استيقظ زيد وأول شيء فتح عليه عينه كان سلسال صبا الذي تركته معلقًا في عنق ابنته. تمعن به قليلًا. واندهش من وجود صبا بين أحضانه، فانتفض سريعًا ليجد أنه مجرد وهم، خدعه له عقله. ابنته هي من يضمها بين يديه، لا صبا. أذدرق ريقه ومسح وجهه، وجفف جبينه الذي تعرق من فرط الصدمة. لا يعرف لماذا تخيلها هي مكان ابنته. محتمل لأنه كان يفكر بها كثيرًا قبل النوم، وعبث بهذا السلسال الملعون. قرر تشتيت ذهنه عن التفكير بها.
ونهض من فراشه تمامًا واتجه إلى حمام غرفته، لكن كان لعقله قرار آخر وخطه خاصة بصبا تحديدًا. *** في غرفة صبا.
استيقظت بمزاج مغاير عما باتت به. كانت تقاوم وتحاول أن تهرب من هذه المدينة، ومن هذا الشعور، ومن سلطتهم جميعًا. وكأنها لم تبكِ طوال الليل. اعتادت تمامًا على البقاء، وكذلك المقاومة. نهضت تضع مساحيق التجميل لتخفي الأخاديد التي حفرت تحت عينيها، وترسم بالكحل عينيها المنطفئة كي تخبئ آثار نزيفها. وقبل أن تنتهي من كل هذا، طُرق باب غرفتها برتابة تفصح عن زائر ذي ثقل قادم إليها. أنهت سريعًا ما تفعله. مهما كان، لن تظهر أمام عائلة الذئاب كالخروف الضعيف لتستفز طبيعتهم الهجومية.
فتحت الباب لتجد جدها فايز مقابلًا لها. لم تكن مستعدة لهذا. وقفت قبالته متيبسة، سلطت عينيها عليه تتفرسه لمعرفة سبب حضوره. لم يمسح لها باستنزاف طاقتها لمعرفة سبب حضوره، وهتف بنبرة جافة يخالطها بعض الحزم: "انزلي يلا عشان تفطري." عاينته بدهشة. لم يأتِ ولا مرة لدعوتها على الطعام، فما بال اليوم؟ وخاصة بعدما أبدى لها قسوته متعمدًا في نظراته ولهجته. أمرها. رفعت ذقنها لتسأله بحمية: "بابا قالك على طلبي؟ قضب حاجبيه
ليعقب على سؤالها بسؤال: "أي طلب؟ قالت بتشدد: "أنا عايزة أمشي من هنا وطلبت منه يبلغك." سأل بنبرة هادئة: "عايزة تروحي فين يا بنت بشرى؟ رغم استفزازه لها بمناداتها كالكل باسم والدتها الذي يعتبره الكل عارًا عليها، أجابته دون القلق من ردة فعله: "أروح أي حتة، إن شاء الله ياخذ لي شقة لوحدي." شملها بنظرة غاضبة وصر على أسنانه وهو يحادثها بشدة مشيرًا بعصاه في الهواء: "إنتي فعلًا شكلك ناقصة تربية. عايزة تسكني في شقة لوحدك ليه؟
عدمتي عيلتك؟ "هي عيلتك قليلة ولا بيت جدك قليل؟ همت لترد عليه لكنه منعها من ذلك زاعقًا بصوت عال: "انزلي يلاااا معايا على الفطار، وأول وآخر مرة أسمع منك كلام زي دا." ركلت الأرض من أسفلها وأطبقت تعبيرها بيأس، يبدو أن سجنها سيطول في هذا المنفى الذي حكم عليه بها والدها. قبل أن يستدير عنها، استأنف مشددًا: "شوفي حاجة حطيها على شعرك وحصليني."
تركها تصر على أسنانها وتقفز بعصبية دون أن يهتم أن الفروق العمرية بينهم تجعل كل منهم في وادٍ. *** في غرفة ونيسة. "ونيسة" سألت بتلهف حزين زوجها عماد الذي يرتدي ملابسه أمام الخزانة، لا يبدو في حال أحسن منها: "سألت على بلال؟ أجابها مستاءً: "هيكون حاله إزاي يعني؟ أهي كل المصايب دي من تحت راس الكبير بتاعكم." كفت دموعها وسألته بعصبية، لدريتها عن من يتكلم: "لي يعني وزيد ماله؟ هتف بضيق قبل حتى أن تدافع عنه:
"ما كان واقف حاطط إيده في جيبه وجده عمال يهزق بلال وما تدخلش." لم تعجب باتهامه لزيد، فهتفت: "وإنت وعايزة يعمل إيه؟ "إنت تايه عن أبوك وعناد أبوك. إذا كنت إنت بنفسك كنت واقف وما قدرتش تتكلم." التف لها ليقول بعصبية: "أنا ما أقدرش أتكلم. هو يقدر. إنتي عارفة مكانته عند أبويا. ما شفتيش عمل إيه مع بنت عمه؟ انتفضت من جلستها على الفراش وضغطت على رأسها. الصراع الأبدي بين زيد وعماد لا ينتهي، وكأنه ليس ابن أخيه بل عدوًا له. مهما
كبر تظل الشحناء بينهم: "حرام عليك. الاتنين عيالي. زيد لو كان فتح بقه كانوا الاتنين راحوا مني. خف عن زيد يا عماد. كفايا اللي فيه. اللي فيه مكفيه." ظل مصرًا على عناده وحقده الدفين من تميزه عن الجميع، فصاح بها غاضبًا: "يادي اللي مكفيه. إن شاء الله ربنا ياخده عشان جده يحس إن فيه تلاتة غيره على وش الدنيا." شهقت مصدومة من تمنياته الحارة لولدها بكل هذا السوء، فردت عليه بانزعاج:
"بعد الشر عليه. ربنا يحميه لشبابه ويكفيه شر أعدائه." أشعلت فتيل غضبه وعلى صوته بغضب عارم: "مين أعدائه يا ونيسة؟ أظن أنا وولادي." وقفت بوجهه وردت بانفعال: "ولاد مين؟ دول ولادي. إنت ساعات بتنسي إنهم عيالي زي ما هما عيالك. إصحى يا إبن عمي. تفرق زيد عنهم. زيد وابني وابن أخوك. لو مش قادر تعتبره ابنك، اعتبره ابن أخوك. ابن نادر. زيد اللي لولاه ما كنتش اتجوزتك."
أمسك بذراعيها واتسعت عيناه بشر. تحقيرها له يدفعه لحافة الجنون. صاح غاضبًا وهو يذكرها بما كان: "ولادك إنتي اللي ما كنتيش عايزة تخلفيهم مني. لولا إصراري على العيال كنتي اكتفيتي بزيد." حاولت أن تفلت من بين يديه وهي تهتف بنفور: "ما تقلبش في اللي فات. الجواز الغصب مش بيتجاب منه عيال بالرضى." وكأنها ضغطت على الزناد ليوجه لها لطمة قوية على وجهها. سقطت على إثرها أرضًا، مصاحبًا ذلك صرخة مدوية في الأرجاء، وهو يقول بغضب وجنون:
"جوازي منك أكبر غلطة. غلطة هدفعك إنتي تمنها إنتي وابنك. والله يا ونيسة لأحرق قلبك زي ما حرقتِ قلبي."
اندفع نحو باب غرفته ليخرج منها تمامًا ويغادر. وتفاجأ زيد في وجهه مباشرًا، عيناه تقدح بالشرار. لم يهتز عماد لحضوره المفاجئ ووجوده خلف الباب. لقد اعتاده من طفولته يقف خلف الباب مستعدًا للخناق على أي شيء، مقدمًا روحه على كفه ليأخذها، أن يشاء ولا يمس والدته بسوء. لحظات بارزة زيد بعينيه، لا أحد فيهما يتهاون. كل طرف يملك للآخر بغضاء لا آخر لها. من بعدها هتف زيد متعصبًا: "إياك تكون مديت إيدك عليها."
انبث فم عماد ليجيبه بمكر: "يووه كتير. إنت لسه جاي تسأل دلوقتي؟ يستمتع كثيرًا عندما يرى الدماء تغلي في عنقه، واستفزازه يشكل له متعة لم يعادلها شيء. هم زيد لينساق إلى ما يدفعه إليه. فرفع يده وكورها أمام وجه مستعدًا لضربه، لكنه تمالك نفسه على آخر لحظة عند نداء والدته المحذر: "زيـــــد. اوعاك تعملها." توقفت يده في الهواء وحاول تنظيم أنفاسه عندما خرجت إليه وعلامات أصابعه تخط على وجهها بالعدد. تعمد الآخر وضع يده
على كتفيها ليقول باستفزاز: "ضرب الحبيب يا زيد زي أكل الزبيب." كاد أن يحطم أسنانه دون أي اعتبار. بالاصل ما يفعله لن يمت للاحترام بشيء. مسح وجهه وهو مقيد من كل النواحي. جده، زوج أمه، والدته، عائلة كبيرة تريده أن يصبح كبيرهم. فجأة، أمسك تلابيبه. فليذهب كل شيء للجحيم ويثأر لرجولته. "زيـــــــــــــد." كان نداء غاضب هذه المرة الذي منعه من مواصلة ما ينوي. صوت لا مهرب منه. صوت يوقره كثيرًا ولن يستطيع تجاهله. استأنف
جده بغضب وهو يقترب منهم: "هتمد إيدك على عمك يا زيد؟ ولا أنا اللي نظري ضعف؟ تركه زيد بهدوء والتف ليجيبه، لعله يتدخل: "شوف عمل إيه في أمي واحكم." ألقى نظرة سريعة على وجه ونيسة ورأى بوضوح علامات أصابعه المدبوغة على جانب فكها. رغم غضبه الداخلي من فعلة عماد، إلا أن غضبه الأكبر من تمرد زيد يغضبه أكثر، فقال بهدوء حازم: "مراته يا زيد وعمك في مقام أبوك."
إجابة جده كان يعرف سببها. كانت ردًا على ما حدث أمس. يفهمه جيدًا. وعيبه الوحيد أنه يفهمه. انتفخ صدر عماد عندما اتخذ والده صفه لأول مرة. وعلى إثر ذلك استأنف فايز أمرًا: "انزلي يا ونيسة شوفي الفطار وشوفي زيد هيفطر هنا ولا في شغله." اندفع زيد من بينهم دون أن يصدر قرارًا. إن القرار المناسب الذي من المفترض أن يتخذه الآن هو تركهم للأبد والتمرد على كل القرارات، لكنه ليس بعادته التعجل في أخذ أي قرار.
تحركت ونيسة خلفه وهي ترمي نظرات مشمئزة نحو عماد. التقطتها فايز بوضوح. وعندما خلت الأجواء، اقترب منه وأشهر إصبعه صوبَه ليهتف محذرًا: "والله في سماه لو ما كنت تبطل كيد النسوان بتاعك ده، لبعتك لابنك من غير مليم أحمر يا سيادة النائب." اتسعت عين عماد وهو يتلقى تهديد والده الخطير بالنفى والحرمان من الميراث. دافع قائلًا بتعجل: "يا ابا هو إنت مش لسه كنت في صفي؟ امتعض وجه والده وهو يرد عليه:
"إنت ما بتفهمش. إذا كان العيل الصغير فهم." تحدث عماد باعتراض: "هو ليه إنتوا الاتنين محسسني إنكم متجوزينها معايا؟ مش دي مراتى برضوا؟ ولا كل صغيرة وكبيرة أتحاسب عليها منك ومنه؟ زعق والده وهو يلكِم بعصاه الأرض: "احترم نفسك. بتمد إيدك عليها ومش عايزني أتدخل؟
المفروض كنت سبته ضربك. في النهاية هي أمه، وهو بيعاملك زي الغريب سنين وإنت مش عارف تكسبه في صفك وتضمه تحت جناحك. كل اللي بتعمله إنك تكايد فيه وتستفزه، مع إن أصلًا أنا مجوزك ونيسة عشان خاطره. بس نقول إيه؟ غبي." كلام والده لم يكن على هواه ولم يحتمله، فهتف غاضبًا: "خلاص يا ابا لو كان يريحكم أسيب لكم ونيسة. أسيبها." رمقه والده بنظرات محذرة جعلته يبدي أسفه عما قال، ليسترسل والده عتابه اللاذع قائلًا:
"أوعاك تكون فاكر إني ما أعلمش بعيارك الفالت وسفرك على الخمرات. إنت وقعتك سودة. ده عيالك ما يقدروا يعملوا ربع اللي بتعمله إنت يا كبير." رفع يده الممسكة بعصاه وأشار بإصبعه في وجهه: "وإحذر غضبي. في ثانية هنسى إنك ابني وأرميك برا القصر واتبرى منك خالص." هنا مال عماد سريعًا على قبضة والده ليقبلها بنهم وهو يقول خوفًا من تنفيذ وعيده: "ولا ليا بركة إلا إنت يا حاج." سحب يده من بين يديه وهتف بانفعال:
"اسمع يا ياض إنت آخر مرة تغلط. إنت مش صغير عشان ألم وراك، وزيد مش صغير عشان تحط رأسك براسه. زيد دا كبير العيلة من بعدي." تحولت نظرات عماد إلى الكراهية والغضب. نسي من يقف أمامه وسأل بزنقة من بين أسنانه: "ليه يعني؟ إشمعنا زيد اللي متميز دونًا عن الكل؟ كأنك مش شايف غيره؟
دون أن يفصح عن مدى كراهيته له، كان فايز يعلمها بالأصل. المحبة والكره تظهر في أعين البشر أكثر من ألسنتهم، وهذا ما كان بارعًا فيه فايز. هو قراءة البشر من أعينهم. فالأعين فضاحة أكثر من ملاعبة الكلام.
حرك رأسه لكلا الجانبين بيأس من أن يتغير ابنه. في بادئ الزمان كان يعد غيرته من نادر غيره طفولية عمياء لا تفرق كونه أخيه أو غريبًا، لكن عندما استمرت غيرته حتى بعد الزواج وامتدت حتى طالت ولده زيد، جعلته يتأكد إنها غيره مرضية لا علاج لها. لكن كان حتمًا عليه أن يعلمه بسبب اختيار لزيد لهذه المكانة وتميزه عن الباقية، وما الذي يراه به دون عن الآخرين:
"بص حوليك يا عماد كدا. شوف مين مناسب. هتلاقي إنت راسك وعينك على منصب. عقلك مش مركز غير في إن الناس تقول لك يا حضرة النايب. غير بقى اللي مداري وراء البدلة دي." أشار نحو بدلته ورابطة عنقه باستهزاء. يعرف الآخر سببه. استرسل فايز محتقرًا إياه: "سواد وغل ونص عقل وقلة حيا."
"بص الناحية التانية هتلاقي أخوك التاني مش فاضي. حتى لبته ومقدم شغله عن الكل. ولادك الاتنين واحد أول ما شد حيله شرب نفس غيرتك من أخوه وعقله ما بقاش في رأسه. كل همه إنه يبقى أحسن منه حتى لو على حساب بنت عمه. في مين تاني يشيل مسؤولية عيلة الواصل معاها مسؤولية بلد غير زيد. ولد شاف قسوة من عمه ماشافهاش عيل من عيالك. دمه حامي. محترم بيحسب خطواته عشان ما يغلطش. وبرغم إنك حاولت تقتله بغلك ما فتحش بقه وصان السر لحد اليوم. من وهو عيل عنده عشر سنين سمع الكلمة ما تناشاهاش. حتى أمه ما تعلمش باللي عملته."
اقترب منه ليلاحظ عن قرب وجه المحتقن بالدماء وتفاعلات غيرته وحنقه، وهو يذكر مميزات عدوه اللدود. وهدر مضيقًا عينه: "وفوق كل دا أنا اللي اخترته. ولا يكون عندك رأي بعد رأيي يا سيادة النائب." أزاح عماد وجهه عنه ليقول بابتسامة باردة: "لأ إزاي. ألف ألف مبروك عليك ابن نادر." هم ليغادره، لكن قبل أن يتجاوزه صرح فايز بغلظة وكأنه يربيه من أول وجديد: "إياك تغلط تاني. خليك فاكر إن الغلط المرة الجاية مش في مصلحتك." *** بالأسفل.
نزلت صبا بحجاب قصير، واستغلت الآخر الطويل على كتفيها. ليس الأمر بيدها. لم تكن تعرف أنه سيأتي يوم تتحكم عائلة بأكملها فيما ترتدي وتجبرها على الانصياع. فور نزولها الدرج، انتبهت لمشهد درامي في إحدى الزوايا لـ ونيسة في حضن زيد يواسيها على شيء لم تعلمه. رأت ونيسة تبكي لأول مرة، فاقتربت لتسأل: "خير. في إيه؟
لفت انتباه زيد المنشغل بالربت على كتف والدته. وفور ملاحظة ونيسة لـ صبا، اعتدلت في جلستها ومسحت دموعها لتستعيد على الفور شراستها وهي تقول بحدة: "منين هيجي الخير وانت هنا؟ خربتيها وقعدتي على تلها يا بنت بشرى." نفخت صبا بصوت مسموع، فتدخل زيد ليمنع الشجار المحتم بينهما، خاصة بعد نفي بلال وإقصائه عن القصر أمس: "خلاص يا أمي. بلال هو اللي جابه لنفسه." نظرت إليه ونيسة وهاتفَتْه بلوم:
"حتى إنت كمان يا زيد هتدافع عن الحرباية دي؟ فقدت صبا أعصابها وردت عليها بحدة بالغة: "مين دي اللي حرباية؟ يا أم أربعة وأربعين." انتفض زيد من مكانه على إثر جملتها، فتراجعت صبا فورًا خشية من أن يتطاول عليها، لكنه هدر محذرًا: "إياكي تغلطي فيها. مفهوم ولا مش مفهوم؟ لوحت صبا بغضب تجاهها لترد بتعصب: "مش هي اللي غلطت الأول." وأثناء إشارتها العشوائية، ظهر من أسفل الحجاب ذراعيها دون قصد منها. نفخ زيد بضيق وأشاح بوجهه بعيدًا
ليتساءل بدهشة: "مش عارف كانوا قايلين لك إيه عننا قبل ما تيجي؟ كانوا مفهمينك إنك طالعة مصيف مثلًا؟ لم تفهم صبا ما قاله، فسألته بحنق: "إنت بتقول إيه إنت؟ أجفل وهو يدعك بأطراف أصابعه مقدمة رأسه وأمر بتعب: "أووف... اطلعِ البسي عشان آخدك أجيب لك لبس." لم تجبه، لكنها لاحظت انزلاق الحجاب عن كتفيها وظهور ذراعيها العاريتين بالكامل. التفت عنها لتعود من حيث أتت ودون رد. بقيت ونيسة لتنظر إليه وتسأل بصدمة:
"إنت هتطلع معاها يا زيد؟ مش كفايا اللي حصل لأخوك؟ والله إنتوا هتجيبوا أجلي." هدأها زيد بأن أوضح: "يا ماما هو أنا غبي؟ هاخدها نص البلد. أنا هسافر نشتري من برا وهفيم العربية لحد مانخرج."
نفخت ونيسة بغضب. لم تكن تريد هذا، لكن أمر جده نافذ. كما أن تسهالها الزائد في الملابس قد يخلق مشكلات كبيرة. ما زالت تكرهها وتخشى خطورتها. وحدها من ذاقت المر على يد والدتها. وحدها من تحسب حسابًا كبيرًا لها رغم صغر سنها. الأفعى الصغيرة تكبر، وعندما تكبر الأفعى، تزداد الخطورة. *** بعد مدة.
نزلت بسعادة الدرج لتتجه للخارج أخيرًا. ستغادر المكان، خاصة في توقيت مثل هذا وبعد آخر مرة مع بلال. حرصت هذه المرة على أن لا تسرف في إطلالتها. فلم تظهر خصلات شعرها كما اعتادت، وارتدت فستانًا طويلًا، لكن لازالت أكمام فستانها مشدودة. رائحتها تفوح بمبالغة. لون أحمر شفاها متناسب مع طلاء أظافرها. ترسم عينيها بإتقان. عيناها وحدها تشن حربًا على دولة. خطواتها الواثقة لا توحي بأن خلف هذه الجميلة طفلة هشة تخشى أي تلوح عابر. طفلة تخاف العنف وترهب الصراخ. طفلة لم تعش طفولتها بشكل طبيعي وأمضت باقي عمرها تحاول ترميم ما أفسده الآخرون فيها.
قاطع خطواتها المتلاحقة نحو البوابة صوت نداء: "صبا." تراجعت لتلتفت إلى جدها وتجيب ندائه بـ: "نعم يا جدو." أشار لها لتقترب منه. كان جالسًا بنفس هيبته المعتادة على أريكة جانبية. مسح إلى جواره ليدعوها إلى الجلوس. استجابت على مضض مع ترك مسافة كبيرة خشية من تحوله المفاجئ. ظهرت ابتسامته هو يطالعها لثوانٍ بحنو ليقول بنبرة حنونة: "أنا قلت لابن عمك إنك ما فطرتيش ووصيته يجب لك فطار من الحاجات اللي بتحبوا تاكلوها دي."
مطت جانب فمها وحركت رأسها بإيماء قصير. تهابه وتخشى تحوله على أي حال. لكنه زاد من حنوه أن رفع يده ليمسح على ظهرها بلطف، لكنها تراجعت فورًا بقلق. تفهم جدها ما تخشاه، فقال بهدوء أسفًا على نفورها منه بعد ما حدث: "إنتي اتربيتي بطريقة غير اللي تناسب اسم عيلة الواصل وغير كل اللي في البلد هنا. وأنا مش بلوم عليكي ولا حتى على أبوكي. بس إنتي دلوقتي كبيرة. لو متعلمتيش إزاي تحافظي على نفسك، على الأقل اسمعي الكلام. ربنا يهديكي."
اكتفت بالإيماء وهمت لتنهض. كانت تود الهرب بعيدًا عنه قبل أن تجيب بأي لفظ قد يستفز وحشيته. فمنعها بأن قال حازمًا: "إقــعـــدي." استجابت بهلع طفولي وجلست، لتسمح له أن يقول بابتسامة: "اصرفي وهاتي كل اللي انتي عايزاه. بتجيبي بمالك. ماحدش ليه فضل عليكي يا بنت الواصل." ضمت حاجبيها لتستفهم، فأوضح مبتسمًا: "أنا كتبت لك ثروة في البنك باسمك. والفترة الجاية دي هعرفك أملاكك كلها." حركت رأسها وسألته مخمنة: "أعتبر دي مصالحة!
ابتسم لها. فالحفيدة الأنثى ألطف ما قد رزق به الشخص. لكنه رد بخشونة مصطنعة: "جدك ما بيصالحش حد يا بت إنتِ." نهضت من أمامه لتقول بعفوية: "يا جدو بقى أنا هعتبرها كده وأبقى أول حد تصالحه." بالفعل ابتسم لها ضعيفًا أمامها، وهي كورده في بستان كله ريحان، وهو مغرم بأحفاده وبعائلته.
ركضت من أمامه نحو سيارة زيد التي تعرفها، ظنًا منه أنه في انتظارها كما فعل من قبله بلال. هي الأخرى تأخرت كثيرًا في التزين. وصلت إلى سيارته، لكنه لم يكن متواجدًا بها. الباب مفتوح وفارغة، فدَلفت لتنتظره. مر وقت طويل داهمها فيه الضجر. لم يأتِ، فعبثت في أزرار المذياع الخاص بالسيارة لتدمجه مع البث مع هاتفها وتسمع بعض الموسيقى المجنونة لتنسي كل شيء وتندمج مع الصخب الذي يغطي على صخب أكبر في روحها.
التفتت على حين غفلة لتراه قادمًا من بوابة القصر الداخلية. يبدو أن هناك من يبالغ أكثر منها في الاهتمام بمظهره وإطلالته. كان مرتبًا ومنظمًا، ذا هيبة وجاذبية نادرة. ذقنه الخفيفة مرتبة بعناية تمامًا مثل شعره الذي يوحي بأن كل شعرة يعتنى بها على انفراد. قميصه الأبيض الناصع وبنطاله الأسود. حذائه اللامع. نظارته الشمسية المتماشية مع وجهه تجعله يبدو أنه نجم سينمائي يتهافت عليه المعجبون دون مبالغة. إضافة إلى رائحة عطره السابقة
لخطواته بأمتار. رغما عنها علقت نظراتها عليه، لكنه لم يكن ينظر باتجاه شيء معين. ينظر إلى خطواته متجهة نحو سيارته التي يعرف كم خطوة تجعله يقف أمامها دون عناء. يحمل بيده جاكيت خاص به، وكذلك حقيبة يد صغيرة تحمل بعض متعلقاته الهامة من بينها هاتفه.
دخل سيارته دون أن يلقي تحية، لكنه فورًا تعجب من صوت الموسيقى الصاخبة التي تملأ سيارته دون معنى. انقبض وجهه باشمئزاز ورائحة عطرها النفاذة التي كادت تزكمه. أدار محرك سيارته وهتف أمرًا: "اقفلي القرف ده." التفت تنظر إليه وأجابته متشددة: "الله. أنا عايزة أسمع. إنت كمان هتحكم على اللي هسمعه؟ انطلق بقوة ورد بانفعال: "دي عربيتي وأنا حر." انصاعت بضيق ورفعت هاتفها لتغلق البث وهدرت: "خلاص هشغل تليفوني."
وضعت سماعات الرأس وبدأت تندمج وتتمايل بغنج. لاحظه وازداد ضيقه. أغلق الزجاج حتى لا يراها أحد. وتسارعت انفاسه من احتجازه مع مجنونة تتمايل رائحتها مع صورتها صباحًا. تتواتر على عقله مشاهد لا يعرف لها معنى ولم يجربها أحد قبلها. تصارعت أنفاسه وازداد نبضه. ورغم الصمت السائد الآن، رأسه بها ضجيج لا يتوقف. توتر بشدة وفقد السيطرة على ذاته. ومد يده خلع سماعات رأسها بعنف وأمرها بعنف:
"احترمي نفسك بقى. عمالة تتمايلي والواحد طايق نفسه بالعافية." زعقت هي الأخرى من فرط تحكمه: "الله. مش إنت الشريف العفيف اللي مش شايفني؟ إيه اللي يضايقك من تصرفاتي؟ أفقدته أعصابه بتصرفاتها الهوجاء فرد عليها وهو يوزع نظراته بينها وبين الطريق الذي شق نحوه وجهتهم: "إنتي بنت عمي وماشين على طريق ويعتبر في الشارع. بذمتك دي حركات واحدة محترمة؟ ردت مستهزئة من حجته الواهية لترد بضيق:
"إنت قفلت القزاز. ماحدش هيشوفني. وإذا كان علي حتة محترمة، ف مافيش غيرك إنت اللي هتحكم على تصرفاتي. وإنت شايف إني ما تربتش، فمش فارقة بقى. لأني ما يعنيني إنت إزاي شايفني." على فجأة أوقف سيارته لتحدث صريرًا عاليًا وجعل جسدها بالكامل يندفع للأمام. صاحت بفزع من مفاجأته، ليلتف بنصف جسده يقول حازمًا: "لأ. لماضة مش عايزة. وطولة اللسان اللي إنتي ماشياه مع الكل بلاش تجربيها معايا لأني هقصها لك. زي ما تقول لي كدا. أنا غشيم."
رمقته بتحدٍ، لكن مع الاستمرار بالنظر في عينيه، بالفعل خشيته. ظلام عينيه يبتلعها دون رحمة ودون أدنى مجهود منه. التفت وجهها عنه ونظرت أمامها وأطبقت يدها على صدرها باعتراض صامت، وتركته بانصياع تام لكل ما أراد. عاد هو الآخر ليتحرك، ثم سأل بنفاد صبر وكأنه مجبر على ذلك: "تفطري بيتزا ولا كريب؟ رفعت إحدى حاجبيها باندهاش، لكن مع معاشرتها لهذه العائلة لا شيء مستحيل. تضورها للجوع أنساها العناد، فأجابت باستمتاع: "بيتزا."
لم تلاحظ أي تغير على وجهه واستمر بالقيادة دون إجابة، حتى ظنت أنه لم يسمعها. فكررت إجابتها لتتأكد من استماعه: "بيتزا." باقتضاب شديد أجاب: "حاضر."
ظل كما هو عينه مثبتة على الطريق، لا ينبث فمه بأي كلمة، فقط أنفاسه هي ما تثبت وجوده على قيد الحياة، وكأن ما يسير في عروقه ليس بدماء بل ثلج قطبي. قطب وضعت سماعات رأسها من جديد لتستمع إلى أي موسيقى هادئة وتسترخي، وهي ترى السيارة تطوي مسافات بعيدة عن تلك المدينة التي دخلتها وكأنها تنجو. بدأت تتنفس بسعادة أخيرًا خرجت من منفى. مدت يدها لتفتح الزجاج وتنعم بنسيم الهواء الطلق، لكنه كان مغلقًا تمامًا بواسطته،
فالتفت لتطلب منه بضيق: "ممكن تفتح الإزاز."
ثوان مرت وهو على نفس حالته دون اهتمام لوجودها أمامه أو حتى إثبات سماعه. بعدها ضغط أحد الأزرار الجانبية ليسمح لها باستعمال النافذة. أخرجت يدها لتمسك الهواء وتلوح بفرح للنسمات التي تمر بين أصابعها. كم كانت فرحة بأقل الأشياء، كمن يملك الدنيا وما عليها. بينما هو عابث تمامًا. يلاحظ حركاتها المجنونة وابتسامتها الطفولية التي تنبثق على وجهها بالمرآة. يالها من صدفة عجيبة تجمع بين أكثر شخص محب للحياة رغم قسوتها، مع ميت لا يجيد الاستمتاع بكل ما يملك. لم تحصل فقط سوى على الهواء وسعيدة بهذا القدر. تضرب بالحائط كل النظريات عن السعادة وتثبت أن السعادة تكمن بدواخلنا وتنبع من أعماقنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!