الفصل 28 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
17
كلمة
1,639
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

وصل كلا من زيد وفايز إلى القصر. تولت صبا مهمة غرف الطعام وتنظيم السفرة لهما، بما أنها الوحيدة التي بقيت في القصر. كان زيد يجلس ويداعب مريم بحب ومرح، وتتحدث إليه بشأن قطتها بثرثرة وحماس: "قطة صبا قطتي حلوة، القطة تقول كدا نيو نيو وتجري." كدا. دارت حول نفسها وهي تقلد قطتها. ضحكتها الرنانة غطت على صمت البيت الموحش بعد فراغ أهله. استرسلت. وصبا تغدو وتروح من المطبخ إلى السفرة: "قطتي تاكل هم ونعمل عيد ميلاد ليها."

برغم ابتسامات زيد المتكررة لها، إلا أنه لم يكن في مزاج جيد لهذا الصخب والضجيج الذي تحدثه مريم. أشار باتجاه المطبخ قائلاً: "يلا إجري، خلي صبا تأكل قطتك." سمعتهم صبا وصاحت معترضة: "لاااا، أنا تعبت رايح جاي، تعال أنت شيل معايا الأطباق." نهض من جلسته وهو يقول: "لو على الشيل أشيل، بس أرحمني من الصداع اللي عملتيه لي مريم." تبعته مريم ولا تزال على نفس حالتها الجائعة، الكلام: "أكل قطتي قطتتي جعانة."

ابتسمت صبا وهي تمد يدها لتأخذها معها نحو المطبخ. وإلى جوارها زيد، كان الأمر ممتعًا مشاركته معها في تحضير الطعام. طلبت منه بتهذيب: "ممكن تجيب لي الأطباق من الدولاب اللي فوق." وقف أمام الطاولة المتوسطة المطبخ وسألها واحد حاجبيه مرفوع: "وأنتِ ما تجيبيهوش ليه؟ رفعت كتفها وأجابته دون تعقيد: "مش هطول." هتف مستمرًا في عناده: "اقفي على حاجة وهاتي لنفسك." وضعت يدها في جانبيها وتحدثت بعناد مماثل:

"واقف لي على حاجة، ما أنا عندي واحد كول بعرض أهو، ما استفدت أنا منه مثلا." دوماً تدفعه للتهور وتنبت في ثنايا تعقله لتخرج جنونه. تحرك صوبها وهو يقول بهدوء خطر: "لأ إزاي، لازم أفيدك. أنا كدا كدا جاي عشان أشيل فهشيلك." تراجعت ولوحت بالملعقة الكبيرة المخصصة لغرف الشوربة محذرة إياه من التنفيذ: "إياك." وعندما لاحظت تجاهله تحذيرها، قررت تفاديه والهرب من أمامه وهي تهتف: "زيد بلاش جنان." أخيرًا، قبض على خصرها ليفرعها

عن الأرض وهو يقول بانتصار: "بذمتك هو الجنان يتقالوا لاء." كان يكفيه منه ضحكة واحدة لتلتهم حزنه معها. هي ينسي كل شيء، برغم أن كل ما يسكنه من سنوات طويلة، لكنها كانت مختلفة، هي من امتلكت قلبه وجعلته ينبض دون اعتبار لأي ذكرى سالفة. دفعته لمحاولة الفكاك منه مزمجرة بطفولة: "نزلني، جدو لو شافك هيبهدلنا." نفض رأسه وهو يحدق بعينيها بعناد قائلاً: "ما يهمنيش." تعندت هي الأخرى وصاحت شامته: "كدا طيييب... يا جــــــــــدو.......

قطع نداءها بأن وضع يده أعلى فمها، والتف حولها بقلق. "بس بس، أنتِ هتفضحينا." أسندت مرفقيها على كتفه وقربت وجهها من وجهه وأمرته بابتسامة انتصار: "نزلني." عاين تفاصيلها بتدقيق مستمتعًا بهذا القرب ومناوشتها الطفولية. ثم تحدث بنبرة هائمة: "عنيا، أنزلك حاضر، بس أنتِ تطلعتي كل دا وعايزة تنزلي ببلاش." ضيقت عينيها وحاولت فهم ما قاله، لكنها عجزت، فسألته بتكهن: "ببلاش إزاي يعني؟ هو النزول بفلوس؟

أومأ وهو لا يزال محدقًا إليها مضيفًا بمزاح: "أه، شخلل عشان تعدي." عاينته لتفهم مزاحه، لكنها لازالت لا تفهمه، فسألت: "يعني إيه؟ لم يستحِ في إخبارها، لكنه كان متوقعًا رفضها القاطع. لذا تحدث سريعًا كي يحصل على فرصة إقناعها: "بوسة." تراجعت للخلف ووجنتاها تشتعل خجلًا. لقد كانت تشعر أنها كالريشة في يده، وبرغم خفتها لم تستطع الإفلات. "ااه لاء، نزلني لأحسن ما هنادي جدو وأشوف هيتصرف إزاي مع كبير العيلة اللي بيدنس أرض المطبخ."

لم يكترث بما قالت وتحدث بتلقائية شديدة وهو يرفع وجهه لها باستمتاع: "ودي تيجي إيه قصاد تدنيس المكتب بتاعه." أنهى جملته بغمزة زادتها من الحرج وأسقطت قلبها خجلًا. "صبا حلوة." قاطعهم صوت مريم المتحدث للقطة، والذي لفت انتباه زيد لوجود مريم معهم، وجعله يتقدم حاملاً صبا نحوه الرخام أسفل خزانة المطبخ، وهو يرد بحنق طفولي واضح: "لأ، صبا وحشة."

كتمت ضحكاتها وظل أمامها يرفع يده ليجلب لها الأطباق التي تحتاجها. وضعها بين يديها وهي تجلس أسفله. ثم أغلق الباب وأسند يده له ومال برأسه نحوها وهو يقول بلوم هادئ: "خليكي إنتِ، ضيعي الوقت المهم." ضحكت بخفوت وأخفت فمها براحة يدها. لكنها لم تخفِ عينها التي تضيق مع ابتسامتها وتزيدها سحرًا ولذاذة. جعلت عينه تتسع ليستوعب كل هذا الحلي الذي يوشك على فقد وعيه. أشاح بوجهه عنها. وعلى صوت جدهما، صائحا: "فين الأكـــل؟!

ابتعد عنها زيد فورًا ونزلت هي عن الرخامة وأسرعت بفزع لغرف الطعام وتقديم ما تبقى. ناولته بسرعة الطبق. وأسرعت في الاستكمال. حاول زيد الانضباط، يعرف جده سيستشف سبب التأخير بسهولة ومن أول نظرة. انتهت صبا وخرجا معًا وقد اتضح على كليهما الارتباك. عاينهم فايز بدقة وأخفى شبح ابتسامته. أحرج زيد على الفور. وأخفض رأسه مخفياً وجهه منه. جلسوا ثلاثتهم وقدمت

صبا الطعام أمام جدها وأمام زيد، وكذلك مريم التي بدأت تميل بنعاس على الطاولة. كان الجو هادئًا حتى هتف فايز وهو يستلذ بالطعام: "الله الله." رفعت أحد حاجبيها وابتسمت بمكر لترد بسعادة: "أنا اللي عاملة المكرونة بإيديا." ترك زيد معلقته فأصدرت صوتًا عاليًا. وهب واقفًا ليحمل مريم على كتفه ودفع الكرسي بضيق وهم بالمغادرة. سأل فايز متعجبًا: "رايح فين؟ مش هتتغدا؟ أجاب قبل أن يغادر تمامًا: "ماليش نفس."

لم تفهم صبا سبب تغير مزاجه. ظلت تنظر إلى ظله الذي يبتعد عن ناظريها بحيرة. عادت ببصرها لجدها بإحباط. لازالت عين جدها ترصدها بدقة لمعرفة السبب. سألته وهي تنفض رأسها: "في إيه؟ أجابها بدهاء: "وأنا أعرف منين؟ هو أنا اللي كنت معاه في المطبخ؟! أخفضت بصرها عنه وأخفضت رأسها لتخفي تعبيرها الخجل من نظرته الثاقبة. استمعت جيدًا لصوته وهو يقول: "يا بت، دا أنتِ زيد رفعك من سابع أرض لسابع سما. أول حاجة عملها على التطريزة دي."

نقر بيده على الطاولة ليجذب انتباهها وهو يستأنف: "خد حقك وقال دي تخصني، كرامتها من كرامتي." رفعت وجهها فور نقره وضمت حاجبيها متشددة: "وأنا عملت إيه؟ أوقفها بيده مؤشرًا بجدية: "ما تعمليش إنتِ بالذات، ما تعمليش. الله يبارك لك، مش عايزين عقلك قلبك، كفاية. إحتويه." فهمته جيدًا، إنه يرمي إلى والدتها التي يشتكي الكل من دهائها. سألته ببساطة وهي تضع يدها أسفل ذقنها: "إزاي؟ قول لي يا جدو إزاي؟

يعرف أنها تحاول استنزافه وتسحبه في حديث بدهاء. ابتسم نصف ابتسامة، فهو يفهمها ولن ينجرف معها. وأخبرها دون أن ينبث فمه بنصف كلمة. تراجعت عن هذا وشعرت بالحرج من الاستذكاء عليه. والآن كل شيء على المكشوف. فتحدث بجدية: "اطلعي له وشوفي إيه مزعله. زيد مش هيقفل كدا إلا بسبب." ضغطت على الطاولة براحة يدها ونهضت. فأشار للطعام ليقول: "خديلوا أكل من عمايل إيديكي."

نظرت إلى الطعام وفهمت سبب غضبه لأنها نسبت شيئًا لا يخصها لنفسها. زمّت شفتيها ورفعت حاجبيها والتفت لتصعد خلفه مسرعة. زفر فايز بتعب وأرخى رأسه للخلف. يهمه ويشغله حفيده. وهذه الخطيرة التي أسرته. يتمنى أن يهنأ رغم شعوره القوي أن صبا لن يأتي من ورائها راحة إن ظلت تحارب. من كل الجهات. في غرفة زيد. وجدته ممددًا على فراشه يغمض عينيه والغرفة بالكامل مظلمة. أغلقت الباب بهدوء ووقفت قباله تحدق به. سمعت صوته: "سامعك."

ازدرت ريقها من مفاجأته ووضعه في موضع شبه جعلتها في حاجة للتبرير، لكنها لم تيأس. تحدثت بمرح وهي تتحرك صوبه: "إيه يا زيد، جوا الشموع السوداء دا؟ تحدث دون أن يفرج عن عينيه: "كويس، حاسس إني أحسن." جلست إلى جواره ودفعته بخفة وهي تهتف بمزاح: "ما تكبر دماغك، دي صنية مكرونة ومش حلوة أوي يعني." رفعت يدها للسماء ودعت: "إلهي كانت إتحرقت في دماغ أصحابها." فتح عينه على فجأة ودحرجها بحدة أرعبتها لتتراجع للخلف متسائلة: "إيه في إيه؟

إنت هتحول ولا إيه؟ نهض من مكانه ويغادر الفراش تمامًا. تحرك في الغرفة وهو يقول بارتباك: "لاء مافيش. دا صوت التلفزيون. مريم نامت. اه، ملاحظ إنها مبسوطة بالقطة." لاحظت أنه يضع سماعات الرأس بداخل أذنه وهاتفه. بجوار الفراش. ضمت حاجبيها بانزعاج وتمتمت: "بيكlem مين دا؟ استمعت له وهو يستأنف حديثه: "أنتِ عاملة إيه؟ شهقت بصوت مسموع فورًا وتبعته: "بتخوني في الصباحية؟ أومال هتعمل إيه في شهر العسل؟

التف ليزجرها بنظرة مترفعة. استدار حيث جهته واستمر بالحديث متجاهلاً إياها. فأمسكت هاتفه لتضيء شاشته حتى تعرف هوية المتحدث. وعندما أنار باسم "نهى". اختلف لون وجهها وصرت على أسنانها بغيظ وضغطت زر الإنهاء. التف بكامل جسده وحدق بها وأحد حاجبيه مرفوع. لم تترك له مساحة لنهرها واختارت أقصر وسائل الدفاع وهي الهجوم. فاندفعت كالسهم قائلة: "إنت بتخوني في الصباحية يا زيد." اشتتت عضلة فكه واحتدت نظرته وهو يرد

عليها بانفعال يحاول كظمه: "اللهم طولك يا روح. أخونك إيه يا هبلة؟ دي نهى." وثبت على ركبتيها وهي جالسة فوق الفراش ويدها على جنبيها وهدرت محتده: "نعم، وهي نهى دي صلى عليها وسلم؟ ما هي ست." تحركت عيناه بدهشة من أسلوبها العدائي وتحولها من حال إلى حال. واستمرت في إبهاره عندما استرسلت: "جري إيه؟ إحنا لسه ما دخلناش في شهر العسل، بتخوني؟ خطوة واحدة اتخذها تجاهها جعلتها تتراجع وتجلس مكانها. تحدث من بين أسنانه بغضب:

"بت، إنتِ اعقلي وإثبتي مكانك وإوعي تعلي صوتك وتكلمي معايا بالأسلوب دا." مع كل كلمة كان يقترب وهي تنكمش تلقائيًا مسترسلاً بحدة: "خيانة إيه اللي بتكلمي عنها؟ أنا عمري ما كنت خاين ولا أحب حد يوصفني باللفظ البشع دا. إنتِ عارفة إنها هتبقى. على ذمتي زيها زيك، ودا كان اتفاقنا، وأنتِ رضيتي عليه." أنهى كلامه بأن أشهر سبابته بالقرب من وجهها. في هذا التوقيت كانت صبا اختفت كليًا وتكورت على نفسها.

لاحظ هو حالتها الفزعة ورعبها المتجلي في عينيها. فتح كف يده ليتلمس وجنتها ويهدئها، لكنها أرجعت رأسها للخلف بفزع مضاعف. فتوقف ليرفع يده باستسلام. هزمته بقلقه عليها وأطفأت غضبه. واشتعل جانب آخر من خوفه عليها. فهتف بهدوء: "ما تخافيش." تنتظر هذه الكلمة حتى لو كانت كذبًا. رجفة قلبها اختفت وآمنت به. استسلمت ليده التي وضعها على جبهتها وسألته بطفولة مرحة: "إيه يا زيد؟ في إيه يا بابا؟ مشيوا خلاص؟

مط شفتيه بابتسامة خفيفة مهتمًا بتهدئتها تمامًا وسألها بفضول: "هما مين؟ وضع يده على وجنتها وربت برفق حتى استكانت وأجابته: "اللي حضروا عليك." ازدادت ابتسامته وهو يميل إليها. فاستغلت هذه الفرصة لتستأنف عتابها، لكن هذه المرة بروية وهدوء: "لي بس كدا يا زيد؟ أنت زعلت قوى كدا ليه؟ عشان قولت لجدوا إني عملت المكرونة؟ أنا بهزر."

برغم عودتها لحنقه وذكر استغلالها لنهى وشعوره بالظلم تجاهها لأن قلبه يميل تجاهها دون غيرها ويسقط بثقله. كله في حبها. اختار الهدوء ليوضح لها بروية: "ما تهزريش بحاجة تجرح يا صبا، وما تستغليش وجودي وتغلطي في حد أو تعملي حركات كيد قصادي، لأن كلها فاهمها و بتقل مني أوي وأنا مش حابب آخد حق حد منك قدامه، ما تحطنيش في الموقف دا." ردت وهي تتنصل ببرائة: "إي دا يا زيد، إنت مفكر إني بكيد؟ هو بعرف الحاجات دي؟

جاوبها بثقة عالية قائلاً بثبات أمام حركاتها المتلوية: "عالبابا الكلام دا، اعمليه على غيري يا حلوة، أنا الأستاذ هنا." ابتسمت بمراوغة لتشاكسه بالقول: "أستاذي وملاذي." قلب عينيه بملل. أصبح لا يعرف هل كل مرة تغرقه في عشقها أكثر أم هو من يغرق من تلقاء نفسه. أسقطها وسقط معها، هي المؤثرة على عقله والخطيرة على قلبه. عشقها ولم يجد مفر من هذا. أصبحت بكل نساء العالم مهلكته. مفضلته. وأعلنها قولاً وفعلاً، عشقت امرأة خطرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...