائحة بفرح: -أيوا بقى! اتسعت عينه وهو يتلقفها سريعًا خشية من أن تنزل إلى الأرض بقوة فتضر نفسها. لم تتوقع منه هذا، وفجأة وجدت نفسها بين يديه ووجهه يعرض تعبيرات متضاربة بين الغضب والقلق. عنفها قائلاً: -إنتي اتجننتي؟ مش معقول شغل العيال دا، حافظي على نفسك شوية. ابتسمت على قلقه الذي لم تلمسه بقوة إلا بهذا الموقف وحركت رأسها
بالقبول مجيبة برقة مغرية: -حاضر، بحبك يا زيزو. رمقها باستخفاف وهو ينزلها إلى الأرض برفق قائلاً: -والله هضيعيني في واحدة من زيزوا دي. ابتعدت عنه بتعمد لإشعاله أكثر من خطورتها، تعرف متى تسكت ومتى تتكلم ومتى تجن جنونه. أشارت بطرف بنانها نحو إحداهن قائلة: -دي حلوة. ذهب "زيد" باتجاه إشارتها وتحسس رأس الفرس وهتف: -لأ، دي خطر. سألته صبا دون اقتناع: -يعني إيه؟ أجاب وهو يحدق بعينيها:
-مش بتاخد على الناس بسرعة ومش بتسمع الكلام، ولسانها يا لطيف منه عايز قصة. فهمت صبا إلى ماذا يرمي، فتجاهلته مبتسمة وحاولت تقليده بالعبث برأس الفرس من الجانب المقابل. ردت بهدوء وهي تنظر إلى الفرس: -لازم، مش لاقية حد يفهمها، أو في حد بيستفزها وعايزها تطلع أسوأ ما فيها، وبعدين يقول لسانها عايز قصة. مع إن لسانها ده لسه قايل بحبك، بس أهو افتري وخلاص. ظهرت نظرة العجب على عينه وسألها بجدية: -بقي كدا؟ إنتي مسنودة على إيه بقى؟
إحنا هنا لوحدينا يعني، يا حلوة أنا ممكن أدفنك هنا من غير ما حد يسمع. أجابت بثقة وغنج: -أنا مسنودة على حبك. هتف وهو ينظر لها بتأثر: -لسانك يا صبا، لو اتقص منه قد عشرة متر هيبقى ما فيش منك اتنين. تصنعت الصدمة وهي ترد ببرائة: -يالهوي، وأعيش إزاي بعشرة متر بس؟ عادت لحدتها وهي تردف: -دي عيلتكم دي عايزة القادر، دي عمتي لوحدها عايزة تعبان عشرين متر يلف حوالين رقبتها.
أفلتت ضحكاته رغماً عنه وقهقه معها عدة دقائق، لكن سرعان ما تحول وجهه لحزن وهو يقترب منها ويتشبث بها، هادراً: -مش هسمح لحد يأذيكي تاني، ولو وصلت لروحي. وضعت يدها على صدره وهي تنظر للصدق الذي يطل من عينيه قائلة: -بعد الشر عليك يا زيد. أمسك بيدها وقربها من شفاهه طابعًا قبلة رقيقة فوق ظهر يدها وهتف بابتسامة: -تستاهلي روحي. التفت بنصف جسده مشيرًا بطرف بنانه بعيدًا وقال: -هتركبي دي، بس هنمشي براحة عشان البيبي.
أومأت بالقبول، وما كان ليتركها لتمتطي خيلًا وحدها أو يتركها لفرس أهوج يدمر حلمه في الأبوة من جديد. جهز لها فرسًا هادئًا ورفعها عليه. لم تختفِ ابتسامتها، والسعادة التي ملأت عينها جعلته يشعر بالفرح وكأنه لأول مرة يمتطي فرسًا. صعد هو الآخر واستقر خلفها. الشعور الذي سيطر عليه في هذه اللحظة كان شبيهًا بالنعيم، هي بين يديه والعالم بأسره فارغ نصب عينيه. شعرها المجنون يتطاير على وجهه مع كل نسمة هواء تمر من جانبهما.
تمشي ببطء شديد وحذر بين الأرض الواسعة الخضراء وتحت أشعة الشمس. الجو ساحر وأشبه بالأسطورة. استمتعت صبا بتلك التجربة الجديدة، رفعت وجهها للهواء وأغمضت عينيها تاركة الهواء يعبث على وجهها ويد زيد التي تحاوطها تملأها بالراحة وتشعرها بالأمان. فتحت عينيها عندما شعرت وكأنها لا تزال في نفس المكان وقالت: -ما تمشي يا زيد. أجابها بـ: -طيب، ما إحنا ماشيين فعلاً. نظرت حوله، فهو يمشي ببطء شديد وحذر، فهتفت متذمرة:
-هو إنت مركبني حصان معوق؟ ضمها بخفة واشتدت نبرته وهو يقول: -ما تغلطيش في الحصان بتاعنا، ده صاحب عيالي. التفتت له وسألته بتعجب: -ماله؟ أجاب حابسًا ضحكته: -عنده شلل أطفال. ضحكت على كلماته وضحك معها وتعالت قهقهتهم وملأت المكان لدقائق غير محدودة، ثم عادت بعدها للاستكانة والهدوء. نسيت كل شيء وهو بجوارها، معاناتها السابقة محاها "زيد" بطيب معاملته وعشقه الفياض.
شعرت بطرف ذقنه يستند على كتفها، ابتسمت وهي على نفس الحالة، الهدوء الخارجي ينعكس بداخلها ويجعلها تشعر بأنها في عالم آخر. استمعت إلى صوت أنفاسه القريب والذي يعزف أجمل الألحان وأتممها كروان صوته مغردًا بعشق: -كتير بسرح وبقول في إيه؟ ضاع عمري من قبلك، الحمد لله إنك نصيبي وقسمتي الحلوة ونور عيني. احتضنت يدها التي تحاوط خصرها بعدما جمعت كل سعادة الدنيا في قلبها، هتفت براحة: -بحبك، مش كلام وخلاص، مافيش كلمة توصفلك حبي.
تشبث بها أكثر، مثلما يعطيها من الحب تعطيه، تجعله يشعر وكأنه يملك القمر والشمس معًا، يكفيه هذا الشعور ووجودها. دفن وجهه بعنقها وراح يشم رائحتها المسكرة وهتف بنبرة تفيض بالحب: -عليكي كلام بيزرع في قلبي ورد ويطلع شمس ويقويني على الأيام. في طاقة بتخليني ممكن أروح المريخ. حلاوة نبرة صوتك بتنسيني الدنيا واللي فيها، مش مهم تتكلمي، المهم إني ما ابعدتش عنك، يا خطيرة على عيني وروحي وقلبي.
....................................... يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!