عاهدونى أن لا تأخروا صلاتكم لأجل قراءة الحلقة. عاهدونى أن لا تلهيكم عن ذكر الله. عاهدوني إن وجدوا مني ما ينفر أو يحرك مشاعرك نحو شيء فج أن تخبروني. عاهدوني إن كنا اجتمعنا بالدنيا نجتمع كلنا في الجنة. عارف إنها حلقة صغننة بس على قدر وسعي. إن شاء الله الجديد طويل، وبإذن الله هتكون الحلقة الجديدة بعد بكرة يعني يوم نحتفل ويوم نقرأ. قراءة ممتعة. "حفل الافتتاح"
تجهز "زيد" ببدلة سوداء وقميص أبيض. شعره الأسود المصفف بعناية ورائحة عطره النفاذة جعلته يبدو أكثر وسامة، وأضافت له رابطة العنق جاذبية لا تليق سوى بشخصه. ليلة مميزة وهو عنوان الكتاب، لكن بهذه الطالة والهائلة لو كان صورة لغلاف كتاب لكان الأكثر مبيعاً. استند بظهره إلى جانب الباب منتظراً "صبا" التي اختفت في الغرفة منذ مدة، مصممة أن لا تريه ماذا اشترت لهذه المناسبة وماذا أعدت، وتركت فضوله يأكله حتى هذه اللحظة.
عدل أزرار أكمام بدلته وهو يناديها بملل: -صبا انجزي، المفروض أكون أول واحد هناك. بلال ويحيي وصلوا بقالهم ساعة. زفر عندما لم ترد عليه وقال بيأس: -مافيش فايدة، كأنك مش سامعــ... بتر جملته عندما فتحت الباب وظهرت كالنجمة المضيئة. بهذا الفستان الذهبي والمرصع ببعض الحلي العاكسة للضوء. من يوم أن عرفها وهو يراها جميلة، لكن في هذه اللحظة أدرك أنها فريدة ونادرة، جوهرة ولا يجب أن تظهر لأحد.
اتسعت عيناه وهو ينظر إلى ابتسامتها الرقيقة وعينيها اللامعة. فسألت هي عندما لم تجد منه رد: -حلو الفستان؟ اتخذ خطوة سريعة نحوها وهو ينظر لها بدقة قائلاً بإعجاب: -انتي لو لبستي شوال هتبقي حلوة برضوا. المشكلة في المكياج اللي في وشك ده، شيليه يا حلوة مش عايز حد يشوفك كدا. كل الجمال ده ليا أنا وبس. أنهى جملته بضمها إليه. رغم أنه أعطى أمراً خفياً، لكن فارق الأسلوب من الممكن أن يجعلها تترك الحياة لأجله. نظرت له بتعمق وهتفت:
-بس أنا مش حاطة كتير. تذمر ورفع إصبعه ليشير إلى شفتيها قائلاً بهدوء: -كتير على شفايفك اللون ده. انتي جمالك لوحده يعقد. انساقت لموافقته بسعادة لأنه يعطيها ثقة أكبر من تلك المساحيق التي تختبئ خلفها. ابتعدت عنه لتنفذ أوامره، لكن سرعان ما جذبها إليه من جديد متسائلاً بلهفة: -رايحة فين؟ أجابته بتعجب من تمسكه بها: -رايحة أشيله. مال بجبهته إلى جبهتها وتحدث بنبرة متأثرة: -الأسطورة بتقول 'إن الروج بيتمسح كدا'.
طبع قبلة قوية على شفتيها جعلتها تشعر بشعور جميل، "زيد" يغمرها بعشقه وينسيها أنها فرد وحدها، بل وكأنها وهي بأحضانه شيء واحد. تشبث بها بقوة لا يريد تركها، هي كل يوم في عينه جميلة، لكن الآن وهما في طور المغادرة يشعر أنه محتاج أكثر من احتضانها، بل يريد إخفاءها في قلبه وبين خلاجاته. أخيراً قطع كل شعور ووضع جبهته على جبهتها ليهتف من جديد وعيناه تتأمل عينيها: -ما تيجي نحلق للحفلة وبلاش نروح. وضعت يدها حول عنقه وهتفت بحرج:
-زيد كلامك ده مش مطمني. رد دون مغلاه: -طبعاً لازم تقلقي. ضحكت على ممازحته وقالت بابتسامة: -لأ حاسة إنك بتحبني النهاردة أكتر. هتف وهو لازال يحدق في عينيها: -بحبك يا صبا النهاردة زيادة عن كل يوم، وبكرة هتلاقيني بحبك أكتر من اليوم اللي قبله، وهفضل كدا لحد آخر يوم في عمري. كلامه كان يرسل في صدرها طيور تبني أعشاشها وتحلق. مع أول كلمة ينطق بها حتى آخر كلمة هتفت بلهفة: -بعد الشر عليك يا حبيبي.
وضع يده على وجنتها وقال لائماً: -مع إني زعلان منك، بس شوفتي قلبي الضعيف بيعمل فيا إيه؟ وضعت يدها على صدره وهتفت: -ربنا يخليلي القلب وصاحبه. أضافت بفخر ودلال لتشاكسه: -عشان تعرف بس إني خطيرة. ضحك لها، فهي لا تعرف كم هذا القلب مغرماً بها وملكا لها. لم يؤخر عنها القول وداعب أرنبة أنفها بأنفه وهو يقول: -القلب وصاحبه ملكك يا خطيرة. "في منزل شاكر" تحدثت "مروة" لابنتها "نهى" معنفة إياها: -عاجبك يعني كدا الست رفضيها؟
ما بتجيش إلا في المستشفى. تغيرت نهى كثيراً وكسا الحزن وجهها وانطفأ وهج عينيها التي كانت أجمل ما فيها. نال جسدها من هذا الحزن فازداد نحولها، وها هي تدفع ثمن عادات وتقاليد جعلتها لا تسوى شيئاً بدون "زيد الوصل" وحشرها في حياته لأنها أخت زوجته المتوفية وربط اسمها باسمه حتى بات مستحيلاً أن تتزوج غيره. أصدرت "مروة" صوت اعتراض بشفتيها عندما لم ترد ابنتها عليها، فمنذ مدة طويلة بقيت على هذه الحالة والصمت المريب. عادت تتحدث
برفق وشفقة على حالتها: -يا نهى يا حبيبتي، أنا كان نفسي أفرح بيكي وعامر برضوا مش وحش، فيها إيه لو كنتي اتجوزتي؟ ماهو برضوا يعتبر من عيلة الواصل. وضعت "نهى" كفيها على أذنها وصرخت عالياً وبانهيار: -كفاية كفاية، مش عايزة أعرف حاجة عن العيلة دي. العيلة دي كانت سبب في تدميري. مش عايزة أتزوج، مش عايزة عيال. سارعت والدتها بضمها إلى صدرها وتهدئتها، لكنها سرعان ما أبعدتها ونهضت من مكانها وصاحت بانفعال:
-أنا كرهت الحياة، كرهت إني جيت الدنيا دي بنت. والبنات هنا مش منصوفين. مش عايزة زيد ولا عامر، مش عايزة حد. كفايا ذل فيا ياما، زيد يا عامر. أنا كنت عايزة راجل يحبني يصوني يختارني يبقى أبو ولادي يبقى ونسي، مش أبقى سد خانة. نهضت والدتها لتحاول تهدئتها وهتفت بحزن على حالتها: -ومين قال إنك سد خانة؟ أهم جم تاني برجليهم يطلبواكي لابن بنتهم. أطلقت صرخة عالية وجذبت شعرها من منبته وهدرت بغضب وحزن عميق: -يغور بأهله!
إزاي هقدر أبص في وش زيد بعد ما رفضني؟ عامر بالنسبالي هيكون صدقة عيلة الواصل عليا، وأنا ما بقبلش صدقة، فاهمة؟ فاهمة؟ فاهمة؟
كانت تكرر آخر كلماتها بصراخ وصوتها يشرخ حنجرتها. لا أحد يفهمها، لا أحد يشعر بالنار التي تحرق قلبها. لقد توقف عمرها في انتظار "زيد" وفي النهاية رحل عنها وبات بابها مغلقاً. فات الأوان على طلبها للزواج بعدما تخطت سن الثلاثين وأضافها المجتمع ضمن قائمة العوانس، خاصة في القرية الصغيرة التي يعتبر زواج الرجل من امرأة كبيرة في السن عاراً. خرج "ياسر" على صوت صراخها وهرول نحوها وهو يسأل والدته: -مالها يا أمه؟ مالك يا نهي؟
كانت في حالة سيئة، تصرخ دون سبب، تبكي بانهيار. تركتهم وركضت نحو غرفتها. فبكت "مروة" وأخبرته بتأثر: -أخته تعبانة يا ياسر، أنا السبب. أنا اللي ملت بختها، عشمتها بـ زيد وطمعت توقع واقعة حلوة زي أختها. اديها وقعت خالص والناس ما بترحم. في الحفل لم يتوقع "زيد" كم الحضور، والذين حضر أغلبهم عن طريق صبا. سيدات ورجال أتوا مع زوجاتهم لمباركة الاحتفال، والنساء وقفن مع صبا ليتعرفوا عليها عن قرب.
لم يعرف "زيد" حتى الوصول إليها وحقق مبيعات جيدة بالنسبة للافتتاح معرض جديد في مدينة غريبة عن مدينتهم. لم يصدق أن هذه الخطيرة شخصية مؤثرة بهذا الشكل. الوافدون كانوا أكبر من تخيله والمبيعات تخطت توقعاته. ظل ينظر إليها من بعيد بين الحين والآخر، كم هو فخور بها وبما هي عليه. لقد حولت إحدى مآسيها ووحدتها إلى عمل عظيم. انغمست في حياة خاصة حتى لا تقع فريسة لزوجة أبيها ورشدي والوحدة. رغم كل ما عانته لازالت قادرة على الضحك ومخالطة الناس. يوم عن يوم تبهرُه ويتأكد من أنها ليست امرأة عادية، بل امرأة خطرة.
أخيراً خفت الزحام قليلاً وبقيت القاعة على قدر مناسب للحضور، وبالقدر الذي يسمح له بالانضمام لها دون إعارة الفتيات القيل والقال الباقيات من الآلاف التي كانت حاضرة من دقائق. ابتعدت الفتيات عندما اقترب منها. وقف أمامها ليتطلع إلى السعادة المنتشرة على وجهها وقال بابتسامة حانية: -تعبتي يا روحي أكيد؟ أجابته وهي لا تزال تمتلئ بالطاقة: -أبداً ما تتخيلش أنا مبسوطة قد إيه. أبدت بعض الامتعاض وهي تستأنف حديثها:
-الشوز بس وجعت رجلي ومش عارفة أفك الأبزيم إزاي وفي وسط المكان. هتف وهو يمسك بيدها ليحسها للوصول لأقرب كرسي: -طيب تعالي اقعدي. أجلسها وقال متحيراً: -إيه بقى يا ستي كل الناس دي؟ انتي عاملة جمهورية جوه الجمهورية. ابتسمت على مزاحه وشاكسته قائلة بمزاح: -طيب حاسب بقى عشان جمهوري واقف في ضهري. هم بالرد عليها لكن صوت ناعم قاطعه ويد حطت على كتفه لتجذب كل اهتمامه وهي تقول: -زيــد، وحشتني.
تغيرت كل ملامح "صبا" وهي ترى تلك المرأة تستبيح كتفه وتحادثه بهذه الحرية. ضيقت عينيها وهي تحاول تذكر أين رأتها من قبل وتأكدت من أنها قابلتها. التفت إليها زيد ورد مرحباً: -ميرا. حادثته الفتاة بلوم كبير وهتفت: -معقول يا زيد بعد العشرة دي كلها أعرف من الغريب إنك فاتح معرض هنا وكمان ما تعزمنيش؟ يعرف "زيد" كيف هو شكل "صبا" الآن، فما أراد أن يطيل عليها الأمر والتفت ليشاركها بالأمر وهو يعرفها بها:
-دي ميرا يا صبا، فاكرها اللي قابلناها في الـ... -عارفها. قاطعته وهي تسحق الكلمة بين أسنانها. لم يعجبها أنها لازالت تستند على كتفه ومياعتها في الحديث وعدم رفض زيد لهذا، بل وتبريره لها قائلاً: -والله كل حاجة معاها مشا مشاكل شغلتني تماماً إني أدعيكي. هتفت "صبا" بتعجب ووحدة وهي تحدق لميرا بحدة: -ما تزعليش مني، وهو يدعيكي ليه؟
تراها ميرا نيران الغيرة في عينيها، لكنها لن تترك الجو دون اشتعال. ضحكت ضحكة عالية وتبعتها بالقول وهي تستند بكلتا يديها على كتفه: -انتي بريئة أوي يا صبا، معقول زيد ما حكالكش عني؟ ده إحنا أصحاب قديم أوي من أيام الجامعة. وجه صبا كان يوضح كم هي غاضبة. لم تحتاج شرح لهذا، فتدخل زيد ليزل يد "ميرا" عن كتفه وهتف لها بكياسة: -من فضلك يا ميرا، خدي لفة في المعرض على ما أجيلك. ابتسمت له "ميرا" بمكر وحركت كتفها وهي تقول:
-حاضر، مستنياك. رحلت وبقي هو مع "صبا". اقترب منها من جديد يشعر بأن هناك بركان يتفاقم بداخلها. ولكي يهدأ هذا، مال ليقبض على يدها وهو يناديها بصوت منخفض: -صبا، إهدي. سحبت يدها وهتفت بانفعال: -إهدي إنت، أنا ولا كأني أبجور في النص. ابتسم على حدة الغيرة وعدم سماحها بأي شيء يمسه. أجفل وهو يقول: -أجمل أبجور في الدنيا. نظرت له بشراسة وسألته بحدة: -نـــعـــم!
نظر حوله حتى يلفت الأنظار إليهم، فما كان سوى "ميرا" هي التي تركز نظرها صوبهم وهي تتصنع أنها تعاين بعض المعروضات. -اثبتي يا شمسي، معقول هيبقى معايا الشمس وأبص على النجوم. قضبت حاجبيها وهي تسأله بحدة: -وهي دي نجوم؟ دي شبه سجادة المطبخ بتاعتنا. ضحك على مغالتها وقال مهدئاً: -يا ساتر عليكي في الغيرة، قطر ما بيرحمش. ردت بعصبية، فهي لم ترتح بوجودها: -وانت عايزني أعمل إيه؟ وانت سامحلها تحط إيدها عليك؟
لو عليا عايزة أحط عليها بنزين وأولع فيها. هدأها قائلاً: -خلاص خلاص، همشيها. انتي مش سمعتي بودانك إني ما عزمتهاش؟ حركت قدمها بعصبية وأشاحت بوجهها عنه، فنزل على ركبتيه أمام ركبتيها. فاجأها بحركته هذه. نظرت له في دهشة حتى بدأ بفك أبزيم الحذاء الخاص بها حتى يخفف الضغط عن قدمها. رفع وجهه وابتسم لها وسألها بخبث وهو يغلق إحدى عينيه: -قوللي بتبص علينا؟ اختطفت نظره نحوها وأجابت بفرح: -أيوه. حمسها قائلاً: -طيب، طالعلها لسانك.
اتسعت ابتسامتها من تشجيعه الذي يوضح له كم هو مخلص لها، بائعاً كل النساء وجالساً أسفل قدمها. أخرجت لسانها لها وهو استعد ليفك لها الحذاء الآخر. واشاحت "ميرا" غضباً من فعلتها، فأزاحت وجهها عنها. فتحدثت "صبا" لزيد بسعادة: -كبستها، وشها هيتحمر عليه بطاطس دلوقتي. ضغط بكلت يديه على قدمها بعدما ترك الحذاء علامات فوق جلدها توضح كم عانت منه. فرح لفرحها وهم بالنهوض وهو يقول: -ما تلبسيش الشوز دي تاني، ريحي رجلك لحد ما نمشي.
استدار ليتجه صوب "ميرا"، لكن نادته صبا بفزع: -زيد، انت رايح فين؟ استدار بنصف جسده وقال غامزاً: -هحمرلك البطاطس وأروقلك الجو. ابتسمت له. من حق كل شخص أن يشعر بالأمان والطمأنينة في قصة حبه، من حقه أن يكون الوحيد والمستثنى، وإلا ما كان اسمه "عشق".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!