نزلت على الدرج بخطوات واثقة، وأقدامها ترن في الأجواء، وأخرست الأفواه. نظرت بتمعن في عين كل من نهى ووالدتها وعمتها، وابتسمت بدهاء. لقد أوصلت رسالتها بوضوح، وأثبتت من هي صاحبة المنزل، ومن هي مالكة قلب زيد التي لا تنافس. وصلت إليهم سريعًا، واستعدت للجديد. هتفت بثينة بانزعاج، وادعت تأففها من رائحتها التي التقطتها أنفها من على بعد: -أف أف، إيه دا؟ في واحدة ست بيت شاطرة تدخل تعمل الأكل وريحة البرفان بتاعتها فايحة كدا؟
دي تكرف على الأكل. اتسعت عين "صبا" وتحدثت ببلاهة متعمدة: -معقول؟ هو أنا هطبخ في الصباحية يا عمتو؟ البركة فيكي وفي نهى، ونبقى نردها لها في صباحيتها إن شاء الله. أنا هقف أتفرج عليكم وأتعلم منكم. ردت بثينة بغضب من تملقها: -ياسلام! يعني إحنا جايين نخدمك بقى يا ست صبا؟ حركت رأسها نافية، وهي على نفس البرود: -لا طبعًا، لو عليا هبعت أجيب دليفري، لكن إنتي بتعملي لباباكي يا عمتو. معقول هتقصري في باباكي في ظرف زي دا؟
صرت "بثينة" على أسنانها، فهذه الأفعى تأخذ أسلوبًا ملتوياً كالذي كانت تأخذه أمها. ورغم أن سنها صغير، لكنها كانت تجيد التملق بحرفية، وليس له علاقة بالسن، ويبدو أنه أمر بالدم. تدخلت والدة "نهى" معتمدة على أن تتميز ابنتها أمام صبا في شيء وتسبقها بخطوة: -ما تزعليش نفسك يا أم عامر، إحنا هنساعدك. دي بنتي نهى عليها حتة صنية مكرونة بالبشاميل ما أقولكيش على حلاوتها. غيرت "بثينة" نظرتها، وربتت على كتفها قائلة بانبهار:
-يا ماشاء الله، يا ماشاء الله! عروستنا زينة وست بيت بصحيح. مطت "صبا" شفتيها، وانتظرت حتى تبدأ مسرحيتهم. توجهت للمطبخ، وتبعتهما "صبا" بخطوات مائعة، تحرك كتفها برقصه. شعرت بالانتصار المبدئي. بدأوا بالعمل، وجلست صبا فوق الطاولة التي تنتصف المطبخ، تشاهد عملهم وهي تحرك قدمها بالتبادل. نادتها بثينة بضيق من وجودها الذي كعدمه: -ما تقومى تغسلى الطبقين اللي في الحوض، اهو نستفاد منك بحاجة. رفعت أصابعها نصب عينها مجيبة باهتمام:
-والمناكير بتاعي يبوظ؟ يرضاكي يا عمتو؟ دا زيد كان يزعل أوي. شهقت "بثينة" مصدومة، ونهرتها بشدة: -اتحشمي يا بت! زيد مين اللي يزعل على مونكير؟ ولا مين قالك إنه بيطيقوا أصلاً؟ قاطعتها دون اكتراث: -جوزي. وقال إنه بيحبه عليا أنا بس. حاجة تزعلك يا عمتو؟ همت "بثينة" لتقذفها بما بيدها من أواني، لكنها تراجعت مهدئة نفسها: -اللهم طولك يا روح! إنتي يا بت إنتي عايزة تشليني؟ اخلصي واعملي معانا حاجة، خلي اليوم يعدي.
مطت فمها مجيبة ببرود: -حاضر. مالت "نهى" إلى والدتها بعدما رأت وسمعت كل شيء، وهمست لها بصوت خفيض: -إيه رأيك في التهزيق دا يا ستي ماما؟ إنتي جايبانا نخدم البت دي؟ وكزتها أمها بخفة وهي تعد الأغراض الخاصة بالطعام، وهمست هي الأخرى: -مالكيش دعوة بيها. شفتي عمتها مش طايقاها إزاي؟ اصبري، وبيّني مواهبك. إنتي اللي هتكسبى. دي عيلة وفرحانة بنفسها. اتفرجي بقى عليها لما يفرحوا بأكلك ويكسفوها.
اقتربت "صبا" من نهى، وظلت تتابعها في كل حركاتها، وكأنها تخزن أفكارًا وتحاول التعلم. أربكت نهى التي تحيرت بما تفعله. هل تفتخر بما تجيده، أم تحفظ أسرارها لنفسها؟ لكن عين صبا كانت بالمرصاد. مهما أخفت، فهي تجد طريقتها لرؤية ما تفعله. ضحكاتها كانت تعلو على أتفه الأسباب، حتى وإن أسقطت معلقة. على عكس المتوقع، صبا فعلت ما يغيظهم. أصبح النار تحمى في قلوبهم. لقد قررت، إن اجتمعوا على إحراقها، ستحرقهم معها. بعد ساعات
سمعت صرير سيارة "زيد"، قربه، مما يعني أنه في ساحة القصر. توقفت صبا ونظرت باتجاه الباب بترقب حضوره. رأته يمضي بخطوات واسعة باتجاه غرفة جده، يبدو عليه التعجل. تحركت خلفه دون تفكير، حتى دون أن تعرف ماذا ستفعل إن واجهته. كانت تأخذه وجهة للهرب من جحيمهم. تركتهم يصرون على أسنانهم دون مبالاة. اقتحمت الغرفة بقوة أثارت ريبته. كان يميل إلى المكتب ويسند يده إلى سطحه، وبيده الأخرى يسحب بعض الأوراق من الدرج. لوى عنقه ونظر باتجاهها، وتعابيره كلها منزعجة من هذا الاقتحام الأشبه بالعاصفة، وأغلقت من بعدها الباب.
سأل بدهشة: -مالك داخلة عليا كدا ليه؟ توترت فعليًا مما فعلته، ثم لملمت نفسها لتجيب وهي تتجه صوبه: -أنا جاية أشوفك لو عايز حاجة. تمعنت بوجهه حتى تتأكد من أنه صدقها. لكنه عاد النظر لما بيده وهتف دون اكتراث: -لأ، مش عايز حاجة. أنا جاي آخد ورق وماشي على طول. جدي ما بيحبش حد يدخل مكتبه من غير إذنه. عبث قليلاً بما على سطح المكتب بملل، يبحث عن شيء ما. لاحظ استمرار وقوفها، فعاود النظر باتجاهها وسأل: -واقفة ليه؟
قولتلك ماشي على طول. أزاحت ما أمامها من أغراض، ووثبت لتجلس على سطح المكتب بإصرار على البقاء. اعتدل في وقفته ونظر لها بتمعن، وقال بشكل مزاح، رافعًا أحد حاجبيه: -إنتي مش جايه تشوفيني عايز حاجة؟ إنتى عايزه حاجه؟ رفعت حاجبيها معا ومطت شفاها بتبلد لتقول بإصرار: -مش هخرج غير معاك. ضيق عينه محاولا فهم غرضها من الاستمرار، وأخير ارتخت
عيناه عندما فهم السبب: إنها تهرب وتنتقم من نهى التى معهم. تأفف من رأسها الذي لا يتوقف عن العمل. عاد إلى جمع ما يحتاجه ثم اتجه صوبها متظاهرا بالانشغال. اصطدم بها فانتفضت ودق قلبها بسرعة كبيرة. وضع يده إلى جوارها. فهمت بنزوله عن المكتب فسرعان ما احتجزها بين يديه وثبت نظره على عيناها. ليـسألها بهدوء خطر: -لابسه كدا ليه؟
انكمشت بخجل من قربه المميت الذي يجعل كل حواسها في شلل تام، خاصة وهو يعاين منامتها الحمراء بإعجاب. تعثرت في الإجابة لكنها أجابت: -يعنى قولت مافيش حد ولبست براحتي و... قاطعها صوت أنفاسه العالي الذي يشتم عطرها بسكون متسائلا من جديد: -وريحتك يا صبا مغرقة نفسك برفان لي؟ أوشك على فهم خطتها مهما حاولت أن تبدو طبيعية. وحتى لا ينهاها عن ما تفعل، تعلثمت مبررة: -اا... أجاب نيابة عنها عندما فكرت كثيرا في الإجابة:
-بتغيظيهم يا صبا؟ كشف أمرها. نظرت في عينه بارتباك، فقد أصبحت أمامه كالمرايا، لكنه مهما رأى لن يكتشف وجهها الحقيقي. لجأت لحيلة أخرى لتشتت ذهنه. حاوطت عنقه بيديها وهتفت بنبرة بريئة ومثيرة في آن واحد: -أغظهم؟ أخص عليك يا زيزو، دي مش أخلاقي. ابتسم على تصرفاتها المتهورة التي ستسبب في إضاعة وقتهم معا وهتف مستنكرا: -أخلاقك! ده إنتى ماشفتيش ربع ساعة تربية. تعرف أنه يمزح لكنها تصنعت العبوس وهي ترد:
-إنت واخد عني فكرة غلط خالص. تحدث وهو يقترب أكثر منها: -آخد غيرها مافيش مشكلة. لا يعرف كيف تسرقه من همومه وتنسيه مشاكله كالمخدر. أينما وجدت علاج، مال معها على سطح المكتب ليبعثر الأشياء والأوراق ويملأ روحه بها وحدها. يجرؤ معها على اتخاذ قرارات متهورة وهي فقط ما تستطيع تحريك مشاعره. بالخارج وجه "نهى" متفحم من ما فعلته "صبا". الدقائق مرت على تواجدهم معا في داخل غرفة المكتب مرت عليها كأعوام.
تشتت ذهنها عما تفعل ونائبت عنها والدتها لتغطي هذا الارتباك الناتج عن غيرتها الواضحة. انشغال كل من مها وبثينة بالحديث في أحد الزوايا هو ما حمدت عليه ربها. حتى لا يلاحظ أحد حالتها المزرية، اقتربت منها "والدتها" وهتفت بصوت منخفض: -يا بنت اتحركي بدل ما انتي واقفة زي الصنم كدا. عمتك هتاخد بالها. نظرت نهى باتجاهها ولمعت عيناها بالدموع وسألتها بتحسر: -هما يعني مش هياخدوا بالهم غير مني؟
وبالنسبة للي قاعدة جوه معاه في المكتب دي. وكزتها بخفة وهي تحمل بكلتا يديها الإناء: -يا أختي ركزي انتي هنا. خليكي تفلحي. تجاوزتها لتفصل المكرونة عن الماء وتبعتها "نهى" متسائلة: -أفلح؟ انتي بعثرتي كرامتي ع الآخر. الأعمى هيشوف إنه بيحبها وأنا مجرد جوازه والسلام. تركت والدتها ما بيدها وهدرت بانزعاج: -خليكي مجرد جوازه والسلام. إيه مش كنتي عايزة تتجوزي؟
وإذا كان على الحب حاولي بدل ما انتي واقفة تندبي حظك كدا. هو يعني زيد كان حب المفعوصة دي وهي واقفة تندب حظها؟ التفت نهى حولها وسألتها بحيرة: -أعمل إيه أنا؟ أجابت والدتها بضيق: -هقولك بس المرة دي بس، وبعد كدا شغلي دماغك معايا. انتظرت "نهى" ما تمليه عليها والدتها لتنفذه بالحرف الواحد. تحدث "مروة" وهي تجذب أذنها إليها: -اطلعي هاتي مريم وسلطيها على أبوها وإقطعي عليهم القاعدة دي. في الجانب الآخر
كانت تتحدث "بثينة" و "مها" معا. والحديث طال بينهم حتى وصل إلى هذه النقطة: -وأنا هروح إمتى يا مها؟ انتي مش شايفة من ساعة الفرح والمصايب نازلة ترف على دماغنا. هتفت "مها" بتشنج: -ما إحنا عايزين نقطع المصايب دي وتبقى مصيبة واحدة على دمغها ونخلص. تريثت "بثينة" قبل الرد وفكرت قليلا: -طيب النهاردة نعدي عليه قبل ما نروح المستشفى. عادت لتسألها بتعجل: -المهم جبتي إيه من أطرها؟ أجابت مها والإبتسامة تملئ وجهها:
-أيوا طبعًا. سلسلة ما بتقلعهاش من رقبتها. جبتها يوم الفرح. ردت عليه "بثينة" بشر: -حلو. طالما بتلبسها يبقى مش هتقعد أسبوع زيها زي أمها وتتكل على الله. تغيرت نبرتها وهي تهتف بسعادة: -وتدخل نهى تنور البيت وتنور قلب زيد وونيسة والبيت يرجع أحسن من الأول. هتفت "مها" والتي لا تهتم بكل هذا، المهم أنها تحذف صبا من قائمة عائلة الواصل وتزيحها من على رأس القائمة: -والله دي نهى شكلها بنت حلال. زادت "بثينة" من ذكر محاسنها بتباهي:
-دي ست بيت شاطرة. العيبة ما تطلعش منها. ياسلام عليها وعلى أختها اللي كان واخدها زيد قبلها كانت مريحاها ومهنياها. الله يرحمها. لاحظت دخول "نهى" إلى المطبخ دون أن تنتبه لمغادرتها فسألتها مستنكرة: -كنتي فين يا نهى؟ أجابت "نهى" ببراءة: -كنت بطمن على مريم. ابتسمت لها "بثينة" وهتفت بإمتنان: -يطمن قلبك. أيوا كدا. إن ما كانتش خالتها قلبها عليها مين هيكون قلبوا عليها؟
بادلتها "نهى" الابتسام وعادت للطهي وابتسامتها لا تفارقها وهي تفكر في شكل صبا الآن عندما تقاطعهم مريم وتفسد خلوتهم. في المكتب طرقات الباب أفزعت "صبا" وأربكت "زيد" في نفس الوقت. حاول لملمة أعصابه ونادى بصوت متحشرج: -مين؟ أتاه صوتها الطفولي: -أنا مريم يا بابا. زفر أنفاسه وتنحى تماما عنها لتعدل ملابسها بتعجل. بدأ زيد في تعديل سطح المكتب لكنه نظر إلى ساعة يده فصاح بفزع: -إزاي ما حستش بالوقت؟
حمل "صبا" بين يده لينزلها من سطح المكتب برفق وقال وهو ينظر لها بسعادة: -ممكن ترجعي كل حاجة مكانها؟ أجابته بإبتسامة واسعة: -ممكن بس قلبك لأ. هتف مرحبًا بهذه الدعوة وضـمـها إليه: -ده بالذات سيبه عندك. -بابا، بابا، بابا. تكرر نداء "مريم" ليفصلهم عن مشاعرهم التي تتغلغل إلى حد خطر. فأجاب وهو يرخي يده عن "صبا" قليلا: -أيوا يا مريم جاي. يا حبيبتي جاي. أنا اتأخرت على جدي. هتفت "صبا" وهي تبتعد عنه لتنفذ ما طلبه
منها بإعادة كل شيء لمكانه: -أنا كمان اتأخرت. إظاهر عليا فوت معاهم الغداء. عاد يلتقط أوراقه وسألها سريعا: -إنتي كنتي بتطبخي؟ منحته نصف التفاتة وهي تقول بإبتسامة: -أنا وش ذلك برضوا. ابتسم لها وهو يرد عليها غامزًا بطرف عينه: -إنتي ذلك كله. التفتت إليه بكامل جسدها وحاوطت عنقه لتهتف بطفولة: -حقيقي مش بعرف أطبخ ولا بحب واقفة المطبخ. وأول حاجة نفسي أعملها هنا أجيب طباخ. امسك بطرف ذقنها بأطراف أصابعه ليرد:
-ونيسة ما بتحبش كدا. زادت من دلالها لتحصل على ما تريد وهي تقول: -بس أنا بحب. يعرف أنها تستغله ويعجبه ذلك. فكلما حاولت كانت أكثر جرأة. جرأة تصب في مصلحته بالكامل وتزيده من التعلق بها وتريحه ضميره من شعور النبذ والرفض الذي عانى منه. -مش مسموحلك تحبي حد تاني غيري. رفعت أحد حاجبيها وهي تنظر له بنصف ابتسامة معترضة: -وإنت كمان مش مسموحلك تحب حد غيري. أسبلت عينها وحركت رأسها بإيماء لتقنعه بما يريد. ليزيحها من أمامه قائلاً:
-كدا مش هنخرج انهاردة. لملم ما بقى من أوراقه وأغلق بالمفتاح درج المكتب ليستدير معدلاً من شعره وماسحا شفاه مزيلاً ما علق من طلاء شفاها. لكن لازالت رائحتها عالقة في ملابسه وصورتها موشومة في عقله. أضاف أمراً قبل أن يغادر الغرفة تماماً: -غيري هدومك دي. احتمال بلال ويحيي يكونوا على وصول. فورما فتح الباب وجد "مريم" أمامه ليلتقطها بين أحضانه. هتفت بصوت حزين: -بابا وحشتيني. إنت امبارح مش موجود وانهاردة صبا تاخدك. ضمها
بقوة إلى أحضانه وهو يقول: -ما حدش يقدر ياخدني منك يا مريم. سألتها صبا التي تبعتهم وهي تحذر من وراء هذا الحديث المستجد على لسان مريم وحاولت أن تبدو نبرتها لطيفة وهي تسألها: -مين قالك كدا يا مريم؟ نظرت "مريم" باتجاهها بنظرات ممتلئة بالضيق والاشمئزاز لتخرج لسانها لها قائلة: -صبا وحشة. مريم بس حلوة وجميلة.
رفعت "صبا" حاجبيها متعجبة من تصرفاتها وأسلوبها الذي تغير في ليلة واحدة وأصبح عدائياً معها فقط. رمت نظرها إلى "نهى" و "مروة" عندما لاحظت وقوفهم بالجهة المقابلة وقد اتضحت ابتسامات النصر على وجوههم. فأحبت أن تحبطهم سريعاً لذا قالت لزيد بهدوء: -اااه عشان كدا زيد ما بيحبش يبيتها. عندك حق يا زيزو. والله البنت راجعة أسلوبها وحش خالص. استدار "زيد" لينظر لها محذراً من التجاوز في حق ابنته أو محاولة استخدامها في الكيد لهم:
-ما تعمليش عقلك بعقلها. نظرت إليه "صبا" بلوم وهي تسأله: -إنت مش ملاحظ إن معاملة مريم معايا اتغيرت؟ رفع كتفيه وهو يرد دون اكتراث: -مريم بتغير عليا. وكان غلط أساساً إنها تبات امبارح برا البيت. تحدثت "بثينة" وهي تقبل إليهم: -زيد إنت هتروح لجدك بالاكل ولا هو هيجي ياكل هنا؟ أجابها وهو يحافظ على ضمه لمريم بين أحضانه: -مش عارف الصراحة. أنا راجع آخد ورق وراجع تاني. لو هو حابب يتغدى في المكتب هرجع آخد أكله. هتفت بثينة:
-وعلى إيه الروحة والرجعة؟ الأكل جهز. خده معاك عشان أنا هاخد مها ونخطف نروح مشوار ونرجع المستشفى عشان نطمن على ونيسة. صاحت "مروة" رافعة يدها للسماء: -ربنا يشفيها ويعافيها يا رب. تدخلت "صبا" وهي تنظر لوجوههم بمشاكسة قائلة: -خلي جدو يقول رأيه في صنية الباشميل. عملتها له بإيديا.
أفحمت "نهى" التي نظرت لوالدتها بصدمة. بنفس الوقت فهم زيد مغالتها بالأمر نكاية بنهى. رغم أنه لم يقبل الأمر إلا أنه حرك رأسه وسكت. صبا باتت خطيرة بالفعل. والحرص منها أصبح واجب. لم تتحمل "بثينة" مناوشاتها هذه وأضافت متصنعة الحزن: -أنا عايزة أمشي يا زيد. ما عدتش داخلة البيت دا تاني غير لما ونيسة ترجع بالسلامة. تعجب من حزنها وسألها بقلق: -لي بس يا عمتو؟ بتقولي كدا. أجابته وهي تنظر باتجاه صبا بغضب:
-يرضيك صبا تقول عليا حية؟ اتجه ببصره نحوها غير مصدق من أنها صدر منها هذا الأمر. لكن اتساع عيني "صبا" أثبت صحة ما قالته عمتها وأنها لم تتوقع الشكوى منها. سارعت "صبا" بتغير ملامحها واكتسى وجهها بالبراءة ورفعت كتفها بخفة خشية أن ينهرها "زيد" ويعاقبها أمامهم فيضعف قواها بالكامل. عللت بمراوغة: -وفيها إيه يعني؟ طيب ماهي فعلاً حية. أومال هي بتكلمنا إزاي من خلال وسيط روحاني.
زم "زيد" شفتيه بغضب من تماديها بالخطأ حتى أمامه وانزعج من طريقتها باتخاذ قوة حبه ودعمه لها في إهانة من هم أكبر منهم سناً ووضعه في موقف حرج. زاغ بصره أمام نظراته ثم أوضحت بابتسامة واسعة: -اااه. هي فاهمة غلط. أنا أقصد إنها عايشة. زي ما أقول نهى حية. مامتها حية. مها حية. مش حية تسعى لأ. عايشة. حسك في الدنيا يا عمتوا. ولو زعلتي مني حقك عليا. ما تزعليش. أنا يا ستي اللي حية.
ازداد ضيقاً من تملقها لكنه أعجب بطريقتها في الإفلات من أي عقاب بسهولة. بعدما جعلت وجوه الكل يتفحم من الغضب والغيظ. رسمت ابتسامة باردة لتزيدهم اشتعال. حاول "زيد" أن يمرر هذه المشكلة. فهي تستحق نقطة على التملق ونقطة أخرى على الاعتذار. نظر باتجاه عمته ورفع حاجبيه ليقول بود: -خلاص يا عمتي. صبا التعبير خانها. المرة الجاية هتاخد بالها من كلامها. أضافت "صبا" وهي تستند على كتفه بمرح لأنه لم يستطع إمساك شيء عليها:
-ولو ينفع ما أتكلمش معاكي تاني مش هتكلم خالص عشان ما أضايقكيش يا عمتو. هو أنا ليا بركة إلا انتي. همس "زيد" من بين أسنانه بخفوت: -بس كفاية كدا. وضع قبلة فوق جبين مريم وأنزلها عن كتفه وهتف بإبتسامة ودودة لها فقط: -روحي العبي يا مريم. أنا همشي. أضاف وهو يتجه نحو بوابة القصر الداخلية: -أنا همشي وأبقى أرجع بعدين آخد الأكل عشان متأخر. هرولت من خلفه "صبا" ومشيت إلى جواره. فأمسك بذراعها وتوقف عند المدخل ليقول لها بنبرة
شبه متوسلة بشكل درامي: -صبا إرحمي أمي العيانة. مش وقته شغل الكيد دا. أنا مش عايز أسمع شكوى تاني. ناظرته بإستنكار ولـوت فمها بأسف وأجابت متأثرة: -إنت ظلمني يا زيد. هما اللي بيستفزوني. أنا جوايا ملاك. ضم حاجبيه ونفخ فمه بإبتسامة خفيفة معجباً باحترافيتها للتمثيل. لولا أنه يعرفها جيداً لصدقها. -عليا أنا بردوا الشوتين دول. أومال لو ما كنتش مربيكي على إيدي. اتسع فمها بالابتسام ووضعت يدها على كتفه لتقول بشقاوة:
-شوفت. أديك ما عرفتش تربي أهو. ضيق أحد عينيه وهتف متوعداً: -أرجعلك وأفضالك وهربيكي من أول وجديد. أخفضت بصرها عنه وابتسمت بخجل. فأضاف هو بإعجاب: -حلوة وإنتي مكسوفة. أضاف متعجباً كي يرغمها على استخدام أسلحتها التي تستخدمها مع الكل: -برغم إن كل تصرفاتك تقول عكس كدا. تحولت سريعاً ورفعت وجهها لتنهره على التشكيك بها وسألته بضيق: -تقصد إيه؟
عرف كيف يخرجها عن طورها واستمتع بحمرة الغضب على وجهها. مهما كانت مستفزة مع الكل، أمامه هو تفقد قواها. وهذا يثبت أنه الوحيد الذي يستطيع ترويضها. اتسعت ابتسامته وهو يرد على سؤالها: -لسه من شوية كنتي بتحاولي تجرجريني للرذيلة في المكتب دا. جدو لو عرف هيقيم علينا الحد. دا المكتب بتاعه دا جامع ممنوع حد يدخله من غير إذنه.
أرخت يدها عن كتفه ووكزته في صدره بضيق. وما حيلتها مع أسلوبه الوقح سوى الغضب المكبوت. هو الوحيد دون غيره الذي يعقد لسانها. صاحت به بضيق: -طيب الحق عليا أبقى شوف مين هيعبرك غيري. قليل الأدب. كاد أن ينسى نفسه ويقهقه عالياً على غضبها العارم وقبضتها الطفولية التي تدفعها بصدره. تسرقه من فوضى أيامه ومشكلاته لعالم آخر لا يناسب الزمان ولا المكان. هتف بخبث:
-هشوف جدي وأرجعلك نكمل حصة الأدب اللي قطعتها مريم. ويا أعلمك الأدب يا تعلميني إنتي. أشاحت بوجهها عنه وهتفت بضيق لازال عالقاً من حديثه: -ولا عمرك هتتأدب. رفع يده وامسك بطرف ذقنها ليعيد وجهها إلى عيناه التي تلهفت لرؤية ابتسامتها التي تشفي صدره وتأكل حزنه وتنسيه كل همه. متحدثاً برضاء وقلبه يزاحمه في الحديث:
-ولا عمري هبطل أحبك ولا عمري هفرح بجد مع حد غيرك. السعادة اللي بعيشها معاكي رغم كل الضغوط اللي حواليا عمري ما عشتها في أحسن حالاتي. أنا مديون ليكي براحتي وسعادتي. كان ربنا بعتك ليا هدية مكافأة بعد سنين تعب. انتي جنتي على الأرض. بعد ما قلبي بقى شايب وعجوز. رجعتيه صبي. بحبك يا صبا قلبي. وقفهم معاً تحت أعين الجميع والانسجام البادي بينهما أزعجهم كثيراً. اجتنبت "مها" بثينة وهي تقول:
-آه يا ناري. شايفة زيد ما بيشلش عينه من عليها. ردت "بثينة" بضيق: -السحر يا أختي السحر. بالله عليكي تعالي نبعد. ألا أنا هأروح ونيسة من عمايلها اللي تفرس دي. وإلى جانب آخر كانت أعين "نهى" تراقب بحسرة. حلمت حلم طويل وغيرها استمتع به. اجتاح قلبها الألم وهي ترى طوق النجاة الوحيد يذهب لغيرها. ترقـرقت عيناها بالدموع. كيف ستكسب هذه المعركة الصعبة؟
لقد باتت متيقنة أنها ستكون قطعة أثاث إضافية ليس إلا في قصر عائلة الواصل. وأن امتلاك القمر أيسر بكثير من أن تملك قطعة واحدة من قلب "زيد". حجزت "صبا" كل الأماكن. تمتمت بألم لوالدتها التي تقف إلى جوارها: -شايفة اللي أنا شايفاه؟ زعقت بها والدتها محتـدة وهي تدفعها للدفاع عن حقوقها حتى وإن كان لا يحبها، فأساس الزواج هو العدل: -وإنتي هتفضلي واقفة كدا تتفرجي؟ اجري اقطعي المسخرة دي بأي حجة.
تحركت كالآلة لتقترب منهم. مع كل خطوة كانت تحاول تجميع كرامتها المهدورة وقلبها الممزق في شتى الأنحاء. تمشي ببطء وكأنها تتحرك نحو الهاوية. هاوية سحيقة لا تعرف لها آخر. صوت "نهى" قاطع حديثهم المطول عندما نادته: -زيد. التفت لها وتمتـنت "صبا" في حنق: -أول مرة أشوف هادم اللذات بعيني. فأستأنفت قولها بـ: -ممكن تاخدني في طريقك؟
كان يرى الحزن جلياً في عين "نهى". نعم هو ليس مجبراً على إعطاء أي مشاعر لغير ما يمليه عليه قلبه. لكن بما أنها تحت الظروف القاهرة ستصبح زوجته فمن باب العدل والإنصاف قبول طلبها البسيط أمام ما يعطيه لصبا ببذخ. أجاب موافقاً: -تعالي. هستناكي في العربية.
يعلم أن وجه "صبا" الآن محتقن. يراها دون الحاجة للالتفات. بالفعل كان يبدو على وجهها الصدمة بعكس نهى التي تهلل وجهها بإبتسامة واسعة. غادر زيد المكان على الفور حتى لا يتقابل مع شرها وجنون غيرتها. بينما هي صـرت على أسنانها واتجهت صوبها عندما التفت للعودة لتعديل حجابها وأخذ حقيبة يدها. مما أتاح لها الفرصة للانفراد "بنهى" لتفرغ غضبها بها. وقفت أمامه لتقطع عليها الطريق مسندة يدها لحافة الباب ونظراتها المحتدة تشملها من أول رأسها حتى أخمص قدميها. صـرت "نهى" على أسنانها وهمت لتجاهلها.
لكن "صبا" دفعتها لتعيدها للدخل ثم احتـدت نظراتها أكثر لتقول بحنق واضح: -إنتى أهلك ما علموكيش ما تاخديش حاجة مش ليكي. استفزت "نهى" واخرجتها عن طورها لترد بضيق: -آه أهلي أنا ولا أهلك إنتي؟ مش لسه ناسبة صنية المكرونة لنفسك. أطاحت برأسها بملل وهي تهتف: -شوفي أنا بتكلم في إيه وإنتي بتتكلمي في إيه! عادت نظرتها للحدة لتسترسل بغضب:
-إسمعي الكلمتين دول وحطيهم في راسك. زيد ليا أنا لوحدي. ما في ست في الكون كله هتملي مكاني. وإنتي رجلك مش هتحطي في البيت دا طول ما أنا عايشة على وش الدنيا. حتى لو حكمت أصور قتيل. إذرقت "نهى" ريقها بقلق. طريقة إلقائها كلماتها وثقتها التي تملأها أخافتها رغم صغر سنها. لكنها لم تستطع تحملها وايضاً لن تجرؤ على إفراغ غضبها بها حتى لا تكون هي الضحية وتخسر زيد للأبد. ما كان منها إلا أن جذبتها بقسوة وسحقت كلماتها وهي تقول:
-طالما كدا يبقى استعدي تخسري كل حاجة. وأنا حط رجلي هنا سواء كنتي عايشة أو ميتة. دفعتها بنفس القوة وتجاوزتها. أطبقت فمها بضيق ومعها عيناها. لقد ظنت أنها قد تخيفها. لكن يبدو أنها أقوى مما تخيلتها. في السيارة تركت والدتها مساحة لها لتجلس في الأمام جواره. وبالفعل دخلت إلى جواره وانطلقت السيارة بهم. ومع صوت صرير السيارة دعس "زيد" قلب "صبا" أسفل سيارته بهذه الرحلة.
بدأت "نهى" الحديث من طرفها. لقد وضعت أمر زواجها من "زيد" أمراً كالحياة والموت: -عرفتوا سبب حريق المخزن يا زيد؟ زفر أنفاسه المتعبة. لقد عاد الهم الذي يحاول نسيانه. أجاب أخيراً بعدما طال صمته: -لسه. جدي بلّغ في القسم وفي انتظار التحريات. تحدثت "نهى" بروية وقلبها يعتصر: -حالك مش عاجبني يا زيد. من وقت الجوازة دي وانت في مشاكل ملهاش آخر. أجفل قبل أن يرد على كلامها الذي ليس له معنى: -ما تخلطيش الأمور ببعضها يا نهى.
نظرت باتجاهه بلهفة. كانت تشتاق لنطق اسمها بين شفاه لتضمن وجودها بالحياة. سألته سؤال قاتل: -زيد هو أنا ليا مكان في قلبك وحياتك ولا وجودي هيكون عشان خاطر مريم وبس؟ حاول إخفاء توتره من هذا السؤال. التوتر سيكون إجابة واضحة تجرح مشاعرها. وكونه عانى كثيراً من الظلم لا يريد ظلمها أكثر. يكفي ما رأته من "صبا" ومحاولة إغاظتها رغم علمه بالحقيقة ودرايته السابقة بإشادة الكل بمهارتها في الطبخ. هتف مجيباً وهو ينظر أمامه:
-لو أنا مش عايز أتجوزك ماحدش هيغصبني. مش عايز أسمع السؤال دا تاني. وخليكي عارفة إنك مش هتنقصي عن صبا شئ. كل اللي هتاخديه ليكي زيه. ما تستعجليش. يعرف أنه لن ينفذ وهذا يؤرقه. يشعر وكأنه بهلوان يمشي على الحبل ويمسك العصا من المنتصف. كان أكثر المظلومين وأكثرهم حباً في العدل. كلامه أثلج صدر والدتها التي تجلس بالخلف لتستمع كل حرف وتحلل موقف ابنتها. أرضاها جداً حديث زيد. لكن ابنتها عادت تتحدث بحزن وتأثر:
-لو سألت تاني اعرف إنك إنت اللي مقصر لحد دلوقتي. أنا ماليش وجود رسمي بينكم. ولحد دلوقتي صبا هي اللي موجودة وأنا ماليش وجود. نفسي أحس إحساس واحد من اللي هي حست بيهم وهي معاك. أقلهم الأمان. وإنك مش هتسبني.
أوقف سيارته أمام منزلهم وظل يحدق أمامه وعين نهى ترصده لتستخرج منه كلمة واحدة تروي ظمأها العتيق. هي انتظرته طويلاً لكنه لم يأتِ. وعندما أتى أتى بيد أخرى ليضعها بين نارين. مأزق قبوله لأنها انتظرته أو رفضه وخسارة وقتها الذي أهدرته. ليطفئ هذا بكلمة واحدة الآن. كلمة تطيب خاطرها الذي قضى عليه. جاهد الابتسام وهو يلتف إليها وهتف محاولاً الإمساك بذكري جيدة لها إكراماً لزوجته السالفة:
-زي ما إنتي شايفة الظروف مش سامحة بأي حاجة. ومع ذلك أحب أطمنك. إنتي مش سد خانة ولا حاجة. إنتي قدري الأول. بس قولتلك ما تستعجليش. كل حاجة هتيجي في وقتها. ابتسمت براحة. فالقليل منه يسعدها برضاء تام. استقبلت حديثه وقدرت موقفه فتنحت عن السيارة وهي تقول بحماس: -هكلمك في التليفون وأطمن عليك. إبقى رد. أومأ بالموافقة وجاهد ليحافظ على ابتسامته التي اتخذها مع آخر كلمة قالها. انطلقت نحو منزلها وبقيت والدتها بالسيارة
لتتولى هي حديثه قائلة: -زيد الله يجبر بخاطرك يا ابني. راعي مشاعرها. نهى بقالها كتير مرهونة على اسمك. ما تضيعهاش مني زي أختها. اختها النصل العالق في قلبه. لم ينكر أن "غالية" أخذت جزءاً من روحه برحيلها. يؤلمه أن الجميع يتهمه بالتسبب في قتلها. وهو أيضاً يضع جزءاً على عاتقه من هذا. وتنبيه "والدتها" بهذا يعني أنه سيدمر أختاً لها ولن يرد كل ما فعلته لأجله بهذا الرفض القاطع لأختها. أجابها وقلبه يتمزق:
-ما تقوليش. هتفرحي بيها قريب. ابتسمت "مروة" بسعادة داعية ربها: -يارب. نزلت عن السيارة وتركته يموج مع ذكرياته القديمة. انطلق يقبض على المقود بقوة وكأنه يعتصر ذكرياته. بالماضي فتح عيناه وسمع صوتها تئن بجواره في السيارة. لم يكن يقوى على الحركة لمد يده نحوها في وسط هذه الفوضى التي حولهم. ولا يذكر كيف انفلت عقال سيارته لتنقلب رأساً على عقب. جاهد لمسك يدها لتسأله "غالية" بصوت منهك: -إنت كويس؟ ابتسم لها برغم حالته المزرية
وبأنفاس متقطعة قال: -إنتي ما بتفكريش في نفسك أبداً. أرخت جفناها عن عينها الخضراء وهي تهتف بتعب: -مش مهم أنا. المهم إنت واللي في بطني.
عندها استجمع قواه ليخرج من سيارته. لقد بات الوضع خطير. مهما كان متعباً فبالتأكيد هي في خطر. دفع الباب عدة مرات ليخرج أخيراً. لكن قدمه المجروحة بشدة لم تسعفه بالركض تجاهها. فزحف تجاهها بما تبقى له من قوة. عليه إخراجها من السيارة ومحاولة إسعافها. فالطريق خالٍ تماماً من المارة الذين قد يكون لهم دور بالمساعدة. وصل إليها وفتح باب السيارة من جانبها وسحبها برفق إليه. تدمرت سيارته لكن لا يهم. المهم أنه نجى هو وهي من الموت المحقق. أسندها إلى قدمه وأخرج هاتفه ليطلب الإسعاف. تحدثت هي
محاولة لمس وجنته القريبة: -زيد خلي بالك من مريم. امسك بوجنتها ليقول بجدية: -ما تقوليش كدا. إنتي كويسة. ما فيكيش حاجة. هتعيشي وتربيها معايا. ابتسمت له رغم وجهها الملطخ بالدماء: -ربنا ياخد من عمري ويديلك. صاح بها: -ما تقوليش كدا. هتفت بإعتراض رغم حالتها المتعبه: -وأنا عمري هعمل بيه إيه من غيرك.
صوت سارينة الإسعاف قاطع حديثهم لينتقل المشهد هذا إلى آخر. انفصل الاثنان لكلا منهم حالة مختلفة. زيد كسور وكدمات. وهي نزيف حاد. لكن لازالت محافظة على وعيها ولديها من الجهد والطاقة لتعترض أمام والديها وأخيها: -مش هدخل العمليات غير لما أطمن على زيد. صاح بها أخوها ياسر محتداً: -يا بنتي قولتلك كويس. بيعمل أشعة على رجله وكويس.
ظلت على نفس اعتراضها مانعة الكل من التعامل معها. إصرار وتعند مع الجميع. رغم نزيفها المتواصل لا تهتم بأحد سوى سلامة زيد. اعتقادها الكامل بأن كل شيء يعوض إلا هو. خرج "ياسر" واتجه إلى حيث تواجد زيد ليرجوه بشدة الإسراع في إقناع "غالية" بالدخول إلى غرفة العمليات. وبالفعل هم بالتحرك لكن الطبيب الذي يجهز لتضميده منعه قائلاً: -ما ينفعش تمشي على رجلك. عندك كسر. لازم يتجبس. لو مشيت دلوقتي هيحصلك مضاعفات.
رغم تحذير الطبيب لم يتأخر زيد في تلبية طلب زوجته. هتف بإصرار: -هروح على كرسي بعجل. أجاب الطبيب الذي كان بدأ في تجهيز الجبس: -طيب نجبسك الأول ونروح. تدخل "ياسر" باندفاع: -يا دكتور اختي في حالة خطرة ومش راضية تدخل العمليات من غير ما تطمن عليه. هتف زيد: -من فضلك اطلب لنا كرسي متحرك. انصاع الطبيب لتنفيذ الطلب مندهشاً من هذا الارتباط القوي الذي يربط بين حالتين أسوأ من بعضهم في الإصابات. تحرك إلى زوجته وياسر يدفعه بسرعة في
الممر يحدثه بعصبية وقلق: -الغبية دي هتموت نفسها. إزاي الحادثة حصلت؟ قول لي. أجابه زيد الذي امتلأ قلبه بالتوتر والقلق: -الفرامل ما كانش فيه فرامل. ازدادت سرعة ياسر وهو يقول: -أنا خايف يحصلها حاجة بسبب النزيف.
قلقه كان يتشاركه معه زيد لكنه كان صامتاً مترقباً لحظة الوصول إليها. أخيراً وصل لكنها باتت خائرة القوى ساقطة في أحد الزوايا على ركبتيه. حولها بركة من الدماء تنتظر حضوره دون السماع لأحد مما يدعوها للإنقاذها وإسعافها. فور رؤيتها نهض من كرسيه ليسقط إلى جوارها هاتفا باستنكار: -لي عملتي كدا؟ رفعت وجهها تجاهه وابتسمت تحسست جسده برفق وسألته: -إنت كويس مش كدا؟ أجابها مغتصباً ابتسامة على شفاه ممتلئة بالحزن:
-أنا أهم حاجة عندي سلامتك. هتفت براحة وهي تستعد للنهوض: -أنا ما كنتش عايزة أدخل جوه غير وأنا مطمنة عليك. أجفل وهو يري حالتها تسوء وقال متأثراً: -كنتي هضيعي نفسك عشاني. لم تكترث بشيء ولا حتى بحياتها. يكفي أن يكون وجهه هو آخر ما تراه من الدنيا. تحدثت بابتسامة راضية: -أنا مش عايزة من الدنيا كلها غير سلامتك إنت. رغم إني عارفة إنك ما حبيتشنيش لكن كفاية أنا حبيتك ويارب أكون كفيتك بحبي ومسامحني.
اتسعت عيناه مما تقول. بدا مصدوماً من جملتها الأخيرة. لم يظهر أبداً طيلة حياته معها الكره ولم يذكر أنه عاملها بسوء. فكيف عرفت أن قلبه لم يكن معها؟ قال بصدمة: -إزاي تقولي كدا؟ هو أنا قصرت معاكي في حاجة؟ أجابته نافية: -عمرك ما قصرت. أنا اللي كنت بحبك بزيادة عشان كدا كنت حاسة بقلبك وإني أم بنتك وبس. خلي بالك من مريم وإوعى تنساني وسامحني لو كنت أنانية في حبي ليك.
لم يجد سوى كلمة واحدة كي ينهي هذا الوقوف ويساعدها للرحيل لغرفة العمليات. قالها بهدوء: -مسامحك.
نظرات ياسر المحتقنة وعينه الممتلئة بالبكاء تراقب ما يحدث بألم. أخته كانت ضحية عشقها رغم درايتها الكاملة أن زيجاتهم كانت عادية وأن زيد تقدم لها دون رغبة من جانبه في الزواج إلا أنها تفانت وأعطته كل ما لديها من حب بل أغدقت بمشاعرها. حتى أنها نسيت نفسها وظلت تنتظره حتى أوشكت على الموت. دخلت غرفة العمليات وقلب كلاهما واجف. "زيد" يلوم نفسه أنه لم يحب أكثر شخص أحبه كما يجب. لكن القلوب لم يكن أبداً مفتاحها العقول. فكم من قلب
عشق من يؤذيه ومن لا يحبه. مهما نفى العقل هذا واستنكره. وما سميت قلوب إلا لكثرة تقلبها. من هذه اللحظة قرر "زيد" حب "غالية" كما يجب. منحها ما تستحقه حتى لو انتزع قلبه وأرغمه على فعل هذا. لكن فات الأوان. رحلت "غالية" وتركته بجروحه. ماضياً بخط يده على ورقة تحمله المسؤولية الكاملة عن حياتها التي انتهت بغرفة العمليات محملة إياه ذنب كبير على عاتقه ويده تملأ بالدماء بينما قلبه أغلق نوافذ النور وبقي في ظلام سرمدي.
""عودة"" أوقف سيارته فجأة بعنف أمام مكتب جده. وجهه محتقن من توارد ذكرياته المؤلمة وقلبه متأزم من هذا الانفصال الذي يخنقه. سحب أنفاسه تعباً وغادر سيارته. دخل إلى جده في مكتبه فوبخه بحنق: -كل دا تأخير؟ كنت تعالى بكرة. تقدم دون أن يغضب لتوبيخه وجلس في مقابله مقدماً أوراقاً على سطح مكتبه. عاينه "فايز" بدقة متعجباً من حالته. أزاح من أمامه الأوراق وهو يقول: -سيبك من دا. كدا كدا أصحاب الورق مشيوا. إنت مالك فيك إيه؟
نفض رأسه مع حركة بسيطة من يده وأجاب: -ما فيش حاجة. ظل "فايز" يحدق به منتظراً إجابة صادقة. لكن زيد ظل شارداً لا يجيب ولا حتى يلاحظ تحديقه به. كرر فايز سؤاله لكن بشكل هادئ: -هتخبى عليا؟ دا أنا اللي مربيك. أخيراً نظر بإتجاهه ليريه ما الحال الذي يرفض الحديث عنه. لم يحتاج "فايز" لتفسير. "زيد" لن يكون في مثل هذه الحالة إلا لزيارة ذكرياته المؤلمة وحياته التي تمتلئ بالألم. عقد حاجبيه وسأله مستنكراً بغضب:
-مين قلب عليك المواجع؟ أجابه "زيد" مهموماً وهو يميل للامام مسنداً رأسه إلى يده بتعب: -الماضي مش عايز تقليب. ينكسر قلب "فايز" عندما يرى حفيده بهذه الحالة. يحزن بشدة على حياته التي قضاها يتعذب فقط دون فرح. بداية من حرمانه والده إلى فقدان زوجته وحتى عندما شرع في بدأ حياة جديدة انقلبت من بدايتها لكوارث وعقبات يصعب تخطيها. تحدث "جده" مواسياً إياه:
-أنا سبت عماد وحسين في القسم يتابعوا المحضر وبلال ويحيي عند ونيسة. روح إنت ارتاح وما تشغلش بالك بحاجة. كل حاجة هتبقى تمام. مط شفتيه مبتسماً ومداعباً إياه: -شوف عروستك اللي حظها مغفلج زي حظك دي. رفع وجهه عن يديه لكنه ظل مستنداً إلى كفيه وهتف بصوت منهك: -بتجوزهالي ليه؟ ضيق الجد أحد عينيه وأجاب بمكر: -عارف مصلحتك. قال كلمته ونهض من مكانه وهو يحسه بالقول:
-قوم بينا نروح ناكل لقمة ونريح. إن شاء الله تدبر نار تصبح رماد. ليها رب إسمه الكريم. في مكان مظلم موحش كوحشة أفعال صانعيه والمترددين عليه تقدمت بثينة ومها لارتكاب أكبر الكبائر ألا وهي الشرك بالله وانطبقت عليهم الآية "نسوا الله فأنساهم أنفسهم" ولم يعوا قول رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم قال: "ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم" رواه البزار بإسناد حسن، وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إتيان هؤلاء وتصديقهم مانعاً
من قبول العمل فقال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" رواه مسلم عن بعض أزواج النبي. وانجرفوا نحو نفوسهم المريضة وغرقوا في سواد قلوبهم وحقدهم. جلسوا أمامه وناولته "بثينة" السلسال. حركها بين يديه بأطراف أصابعه وأجفل وهو يقرأ بعض التمائم دون صوت واضح. زاد توترهم وهم جالسون أمامه وتبادل النظرات. بشك هدر أخيراً بعدما فتح عينيه ونظراته تمتلئ بالشر: -عايزينها تموت زي أمها بالمرض ولا...
قاطعته "بثينة" سريعا: -لأ. لأ. مش عايزين نعذبها. عايزين نريحها على طول. تحدث بثقة: -أسبوع واحد هتتعب وتأذي وآخر الأسبوع وهتكون قتلت نفسها. إذرقت "مها" ريقها بخوف. نعم تكرهها لكن أمر موتها السريع زاد من فزعها. تحدثت متوترة: -إنت بتهزر معقول دا هيحصل؟ تحولت نظرته الخبيثة لشر وهو يقول مزمجراً: -إنتي جاية ترزي يا ست إنتي؟ أنا بشتغل مع أسيادك. تدخلت "بثينة" وهدرت بفزع: -بسم الله دستور لاسيادنا. ما تقصدش يا شيخ.
لم يرضيه هذا الحديث فاجفل قليلاً وكأنه يستدعي شخصاً خفياً. وعلى فجأة فتح عينيه ليسألها بإبتسامة خبيثة: -أخوكي رشدي عينه منها مش كدا؟ انتفضت وكأنما لدغتها عقرب وضمت يدها إلى صدرها خوفاً من أن يفضح أي شيء آخر. نظرت "بثينة" تجاهها وعيناها مترقبة فزعها الذي أثبت صحة ما قاله. وجدت نفسها تهتف متوترة: -إنت عرفت إزاي؟ بالنسبة للخبيث كان مستمتعاً بحالتها الفزعة. بعد الإنكار والتقليل من شأنه رمقها بدهاء وأجاب:
-ما تسألينيش عرفت إزاي. اسأليني أقدر أعمله إزاي. تدفعي كام وأخليها تروح له قبل ما تخرج من الدنيا. وصل كلاً من زيد وفايز إلى القصر. وتولت "صبا" مهمة غرف الطعام تنظيم السفرة لهم بما أنها الوحيدة التي بقيت في القصر. كان "زيد" يجلس ويداعب "مريم" بحب ومرح وتتحدث إليه بشأن قطتها بثرثرة وحماس: -قطة صبا قطتي حلوة. القطة تقول كدا نيو نيو وتجري كدا وأنا أجري وراها وتاكل حتة وتجري حبة. صبا قطة حلوة وتعمل كدا.
دارت حول نفسها وهي تقلد قطتها. ضحكتها الرنانة غطت على صمت البيت الموحش بعد فراغ أهله. استرسلت و"صبا" تغدو وتروح من المطبخ إلى السفرة: -قطتي تاكل هم ونعمل عيد ميلاد ليها. برغم ابتسامات "زيد" المتكررة لها إلا أنه لم يكن في مزاج جيد لهذا الصخب والضجيج الذي تحدثه "مريم". أشار باتجاه المطبخ قائلاً: -يلا إجري خلي صبا تأكل قطتك. سمعتهم "صبا" وصاحت معترضة: -لاااا. أنا تعبت. رايح جاي. تعال إنت شيل معايا الأطباق.
نهض من جلسته وهو يقول: -لو ع الشيل أشيل. بس أترحم من الصداع اللي عملتهولي مريم. تبعته مريم ولا تزال على نفس حالتها الجائعة الكلام: -أكل قطتي. قطتي جعانة. ابتسمت "صبا" وهي تمد يدها لتأخذها معها نحو المطبخ. وإلى جوارها زيد. كان الأمر ممتعاً مشاركته معها في تحضير الطعام. طلبت منه بتهذيب: -ممكن تجبلي الأطباق من الدولاب اللي فوق. وقف أمام الطاولة المتوسطة للمطبخ وسألها واحد حاجبيه مرفوع: -وإنتي ما تجبيهاش ليه؟ رفعت
كتفها وأجابته دون تعقيد: -مش هطول. هتف مستمراً في عناده: -اقفي على حاجة وهاتي لنفسك. وضعت يدها في جانبيها وتحدثت بعناد مماثل: -واقف لي على حاجة. ما أنا عندي واحد طول بعرض اهو ما استفدت أنا منه مثلاً. دوماً تدفعه للتهور وتنبش في ثنايا تعقله لتخرج جنونه. تحرك صوبها وهو يقول بهدوء خطر: -لأ إزاي؟ لازم أفيدك. أنا كدا كدا جاي عشان أشيل فهشيلك. تراجعت ولوحت بالملعقة الكبيرة المخصصة لغرف الشوربة محذرة إياه من التنفيذ: -إياك.
وعندما لاحظت تجاهله تحذيرها قررت تفاديه والهرب من أمامه وهي تهتف: -زيد بلاش جنان. أخيراً قبض على خصرها ليرفعها عن الأرض وهو يقول بانتصار: -بذمتك هو الجنان يتقلوا؟ لأ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!