الفصل 48 | من 51 فصل

رواية عشقت إمرأة خطرة الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
21
كلمة
2,871
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

عاهدوني أن لا تأخروا صلاتكم لأجل قراءة الحلقة. عاهدوني أن لا تلهيكم عن ذكر الله. عاهدوني أن وجدوا مني ما ينفر أو يحرك مشاعرك نحو شيء فج أن تخبروني. عاهدوني أن كنا اجتمعنا بالدنيا نجتمع كلنا في الجنة. الثامنة والاربعون في المستشفى ساءت حالة بثينة في ليلة وضحاها واستمر عذابها.

وقف فايز مكتوف الأيدي، ليس بيده سوى الدعاء. دخلت في غيبوبة تامة تصارع بين الحياة والموت. وجدها باتت كالخرقة البالية موصولة بالأجهزة، تئن وتصرخ عندما تفيق، حتى يضطر الأطباء لأعطائها مسكن. لكن الحالة كانت أصعب من التفسير أو العلاج. فإن الله غفور رحيم وعذابه هو العذاب الشديد.

أمسك هاتفه ليتصل من جديد بزيد، لكن تراجع يشعر بالحرج وهو يطلب العفو لإبنته. لا يريد إرغامه ولا يريد عذاب إبنته. بقي في حيرة حتى ترك رسالة صوتية له، تمتلئ بالحزن والألم: "وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" صدق الله العظيم. أغلق هاتفه وترك بجواره منتظراً منه أي إجابة. سيجن إن لم ترحم إبنته، فقلب الأب مهما كان حجراً لا يقسو على أولاده. زيد وقف أمام ميرا، فبذرت هي بالحديث بعصبية:

واضح أنك مش عامل اعتبار لوجودي. أجاب وهو يحرك رأسه: دا مش واضح، دا أكيد، طول ما مراتي موجودة فالاعتبار الأول لها وبس، والباقي هامش. أشارت إلى نفسها وهتفت بضيق: أنا هامش يا زيد؟ خلاص نسيت اللي بينا. ضم حاجبيه وسألها مستنكراً: وإحنا كان إيه اللي بينا؟ مجرد زملاء في الكلية، وكل سنين الزمالة ما تسمحلكيش تحطي إيدك على كتفي. عقدت يدها على صدرها وهتفت متذمرة: مع إنك سمحت بكده زمان. هتف دون مبالاة وهو يضع يده في جيبه:

اديكي قلتيها بلسانك، زمان، زمان ما كنتش متجوز وما عنديش حد أخاف على مشاعره. ومدام زوجتي في نفس المكان اللي حضرتك فيه، يبقى مشاعرها هي الأهم. ويا ريت تمشي عشان هي مضايقة من وجودك. ذهلت من طرده لها صراحةً، وظلت تحدق له بدهشة حتى استوعبت إشارة حاجبيه لها بالخروج، فقالت بغضب: أنا اللي غلطانة إني جيت عشانك يا زيد، للأسف كان عندي أمل إنك تقدر مجيتي. لم يضف زيد سوى كلمة واحدة، قالها بهدوء لكن بنظرة حادة: شرفتِ.

رحلت ميرا وعين صبا لم تتحرك عنهما. ظهر شبح ابتسامتها برضاء عندما رآها ترحل وهي تدق الأرض بقدمها وكأنها تستدعيها لتنشق وتبتلعها. نظر إليها نظرة رضاء، وبادلته نفس النظرة. حركت رأسها بالقبول، وابتسم لها بيأس. ستظل ملكه حتى وهي غاضبة.

أوشك الاحتفال على الانتهاء، ونهضت صبا بعدما ارتاحت قدمها قليلاً من الحذاء، وعادت تقف لتودع رفقائها وتعدهم بمقابلة أخرى إن قدر لها وآتت إلى المعرض. بدأ المكان يخلو من الزوار، وسط كل هذا دخل عماد يرتدي بدلة بنية ويتحرك بخفة بين المغادرين. كان عامداً زيد الذي يقف أمام صبا. لم يجد أنسب من هذا الوقت، وقف في مقابلة مباشرة وجذب انتباهه الكلي عندما ناداه بصوت أجش: زيد.

انتبه كلا من بلال ويحيي لحضور والدهم ووقف إلى جواره يرحبان به، لكنه كان عامداً النظر على زيد واهتمامه الأكبر به. العين الحاقدة تسبق العين المحبة في التركيز. قال بجمود لأولاده: روحوا هاتولي أكل وعصير، يلا. نظر كلا من بلال ويحيي لبعض في دهشة، ثم استجابوا عندما شعروا بجدية والده وبهيئته التي توحي عليه التعب والإرهاق. تمسكت صبا بزيد ورفضت تركه في هذه المواجهة لوحده، بينما تحدث هو إلى زيد قائلاً:

طالبت مساعدتك ورفضت. رفضت ليه؟ أجاب زيد دون اكتراث: انت اللي ما ساعدتش نفسك، دي غلطتك. لديه كبرياء كبير لينكر خطأه، وبإستماتة لذا قال وهو يشير إليه: غلطتي إني خليتك عايش لحد دلوقتي. غلطتي إني ما اتأكدتش من موتك قبل ما أمشي من المزرعة. أوجع زيد غليله تجاهه، وعادت تلك الذكرى المؤلمة تمر أمام عينه حتى غيرت تعابيره للاستياء. استرسل عماد وهو يخرج يده الأخرى من جيبه مشهراً في وجهه سكيناً لامعاً:

بس المرة دي هصلح الغلطة. هتأكد إنك ميت لا محالة، حتى لو عشت فهتعيش ميت. شهقت صبا بفزع من تهديده، ونظرت حولها لتجد أن المكان فرغ تماماً من الناس، وأنها وحيدة هي وزيد في مواجهة عماد. من جانب زيد، لم يهتز له شعرة. الألم النفسي الذي سببه له عماد خدر حواسه وأفقده الثقة بكل من حوله. فتح ذراعيه على مصراعيه وقال بحزن عميق: ومين قالك إن مش عايش ميت؟

انت قتلت فيا الثقة زمان، وقتلت الأمان، واللي قدام دا جسم بس، والباقي روح، مش جوه الجسم دا. ابتسم عماد ابتسامة صفراء، ثم هجم على عكس توقعاته، على صبا وهو يقول: وأنا عارف مكان روحك وهاخدها. كان زيد يقظاً، لكن الرعب الذي سيطر عليه وخداع عماد له أخره ثوانٍ حتى رفع السكين بيده لأعلى أمام صبا، والتي صرخت عالياً. هنا صاح زيد دون وعي: إلا صـــبا.

تدخل فوراً، لكن تعابير وجهه تمتلئ بالرعب. تراجعت خطوة للخلف، تلك الخطوة اتخذها مكانها زيد ليتلقى بدلاً منها طعنة نافذة في الصدر. سرعان ما انتشرت الدماء على قميصه الأبيض، وتفاجأ عماد بالسكين عالقاً بصدره. دوّت صرخات صبا وهي تمسك به، كادت تجن من ما رأت. وعلى إثر صوتها هرول يحيى وبلال اللذان بهتا من الصدمة، وأمسكوا بوالدهم يصرخون في جنون: عملت إيه يا بابا؟ حرام عليك. زيـــــــــد.

اجتمع الناس على هذا الهرج والصراخ، ليتفاجئوا بصاحب المعرض الجديد يفترش الأرض وغارقاً في دمائه. صاح عماد وأولاده يحاولون منعه من الاقتراب منه من جديد: كنت قاصدها هي، كنت قاصد أرجعك ميت زي ما كنت بعد ما ماتت غالية. بس دي ما كنتش هتقوم لك منها قومة. استمرت صبا بالانهيار في البكاء، وجلست أرضاً لتضع رأسه على قدمها وتهيب بالحضور بصوت منحور: حد يجيب إسعاف.

أمسكت برأسه وتحسست وجهه، ويدها مطلخمة بدمائه. تناديه بفزع وتحاول لملمت أعصابها التي فرطت كالعقد الذي تشتت حباته: زيد خليك معايا، زيد ما تسبنيش. لا يزال السكين عالقاً بصدره، والدماء تسيل بغزارة حتى غطت الأرض وطالت فستانها الذهبي. عادت ترجوه وكأن روحه في يده: أوعي تسيبني، أنا حياتي ما تنفعش تتعاش من غيرك. يااااب يااااارب يااااااااارب خد من عمري واديه، بس ما تخدهوش مني. رفع يده ليمسك بيدها وكأنه غير راضٍ عن دعائها.

هتف بصوت ضعيف وهزيل: أنا... ربنا... عيشني... يومين معاكي يتحسبوا عمر... لو كنت هموت دلوقتي وأنا شايفك، يبقى الف حمد وشكر ليه. صاحت به بجنون وهي تصرخ: مااا تقولش كدا... ما تقولش كدااا... لي وقفت في وشي ليه؟ اخدت الضربة مكاني... ليه عايز تعذبني؟ ازدرع ريقه وتحدث بنبرة بطيئة منهكة توشك على الانقطاع: وعدتك...

إني، هدافع عنك لآخر يوم في عمري. وعدك إن روحي فداء روحك. وهو عارف فين روحي. صدقيني، الموت أهون عليا من إني أعيش من غيرك. أنهى كلامه مضيفًا بصعوبة: الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده وأن محمد رسول الله. أغمض عينيه نهائيًا، ودوت صرختها أرجاء المكان. في المستشفى

كانت ونيسة جالسة بجوار "فايز" الذي لم يجف فمه عن الذكر والدعاء. الجلوس في طرقة المشفى لن يغير شيئًا. هي تتعذب وحدها وتدفع ثمن أخطائها، لكن فايز أب، لا يفقد الأمل في تغير الحال لآخر. أما ونيسة، فكانت بالنسبة لها زيارة عابرة كي لا تقضي وقتًا طويلاً وحدها بالمنزل. على فجأة، أمسكت بصدرها عندما روضتها غصة قوية في قلبها من قسوتها جعلتها تتأوه. لفتت نظر فايز الذي هتف وهو ينظر إليها: سترك يا رب، مالك يا ونيسة؟ أجابته

وهي تضغط على قلبها بقوة: مش عارفة، زي سكينة اتغرست في قلبي. تشنجت تعابيره واقترح قائلًا: أنده لك دكتور. زفرت بصعوبة وهي تردد: مش عارفة، أنا قلقانة على ولادي. أرجع رأسه للخلف بتعب وتمنى بصوت عالٍ: يااا نفسي أجمعهم كلهم وأشوفهم حواليا، حتى لو آخر يوم في عمري. نفسي أطمن على ولادي واحفادي وهما كويسين. بس في الآخر بقيت ببعد دا وبنفي دا وبدخل رياض السجن وبحارب ناس من دمي وناس من أهلي وأقرب حد ليا.

رغم ألم قلبها الذي لم يزل وتضاعف شعورها بالخطر تجاه شيء غامض، فهي تشعر بكل ما يقول إنه النعيم لكل أب وأم، هو رؤية أبنائهم حوله بخير دون حقد أو كره أو غياب أحدهم. أيدته لأنها أثمن ما تملك أولادها وتحدثت له بشرود:

حاسة بيك يا حاج. زمان لما حكمت أتجوز "عماد" رضيت عشان "زيد" يفضل في حضني. كنت مستعدة أموت عشان زيد يعيش. كنت خايفة عليه ولحد اليوم خايفة عليه. "زيد" الشوكة اللي كانت في ضهري اللي كل ما عماد يعوز يكسرني يضغط عليها. مش بس عشان ابني البكري، عشان كمان ابن نادر. مش بفرق بين ولادي، بس في فرق بين ابن الحب وابن الغصبان. التلاتة حتة مني، الضنا طول عمره غالي.

تنهد "فايز" بتعب. ذكريات الماضي تعود وألم فراق "نادر" ينيش في صدره وكأن ألم تعب "بثينة" لم يكفِ. قال بنبرة متعبة: صدق من قال: يخلق من ظهر العالم فاسد. رغم كل اللي اديته لعماد ما اتغيرش. طول عمره بيغير من نادر وبيلوم عليه في كل اللي بياخده. اديته كل اللي خده نادر: المال والجاه والسلطة وحتى مراته، وبرضه ما اتغيرش. الآسي في نفسه مش في أي حاجة تانية. وطول السنين دي عايش على أمل يتغير. بوظ كل حاجة حواليه وما اتغيرش.

مرت مأساتها معه كلها نصب عينها وحركت رأسها بالم غير مصدقة أنها تحملت كل هذا وانتهى الكابوس. وراحت تهتف بتمني: أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير أطمن على ولادي وألمهم حواليا وعماد يبعد عننا. زفر فايز وهو يجيب بأسف:

هيبعد خالص يا ونيسة. أنا صلحت كل أخطاء الماضي واللي مش هيتعدل يتبدل. والدنيا مش بتقف على عيل فاسد. إحنا ما جيناش الدنيا عشان نستحمل كل وحش. إحنا اتخلقنا عشان نعبد الخالق. ويا رب يحسن ختامنا ونروح من الدنيا مش واخدين حاجة من حد ولا ظالمين حد. صدح صوت هاتفه فدس يده في جيبه ليرى من المتصل. ومن بعدها قرأ الاسم بصوت واضح: دا بلال.

تحفزت ونيسة لسماع أي شيء يطمئنها على أولادها الغائبين. فتح الخط بينه وبينه وانصت إلى صوته المهتز ونبرته السريعة والمفزعة وكأنما شخص يركض خلفه. كان خطؤه أنه ترك السماعة الخارجية: مصيبة يا جدو، بابا ضرب زيد بالسكينة... هب "فايز" واقفًا وصرخت "ونيسة" بجنون وبصوت هز أرجاء المشفى: زيـــــــــــــد، إبــــنــــي. في غرفة نهى

راحت تقف أمام مرآتها التي دائمًا كانت تقف أمامها لترى كم خط تعبيري طفى على وجهها وهل من شعرة بيضاء زادت في شعرها. وقفت تتأمل كيف سحبت منها الحياة حياة وتركتها بين الموت والظلمات. وتذكرها أنها ستظل وحيدة دون رجل ودون طفل ودون سند.

لكن تلك المرة لم تقو على النظر بها، فهي تعرف أين وصلت حالتها، فما عاد يهم مظهرها. فقد ثارت لكرامتها برفض "عامر" وما عادت تعلق حياتها برجل. لكن الحزن العميق والانهيار الذي تعيشه الآن بسبب صحوتها المتأخرة.

أن الحياة ليست رجل، وأنها بإستطاعتها أن تكون هي كل شيء دون أن يضيف لها الزواج شيئًا. فكم من متزوجة تشعر بالوحدة، وكم متزوجة باتت هي الرجل بسبب زوج لا يعرف مسؤولياته ولا يؤدي مهامه. وكم من رجل وجوده كالعدم، وغيره من النماذج التي لا تبني علاقة سوية لفردين. لكنها تكف ألسنة الناس عنك فقط وتجعلك تعيشي الحياة كالموت من أجل الظل أسفل اسم رجل، بينما هو الظل الحقيقي الذي لا ظل له.

قذفت بأقسى قوتها المزهرية بالمرآة لتهشمها تمامًا. وعلى إثر ذلك تناثرت بقاياها في كل مكان محدثة دويا عاليًا جذب أخيها مهرولًا نحو غرفتها.

حطمتها كما حطمتها وهي تنظر لها كل هذه السنوات. حطمتها حتى لا تذكرها بكبر سنها وبموعد القطار الذي فاتها. حطمتها لتثبت لنفسها أنها لا تنظر رجلًا ولن تعيش لانتظاره. ولتؤكد أن كل قطار فاتها ليس لها، وأن سكة القطار ليست لقطار واحد، وأن كل قطار يمضي سيعود مرة أخرى. فكل قطار له طريق للعودة. أسرع أخيها بضمها وقبل رأسها وهدّأها قائلًا: نهى، أنا جنبك، أنا معاكي. ظلت تبكي حسرة على ما فاتها في انتظار أوهام. وراح "ياسر"

يهدئها ويمنيها: يا عبيطة، انتي فاكرة نفسك عنستي؟ انتي ما حدش يستحقك. جوهرة غالية ما حدش قادر يدفع ثمنها، ولا نكون مجانين عشان نرميكي لأي حد. أوعي تفكري إنك قليلة عشان من غير جواز. إنتى غالية على الجواز، وغالية على أي راجل، وغالية عندي أغلى من روحي عندي، أغلى من إني أديكى لأي حد ما يديكيش حقك. حديثه هدّأها وجعل بكاءها يخف شيئًا فشيئًا. أثلج صدرها بتمسكه بها ودعمها في هذا الوقت الصعب. كفّت دموعها ونظرت إليه لتقول بهمة:

عايزة أشتغل يا ياسر، عايزة أعمل أي حاجة غير قعدة البيت. نظر لها بعمق وهو يحاوطها بذراعيه. لم يرى شيئًا مستحيلًا لها، فهي أخته لحمه ودمه. قال مستجيبًا: هعملك كل اللي انتي عايزاه. "في المستشفى"

حالة زيد خطرة ودخل من ساعات إلى غرفة العمليات الجراحية. أما صبا فحالتها كانت انهيار عصبي. رحمها الله من التوتر في انتظاره بكل هذا القلق. بحقنة مهدئة جعلتها تلزم سرير المستشفى. فرقتهم الأسرّة وباعدت بينهم الأقدار، لكن القلوب متصلة على أي حال. من جانب زيد، اكتفى من الحياة مرتين. يدخل هذه الغرفة بسبب أحد أقاربه من الدرجة الأولى. الجروح كلها قابلة للالتئام، إلا جروح العائلة لا تلتئم. المجروح من عائلته لا يشفي أبدًا.

أنت لا تعرف معنى أن لا تتقبلك أسرتك ويدفعهم عدم تقبلهم لك لإنهاء حياتك. أما زيد، فمر به كثيرًا. طيلة حياته لم يشعر أنه مرغوب به وأن هناك من مستعد ليفديه بروحه سوي من قبل صبا. أصلًا صبا سبب مقاومته للبقاء حيًا. لديه الكثير ليفعله لها ويعوضها هي الأخرى عن كل ظلم وقع عليها. حار الأطباء في جرحه، وكذلك الندوب القديمة التي لازال أثرها على سطح بطنه تحكي مأساة رجل ينجو من الموت من أجل موت آخر.

أما صبا، فكانت تهذي باسمه. فما عرفت طعمًا للحب ولا للحياة سوي عندما عرفته. لقد غير نظرتها، فكل الرجال وكان هو سيدهم. ذاقت على يده حنان الأبوة الذي حرمت منه لسنوات، وكان خير زوج وسند. لقد فادها ليزيد عذبها عذابين: عذاب أنه عاملها طيلة حياته بالحسنى، وبالنهاية دفع حياته ثمنًا لتعيش هي. فتحت عينيها لتفيق ويد ممسكة بيدها. تمنت أن يكون زيد. فسرعان ما التفتت كالمجنونة لترى يد والدها ممسكة بيدها. همت

بالنهوض وهي تسأل كالصريع: زيد، زيد فين يا بابا؟ وجهه كان يكسوه الحزن ويده كانت متشبثة بها بقوة. ينظر إليها بأسف، فانهارت بالبكاء وهي تكرر بفزع: زيد كويس، مش كدا؟ قول لي بالله عليك. نهض ليضمها إليه ويطمئنها قائلًا: هشش، ما تقلقيش، زيد كويس. همت بالنزول وهي تهتف دون تصديق: أشوفه، وديني عنده. منعها من هذا وهو يوضح: هو خرج من العمليات وتحت الملاحظة. جال بصرها في وجهه حتى تستطيع تصديقه وسألته بتلهف: يعني هو كويس؟ وضع

كفيه على وجنتيها وأجابها: ادعيلوا، لو عدى عليه ٤٨ ساعة هيبقى كويس. ارتجف جسدها بالكامل وعيناها تفيض بالدموع. فأردف ليطمئنها كي لا يخسرها: إهدي، زيد عشان يبقى كويس لازم انتي تبقي كويسة. تمالكي نفسك، انتي قوية وقدها. تحدثت بصوت مرتجف وخائف: أنا قوية بيه، أنا ما عرفتش أبقى قوية غير وهو جنبي.

ضمها إلى صدره وبكى عليها. سنوات وهو تارك ابنته بلا سند حتى بقى زوجها هو مصدر الحياة بالنسبة لها. شعر بظلمه لها وضاق صدره بما تمر به. تحدث لعل هذا يجدي نفعًا، مع أن الدواء لا يؤثر في شيء بعد الشفاء: أنا جنبك، أنا هساعدك. المهم ما تضيعيش مني تاني. بالخارج حالة "ونيسة" كانت الأسوأ. تبكي بانهيار فور وصولها للمشفى. لم تراه بعينيها لكن قلبها يتمزق لحالته التي بين الحياة والموت.

أما فايز، فقد تغير ذكره من مشفى لمشفى لآخر يركض خلف عائلته التي تنحر قلبه بلا رحمة ولا مراعاة لكبر سنه ولا تأخذها شفقة بشيبته. يردد في نفسه بألم كبير وحزن عميق: هونت عليك يا عماد، هونت عليك تكرر وجع قلبي. مش كفاية نادر، مش كفاية غدر في أبوك. قلبي عليك انفطر، وانت قلبك عليا حجر.

الأمر كان صعبًا عليه، لكنه قرر أن لا يخرجه من هذه الورطة أبدًا. كسابقها، سيتركه للقانون ليقتص منه القديم والجديد. ولن يسمح له بأذية أي فرد من عائلته، وعند هذا وكفى. فسيدعس قلبه أسفل قدمه إن كان يستغله. وقف بلال ويحيي أمام جدهم ينظران لبعض بحيرة من القادم وشرود جدهم وحالة أمهم لا تبشر بخير. ينتظرون أي شيء يطمئنهم على زيد، لكن لا يوجد سوى الانتظار.

أتى أحد أفراد الشرطة يطلب بلال للشهادة في القسم الذي قدم فيه البلاغ الذي قدمه أحد الشهود على الحادث بعد أن أمسكوا بعماد وسلموه للشرطة. لكن فايز منعهم قائلًا: خليك يا بلال، أنا اللي هروح. توجه فايز معهم دون تردد. سيدخله إلى السجن ويسلمه بيده إلى حبل المشنقة كي يرتاح ضميره الذي عذبه طيلة السنوات الماضية لتغطيته على جرائمه على أمل إصلاحه. ولكن لا فائدة بعدما نمت الشجرة على اعوجاج مستحيل أن تستقيم بعدما تكبر. في القسم

جلس بمقابل الضابط ليدلي بأقواله ويؤكد اتهام والده بمحاولة اغتيال "زيد" عمدًا. لكنه طلب طلبًا غريبًا وهو ينظر له بدقة: أنا بس عايز أشوفه. ظل ينظر إليه الضابط في صمت حتى هتف "فايز" بصراحة: عايز أضربه، عايز أشفي غليل السنين اللي فاتت. أرجوك حقق أمنية راجل عجوز عاش عمره يربي في عيل وكبروا وهو ما قدرش دا ولا حتى اتربى. نفسي أضربه عشان أحس إني عملت حاجة صح.

رفق الضابط بحالته وأشار إلى الشاويش ليأتِ به، ثم غادر المكتب وتركه له. دخل إليه "عماد" وعلامات زرقاء حول عينه من كثرة الضرب الذي تعرض له من قبل الأهالي. وبرغم من هذا لم يشفق عليه "فايز" ولم يشعر بالتأثر تجاهه كالسابق. فجأة دقت أجراس الجنازة لمشاعره وما عاد يشعر بشيء سوى الاشمئزاز والقرف. من جانب "عماد"، أسرع ليركض نحوه وكأنه طوق النجاة. ارمى أسفل قدمه وهو يقول ببكاء:

أبويا، انقذني يا أبويا، حن على ابنك، ابنك حبيبك اللي شايل اسمك. اشمأز "فايز" من توسله وهتف زاعقًا: ياريتك اتشليت قبل ما تشيل اسمي. انت وسخت اسمي، ما شيلتوش. الابن اللي يشيل اسم أبوه بيشيله على راسه مش بيمرغمه في التراب. لم يتفاجأ "عماد" من ردة فعله، لكنه لأجل حريته سيتقبل أي شيء. حاول الإمساك بيده ليقبلها وهو يقول: حقك عليا يا حاج، أوعدك هبقى تحت طوعك.

دفعه بقسوة بعصاه الخشبية في صدره. دفعة جعلته يرتَمي أرضًا ولم يشفق عليه. وأردف "فايز" بغضب شديد: انت عمرك ما عملت حسابي في حاجة، حتى وانت بتقتل ابني وبتقتل حفيده. لو مرة واحدة حطتني قدامك كنت رجعت لعقلك وقولت: أبويا ما يستاهلش مني كدا. لكن انت قطعت قلب أبوك ودست عليه وانت عمال تخلص على عيلته واحد ورا التاني. نهض "عماد" وحاول التقرب منه مسرعًا بالتوبة: اعمل فيا اللي انت عايزه، بس طلعني من هنا. نظر إليه مشمئزًا وتساءل:

وإيه هيصلحك غير هنا؟ صدقني لو وصلت لإعدام مش هطلعك. كفاية أكفي الناس شرك. أشهر إصبعه بوجهه وأردف محذرًا: وإوعي تلوم حد غير نفسك. دا كان اختيارك. ياما حاولت أصلحك، لكن انت عايز تبقى أعوج. أنهال عليه بعصاه في غضب أب كتمه لسنين، غضب كان لابد أن ينفجر ليثلج صدره المحروق من نار تصرفاته، ويثور على طغيانه حتى تخمد نيرانه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...