الفصل 33 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
2,909
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

فى الصباح وقف "زيد" أمام الشرفة ينظر في هاتفه الذي استمر بالرنين مدة طويلة يقرأ حروف اسم نهى بتردد كبير في فتح الخط بينه وبينها أخيراً. أهدي لأن يحادثها وخاصة وصبا مختفية بالحمام. رفع الهاتف على أذنه وهتف بنبرة جافة: -نعم عايزة إيه؟ تعجبت من طريقته وردت بذهول: -انت بتكلمني كده لي يا زيد؟ نظر خلفه ليتأكد من خلو الغرفة من صبا وصاح بخفوت: -عايزاني أكلمك إزاي بعد ما عرفت إنك قطعتي فستان الفرح بتاع صبا يوم الفرح؟

ظهر التوتر على نبرتها وتقطعت إجابتها وهي تسأله: -هي اللي قالت لك؟ انت صدقتها يا زيد؟ قاطعها ناهياً: -هي ما قالتليش حاجة. ولعلمك هي لسه ما تعرفش. أنا أقسمت إن لو عرفت مين لهعاقبه. وأنا سبق ونبهتك. راوغته قائلة: -خلاص قولي مين قالك؟ مين من مصلحته يبوظ علاقتي بيك؟ أجابها: -أمي. ولا هي كمان كدابة؟ لم تجد حجة في ذلك. إن قالت ونيسة شيئاً يعني أنها حشرت في مصيدة. حاولت تغير الأمر والعبث في عقله متحدثة:

-حاسة إنك مش عايزني يا زيد. واكتفيت ببنت عمك. لا بقيت عايز مريم ولا نهي ولا أي حاجة من ريحة غالية غالية اللي ضحت بنفسها عشانك. عرفت أين موطن الألم وضربت. لكنه حذرها من جرفه في هذه الحالة التي سبق وعايشها وهتف من بين أسنانه محتداً: -ما تلفيش وتدوري يا نهي. انتي غلطانة وبتكابري. سألته بجدية: -الفرح مش اتعمل؟ وفرجت البلد كلها إنك نسيت غالية ووقعت لشوشتك في العيلة دي. عايز إيه تاني؟ مش عايز مريم؟

بلاش. أخد بنت أختي وإنت عيش براحتك مع ست الحسن والجمال. أطبق أسنانه بضيق من حديثها ورمى التهمة عليه أنه نسي زوجته وترك ابنته كالدمية في يد صبا. تلوى ذراعه بقوة وتسأله دون اكتراث: -هتيجي تتغدى معانا النهارده ولا لأ؟ مال برأسه ليهمس مغتاظاً: -هاجي. هاجي عشان بس أحاسبك على اللي عملتيه. أجابته بلا مبالاة: -تعال يا زيد. لما أشوف آخرتها معاك. ما إن أغلق الخط بينه وبينها والتفت حتى اختطفت صبا منه الهاتف

بشقاوة وهي تسأله بمرح: -بتوشوش مع مين؟ رات اسمه على لوحة الشاشة واختفت ابتسامتها وتغير ملامح وجهها بالكامل. وظلت تنظر إليه بصدمة أربكته. هتف بملل: -صبا ما يبقاش عقلك صغير. صاحت باندفاع في وجهه: -عقلي صغير؟ انت مستصغر عقلي؟ انت لسه امبارح قايلي إن أنا ملكك وانتى ملكي. انت بتنيمني يا زيد؟ لدرجادي شايفني مغفلة؟ امسك بيدها ليهدئها لكنها لم توافق. دفعت يده عنها بعنف وزمجرت زاعقة بحدة:

-انت بتعمل زيهم. انت بتضحك عليا. لكن وحياة ربنا لاوريكم مين هي صبا. استدارت من أمامه لتعود حيث الحمام. تحرك من ورائها لكنها أغلقت الباب بوجهه. نادها وهو يطرق بضيق: -بطلي شغل العيال دا. افتحي نتكلم. هتفت من خلف الباب بعصبية: -ما فيش بينا كلام. لكم الباب بغضب من منعها له وهدر مغلولاً: -يا صبا افتحي. البيت كله هيصحي على خناقنا. يا بنتي افتحي.

استمرت على عنادها ولم ترد عليه. انفجرت في نوبة بكاء هستيرية. ضم فاه بغضب من تصرفها الأهوج وعدم السماح له بتبرير شئ. دفع الباب بجسده عدة مرات لكن متانة الباب حالت دون فتحه. فهتف أخيراً قبل أن يغادر: -براحتك يا صبا. أنا هسيبك دلوقتي وأرجعلك كمان شوية. والله لأوريكي على عمايلك دي. ظلت كما هي تبكي بانهيار أمام المرآة بقلب منفطر. جرحها من كان دواؤها وأحزنها بشدة خيانته لها. لا لوم ولا عتب على امرأة مجروحة.

عدت "بثينة" لتطمئن لخطتها. رأت "زيد" وهو يركض باتجاه البوابة الخارجية بوجه مكفهر. حتى أنها دعته للسلام ولم يسمعها. مالت إلى مها التي تجلس بجوارها وسألتها: -الله مالو زيد؟ أجابتها "مها" وهي تنظر باتجاه بابتسامة خبيثة: -سيبه. دا متورط أحلى ورطة مع صبا امبارح. البيت كله كان مقلوب عشان عملت عملة منيلة بنيلة. ظهر الاهتمام والفرح على وجه ونيسة بسرعة وصبت تركيزها وهي تسأل بفضول: -إيه اللي حصل؟ هتفت مها ولا يزال

ابتسامة الشماتة تملئ فمها: -اتخانقت هي وونيسة. وونيسة اشتكت لزيد وللحاج. شهقت "بثينة" وسألت بفتور: -ويعني أبويا الحاج هيعمل إيه؟ ردت عليها "مها" بضيق: -سابهم وطلع. وزيد قال لونيسة احترميها. وهاتي طباخ ولا حد يساعدك. يعني بالبلدي كدا ما حدش يشتكي منها. ظهر الاستياء على وجه ونيسة وهي تردد بقنوط: -السحر السحر اللي عامله جامد. سألتها مها بحنق: -يا أختي والرجل اللي رحناله دا ما عملش حاجة؟ هتفت بثينة بثقة:

-اصبري. الأسبوع ما خلصش. هتخلص يعني هتخلص. بالأعلى. عاد هاتفها يرسل إشعارات بالرسائل النصية الخاصة. لم تكن بمزاج جيد للرد على أحد. لقد جلست أمام المرآة. تمشط شعر "مريم" بشرود. نصف عقلها مع زيد ونصف الآخر في كيفية التخلص من "نهي" الشيطان نفسه كان يستعيذ من أفكارها الشريرة وتوارد خواطرها العنيف.

وما بيدها حيلة سوى التخيل. تتخيل أن بيدها نصل حاد وتغرسه في صدور كل من آذاها. وها هو أحدهم يقفز من جديد على شاشة هاتفها برسائل متوالية من "رشدي". الذي أرسل عدة رسائل: -وحشتيني يا صبا. -عاملة إيه؟ -سؤال غبي مني آسف. أنا عارف إنك مش هتقدري تنسيني بسبب اللي حصل زمان. بس ميت مرة قولتلك أنا عملت كدا عشان بحبك. هو أنا غلطت إني عبرت عن حبي؟ اديكى اتجوزتي وعرفتي إن مفيش حد بيقرب من حد قوي غير لما يكون بيحبه.

قرأت الرسائل بفتور وكأنها لم ترى شيئاً منه. كان أفضل جواب عليه هو تجاهله. التجاهل التام يعيد كل شئ لحجمه الطبيعي. كذالك في البشر التافه منهم لا يستحق معاناة الرد وطاقة النقاش. جاءت "ونيسة" لتجلس معهم وقد بدا على وجهها الضيق والانزعاج على الفور. هتفت بثينة بأسف: -عيني عليكي يا أم زيد. ربيتي يا خايبة للغايبة. لوحت "ونيسة" بيدها حتى تكتفي قائلة بتعب:

-سبيني من الكلام ده يا بثينة. أنا الهم قاعد على رأسي ومش راضي يفارقني. كأن اتكتب عليا الغلب من يوم ما دخلت هنا. استدارت بثينة بجسدها وقالت باهتمام: -وربنا انتي اللي خايبة وهتفضلي طول عمرك خايبة. بقى حتة عيلة زي دي تغلبى فيها؟ نفضت ونيسة رأسها بيأس. فبثينة لا تعلم كم ستكلفها الحرب مع صبا: -الغلب في زيد. انتي ناسيه عماد وعمايل عماد. لو وقف في وش زيد دا امبارح كان هيصور قتيل. أجابته بثينة بلوم عليها:

-انتي السبب برضوا. عماد قلبه أبيض. ولو انتي إلينتي معاه شوية كنتي أخدتيه في صفك من زمان ونهيتي المشاكل دي. نظرت لها ونيسة بضيق ومها تجلس بينهم وتسمع بإنصات تريد استغلال أي شئ لصالحها والاستفادة بأكبر شكل ممكن. -بثينة انتي مش عارفة حاجة. عماد لا قلبه أبيض ولا يملي عينه إلا التراب. صحيح هو أخوكي بس أنا عارفاه أكتر منك. تدخلت مها وهي تضع يدها على كلاهما قائلة بصوت منخفض: -اهي جات صبا.

رفعت ونيسة بصرها تجاهها ولاحظت حالتها المزرية. لم تكن على سجيتها وهي تنزل الدرج بيدها مريم وأعينها متورمة من كثرة البكاء. رمت مها كلمة بشماتة وهي تميل لونيسه: -لأ ابنك طلع راجل يا ونيسة. ضحكت بخفوت هي وبثينة التي أشفي غليلها مظهرها الباكي وعيونها المنتفخة وقالت بسعادة: -شكله اده علقة محترمة. يسلم ايدوا ابن اخويا. لم تعتم ونيسة بحديثهم ولم تجاريهم بالضحك. ظلت تنظر تجاه صبا بصمت وتحدي حتى اقتربت منهم

وألقت التحية ببرود وسخرية: -السلام عليكم يا جماعة الخير. سألتها بثينة على الفور: -مالك يا بنت اخويا؟ عينيكي حمراء ووشك يقطع الخميرة من البيت ليه؟ حاولت "صبا" أن تتجاهل استفزازها وردت بهدوء عكس ما يدور بداخلها: -ما نمتش كويس يا عمتو. شكراً لسؤالك واهتمامك. لوت جانب فمها قاصدة رسم ابتسامة مستخفة. مدت بثينة يدها لتجلسها عنوة بمقابلهم وسألت باهتمام وشماتة: -ضربك؟ تحسست يدها ووجهها بفضول وأردفت: -بإيده ولا برجله؟

ضحكت مها بصوت عال وكأنها أصبحت مادة للسخرية. رفعت حاجبيها بيأس من تحمل سخريتها. هتفت مها ضاحكة: -أكيد ماخلاش فيها حتة سليمة. قوليلنا يا صبا خلينا نطمن عليكي. حافظت على صمتها وظلت تداعب خصلات شعر مريم بهدوء غريب وصمت غير المعتاد منها. ومع كثرة الإلحاح والسخرية اللاذعة لم تجد بداً إلا من نهر "ونيسة" بالقول: -عايزاني أقول حاجة ما عملهاش زيد؟

ما ضربنيش ولا زعلني. اللي زعلني بجد إن طنط ونيسة طلعت كدابة وانكرت إنها مدت إيدها عليا. اعتدلت لها ونيسة وصاحت بانزعاج: -أنا كدابة يا بت بشري؟ أنا لو عليا كنت كسرت عضمك. تحدثت "مها" مسرعة: -روقي يا ونيسة. البت مضروبة في راسها باين عليها وشكلها بتخرف. نظرت لها صبا بعداء وزعقت بها: -خليكي في حالك يا مرات أبويا. زيد بيحبني وعمرو ما هيمد إيده عليا. هتفت بثينة مستنكرة:

-يا سلام ع الحب اللي مولع في الدرة. بكرا أما تيجي نهي تنسيه اسمك. هذا الموضوع بالنسبة لها شائك وبغيض. انفعلت متحدثة بشر: -مش هيحصل. ونهى بتاعتكم دي مش هتدخل البيت. حتى لو حصلت اصور قتيل. فاهمين ولا لأ؟ اكتفت بهذا القدر وهبت واقفة من بينهم وتشبثت بيد مريم وهي تقول: -تعالي يا مريم نلعب على السطوح. غادرت المكان وتركت لهم الهمسات والأحاديث الجانبية. لتقول بثينة بعدما رحلت: -جاتك القولة يا ساتر عليكي شر ماشي على الأرض.

ووافقتها "مها" بالقول: -صحيح والله. دي مدبوحة. بتفرر حب إيه اللي بتكلم عنه؟ زيد هيتجوز آخر الشهر دا. الوحيدة التي لم تشترك معهم "ونيسة". قلبها كان مقبوض ولا تعلم السبب. مجرد شعور خانق لا تعرف له سبب. "فايز وزيد"

اتجه إلى منزل خصم الرجل الذي استغاث به في مشكلته مع جاره ومعه "زيد". لقد اختاره ليكون معه في مثل هذا المكان ليشاور ويعطيه خبرة في حل الأزمات والنزعات بين الأشخاص. طرق باب الرجل ليفتح له رجل في منتصف الأربعينات بأعين حادة وبشرة سمراء. ظهر على وجهه علامة الفضول والتعجب بعدما عرف من يكون وراح يرحب متهللاً: -الحاج فايز الواصل بنفسه على باب بيتي. دي الدار نورت. والله لو أعرف إنك جاي انت وحفيدك لفرشترلك الأرض ورد.

رفع فايز يده دون اكتراث بمزايدة في الترحاب. لم يكن من النوع الذي يغريه المدح وهتف بنبرة جافة: -ولا تفرش ورد ولا صبار. أنا جاي أعرف في إيه بينك وبين جارك "جمعة المزين". حقك زي ما سمعت منه أسمع منك. ارتبك الرجل وهو يخبره مدافعاً عن نفسه: -دا راجل مخبول يا حاج. خلاني أرش مايه وفتح رأسي. وضع "فايز" يده فوق الأخرى مستنداً لعصاه وسأله: -يعني معقول هيهجم عليك من الباب للطق كدا؟ أجابه "رمضان حفناوي" متردداً أمام

نظراته الصقرية المتفرسة: -أنا مش عارف هو عمل كدا لي. سأله فايز وهو لا يزال يعاينه بدقة: -كنت بترش مايه بخرطوم ولا بأيه؟ هتف "رمضان" مجيباً: -طشت مايه. كنا بنغسل فيه. عاد فايز يسأله بدهاء: -الله. يعني مش بترش الشارع أهو. انت كنت بتكب مايه بتغسل فيها. توتر الرجل وظهر جلياً على صفحة وجهه الارتباك وأشاح بوجهه ليقول مزمجراً: -فتح راسي وكان هيقتلني. وضع "فايز" يده على كتفه وسأله بنبرة عميقة: -عملت العمل فين يا رمضان؟

انتفض "رمضان" كالملسوع وهمهم بتوتر: -هااا. ابتسم فايز ابتسامة خفيفة ثم قال دافعاً إليه بيده: -تروح تتنازل عن البلاغ اللي في القسم وتقول مين النجس اللي في البلد دي شغال في الأسحار. كل هذا وزيد يتابع ويتعلم من دهاء جده في كشف الأسرار بسهولة وعنصر المفاجأة الذي استخدمه بمداهمته في منزله دون أن يدعوه. لأنه إذا دعاه سيفكر طوال الطريق في حيلة ليرواغ بها. أما أمام هيبته ومباغتة أقر سريعاً.

انتهى أمر الرجل قبل أن يجلس فايز بمنزله. مشى مع "زيد" والذي أشاد به بفخر: -منك نتعلم يا حاج. الراجل ما أخدش في إيدك غلوة. جلس بجواره في السيارة وهتف: -اتعلم يا زيد. عايزك ما تسمعش لطرف واحد. أدار محرك السيارة وأوشك على الانطلاق وهو يسأله: -هتروح لأبو الفتوح اللي بيقول عليه دا؟ أجاب فايز بتعب: -أنا حاسس إني تعبان شوية. هروح أرتاح وبكرة ناخد رجالة ونطلع على الكلب دا ونكرده من البلد.

كان يبدو على "زيد" الانزعاج رغم محاولته بالانحراف مع جده بالحديث ونسيان ما حدث بينه وبين صبا في الصباح. لكن جده لم يخفي عليه وبادر بسؤاله: -انت كمان سمحتها؟ تجاهل زيد السؤال وقاد في صمت. فصرخ به فايز أمراً: -وقف العربية دي وبصلي يا ولد.

انصاع زيد لأوامر جده وأوقف السيارة. لكنه تحاشى النظر إليه. ظل فايز يحدق به وعلى شفتيه امتعاض كبير. الصمت الذي ساد جعل زيد يشعر بالعري أمامه. كما يعرف أن جده يعرفه أكثر من نفسه. فشئ عادي أنه يعرف كل ما به. أخيراً سأله: -عملت إيه مع صبا امبارح؟ عض طرف شفتيه بحرج وأشاح بوجه بعيداً عنه. فاردف فايز بسخرية: -هو دا اللي مسيطر؟ دي البت مشتك على عجين ما تلخبطوش. هم بالدفاع عن نفسه وتحدث بنبرة حانقة:

-الصراحة أنا احتارت. يعني أمي بتشتكي منها وهي ضرباها. ابتسم فايز ودفعه بخفة في كتفه وهو يقول: -يعني مفيش زغطة زي دي؟ واختشي يا صبا دي أمي. أمي اللي أنا وعمي ماسكين طول اليوم في خناق بعض بسببها. ياواد البت دي خطر عليك. لاذا "زيد" بالصمت وهو يستمع لتوبيخه المبطن. حتى وجد أن صمته ضده بالكامل. فتحمحم قائلاً: -يا جدو صبا مش بالوحاشة اللي انتوا شايفنها دي. صبا ضعيفة جداً وطيبة جداً. قهقه "فايز" بصوت عال بصعوبة.

أوقف ضحكاته ليقول: -ما هي بتبتدي كدا يا مغفل. ههههه. جوزتك البت عشان يتصلح حالها. قامت ميلت حالك انت. ههههه. ضحك على مزاحه. يعرفه ويعرف متى يكون يسخر ومتى يمازحه. لم ينزعج من انتقاده لكنه هتف ضاحكاً: -يعني أنا بقيت مش نافع خلاص. استمر فايز بضحكاته ومزاحه وقال: -انت مش نافع حد غير صبا. استمر بالضحك معه وهو يرد عليه: -كويس إني نافع في حاجة. اكتفى فايز بالمزاح وتوقف ليقول بجدية:

-يا زيد أنا عارف إنك بتحبها وعارف كمان إن صبا تتحب. بس ياواد خليك حدق. ما تبينلهاش. صبا لو خدت على دلالك هتقلب القصر حريقة وهتاخد ك سلاح. وأول ما هتحارب بيه هتحارب أمك. لأن أمك متقلة العيار حبتين. عاد زيد هو الآخر لألم الواقع والصراع الذي دوماً يضعه بين قلبه وعقله الذي سرقتهم صبا معاً. سمح لأنفاسه بالخروج وتنهد تنهيدة طويلة متحيرة وسأله متحيراً:

-مش قادر أجي عليها معاهم. وموضوع نهي عامل حساسية جامدة بيني وبينها. وحياتي مش مستقرة. سأله فايز باهتمام وهو يضم حاجبيه بتركيز: -هي لسه مش عايزآك تتجوزها؟ أجاب ساخراً: -دي مش عايزاني أجيب سيرتها أصلاً. لم يستبشر "فايز" برفض صبا القاطع لوجود نهي. صبا لم تخلق عاجزة لدفع شئ يغضبها عنها. إن نوت أن تقطع هذه الزيجة ستفعل. هتف يأساً: -ربنا يستر من الجاي. صبا عنيدة والعند يورث الكفر. "في منزل نهي"

رتبت البيت على أكمل وجهه وجهزت من الأكل ما لذا وطاب ولازالت مستمرة في صنع الحلويات. ووقفت في المطبخ بنشاط لإعداد كل ما يشتهي زيد. دخلت لها والدتها وهتفت بإعجاب: -أيوا كدا مبسوطة إنك عرفتي مصلحتك وعرفتي تعزمي زيد على الغداء. تحدثت "نهي" وهي تقطع حبات الفاكهة: -جاي وناوي على الشر. بيقول هيحاسبني على قطع فستان الست صبا. ردت عليها والدتها وهي تشارك معها فيما تفعل:

-ييجي وانتي نسيه الحساب يا بنتي. انتي عارفة زيد أكتر من أي حد. اومال لو ما كانتش غالية أقرب حد ليكي وسرها كان معاكي وكل كبيرة وصغيرة عنه عارفها. تركت "نهي" ما بيدها وشردت بعيد. دوماً تشعر أن زيد حلم لن يتحقق. شعور قوي يرشدها أن زيد لن يكون لها. هتفت متأثرة: -تفتكري ممكن أتجوزه بجد؟ نهتها والدتها بعصبية: -أيوا طبعاً. انتي مفكرة إن زيد حر نفسه؟ زيد مربوط بمريم ودي نقطة ضعفه. لو مين عمل إيه مش هيقدر يمنع الجوازة دي.

توقفت عند هذا ودفتها قائلة: -روحي انتي بس غيري واتشيكى على سنجة عشرة. مش شايفة المذغودة اللي معاه بتعمل إيه في نفسها؟ يلا ما تخليهاش أحسن منك في حاجة. تحركت "نهي" لتستجيب لأمر والدتها متأملة أن هذه الليلة تكون أسعد أيام حياتها وتحقق بها المستحيل. "زيد" انطلق بسيارته منتظراً وحده بعدما ترك جده بالمكتب مؤقتاً حتى يذهب للغداء مع "نهي" ويعود من جديد لاصطحابه للمنزل. حيث أن سائقه الخاص في إجازة اليوم.

ولسوء حظه أنه كان وحده عندما وقفت بوجهه سيارة سوداء كاد أن يصدم بها. لكنها تفادته وحاذت مساره. هذا الاستفزاز لم يصدر إلا من شخص واحد فقط "رياض". بدأ الحديث فور وهو يتطلع فيه ببروده المعتاد: -إن شاء الله تكون الست الوالدة كويسة. لم يرغب "زيد" بالإجابة. فوقت حسابه لم يحن بعد. وصمته لن يعني أنه استدرج زوجته وحاول التعدي عليها. لكن ما يحضره له لن يتوقعه. عرف "رياض" أنه لن يجيبه. لذا أسرع بالقول قبل أن يسعد للمغادرة:

-كنت عارف إنك مش هترد. عشان كدا عملت حسابي وعرفت كل حاجة من صبا في المستشفى. هنا اتسعت عين زيد ودحجه بحدة وسحق كلماته وهو يقذف بها: -ما تجيبش اسمها على لسانك. ظل كما هو متبلد. فابتسم نصف ابتسامة وقال: -يعني المهم ما أجيبش اسمها. وعادي تكلمني. شئ يسعدني. انفلت أعصاب زيد وصاح به منفعلاً: -أنا بحذرك لآخر مرة. بطل تكذب وتخرف بحاجات ما حصلتش. مال بعنقه وهو يقول باستخفاف: -إنت معتقد إني ما اتكلمتش معاها؟

يااا لدرجادي نايم على ودانك. عموما ما ترجعش تزعل لما تهرب منك وتجيني. فتح زيد باب سيارته فانطلق الآخر بسرعة قصوى شاقاً عباب الريح. ومخلفاً صدمة كبيرة لزيد وشك من جانب صبا إن كان حدثها. فكيف لم تخبره؟ الشك هادم العلاقات ومفرق الجماعات. حضر إن لم يقطعه بسيف اليقين فحياتهم ستتحول للجحيم. بعد مدة لم يعرف كيف قضاها ثابتاً مكانه ورأسه شارد. مر أكثر من ساعة وهو يقف بسيارته في وسط الطريق.

وعقله شارد. لم يذهب لنهي ولا يتحرك اليوم بأكمله. لا ينقصها. فاق من شروده على رنين هاتفه المتواصل من جده. فتح الخط ليفاجئه جده بندائه: -إيه يا زيد الغداء كبس على نفسك؟ ما بتردش ليه؟ أجابه وهو ينظر لساعته التي حول معصمه: -ما رحتش. انشغلت شوية. هتف جده: -طيب تعال روحني اتغدى أنا وارجع روح مشوارك. -حاضر. كانت إجابة مقتضبة عقبها بالتنفيذ.

عاد زيد للقصر مع جده. وقف أمام القصر بسيارته في انتظار نزول جده. الجو هادئ ورائحة غريبة تفوح من وراء هذا الهدوء. وكأن عاصفة غاضبة ستقبل. صوت زقزقة العصافير ينذر بحدث جلل قادم. نظر بعينه لأمه وعمته ومها الذين يجلسون بالطاولة في منتصف الحديقة. لم ير صبا معهم وتعجب من هذا. ناده جده: -خد بإيدي يا زيد لاحسن ركبي وجعاني.

اتجه صوب جده وامسك بيده ليساعده في النزول من سيارته العالية. وقف "فايز" ينظر إلى ابنته وونيسه في غاية الانسجام. أشار بعصاه تجاههما وقال هازئاً: -استر يا رب. لأحسن دول ما يتجمعوش في خير أبداً. ظل زيد واقفا مكانه وكان شيئاً يقيد قدمه ويمنعه من التحرك. اتجه "فايز" نحو طاولتهم وهو يقول: -أنا هروح أقعد معاهم.

ذهب "فايز" باتجاههم بينما زيد استمع إلى صوت نورس في السماء يصفر بصوت عالٍ وكأنه ينذر بخطر قادم إليهم. رفع زيد رأسه عالياً ليرى هذا الطائر. واضعاً يده على جبهته. وفجأة استمع إلى صوت ارتطام شئ قوي بالأرض. جذب انتباهه فركض على الفور. اتسعت عيناه ولم يستوعب ما رأى. شلت حركته وكأن أحدهما أعطاه ضربة قاضية. ثم ركض كالمجنون غير مصدق ما رأته عينه نحو هذا الجسد الصغير الذي غرق على الفور في دمائه. نزل على ركبتيه ليعاين ابنته "مريم" التي سقطت أرضاً. لم يستوعب ما حدث. كانت ساقطة من أعلى. قلبه يرتجف ووجهه مرعوب ينتفض بشكل لا إرادي. ضمها إلى صدره ورفع رأسه للأعلى فرأى "صبا" تحدق عليه من الأعلى بنظرات خاوية. هنا صرخ عالياً بصرخات

مكلومة هزت أرجاء المكان: -مــــــــــــريــــــــم. لااااااااا. لااااااااا يا صباااااا. مــــــــــــريــــــــم. مــــــــــــريــــــــم. مــــــــــــريــــــــم. على صوته ركض كل من بالقصر تجاه بدون تردد. وبقيت الصدمة عالقة على وجوههم والذعر يتملكهم من هذا المشهد المخيف. وفي أذهانهم كلماتها تتردد "مش هتم الجوازة دي حتى لو هصور قتيل". قالتها وفعلتها الخطيرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...