إلى أقرب "مطعم" أخذها "زيد" واشترى لها بيتزا. كانت سعيدة جداً أنها تتناول بيتزا بعد مدة طويلة قضتها في تناول طعام منزلي تقليدي. كانت من عشاق الوجبات السريعة واشتاقت فعلاً لها، لكن من ضمن القواعد التي تطبقها "ونيسة" أن لا يدخل المنزل أي وجبات خارجية نهائياً، وهذا شامل أولادها. لم تفكر في شيء وهي تلتهمها بنهم، ولم تلاحظ حتى متابعته لها حتى تذكرت شيئاً معيناً فطرحته وهي تلوك الطعام بين فكيها:
"إنت إزاي عرفت إني بحب البيتزا والكريب؟ ظل على نفس ثباته وأجاب بهدوء وثبات: "أنا ما أعرفش إنتي بتحبي إيه ولا مهتم أصلاً باللي بتحبيه." توقف الطعام في حلقها وقد استاءت من رده الجاف وبرودة أحاسيسه لمواجهة فتاة بهذا الجفاء والغطرسه. حاول تصحيح ما قاله عندما لاحظ توقفها عن الطعام، فأردف بنفس التعبير غير المبالي: "أكيد حد بعقليتك دي بيحب حاجات زي كدا." تركت ما بيدها ومسحت أطراف أصابعها وهي تقول:
"لأ ما تحاولش، إنت جيت تكحلها عمتها." نهضت من جلستها، فتحركت عينه منها وهو يجلس بمكانه، ثم هتف أمراً: "إقعدي." تنصع لأوامره وهتفت بضيق: "شبعت." ثبت نظراته على وجهها، وقد ظهر الغضب على عينيه محذراً إياها من الرفض ووضعه في موقف محرج، خاصة أنها وقفت وقد لاحظ الجميع هذا. أمرها بشدة رغم خفوت صوته: "إقعدي مكانه، ولما تكوني في مكان عام مع شخص، أوعك تقفي وهو قاعد، وبذات أنا، إياكي تتخطيني."
جلست مرة أخرى وتحدثت بعصبية شديدة لأوامره المستمرة والتي ما عادت تطيقها: "هو أنا جارية عندك جايبها من سوق العبيد؟ اقعدي، ما تلبسيش كدا، اقفلي الأغاني، اقفلي الشباك. إيه في إيه؟ حد قالك إنك اشتريتني؟ أشار بعينيه إلى كلا الجانبين وقد ان فعل لانفعالها وهتف محذراً: "وكمان صوتك ما يعلاش." وقبل أن تستأنف عصبيتها، أردف هو بحزم شديد:
"إياكي تقولي حاجة تاني، الناس ابتدت تبص علينا. صحيح إحنا مش في البلد، لكن المكان دا بأجيله كتير. ما تشوهيش صورتي، وخلي بالك أنا قائد الرحلة، وممكن في أي وقت ألغيها ونرجع تاني لو حسيتك ممكن ما تلتزميش بقوانيني." صرت على أسنانها من فرط الغضب، تكاد تقلب عليه الطاولة بما فيها. أغضبها بشكل غير مسبوق كما فعلت هي أيضاً به، لكنها كانت مرغمة للإذعان. هذه الفرصة لا تعلم متى تتكرر. سحقت كلماتها أسفل أسنانها وهي تسأله:
"وإيه هي القوانين يا سيادة المستشار؟ لم يهتم لعصبيتها التي تخفيها ولا لاستاذئها الجلي، المهم أنها انصاعت وهذا مؤشر جيد مع عنيدة مثلها. دس يده إلى جيبه وأخرج علبة تبغ وتناول منها إحدى اللفافات. اندهشت من بروده تارة، وتارة أخرى من معرفتها لاعتياده على التدخين. تأنى هو في إجابتها حتى أشعل ما بيده وبدأ يسحب أنفاسه بهدوء. أخيراً قال وهو يخرج الدخان من فمه:
"صوتك ما يعلاش، دي أهم حاجة. بلاش أي تصرف يلفت النظر لينا. ولما ندخل المول ما تبعديش عني، وممنوع هي ومهي وحاجات الهبل اللي بتطق في دماغك فجأة دي. اسألي قبل ما تتحركي، وفوق دا تسمعي الكلام." تساءلت باستخفاف: "ياسلام! كل دا عشان حتة مشوار؟ انشغل بنفث دخان سيجارته وهتف ببرود اعتاده: "خلاص، يلا بينا نرجع." يعرف أنها مجبرة لكي تظفر بجولة ممتعة بالنسبة لها بعد ما عرفت ملل القصر حق المعرفة. نظرت له بضيق، فقال بجدية:
"مقابل دا هجبلك اللي انتي عايزاه ومش هستعجلك. ولو سمعتي الكلام هغديكي في مكان أحسن من دا." مخالطة رأفته مع شدته والحزم تشتت عقلها. لم تعش من قبل هذا الحزم، ولم تشعر بأن هناك شخص واحد على هذه الكرة الأرضية يهتم لأمرها حتى والدها، ولم يستخدم معها أحد الحزم للحفاظ على مظهرها أمام الناس. لذا ما يفعله "زيد" غريب، بل أعجوبة حياتها، لكنها مجبرة على الالتزام. "في القصر"
عادت "بثينة" صباحاً إلى "ونيسة" لتحتسي معها كوباً من الشاي وتتحدث معها في أمر هام. تبدل ملامح "ونيسة" وزادها صدمة عندما كررت كلامها بصدمة: "بتقولي إيه؟ أبوكي النهارده كان في الشهر العقاري؟ أجابت "بثينة" وهي تحترق وتلطم فخذيها بحسرة: "أيوه يا ختي، جوزي قابله هناك وقال إيه رايح يكتب لبت بشرى أملاك. شوفتي المرار الطافح اللي جاه علينا." تحركت "ونيسة" في مكانها بعصبية قائلة:
"دا ما عملهاش مع حد غير 'زيد' بس، 'زيد' حاجة تانية. 'زيد' أبوه ميت." التفتت لها "بثينة" وصاحت بها غاضبة: "إحنا هنفضل قاعدين كدا نولول ومالنا وحالنا وعيالنا بيروحوا بسبب حتة بت عرفت تاكل عقله." "ونيسة" كادت أن تلطم وجنتيها وهي ترد عليها: "نعمل إيه؟ نعمل إيه؟ فتحت "بثينة" عينيها وهدرت بشر: "لازم تغور في داهية بأسرع وقت وبأي طريقة." هزت "ونيسة" رأسها قائلة بجدية:
"أنا معاكي في أي حاجة. دا بعد عملتها مع بلال، عايزة أمحيها بإستيكة." سألتها وكأنها انتبهت لشيء ما كان غائباً عنها: "قولتي لأخوكي عماد؟ أجابتها "بثينة": "أيوه، وقالي لما ييجي هيتصرف." قالت "ونيسة" بتذمر: "وهو يعني هيعمل إيه؟ دا ما قدرش يفتح بقه وأبو بيطرد إبنه، يا حسرة قلبي عليك يا ابني." هتفت "بثينة" لتهدئها: "اصبري بس، أهو يبقى معانا. وعلى فكرة هو قال هيروح لبلال النهارده وهياخده أكل وحاجات وهيبات معاه كمان."
وكأن قلب "ونيسة" ارتوى. لا شيء أعز عليها من أولادها مهما غلت قيمته. أولادها عندها في مكانة عالية. نسيت ما بدر منه صباحاً وهتفت متهللة: "بجد؟ ربنا يهديه ويرضى يبات معاه يومين." ضيقت عينها "بثينة" وسألتها بعدما فهمت شيئاً من طريقتها في الحديث عنه: "شكلكم اتخانقتوا... تاني يا ونيسة مش هتكبري بقى؟
أشاحت "ونيسة" وجهها منها خجلاً وضيقاً، لا تريد التحدث عن الأمر. مهما تحدثت لن يفهمها أحد، ولن تكون عندها القدرة لشرح كل ما تشعر به. "أحياناً الصمت يكن راحة كبيرة من مجادلات البشر فيما لا يعلمون." "في متجر الملابس"
بدأت "صبا" جولتها مع "زيد". اتخذ جهة معينة، وبعد مرور كم هائل من متاجر الملابس الصيفية الجميلة والشبابية، وجدت نفسها في قسم العبايات السوداء وملابس لا تناسب مرحلتها العمرية بالمرة. انفرج فمها وتوقفت مكانها وشهقت بصدمة جعلته يتراجع عن خطواته التي سبقها بها، متسائلاً بجدية: "فيه إيه؟ وقفتي ليه؟ نظرت له مصدومة من إصراره على التقدم وسألته بدهشة: "إنت مش عارف إنت جايبني فين؟ نظر أمامه دون اهتمام وأجاب باستفزاز: "آه عارف."
ضم حاجبيه وأردف باستخفاف: "هو إنتي كنتي مفكرة إني هجبلك مايوهات ولا حاجة؟ ضربت الأرض بقدمها واشتعلت جنوناً عندما صرحت بسخرية وضجر: "لما ألبس دا وأنا في عز شبابي، هلبس إيه وأنا أرملة؟ استدار عنها وهو يقول بجدية: "دا الموجود ومافيش غيره." ركضت لتقف بوجهه فجأة وبغته جعلته يتراجع لحفظ المسافة. نظر لها بقوة متسائلاً: "هنرجع تاني لشغل العيال؟ إحنا اتفقنا على إيه؟ نفضت رأسها بكبرياء وقالت بطفولة:
"إنت قلت لو سمعت كلامك هتجبلي اللي أنا عايزاه." قاطعها بأن أوضح: "إلا في اللبس، إحنا جايين عشان نجبلك لبس يسترك، مش لبس المصايف اللي جايباه معاكي." زَمت شفتيها بيأس. إقناع هذا العنيد مهمة مستحيلة، لكن هناك فكرة جيدة لتمرح ولو قليلاً. رفعت أحد حاجبيها وهتفت بإصرار: "خلاص طالما دا اختيارك، يبقى هات اللي إنت عايزه. أنا هروح أشتري حاجات شخصية وأرجع من المحل اللي جنبك."
رغم محاولة إحراجها له بإيجاد حجة مناسبة للانفصال عنه، لكنه بالطبع لن يتركها تبتعد عن نظره في مكان واسع كهذا. إن ضيعها تصبح كإبرة في كومة قش. أشار بذقنه للداخل قائلاً: "على جوا، لما نخلص هنا هبقى أوديكي تشتري اللي انتي عايزها." وضعت يدها سريعاً على فمها وأعطته نظرة بريئة لتصنع الخجل قائلة: "بقولك حاجات شخصية، إزاي يعني تيجي معايا؟ نفخ بضيق وأشاح بوجهه عنها. وقوفها أمامه بات يزعجه وصاح بنفاذ صبر:
"هبقى استناكي برا، يلااا امشي قدامي." صرت على أسنانها وركلت الأرض من جديد وتحركت من أمامه لتعنته كثيراً في رأسها، لكن لسانها كان صامتاً. تولى عنها المهمة بالكامل. لقد اختار لها الكثير من الملابس الفضفاضة السوداء، هي كانت مجرد أداة للقياس. كلما وجدت قطعة واحدة بمقاس مناسب يعترض. حتى وقفت أمامه من جديد متمسكة بإحدى القطع، قالت وهي تلتف حول نفسها: "مالها دي؟ ما مظبوطة أهي."
أجاب بإصرار وهو يجلس أمامها على أحد الكراسي القصيرة الموجودة بجانب غرفة القياس: "ما هي عشان مظبوطة ما تنفعش." أمسكت برأسها وكادت تصرخ من فرط التشدد الذي يجبرها عليه، لتقول بتذمر: "يعني الـ 99 قطعة اللي حبتهم على مزاجك كلهم أكبر نمرتين عن مقاسي يا مفترى؟ والقطعة دي هي مش عايز تجيبها؟ زفر وهو يقول: "ضيقة." "مظبوطة." أكد بعناد وهو يحذرها بعينيه من مجادلته فيما يراه: "قلت ضيقة."
وضعت يدها في جنبيها واقتربت منه ومالت إليه بجرأة لتقول بتحدٍ والعناد يقطر من كلماتها: "هأخدها يا زيد، وإلا هشتكي لجدو." رفع أحد حاجبيه وسأل بسخرية: "بتهدديني؟ اقتربت أكثر دون اكتراث لتكرر عنادها دون أن تخشى شيئاً: "أه." الحقيقة أنه قاوم أن لا يفعل بها أول فعل جال برأسه، لكنه أشاح وجه عنها وهتف بإنصياع غاضب رغم مرونته: "خلاص، خديها. ابقي نامي بيها." أخيراً ابتعدت عنه لتعود إلى غرفة القياس قائلة بانتصار:
"قال أنام بيها قال، دا أنا عندي بجاماتي وأرنايبى قمر." نفخ أنفاسه دفعة واحدة كادت تخرجه عن طوره، لكن جيد أنه مازال يحتفظ بعقله أمام كتلة الجنون والجاذبية هذه.
خرجت من هذا القسم أخيراً واتجهت إلى قسم الأدوات التجميلية. بالفعل انتظرها "زيد" بالخارج، وظلت هي تتجول بالداخل، القسم الوحيد القادر على نسيانها العالم بأكمله. انتقلت من شيء لشيء وجربت أشياء عدة واختارت ألواناً جديدة لأحمر الشفاه، وكذا طلاء الأظافر، وانتقت عطوراً لا حصر لها، ومرطبات البشرة ذات رائحة نفاذة التي تعشقها، وانتقت زيوت وشامبوهات خاصة للعناية بالشعر المجعد. هؤلاء اشترتهم خصيصاً لـ"مريم"، لقد ظلت برأسها لكي تعود إليها محملة بهدايا وكل ما ينفعها. ساعات قضتها بالداخل دون الشعور بالوقت حتى سأم "زيد" من انتظارها ودخل إليها. ظل يبحث عنها بالمكان حتى لمح ظهرها من بعيد، هرول تجاهها بضيق من تباطؤها أمام رفوف الكريمات. وفجأة أتى
من خلفها ليناديها بقسوة: "إيه دا؟ كل دا بتعملي إيه؟ انتفض من مفاجأته وأسقطت ما بيدها سريعاً، تهشمت العبوة تماماً وأحدثت ضجيجاً جذب على أثره الأنظار. أجفل هو من ذلك، فوضعت يدها على جانبي رأسها وقد انتابها رعب من أن تعاقب كما اعتادت وهي صغيرة. لا يزال الماضي قادر على إفساد أكثر لحظاتها استمتاعاً، لتقول برعب جلي ودون تفكير: "أنا آسفة."
تعجب من اعتذارها الذي لا داعي له، خاصة وهو المتسبب، لكنه لم يدقق بالأمر كثيراً، لقد كان همه الوحيد هو الخروج وإصراف نظر الجميع عنهم. هتف دون اكتراث: "ولا يهمك، هدفع تمنها." عاد من جديد لطرح نفس السؤال: "اتأخرتي كدا ليه؟ أجابته بعدما استعادت توازنها: "كنت بشتري حاجات." أمسك بحقيبة المتجر التي انتقلت بها عدد هائل من المنتجات المتنوعة والمختلفة، ألقى نظرة سريعة لكل ما تبضعته ونظر حوله ليقول بسخرية:
"سبتلهم إيه في المحل بقى؟ رفعت حاجبيها دون اكتراث وقالت بتفاخر: "جدو قالي اشتري اللي انتي عايزة." تعجب من إصرارها على التحامي بجدها طوال الوقت، على الرغم أنه بالامس من أفلتها من يده ومن عقابه بعدما كانت تحت رحمته لا حول لها ولا قوة. "كدا على البركة." أمسك من يدها الحقيبة المعدنية ليحملها. لاحظ اسم كريم تصفيف للشعر المجعد يستخدمه لنفسه، فسألها بعفوية: "إنتي جايبة الكريم دا لمين؟ إنتي شعرك ناعم مش محتاج الكريم دا؟
ضمت حاجبيها وقد اندهشت من ملاحظته لنوع شعرها. شعر فوراً بالحرج عندما طالعته بمثل هذه النظرة الغريبة وعلامات الشك المريبة، فجعلته يبرر: "أنا أقصد إني بستخدمه لشعري، دا بتاع الشعر الكيرلي." هتفت على مضض دون أن تنظر إليه: "جايباه لمريم، وارجوك ما تقلبش في الحاجات، في حاجات مش هتبسط لما تشوفها."
نفخ بضيق ودفع إليها الحقيبة المعدنية من جديد لتحملها بنفسها وسبقها للخارج، فتبعته. وقبل أن تخرج نهائياً من المكان، رأت امرأة تقاطعه تبدو كعارضات الأزياء، ولاحظت أنه يتجاوب معها. فأسرعت في خطواتها حتى تعرف ماذا تريد ومن هي بالنسبة له، ليقف ويحادثها "زيد الواصل" بهذه الأريحية. فور اقترابها انقطع حديثهم، حيث اختفت ابتسامة الشابة وهي تنظر باتجاه "صبا" متسائلة بفضول: "مين دي يا زيد؟ أجاب وهو يلقي نظرة خاطفة إلى جواره:
"دي بنت عمي حسين." ابتسمت الأخرى على مضض ومدت يدها لتصافحها قائلة: "فرصة سعيدة." أجابت صبا ببرود: "أنا أسعد." شرعت الأخرى في المغادرة وهي تناوله كرت صغير مذهب الأطراف: "أرقامي كلها عليه، لو مش هاشوفك قريب ياريت أسمع صوتك." التقطت منها الكارت وهو يبتسم ابتسامة خفيفة قائلاً بذوق: "اكيد يا ميري." غادرتهم الأخرى وبقيت "صبا" تنظر له نظرات شك. أيعقل أن يكون "زيد" الذي يدعي الزهد يحاول تكوين علاقات نسائية من خارج العائلة؟
ولما لا، وقد اعترف صباحاً أنه يأتي هنا كثيراً. الشك غزا قلبها، وشدة ملاحظته كل التفاصيل الدقيقة حتى بنوع شعرها أقلقتها، ليس على نفسها، بل كل تفكيرها كان يصب تجاه "مريم". ماذا سيكون مصيرها إن تزوج أبوها بأخرى؟ سوف تعيش نفس المعاناة التي عاشتها مع زوجة أبيها، ستذوق ويلات لا تتمناها أبداً لها. مع شرود رأسها لم تلاحظ نداء "زيد" المتكرر لها حتى وقف بوجهها وقال بتعصب: "إنتي يا بنتي، إنتي مش سامعاني؟ ردت "صبا" بشرود: "ها؟
كرر بضيق: "عايزة حاجة تاني ولا نمشي؟ نفضت رأسها لتستجمع شتات عقلها وتجيب: "أيوا، عايزة شوكولاتة وحاجات من الماركت." وقبل أن تستدير عنه سألته بدهاء: "مين دي اللي كانت بتكلمك؟ رمقها باستعلاء وكأن ليس من حقها أن تعرف، فأردفت محاولة إخفاء فضولها: "أصل هي عطيتك الكارت بتاعها، مافيش حاجة يعني لو قولتي، عادي. أنا كمان لو حد اداني كارت إنت مش هتوافق، مش إحنا ولاد عم برضو؟ استدار عنها ليقول دون اكتراث:
"اطمني، لو حد عبرك واداك كارت مش هسألك." تقدم أمامها ليلبي رغبتها الطفولية. انتقلت بين الأرفف لتنتقي لها ولمريم بعض الأشياء المميزة التي جربتها من قبل وكانت بمثابة هرمون سعادة. لم تكتفِ بهذا، بل انتقلت إلى متجر الألعاب الخاص بالأطفال. وقبل أن تدلف للداخل سأل "زيد" بسخرية: "هو حتى دا كمان ما سلمش منك؟ عايزة إيه من هنا؟ وقفت لتجيبه بضيق، لقد بدأت لا تستصيغ جداله وتحكماته بها: "عايزة حاجات لمريم."
طالعها بدهشة لثوانٍ، ثم اختفت ليحل محلها الضجر من اهتمامها الزائد بطفلته: "طيب يا ستي، شكراً، مريم عندها كتير." قالت بإصرار: "اللي عندها مش مفيد، أنا هجبلها حاجات مفيدة تنمي مهارتها." رد عليها بجفاء: "لأ، يبقى انتي فعلاً ماشوفتيش السطح بتاعنا." كادت تجن من عجرته وتكبره، لو لم تجرب من قبل سخائه في دفع مبالغ طائلة دون ضجر أو لوم لأجزمت أنه بخيل. كان عليها إقناعه بأي طريقة، وكان الهدوء أقصر طريق:
"من فضلك، ممكن تدخل تنقي معايا، واللي موجود عندها تبلغني بيه."
لم يكن يرفض هدوئها وطريقتها المهذبة في الطلب. لم يعتد عليها بهذا التهذيب، وقبول رغبتها سيكون بمثابة محفز جيد للاستمرار بهذه الطريقة. سمح لها وتابع اختياراتها. بالفعل كان تركيزها على ألعاب ذات فائدة لتنمية الحواس، أغلبها لم يكن موجوداً لديها. تبادلت معه بعض الآراء واندَمج معها وهي تشاركه ما يخص ابنته. لم يسبق أن شارك أحد هذا الأمر. انتقى لها الألوان التي تحبها ابنته وساعدها في اختيار الدمى التي تفضلها "مريم". وحقيقي
أنه كان من داخله سعيد جداً لمشاركتها الحنونة التي جعلته يشعر أنه ليس وحده من يتحمل مسؤولية طفلته التي بقيت له من الحياة. أخيراً انتقى هو دمية صناعة يدوية ذات عيون واسعة عسلية اللون تحمل شعراً حقيقياً باللون البني وثغراً كحبة الكرز. تأملها كثيراً وتلاعب بخصلاتها بين أطراف أصابعه وشرد بها كثيراً
حتى سأله البائع: "حضرتك هتشترى دي كمان؟ أجاب على الفور ودون تردد: "أيوا." بالفعل وضعها البائع في صندوق خشبي صغير مبطن بالستان ويشبه الفراش المكسو بخامة أخرى ثقيلة تحتها طبقة سميكة من الإسفنج. كانت "صبا" في الوقت هذا منشغلة ببعض الكتب وتنتقي قصصاً قصيرة للأطفال، ولم تلاحظ ما اشتراه "زيد" وحده ودون تدخل منها.
أخيراً انتهت وطالبته بالغداء الذي وعدها به إن نفذت كل أوامره. وعلى الرحب وافق ليذهب بها إلى أحد المطاعم الراقية بالمنطقة، وتركها تختار ما تشاء وتنتقي كل ما تحبه من لوحة الطعام. بعد مدة قصيرة استغلتها "صبا" في التقاط بعض الصور لنفسها بأوضاع مختلفة وتعبيرات مختلطة، وكأنها توثق لحظات حياتها بجميع مراحلها. لاحظ "زيد" ما تفعل، لكنه تظاهر بالانشغال بالنظر إلى شاشة هاتفه ومتابعة أعماله التي تلاحقت عبر الرسائل الخاصة. دقائق وأتت وجبتها الساخنة، وعلى إثرها رفع "زيد" رأسه عن شاشة هاتفه، فاعتدلت سريعاً لتنكر ما كانت تفعله وتستقيم باعتدال لتتناول طعامها معه في صمت.
"زيد، أخبارك إيه؟ وحشني؟
كان تدخلاً من صوت خشن ماكر، رغم حميمية ما يقول. رفع "زيد" وجهه نحو مصدر الصوت. إنه ابن عم جده "رياض"، رجل كبير في العمر لكنه في منتهى الشباب. العالم بأسره يكبر وهو كما هو، لا يوجد بوجهه أي خط تعبيري لعدم إصداره أي ردة فعل لأي موقف. الكثير يحسده على شبابه الدائم وبروده أعصابه. عيناه كانتا كالمرصاد، وبسرعة شديدة التقط "صبا" المهتمة بطعامها الآن، ربما منحته نظرة خاطفة دون اهتمام، لكنها كانت قادرة على إعادته خمسين عاماً للخلف. صافحه "زيد" واهتم بأن يحجب نظره عنها، لكن
الآخر ابتسم وسأل ببرود: "جدك أخباره إيه؟ باقتضاب شديد رد "زيد": "كويس." لم يمنع فضوله من النفاذ والسؤال الذي يخمن إجابته قبل أن يطرحه: "مين اللي معاك دي؟ لو كان بإمكان "زيد" أن لا يجيبه لفعل، لكن نظراته الملحة تعرف الإجابة قبل نطقها، لذا إخباره من عدمه لن يشكل فارقاً، خاصة لـ"رياض". تنحى "زيد" من وجه ليقدمها له قائلاً بضيق: "صبا بنت عمي حسين."
تجاوزه "رياض" ليقترب منها، وقد لاحظت "صبا" لمعت عيناه ولهفته وهو يمد يده ليلتقط يدها، هاتفاً بدهشة: "بنت 'بشرى' أجمل ست مرت على الأرض وعلى قلبي." وضع يدها بين يديه وطالعها بإنبهار كأنه يعاين جوهرة ثمينة. عيناه فقط هي التي كانت تتحرك بينما هو ثابت كالتمثال الرخامي. سألت "صبا" بدهشة مماثلة لدهشته: "إنت تعرف ماما؟ أجاب بسعادة: "إلا أعرفها، دي بشرى. تعرفي إنك نسخة تانية منها، بس هي كانت الأصل."
أنهى جملته بابتسامة جعلتها تبتسم. ابتسامتها اللذيذة التي تجعل عينيها تختفي وترفع وجنتيها التفاحيتين لأعلى. لم يرَ "زيد" هذه الابتسامة الآسرة من قبل، ابتسامتها هذه تحمل الكون أجمع. ذنب اختفائها. مع شرد "زيد" بها، اندمج "رياض" وانفرد بـ"صبا" ليحاكيها، ولمدة ثوانٍ معدودة قد كوّن معها علاقة وطيّة، انتهت بأن وضع الكارت الخاص به بين راحت يدها قائلاً بسعادة: "لو احتاجتي أي حاجة كلميني." التف "رياض" لـ"زيد" ليشكر:
"شكراً ليك يا زيد." لكن "زيد" أوقفه وتشبث بذراعه ليمنعه من الذهاب، وبصوت منخفض شديد التحذير أخبره: "خلي بالك، جدّي مش هيرحمك لو لعبت في عقلها." ابتسم الآخر نصف ابتسامة ماكرة ورد عليه بثقة: "دا متوقف عليها هي." غادره فوراً دون إهدار المزيد من الوقت، ليعود للجلوس على الطاولة ويستمع لـ"صبا" وهي تمدحه قائلة: "لطيف أوي عمو رياض." حذره "زيد" بلهجة قاطعة: "أوعى يخدعك المظاهر." عادت لالتهام طعامها وهي تقول دون اكتراث:
"على الأقل لقيت حد بيحب أمي في البلد دي." لوحت له بالكارت لتخبره أنها هي الأخرى حصلت على كارت مثله. حركة كيدية صادفها بها القدر. فلم يستطع "زيد" أن يأكل أو حتى يناقشتها. هناك أشياء مهما منع الإنسان عنها سيظل متعلقاً بها بحماقته، تماماً مثل التحذيرات الخطرة فوق علب التبغ. الجميع يعرف خطورتها، لكن مدمنيها لا يعيرون اهتماماً لمخاطرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!